بعد تمحيص وتقلب، أعتقد أن هذا هو السؤال الوحيد الحقيقي الذي يطرحه “الاستقلال الثاني” (وهي التسمية الأوقع من “الربيع العربي” إذا ما أردنا أن نحافظ على نظرتنا الإيجابية إلى “الثورات”):
ما هو الطرح الحضاري الذي قدمه الاستقلال الأول، خلاف مفاهيم الهوية الجمعية المتخلفة (بالمعنى الحرفي للتخلف) والتي انعكست تصريفاتها “المقاوماتية” ثم الطائفية في صعود وتقدم إسرائيل بالوتيرة نفسها التي كان يتصاعد بها ويفرّع من محتواه خطاب تحرير فلسطين سواء في تصريفه “القومي” أو الطائفي الصريح؟
كيف كان لنا أن نتوقع مآلاً أفضل لسقوط “الطغيان” في غياب أي قيمة فاعلة – بمعنى عملية – قادرة على تحريك الناس ودفعهم على الإنتاج أو حتى الحياة (في مقابل المثاليات والأخلاقيات الدافعة، في حال صدقها، على الموت)؟
أن يتحول النظام السوري مساند المقاومة الإسلامية إلى هدف للجهاد، ويصبح من قال له عبد الناصر “إني أرى فيك شبابي” كاريكاتور طواغيت الأزمان السابقة، بل وتصبح “الرجعية العربية” بزيها هي قبلة التحرر “الثوري”… ربما لا غرابة في هذه المفارقات.
فإلى أي حد لعبت القضية الفلسطينية (وبشرط بقائها قضية) دور “شوف العصفورة”، ليس فقط من جانب نظم حكم تستغلها في البقاء بتأجيج مشاعر شعبوية مبذولة وتخوين المعارضين وإنما – بالأكثر – من جانب شعوب وطلائع، كما يتضح، تكتفي من الأخلاق بإعلان “موقف” مساند لخير أو عدل أو “حق” هي تعلم علم اليقين أنه غير قابل للتحقق؟
من الناحية الأخلاقية وفي سياق الاستقلال الثاني، هل في شعار “القدس لنا” أكثر من كذبة لا يجني مرددها من رفعها سوى لفت النظر إلى أنه كذاب؟ وهل لنا أن ننطلق من الاعتراف بذلك – وبكل ما علينا الاعتراف به – في اعتناق قيم أوسع وأنفع من الهوية حتى يجد من يقومون بثورات الاستقلال الثالث ما يستندون إليه في إعادة بناء هذه المجتمعات؟
السموات الخلابة. المثقلة بآفاقها. كأنها الخلفية الجاهزة للوحة تصور حقول “الميموزا”. والمقننة بالـ”فوتوشوب”. الزاحفة على زجاجة سدادتها جليد. بلا عمود فقري. سموات لـ”وليام ووردزورث” إثر رجوعه من “الباستيل”. وسموات “الحنجرة” القديمة. التاريخ تحت إبطها ورصيدها الائتماني لا يكفي فنجان قهوة على الشاطئ. سموات هي الأسقف الخلابة للشاطئ. والتي تغمض على درجات الرمادي تحت زوايا مثلثاتها المتفصدة بالبخار. والتي ليست زوايا. سموات تضع أفيونة تغيير العالم تحت لسانها ثم تنحني لليخوت. أقرب إلى البنفسجي من الأصفر. ورغم أنف زهرة الميموزا. السموات التي هي سلالم موسيقية للنظر. جعلت من الله عصفوراً (كما يقول “وديع سعادة”) ولم تدعه يزقزق للشعوب. السموات المنتهَكة. المؤثرة رغم ابتذالها. المبتهجة بالغيم. “ليه يا بنفسج بتبهج”. وتهدُّج “عبد الحليم حافظ” على الوطن والعيون السود. سموات الشِعر الرومانتيكي. رموشهم ليل. ولا مكان لـ”عبد الناصر”. الحالمة بتغيير العالم. التي تثقلها آفاقها. الأفيونة لا تفارق لسانها فيما الشعوب تنتظر الزقزقة. سموات الحرية. سموات المساواة. سموات الإخاء. التي حين تأتي الشمس تشيح بقسم من وجهها عن القمم الغائصة في الزبد فيفوح الصنوبر أخضر وقريباً من الأمواج. الدين للثورة المضادة والوطن للمصطافين. وسموات الأمواج أيضاً. المبحرة بلا شوارع. الباقية بعيداً. والزرقاء رغم أنفها. الزرقاء بلا دماء. الزرقاء بحق الاحتجاج السلمي. والزرقاء بالأبيض وأسود كذلك. الزرقاء بالليل
أنا بيتهيألي في الوضع اللي إحنا فيه، الواحد أحسن حاجة يعملها إنه ينسى إن فيه دستور بيتكتب – على أمل إنه بعد كده يقدر ينسى الكلام الفظيع المكتوب في الدستور – وده لإنه من يومين وحكاية الصحوة الإسلامية راجعة تراودني تاني. يعني الحرس الثوري الإيراني من ناحية والقاعدة من ناحية، مع ملحقات كل جهة منهم في المنطقة وفي العالم: أكبر مشروع صراع طائفي وانتحار وجداني في تاريخ الإنسانية؛ والحاجة اللي تضمن إن المسلمين يفضلوا متخلفين قرنين تلاتة كمان. اللي ما عدتش بألاقي صعوبة في إني أصدقه إن إحنا عملنا ثورة عشان نبقى طرف في المشروع ده، وعشان دستورنا يعكس مكاننا منه مش عشان يخلينا بنيآدمين في بلدنا. المؤسف مش إن ده الواقع، المؤسف إنه ما عادش عامللي أي صدمة.
الخلفاء الراشدين آه، وآل البيت والأئمة لأ. السلف الصالح آه، وأولياء الله الصالحين لأ… (المادة التاسعة من الفرح البلدي قصدي الدستور الجديد)
.
معليش في كلمة حازقاني في وسط الأخبار والتعليقات المتلاحقة: عمرنا ما حنخلص من تسييس الدين من غير ما نخلص من الدين.
الدين في زمن تاني أو مكان تاني أو بـ”فهمه الصحيح” ممكن يبقى حاجة كويسة، كلام جميل بس ما لوش أي تلاتة لازمة.
الدين هنا دلوقتي عبارة عن طائفية وقمع حريات وإنكار حقوق وعدوان وتعريص وسفالة. بس. ده اللي بيتغذى عليه الإسلام السياسي (والرأسمالية العالمية برضك، بالمناسبة يعني)، مش أي حاجة تانية. وده ما لوش أي مبرر أو تفسير غير إن الدين بيشجع عليه أو بيسمح بيه أو بيخلي اللي يعترض عليه وحش عشان بيعترض ع الدين.
كفاية بقى، كفاية بجد يعني…
.
على فكرة حضرتك كده ما دافعتش عن الرسول، إنت خليت منظره وحش ونفخت إخواتك في الإسلام زيادة عن ما هما منفوخين. وبعدين لما الرسول “سيد الخلق” أساساً – و”باعتراف الغرب” برضك يعني مش أي كلام – تفتكر هو ممكن يتأثر بالهجوم عليه أو يبقى محتاج واحد شبهك كده يدافع عنه؟
.
بعد الاستماع إلى “تعليق الشيخ وجدي غنيم على فيلم خنازير المهجر”، أنا كواحد من الناس لا أشعر إلا بتعاطف شديد مع صانعي الفيلم الذي لم أره وخوف شديد من أن يتمكن أمثال هؤلاء من أحد أو شيء في أي مكان أو تحت أي مسمى وغيظ شديد من أن هناك أي شيء على الإطلاق – الجنسية، أو الديانة – تربطني “بالشيخ وجدي”. فما بالك بشعور واحد مسيحي أو واحد من مجتمع حر؟ إذا كان هذا الخطاب يمثل المسلمين، فالمسلمون فعلاً يستحقون الإبادة. والعزاء من قلبي لمن ستقع على كاهله تكلفة إبادتهم.
.
من تصريحات المتظاهرين عند السفارة الأمريكية بيقول لك “دلوقتي إحنا حاسين إن الدولة إسلامية ففي ردود كتيرة والشعب أصلاً الحمد لله يرفض الإساءة للنبي عليه الصلاة والسلام” و”اللي نزلوا في الفن عشان إلهام شاهين، ما شفناهمش دلوقتي عشان نصرة النبي صلى الله عليه وسلم” و”كرامة الرسول من كرامتنا”…
ويُذكر في السياق نفسه إني لما ضربت صورة مسيئة لعبد الناصر يوم ٢٣ يوليو اللي فات كان فيه مظاهرة غضب عندي هنا ع الصفحة بس على صغير. وفيه ناس نطت فوق سور الصفحة وحرقت الكافر فوتو وعملتلي آنفريند أو عملت بلوك للعلاقات الدبلوماسية وكانت عايزة تعمل ديليت لصورة البروفايل اللي هي السفير، وفيه ناس أعقل فكّرتني بفضل الإصلاح الزراعي ومجانية التعليم على الأمة والخلق أجمعين.
.
وبغض النظر عن ضعف أو سفاهة فيلم بعينه (أو النوايا الوضيعة لرواية ناجحة على سبيل المثال)، وبغض النظر عن وجوب مبادرة المنتمين إلى الأديان والرموز والمقدسات بازدرائها والإساءة إليها بأنفسهم تجنباً لتحويل الموضوع إلى صراع طائفي أوسخ من أي شيء، تبقى حقيقة أن الإساءة والازدراء لكل ما هو ثابت ومتحجر وقمعي من علامات القوة والحرية والشجاعة… ليس العكس
.
ويوماً عن يوم، تزداد حدة المزايدة على التخلف… كما توقعنا تماماً. ويوماً عن يوم، تتحول “الثورة” التي بررت صعود الإخوان إلى حجة مثالية لممارسة التخلف نفسه بلا ضوابط، وشيطنة من يشير إلى التخلف ليقول إنه تخلف، وتوريط “الآخر” المتقدم في تسييد التخلف بعيداً عنه. الذي يبرر ما يحدث بأن عند “هذه الشعوب” حساسية دينية أعلى أو أن لهم “خصوصية” في طريقة تعاملهم مع المقدسات هو جزء من الكارثة الحضارية التي نعيشها وهو يساهم ربما أكثر من المتخلفين أنفسهم في الأوضاع المنحطة للشعوب المعنية.
وبعد صورة “ثور العروبة” التي نشرتها على جداري الخاص على “فيسبوك” بمناسبة الذكرى الستين لـ٢٣ يوليو، أحب أن أوضح أنها كانت مزحة تضمر رأياً أو موقفاً جاداً، وربما لم تدهشني ردود أفعال الأصدقاء الافتراضيين الحادة ممن أزعجهم “تطاولي” على “الرمز الوطني” بقدر ما أحزنني محتوى كلامهم والعواطف “الأخلاقية” المحافظة المبني عليها.
يدخل الواحد للتعليق على صورة استفزته وكأنه مرب يصحح لك مسارك الفكري أو حتى العقائدي، ويحدثك عن الديمقراطية وعدم احتكار الحقيقة بالمنطق الأبوي الشمولي نفسه الذي أورثنا إياه عبد الناصر ولا يبدو أن أكثرنا وعى أنه ورثه، فيشعرك ليس فقط بأنه هو الذي يحتكر الحقيقة وإنما أيضاً بأنك ابنه المارق الذي يستحق التأديب (مهما كانت حجته واهية ومعلوماته غير دقيقة).
الذي أدهشني في الحقيقة هو سوء تقدير مقصدي من وراء مثل هذه المشاكسات، وهو توسيع مجال الارتداد على المسلمات وإن كان في الفضاء الافتراضي وحده، في ظل استمرار مصادرة الفضاء المجتمعي (المواطني) من جانب القوة المادية والمعتقد الغيبي الأحادي المقنن.
فهل من لا يطيق “إهانة الزعيم” يحسب في نفسه القدرة على التصدي لأناس يدسترون ضد “التعرض إلى الذات الإلهية”؟ وهل يختلف في هذا الصدد النقد عن النقض أو “الإدانة”؟
لكن أكثر ما أحزنني – فضلاً عن وقاحة وغباء أناس لا أعرفهم قمت بحذفهم نهائياً – هو اكتشاف مدى التضارب والتناقض أحياناً في رؤية “الثورة” و”التاريخ” و”الصالح العام” وما تعنيه مثل هذه الكلمات لأشخاص يفترض أن خلفياتهم متشابهة، الأمر الذي أشعرني مجدداً بأنني فرد سائح في الفضاء بدلاً من طرف في معادلة إنسانية تسمح بوجودي بين أناس أعرف ما يمكنني أن أتوقعه منهم فأقول عن نفسي إنني مصري – مثلاً – أو كاتب، أو حتى “مع ثورة يناير” بضمير مستريح.
ومع الوضع في الاعتبار أن رؤية كل منا هي انطباعية بالضرورة لأن أحداً من المعنيين ليس مؤرخاً تصدى للموضوع المطروح بجهد ممنهج يتضمن بحثاً كافياً أو “قراءة تاريخية” لها أصول، يبدو لي أن الأجدى من كتابة مقال عن موضوع محسوم بالنسبة إلي هو الالتزام بفكرة أن هذا رأي شخصي.
بالتدريج وعبر قراءة تعليقات الأصدقاء، يتضح أن هناك فكرتين منفردتين في الدفاع عن نظام يوليو متمثلاً في عبد الناصر فضلاً عن الفكرة الآنية الخاصة بتمايز ذلك النظام عن الإخوان المسلمين وبالتالي اعتبار نقضه يصب في مصلحتهم (مع أنه يبدو لي أن إخفاقات نظام يوليو وشموليته وأنظمة تشبهه كالبعث بشقيه والقذافي في ليبيا هي التي أدت إلى سواد الإسلام السياسي).
الفكرة الأولى تدور حول قوة مفترضة (الكرامة، الريادة، القيادة) مدعومة بالإنجاز في المجال العام؛ وهو ما قد يتحدث عنه الستالينيون في البكاء على الاتحاد السوفييتي وما اتضح في الحالتين أن أكثره دعائي ومسرحي أو أن فوائده كانت حكراً على الطبقة الحاكمة ولا علاقة لها بمصلحة (حقوق وحريات) المواطن.
هذه الفكرة يمكنني احترامها مع أنها لا تهمني على الإطلاق.
أما الفكرة الثانية التي تهمني – والتي يتم التعبير عنها بطرق شتى بداية من مطالبة كاره عبد الناصر بالموضوعية والاعدال أو الكلام عن حب جموع الناس (الشعب) لشخص عبد الناصر، وليس انتهاء بتوجيه تهمة الجهل أو العمى “التاريخي” لمن يحيّد ذلك الحب أو ينكر جدوى الإنجازات ونتائجها – فهي باختصار أن هناك رمزاً ممثلاً لمنظومة قيمية يعتبر القدح فيه بمثابة القدح في تلك المنظومة على طريقة “رسوم الكاريكاتير المسيئة لرسولنا”. وفضلاً عن أن عبد الناصر لم يمثل في الحقيقة المبادئ المفترض أنه يمثلها وفضلاً عن أن بعض هذه المبادئ تستحق القدح، فإن هذا يبدو لي متطابقاً مع توجهات الإسلام السياسي.
هذه الفكرة لا أحترمها على الإطلاق.
وفيمذكرةالدفاع:
أي تقييم موضوعي بيقول إنه كان حيوان ومجنون سلطة وإن استبداده وغباءه سبب رئيسي للي إحنا فيه… وكل وجع القلب ده راجع لإن فيه ناس كانوا (أو لسه) بيعبدوه باعتباره رمز لأفكار أثبتت لا جدواها. أنا واحد م الناس ما عادش عندي أي تسامح مع النوع ده من التزييف وكراهية الذات
ما فيش أبيض وأسود، فيه طرف بيحتقر عبد الناصر مش كشخص لكن كرمز أو توجه أو قيمة. ده اللي أقرب للي بيعمله السلفي ولا حالة القداسة اللي ما بتسمحش باحتقار عبد الناصر؟ وهل ردود الأفعال الحادة دي نابعة من إحساس “ديمقراطي” ولا من إحساس مسلمين كتير أيام “الرسوم المسيئة” بتاعت الدانمارك؟ الناس مش قادرة تقبل “إهانة” لـ”زعيم” وإحنا بنتكلم في المدنية ومواجهة الحق الإلهي… وكإن ده ما كانش نفس خطاب تأييد صدام والقذافي وحتى حافظ الأسد، والباشمهندس بيقول لك ادعاء الحقيقة المطلقة… وهي ثقافة الصياعة دي مين اللي أسسلها؟ مين اللي خلى القانون شكله كده؟ الناس محتاجة تصلي لأمراضها، واللي يقول لهم يا جماعة دي أمراض يبقى كافر عادي. أو لو مش عايز يقول لك كافر يقول لك أصل إنت زي التانيين. خالتي نخبوية بتسلم عليك وبتقول لك الله يرحمك يا عبناصر
ممكن يكون الموضوع ده وازع شخصي عندي لوحدي، أنا فعلاً مش عارف. طبعا ما فيش شك إن يوليو كان نتيجة وضع سابق عليه. اللي فعلاً مش شايفه هو إيه وجه التفاهة في الارتداد عن مرحلة وسخة أو إزاي نقضها معناه إنك بتنكر أسباب حصولها – يعني هو التجاوز ازاي هيحصل من غير “إدانة”؟ – بالذات وإن المرحلة دي في حد ذاتها كمان كان ليها نتايج حاضرة في الوعي أكتر من غيرها. تكسير الأصنام ممكن يكون صورة تانية أو صنم بديل (يعني أكيد بيتضمن خطر التحول إلى ده) بس هو جانب جوهري من جوانب تطور الإنسان وثقافته وعلى قد ما أنا شايف جانب بقاله قرون مش بيحصل بقدر كافي أبداً عندنا…
ملاحظة هامة
من السمات الأصيلة لما يسمى بالديمقراطية حدة الآراء والحرية في التعبير عنها. من يعتقد أن الديمقراطية تعني التوافق أو التأدب فهو حبيس الشمولية. لا أقول إنني أتولى الأمر أو أبتدعه، لكن خطابات هذا المجتمع بحاجة إلى “تطرف” في بعض الاتجاهات ولن تؤدي بنا “الموضوعية” و”الاعتدال” و”الوسطية” إلا إلى مزيد مما نحن فيه. الذين يرفضون الإسلام السياسي بحدة (وأنا أولهم) الأحرى بهم أن يتخلصوا من مطلقاتهم هم، والذين لا يرون ارتباطاً بين الزعامة والفحولة والمثاليات الوطنية وبين انهيار المواطن وغياب الحقوق والحريات هم سبب رئيسي في الغياب والانهيار
مثلما تكون مقاسات البنطلونات الجاهزة واحدة في كل مكان وفق نظام أو اثنين للقياس، نعيش كمجتمعات في عالم معياري لديه شروط واحدة للجودة، وبالتالي شروط واحدة للانتاج والمعرفة وحتى للقيم الجمالية.
لا يعني هذا أنه لا توجد اختلافات مطلقا بين مجتمع وآخر، بل إن هذه الاختلافات لابد أن تصب في النهاية في الماكينة القياسية ذاتها.
يمكن مثلا دعم وتكريس ثقافة دينية أو عقيدة محلية في مجتمع، مثلما يفعل الأميركان في الدفاع عن اتباع الدلاي لاما، أو ابداء الاحترام الزائف للاسلام التقليدي والأصولي، ولكن بشرط التوقيع على اتفاقيات حماية الملكية الفكرية والجات وما شابهها، واعتبار النظام الرأسمالي حقيقة أعلى من الله نفسه.
مثال:
يمكنك بالطبع أن تفتح محل ترزي “شُكُك” على ناصية حارة، ولكنك ستكون وضعت نفسك في الحال على عتبة في هذا السلم القياسي، بناء عليه تتحدد مكانتك من العالم، كما تتحدد مكانة دكانة “ترزي”، من “ايف سان لورن” أو بوتيك “نرجس” من مجموعة “دبنهامز”. وهذا تقريبا موقع المجتمع المصري من المجتمعات “القياسية”. بل هكذا كان، وهو اليوم أقل بكثير.
يعني هذا أنك لا تستطيع في هذا العالم أن تعيش وفق صيغة محلية، ولا أن تقول: “نحن وهم”، الا بشكل مجازي لارضاء ذات جريحة، لها موقع متدن في السلم، لأن هذا يوفر لها الشعور الزائف بالندية، بينما هي منخرطة تماما داخل التركيبة الكبرى (هذا حال الاخوان مثلا).
وهناك حل آخر وهو أن تكرس أكثر طريقة “الترزي” المحلية، باعتبارها شكلا يكسر رتابة وملل الانتاج القياسي. وبالتالي تسوق نفسك لسكان أول درجة في السلم على أنك “شيء مختلف”،”حاجة اكزوتيك”، ولا يحدث هذا في بيع طاقية شبيكة أو سبحة أو مبخرة تمثل الاصالة من خان الخليلي فقط، بل يحدث أيضا على مستوى الافكار. فسكان الدور الأعلى يحتاجون من اجل كسر الملل، وتشتيت الانتباه، الى مخدة “هاند ميد”، كما يحتاجون بن لادن والاخوان المسلمين والريس متقال. انهم بالنسبة اليهم متحف مثير للتأسي والشجن، وهو في نفس الوقت دليل على تجاوزهم لهذه المراحل من الطفولة الانسانية، أعني أنه اشارة طبقية حاسمة ولذلك ليس لديهم مانع في الانفاق ببذخ من أجل ابقائهم.
ومن هذا الباب تأتي تهنئة الولايات المتحدة أخيرا بعد انتخابات المغرب، واستعدادها للتعاون مع الاخوان المسلمين: أي كمسخة حضارية. وهو ما يعني أن يدخلوا العالم القياسي لكن من الباب الخلفي كبائعين متجولين للحجاب وكتب الأدعية وتغيير العملة، وعطور الزيت الرخيصة، أو كفرجة خفيفة الدم لحيوان حضاري في قفص.
حيرة
هناك بالطبع مجتمعات حائرة، وهي حائرة لأنها في غيبوبة مَن صُفع من جهات متعددة، ففي رأسه طنين، وهو يسأل دائما:من أنا؟ رغم ان هذا السؤال لا صلة له بالصفعات التي تلقاها، بل هي تتصل بموقعه الذي هيأ صدغه لكل عابر. وهو ما يسمونه خطأ بأزمة الهوية.
والهوية رغم أنها بمعناها المستخدم الآن في النطاق العربي والاسلامي هي تعبير غربي حديث نسبيا أصلا، الا أن العرب والمسلمين لا يمانعون قط في تلقفها كنعمة، وكسؤال خاطئ، يساعدهم على استناج ما أرادوا أن يستنتجوه من قبل.. وهو أنهم مختلفون. بغض النظر عن مضمون هذا الاختلاف الذي يتطلب سنوات طويلة من البحث في كافة الأفكار والعقائد الانسانية لمقارنتها بهذا “المختلف” وبيان نوع اختلافه، ومدى ايجابية هذا الاختلاف. ذلك لأن الاختلاف لا يضمن بذاته أنك على حق ولا يقول لك ماذا عليك أن تفعل باختلافك، ولكنه يتجاوب مع حاجة نفسية في التميز الأعمى تمر به كل طفولة.
لا تعود الحيرة الحقيقية لهذه المجتمعات في مشكلة الهوية رغم أنها تصرخ بعنف في آذاننا “لابد ندافع عن هويتنا.. ان هويتنا تتعرض لهجمة شرسة”، وذلك لعدة أسباب:
أولا: أن المجتمعات التي تروج فيها هذه الدعوات وتلقى اقبالا شعبيا بالذات، هي مجتمعات فشلت فشلا ذريعا في أن تكون “قياسية” قادرة على انتاج ادوات وسلع ومعارف قابلة للرواج، تضعها على درجة المبادلة الندية.
يتصور أبناء هذه المجتمعات بقشور المعارف التي حصلوها في مدارس وجامعات منحطة ومتخلفة الى أبعد حد، أن بمستطاعهم الحكم على الأشياء، لكنهم لا يستطيعون انتاج شيء الا الاحكام. لا قدرة على البحث أو التحليل ولا حتى على القراءة نفسها، ناهيك عن القراءة المدققة.
والنخبة الثقافية والدينية والسياسية تواطأت على هذه المجتمعات لتقول لها: أنتم أصحاب حضارة.. أنتم كنتم وكنتم، وما عليكم الا الرجوع الى الخلف حتى تعيدوا مجدكم. وما ان يعودوا حتى يصيروا مسخة حقا. يفقدون تماما أدوات القياس لعصرهم، ولتطور المعارف والعلاقات الانسانية التي تراكمت فيه. لكن هذا الاختزال للمشكلة يفيدهم كثيرا لأنه لايبرر لهم جهلهم فقط، بل يجعل من الجهل معرفة قائمة بذاتها، بمجرد تغيير اسمه الى: الأصالة.
فما عليك الا أن تقرأ الأربعين النووية، أو تحضر خطبة مع الاخوة في “عصر الاسلام” حتى يكون بامكانك أن تدير جماعة صغيرة تصبح أميرا عليها. ويمكنك أن تخرج في مظاهرة لتشتم أميركا واسرائيل، وتطلب فتح باب الجهاد مع أنه ليس للجهاد باب، وهو ليس عرضة للاكتتاب العام كما أيام الخلافة الأولى، ويمكنك أن تدافع عن مسلمي كوسوفو، مع الجهل التام بأنهم ربما يعيشون وفق قيم غربية، أو تأييدا لمجاهدي أفغانستان الذين مزق بعضهم بعضا بمجرد الوصول الى الحكم وأهم ما فعلوه كان تحطيم الأصنام كأنهم في فيلم تسجيلي عن الجاهليىة الأولى.
ثانيا: أن الهوية فكرة كالسراب، ورغم أن السؤال عنها هدفه ايجاد خيط جامع، الا أنها لا تلبث أن تتحول الى “شلة” صوف منداة، لا تعرف من اين تبدأ.
الهوية الاسلامية، هل تعني السنية فقط؟ والسنية هل يمثلها السلفيون أو الاخوان أم الصوفية، أم المسلم التقليدي غير المتحزب؟ هي اسلام عمر وأبي بكر، أم اسلام الأمين والمأمون؟ أم اسلام الملك فاروق الذي أراد الاخوان الضحك عليه وتنصيبه “خلفة للمسلمين”؟.
وهل هوية مصر اسلامية أم مسيحية أم فرعونية، عربية أم افريقية أم بحر متوسطية،
الهوية كفكرة عن الماضي حفرة، والباحث عنها يتعثر فيها فيبدو كمن يتحرك، وهو لم ولن يتحرك، انه مثل “عم أيوب” في مسرحية “الجوكر” يمشي داخل “الجزمة الأول..”، والى الأبد.
ثالثا: تجعل الهوية مشكلة المجتمع وكأنها مشكلة أخلاقية، وأسوأ تصور زائف عن مجتمع هو أن تجعله في صورة شخص يجلس أمام مرآة ويسأل من أنا، لأن كلمة مجتمع هي مجرد صيغة لأشكال انسانية بالغة التنوع متضاربة المصالح أحيانا. وهو ما يجعل “الهوية” شعار فضفاض، ملاءة تختبئ تحتها الاختلافات الفعلية، ناهيك عن أنها تمنعك من ابصار وحل هذا التضارب.
رابعا: يتذرع أنصار “الهوية هي الحل” بمواجهة لهويات نجحت في تعبئة ذاتها، ناسين أن الهوية كانت وسيلة دعاية وتعبئة فقط، تتجاوزها المجتمعات الرأسمالية حالما تتضارب مع هذا المنطق أي المنطق الرأسمالي. وان منطق الدولة من أجل تعبئة كل القوى البشرية في المجتمع، وضع فكرة الهوية بين اصبعين، اصبع التلاعب السياسي بها، واصبع يحجمها في صورة ثقافة شعبية اختيارية، لمجتمع يضع هذه الثقافة خارج أبواب البرلمان، والشركة والجامعة. وليس لديه مانع أن تكون احتفالا فقط بالمزازيك في الشوارع.
ليس لدوى فكرة “الهوية هي الحل”، وهذا هو المنطلق الفعلي الخفي لفكرة “الاسلام هو الحل”، أن تفعل في مجتمع غائب عن الواقع الا أن تزيده غيبوبة، معطلة كل وسائله في البحث عن أسبابها. انها عمى وليست بصيرة.
المجتمع الصايع
تحت بيتنا مباشرة كان دكان لتصليح الأحذية يملكه خواجا، ثم حلت مكانه ورشة لصناعة مكملات الأقباس الكهربائية، انقسمت الورشة لخلاف بين أصحابها الثلاثة، ثم أغلقت وفتح مكانها محل نجار، لكنه كان فاشلا تراكمت عليه الديون، فاشتراه نجار آخر لا يقل عنه رداءة. هذه القصة عادية جدا، يفشل الخياط فيتحول الى بوتيك، يحتفظ على طاولة صغيرة بكتالوجات أزياء قديمة، ويفشل البوتيك فيقرر أن يحوله الى سنتر كومبيوتر، وتتكاثر ال”سنترات” فيحوله الى مكتب اتصالات، ثم الى محل لبيع الموبايلات.
هذه مسألة لا تتصل بالتطور، بل في الفشل في ملاحقته، وهي أخطر من ذلك تعني انعدام وجود أي خبرة مهنية متراكمة، ومعها اقتصاد “انت مسؤول عن نفسك”، الذي يعني ببساطة اقتصاد فردي اجتهادي، تفوته الخبرة المعقدة والمركبة لاقتصاد عالمي يحتل هو موقعا فيه كموقع الذبابة من خيط عنكبوت هائل لا يرى أوله ولا آخره، بل يبتعله ويرمي عظامه كنفاية.
لايهتم هذا الاقتصاد بأي تعليم ولذلك انتشرت من أكثر من 20 عاما دعوى حكومية واعلامية، سرعان ما أمّن عليها الناس بغباء، أن على الشاب ألا يتقيد بالشهادة، تقول الام “يا ابني اتلحلح..” و”اتحلح” هذه تعني ضياع كل جهوده على مدار 16 عاما من التحصيل المفترض ليقوم بتصبيع الكفتة، أو يهتف من نافذة الميكروباس “بولاق بولاق بولاق”. كأن هذه الشهادة ليست حصيلة تعليم أنفقت عليه الدولة والأسر من أجل تنمية مهارة أو خبرة معينة، واعتبر المجتمع المصري ذلك بأريحيته المعهودة، شطارة وفهلوة. لأن “الايد البطالة نجسة” لكن اليد التي تسرق وتنهب ليست بطالة طبعا، والله يغفر للجميع.
بنفس الطريقة المضطربة، تغير اقتصاد البلد، ليصبح في يد طغمة احتكارية لا تنتج ولكن تبيع، وتُسمسِر في البيع، محروسة بالفساد الاداري والقوة العسكرية وجماعات البلطجة. وهذا كان يعني:
أولا: عدم الاهتمام بتعبئة المجتمع في صيغة عقلانية منظمة من أجل انتاج منظم، لأنه غير مطلوب أصلا.
ثانيا: مطلوب على العكس تغييب هذا المجتمع باشعاره أولا أن المسؤولية الاقتصادية تقع على كاهل كل فرد فيه على حدة، وباغراقه في صيغ جماعية ثقافية لا تهش ولا تنش وليس لها أي أثر على احتكارات نخبته، وسلطتها المزدوجة المدعومة بالجهل. وهل هناك أهم من الجماعات الدينية في القيام بذلك.
من المعلوم أن الاخوان حتى حينما شكلوا كتلة سياسية في مجلس الشعب، لم يقفوا أمام الخصخصة، فاسلامهم يحب الفهلوة والشطارة، ولم يدافعوا عن آلاف الأسر المشردة، بل كانوا يتذكرونهم في الانتخابات بأكياس اللحم أو الحلوى. ولم يقدموا أي مشروع بديل لاعادة هيكلة الاقتصاد بشكل واضح يؤمن للمجتمع دورا في التبادل العالمي العادل، ولأفراده صيغة كريمة في العيش، فالآخرة خير وأبقى. والله خلق الناس درجات.
ثالثا: تسفيه الأسلوب العقلاني المنظم، خاصة في الحوار اليومي والنقاش السياسي والفكري وحتى الديني، وهو ما ساهم فيه المثقفون أنفسهم، بدعوى البساطة ومضاهاة الخطاب الشعبي، و”خليك عادي”، وغلبة لغة المصاطب و”الشلت”.
وربما لم تشهد مصر قبل عهد مبارك هذا المستوى السفيه من الحوار والخطاب السياسي بالذات الذي جر معه كل الخطابات الأخرى. فالانفراد الكامل والآمن بالسلطة والمال معا، جعل النخبة المصرية في غير حاجة الى أي تبرير وبالتالي ظهر الوزراء الذين يضربون بالشلاليت، والذين يحلفون برحمة أمهاتهم، وظهر رئيس الجمهورية كزعيم للبلاطجة لا يهمه حتى أن يكون كلامه مفهوما.
ثالثا: تكريس الفصل المقصود بين السياسة والاقتصاد، بما يحول القضايا السياسية الى قضايا أخلاقية وليست قضايا مصالح، وهو ما يوقع الناس في الازدواج بين ولائهم الفعلي “غير المرئي” لاقتصاد عالمي هو المحرك الأساسي للسياسات، وبين العداء السياسي للدول التي تحرك هذا الاقتصاد على أساس اختلاف عقائدي ليس هو موضوع النزاع أصلا، ومن ثم يعيشون وفق استعارات سياسية لا واقع لها، فيهتف الاخواني ضد اسرائيل “خيبر خيبر يا يهود.. الاسلام راح يعود” في مسخرة تاريخية تصلح أن تكون عبرة.
وتصبح مشكلة السياسة مشكلة أخلاقية، يسأل كل واحد نفسه عنها، كأنه هو الدولة “احنا مشكلتنا اننا..” وكأن الدولة ليست كيانا مركبا معقدا يحتاج لآلاف الخبرات التي تطرح هذه السؤال وتجيب عنه، لا أن يتحمله ويجيب عنه شخص يجلس على مقهى ويسحب نفس السيجارة ويقول لك “تعرف لو احنا..”.. وهو لا يعرف الى من بالضبط تشير كلمة “احنا” هذه. ولاكم يمكن أن يؤلف عنها من كتب!
رابعا: أكثر الظواهر لفتا للانتباه هي اللغة نفسها، “فحت.. فشيخ” وأخاواتهما، ليست مجرد مفردات بل تعبير عن كلمات لا يهم أن تؤدي معنى محددا، وأحيانا يكون المعنى الأصلي مستوفى في كلمة أخرى معروفة ويمكن استخدامها، لكن استخدام كلمة مجهولة لتقول نفس معناها لا يعني رغبة في التواصل والافهام، بل رغبة شلة أوجماعة في شيء يميزها، دون أن يكون لازما لها في الوقت نفسه. ولا مضيفا لخبرة مختلفة، ولا مركما على لغة تتطور، بل تمزق خيوط معانيها ومفرداتها كمن يمزق عفش بيته، ثم ينام على الأرض مع برودة الصمت. لأنه عاجز عن التعبير عن أي شيء خاص فعلا.
أهم ما كنت تتعلمه حين تنضم الى جماعة دينية هو أن تلوي حنكك بـ”ان شاء الله الأخ فلان، ويا أخي اني أحبك في الله، وسبحان الله وماشاء الله” الاختلاف هو الاهم، هو ما يرسم الصيغة لجماعة وهمية تتوحد في لغة كلغة أهل الحرف والصنايع، هي بطاقة الانتساب. مثلها تماما مثل “اخبارك يا مان..”، ليتخلق مجتمع يتواجد على أرض كلمات توحده وهميا، لكنها تبقي على حقيقة اختلافه أسيرة الغموض. ولهذا يشعر الناس فجأة باختناق غير مفهوم. ويمرون بلحظات اكتئاب غامضة، لأنهم يشعرون ضمنيا بأنهم صنعوا قناعا لشخصايتهم غير قادرين في الوقت نفسه على انتزاعه الا بانتزاع وجوههم نفسها.. لقد صاروا مسوخا.
الله يحل المشكلة
يتدخل الله هنا على هيئة معجزة، فمن يعرف الله؟ لا أنا ولا أنت، لكن يمكننا الحديث باسمه دائما وبجرأة تفوق جرأة الأنبياء.. الله كلمة مخيفة لأنها واسعة وبلا حدود، من ثم يمكن لكل منا أن يرفعها في وجه الآخر حين يريد له أن يصمت، وترفعها الجماعة المقهورة في وجه السلطة كأسلوب ناجح في المنازعة السياسية، كلمة تقول كل شيء، والكلمات التي تقول كل شيء لا تقول شيئا على الاطلاق، خاصة اذا ظللت حريصا وبمكر على عموميتها، لذلك تخرج دائما بزعيق وصراخ أو بنهنهة وبكاء مسعور. لتلقي في روعك بعقدة ذنب مبهمة من شيء لا تفهمه. ولكنك تستجيب تلقائيا لنداء الغريزة المنحطة في الخوف من المجهول.
في كل حضارة متطورة حتى لو كانت دينية، كانت هناك محاولة لاشتقاق العالم والانسان وعلاقاته من فكرة “الله”، ولم يكن ما سمي بعلوم الدين والتفاسير وعلم الأصول “التوحيد”، و”أصول الفقه” وغيرها والاجتهاد الدائم فيها، الا مضاهاة لعلم عام يربط الأصل بموضوعه، الفكرة بالحياة التجريبية، بغض النظر عن دقة البحث في الاثنين. لكن هذا أنتج قدرا هائلا من المؤلفات والصيغ الثقافية.
لم تفعل الحركات الأصولية ذلك، ولم تكتف فقط بهذا الميراث بل اختزلته الى رؤوس أقلام كارشادات المدارس مضيعة روحه الأصلية.
هكذا صار هناك انفصال كبير.. الله في ناحية.. والحياة المتطورة في أخرى، ولا يستطيع أحدهما أن يتصل بالآخر, وهو ما يربي عقدة ذنب يلعب عليها الأصولي فيصرخ في أذنك “عد الى الله” فتبكي. لأن “الله” على طريقته لا يفسر لك لماذا أنت مضطر الى نفاق رؤسائك، ولا لماذا لا تجد عملا، مع انك حاصل على شهادة، ولا لماذا لم تتمكن من اختراع ساعة تؤذن عند مواقيت الصلاة، بينما صنعها أبناء بوذا وكونفوشيوس، واذا كان هذا يمكن تشخيصه عند أطباء الدين بأن لديك ضعف ايمان، فهل الكافر مؤمن؟ واذا كان ايمان الكافر يجعله أكثر التزاما بافكاره ومبادئه فما الفرق بينه وبين الايمان وما قيمته؟ هنا يصرخ فيك مجددا: انت ح تكفر واللا ايه؟!
لا يحل الله المشكله، بل يتحول الهتاف باسمه الى سنجة أو سكين تشبه سكين الصايع التي يتباهى بها مهددا أبناء “الجيهة”. ويا لها من سنجة!
المجتمع الصايع مجددا
من هو الصايع، لا أقصد الدلالة القاموسية، بل ما يفهمه الناس منها؟ لأنها لو قيلت في فيلم لحسين رياض فستعني النبذ والتشرد والاحتقار والخروج الكامل من الهيئة الاجتماعية، لكننا كنا نرددها منذ الثمانينات “يا صايع” بعيون تلمع بالاعجاب، أما في أفلام مخرجي السبعينات ومن تلاهم من هوامش اليسار ودوائر الثقافة النخبوية، فصنعوا منه ايقونة. كانوا حمقى بكل تأكيد، بل برجوازيين أيضا يساومون السلطة على ادراكهم لحقيقة البسطاء، ويشعرون بالنبل نفسه الذي يضفونه على شخصياتهم، وهو ما يدعم برجوازيتهم بدرع واق قوي. كان الصايع في الحقيقة بائسا ومجرما ولايحتمل البطولة التي تلقي عليه مسؤولية أكبر من حدود معرفته المضطربة، كان كتلة من المتناقضات التي تنتهي عادة نهاية مأساوية أو اجرامية. وأحيانا ينزوي عند كبر السن ضعيفا منسيا.
لا نبل أبدا بلا معرفة، ولذلك كان نبل الصايع، اذا كان نبيلا، نابعا من تبنيه مبادئ اجتماعية ملتبسة يخونها المجتمع نفسه، وهي نفسها كمبادئ أخلاقية تبدو وكأنه مطلقة لا تفسر له لماذا تتم خيانتها الا اذا كان العالم، مقسوما بين ملائكة وشياطين، ولا تقول له أنها هي نفسها “أي المبادئ” مشكلة. ولذلك لا يطور صايع الأفلام معرفة جديدة، لا به ولا بالمجتمع، انه مثل أحمد عدوية، يظل مشغولا بالناس اللي فوق واللي تحت، يمدح أم عبده، ويهاجم ابن البرجوازي دون أن يرى الأرض الواحدة التي يقفان عليها، لذا يأتي صوته حتى في عز السعادة مجروحا، كما لو بأثر ضربة مطواة، أو بركلة اهانة قديمة يصعب نسيانها.
الصياعة والسلطة والمعرفة الشائعة البدائية قدر دائر وأقنعة تتبدل على أبناء مجتمع صايع، فشل في تحويل خبرته الى معرفة تطور بدورها هذه الخبرة، وفشل في ايجاد لغة للحوار بين أبنائه، ناهيك عن الحوار مع الآخر (وكم هي كلمة كم يتم ابتذالها!)، وفشل في ايجاد لغة لفهم قانون الاشياء، فشل في الانتماء لمهنة أو لصيغة في الحياة، فهو صايع، مضطرب الولاء، يصرخ في المظاهرة أمام الرصاص، ويبع صوته بكيس أرز أمام لجنة الانتخاب.
الدولة الصايعة
أيام عبد الناصر كانت الدولة (الممثلة فيه طبعا) تتعامل معاملة البلطجي: ح نرمي اسرائيل في البحر، تماما كما يكشر الصايع عن انيابه: ح أعورك.
ولم يكن هذا يمنع من تحولها الى دولة “..هوه اللي ضربني”، كما أمكنها بسهولة أن تصبح دولة “الصلح خير”. ومع عهد مبارك حيث انكشف تماما اقتصاد البلاد والعباد
أقر الصايع داخل النظام العالمي بأنه مجرد صايع، يمكن استئجاره لتخليص خناقة هنا، أو افتعال أخرى هناك. لعبت الدولة كعميل وهو تعبير مهذب، لأنه عميل صايع بلا عقل، يحصل فقط على يوميته التي يوزعها على عصابة الأربعين. لم يجد مبارك في ذلك أي غضاضة، لا هو ولا أبناء النخبة السياسية والاقتصادية التي رافقت تاريخه، ولهذا كان من مصلحتهم افشال أي روح عقلانية متمثلة في قانون أو نظام، كانوا يؤكدون بالفعل والممارسة ويسربون احساسا بالقوة البدائية لحياة الصيع، ولفنون الصيع، التي هي فنون الفرح والحزن الصاخب لشخص عائد من خناقة، للداعية المخنث، للمطاعم المقامة على نواصي الشوارع حيث ترقد بجوارهم صناديق القمامة، وسياراتهم أيضا، للراقصات السمينات الأقرب الى المومسات، للثقل البدائي للجنس باعتباره مادة توزن.
دولة الصيع، التي هي دولة الوكيل المعتمد لتصدير المخبرين، وصناع الدسائس، يدافع عنها العالم الرأسمالي كله الآن، واتباعه في الدول العربية، لكي تستمر مع قليل من الأصباغ العقائدية: دولة صيع لمجتمع صايع.
محمّد حسنين هيكل والذين يتأثّرون به يريدون ثورات تقوم بها شعوب. حسناً، هذه ثورات قامت وتقوم بها شعوب. وهو أيضاً، ومعه من معه، يريدون لهذه الشعوب أن تنتصر وأن تنتصر بها الثورات. وهذا مطلب استطاعت بعض الشعوب أن تخدمهم فيه، على ما حصل في تونس ومصر، لكنّ شعوباً أخرى فعلت وتفعل كلّ ما تستطيع وقد لا تنجح في أن تلبّي لهم رغباتهم. ما العمل في بلدان كليبيا وسوريّة واليمن؟
بمعنى آخر، ماذا إذا ثارت الشعوب ولم تستطع بذاتها أن تحقّق الانتصار الصافي صفاء اللبن الأبيض كما يتمنّون؟
الجواب المتوافر لديهم: يجب ألاّ يحدث تدخّل أجنبيّ. حسناً. لكنْ ما الذي يجب أن يحدث في حال العجز عن حسم الصراع مع النظام؟
الجواب الوحيد المضمر الذي يمكن تقديره: التراجع عن الثورة أو الانسحاب منها وترك الفرصة للنظام كي يفتك بالشعب. وهذا، كما نعلم، من شيم الأنظمة المعنيّة.
هذا كلام واقفٌ على رأسه تغيب عن أصحابه (؟) معلومات مدرسيّة بسيطة من نوع أنّ صدّام حسين حكم العراق، نائباً للرئيس ثمّ رئيساً، من 1968 حتّى 2003، وأنّ القذّافي حكم ليبيا من 1969 حتّى 2011، فيما حكم حزب البعث سوريّة منذ 1963، وبعد سبع سنوات بدأ آل الأسد حكمهم المديد.
شعوب هذه البلدان لم تقف مكتوفة الأيدي في هذه الغضون. حاولت ولم يُكتب لها النجاح، ولا تزال تحاول بنجاح متفاوت. الانتفاضات والتمرّدات تلاحقت وسُحقت في معظم البلدان. في ليبيا، جاءت التجربة الأخيرة التي لا تزال طريّة، بليغة الدلالة: القذّافي كاد يطحن الثورة وأهلها ويقضي تماماً عليها وعليهم إلى أن كان تدخّل الناتو. أرقام الضحايا في سوريّة تتزايد نوعيّاً، والشيء نفسه يصحّ في اليمن.
مشكلة هذه الطريقة في التفكير التي لا تريد أن ترى هذا كلّه تنقسم ثلاثة أجزاء:
الأوّل، أنّ أصحابها يحبّون الاستراتيجيا والجيوبوليتيك وحساباتهما أكثر ممّا يحبّون الشعوب وحرّيّاتها وخياراتها. مرّة أخرى نحن أمام صياغة أخرى للنظريّة السوريّة الشهيرة في تجميع «الأوراق».
الثاني، أنّهم يكرهون أميركا أكثر ممّا يحبّون الشعوب. نعم، يمكن الخلاف مع أميركا في فلسطين والاتّفاق معها في ليبيا… اللهمّ إلاّ إذا كنّا حيال نزاع مطلق شامل يشبه النظرة الدينيّة إلى العالم ويستوحيها.
الثالث، أنّهم غير معنيّين إطلاقاً بتركيب مجتمعاتهم وقدراتها. هناك، في رأيهم، مجرّد «بيادق» على «رقعة شطرنج»، وهناك مؤامرات تهبّ علينا من كلّ حدب وصوب. لا الثقافة السائدة مهمّة. لا العصبيّات. لا تاريخ العلاقات والنزاعات الدينيّة والطائفيّة والإثنيّة. لا الأحقاد التي فاقمها الكبت والقمع… هذا كلّه اختراع مستشرقين يقف على رأسهم «الجنرال» برنارد لويس!
ينجم عن ذلك تفكير بائس يطرح الكثير من الأسئلة التي لا إجابات عنها… لكنّه لا يطرح أيّ سؤال واحد على النفس يكون موضوعه المسؤوليّة بما فيها شقّها الأخلاقيّ!
لهذا ليس من المبالغة القول إنّ مؤيّدي الثورات بشروط تعجيزيّة (انتصروا وإلاّ…)، هابطة من الفضاء على الأرض، حلفاء للأنظمة التي تشاركهم الانتماء إلى منظومة واحدة في الفكر والسلوك وإلى الحقبة البائدة إيّاها.
هذا وصفُ غريب نأى عن وطنٍ بُني بالماء والطين، وبَعُد عن ألأّف له عهدهم الخشونة واللين. ولعله عاقرهم الكأس بين الغُدران والرياض، واجتلى بعينه محاسن الحَدَق المراض. ثم إن كان عاقبة ذلك كله إلى الذهاب والانقراض، فأين أنت من قريب قد طالت غربته في وطنه، وقلّ حظه ونصيبه من حبيبه وسكنه؟ وأين أنت من غريب لاسبيل له إلى الأوطان، ولا طاقة به على الاستيطان… لا يتمنى إلا على بعض بني جنسه، حتى يفضي إليه بكامنات نفسه، ويتعلّل برؤية طلعته، ويتذكر لمشاهدته قديم لوعته، فينثر الدموع على صحن خده… – أبو حيان التوحيدي
الأهم فالمهم. أمر عادي ربما أن تشعر بالغربة حيث تعيش، أن تلح عليك المغادرة طلباً في “وطن” مفارق. غير العادي أن لا يَنتج هذا الشعور عن خيبة أمل في حياتك أنت، في الدائرة التي تشغلها، بل عن إدراك – مفاجئ بالضرورة – للا جدوى انتمائك إلى جماعة بشرية يُفترض أن تعطي حياتك معنى. للضجر صبغة حين ترى الأكاذيب والعبث، ووجودك وسط العبث والأكاذيب يجعلها صبغة مضجرة. صحيح أن الغربة تحدث إثر تحول في الشأن العام، لكنْ صحيحٌ أيضاً أن التحول لا يصنع غربة بغير وعي خاص ويومي بفحواه يكشف تواطؤك مع نتائجه السلبية. لحظة نادرة وشخصية ولا علاقة لها بالمعارك: أن تصبح أنت بزيك تجسداً للوطن المهزوم. لم تعد وحدك كما كان الحال من قبل، ولا هزيمة الوطن معزولة عنك كما هُيئ لك سنوات. لعلك لست إنساناً أصلاً، لست جزء من شعب يستحق أن يكون له وطن؛ على الأقل ليس كما يجب أو تريد. وفي إدراك لا جدواك منتمياً، يتراءى الدافع إلى إعادة صياغة الواقع بالكلام أو، على حد روبيرتو بولانيو، “الكتابة بدلاً من الانتظار”. بلا إعادة صياغة للواقع، حتى المغادرة، الهجرة نفسها لا ترحم من الانتظار. في الغربة: الكتابة بدل الانتظار. والحب أيضاً، العشق طلباً لوطن منمنم يسكنه شعب “ملّاكي” لا يعذبك الانتماء إليه؛ شرط أن تكون – عكس البطاركة القبليين – مستعداً لأن لا تسوق وحدك، لأن تغادر موقع “القائد الضرورة” متى اقتضت الحاجة وأن تعطي قدر ما تأخذ من أسباب الفرح بالحياة… لكن هذه، في النهاية، تفريعة ثانية.
وكما سيرد أو يدلل عليه في هذه الرسالة اللاحقة على “كتاب الطغرى”، والمؤرخة أكتوبر ٢٠١١:
عاش قريني مصطفى نايف الشوربجي لحظة إدراك لا جدوى انتمائه على الورق سنة ٢٠٠٧؛ لكنه كان يعيشها في رأسي، أو أنا أعيشها، طوال النصف الثاني من العقد الأول بعد ألفية الميلاد المجيد. بين أول ٢٠٠٥ وآخِر ٢٠١٠، كنتُ أعيشها؛ وكان اختراع قرين في ذاته جانباً من عيشها حتى وأنا لم أنتبه بعد إلى مدى اتصالها بما يحدث في الشأن العام ولا إلى أن ما يحدث في الشأن العام قد يكون تَحوُّلاً. سنة ٢٠٠٥، فجأة، عدتُ إلى الكتابة بالعربية إثر أولى زياراتي لبيروت، والتي تزامنت مع “ثورة الأرز” في عز انتصارها: انسحاب القوات السورية أخيراً من لبنان… وفيما بدا أنه تصالح كاتب “ما بعد تسعيني” مع فكرة إدراج الأمور السياسية في الأدب – فعند التسعينيين أن “الأيديولوجيا”، عملياً، حرام – كان التحول باتجاه البلوتقراطية البذيئة لحكم “جمال مبارك” قد بدأ يظهر عبر صياغة الواقع عن طريق مقارنة بيروت بالقاهرة في سياق أدبي كما في الواقع. (بالبلوتقراطية أقصد: حكم الأغنياء؛ وبذاءتها في عهد “لجنة سياسات” الحزب الوطني راجعة إلى أنهم أغنياء حروب لم تقم، ورثة الاشتراكية والقومية من “فهلوية” الجشع والسلام المحوَّطين لهم عقود بِرياء “فلاحي” مُقيّئ لعله أقنعهم أنهم يتفضلون على الوطن فعلاً أو أنهم، في مجلسهم، فعلاً يمثّلون الشعب. كانت بلوتقراطيتهم، على طرف النقيض من نموذج الليبرالية الرأسمالية الذي يدّعون التطلع إليه، تعتمد على دولة الطوارئ القائمة منذ زعم عبد الناصر أنه سيحرّر فلسطين ويجابه الاستعمار ويوحّد الأقطار العربية.) أذكر أن أكثر ما كان ينفرني في القاهرة بينما أكتشف بيروت ثم تونس عبر الكتابة عنهما هو سفالة الإنسان الفرد والتي اتخذت من التوريث وكذبة “النمو الاقتصادي في ظل الاستقرار” – الكسب غير المشروع على نحو مقنن، شرط الثبات وتجنّب المخاطرة – اتخذت منهما أماثل للنشاط الإنساني حتى في الإسلام السياسي (حيث تحول التيار “الجهادي” إجمالاً إلى تيار “سلفي” أقبح)، والحقيقة التي لا تُذكر أنه لا محتوى للخطاب ولا إنتاج؛ حتى لو وُجد عمل، وهو أمر نادر، لا مقاييس للجودة أو ضمير. لا إنتاج.
وسعياً إلى استشراف مخرج، كانت قد اكتملت الطغرى. كان لابد من حدوث شيء، لكن ربما – مثل ثورة الأرز – كان لابد أن يكون، في التحليل الأخير، بلا جدوى. أواخر ٢٠١٠، قبل الأحداث مباشرة، قال لي صديق شاعر إن الثقافة العربية “عَرَض” أكثر منها حقيقة، يقصد الثقافة بمعى الفن والأدب إلخ، وأوصلنا الأخذ والرد إلى أن الموجود في المجالات كلها فضلاً عن مجالنا نحن، حيث يفترض أن يكون هناك أفراد يبحثون عن حقيقة (أخلاقية أو اجتماعية أو سياسية أو حتى مهنية)، بأوسع وأبسط معاني البحث عن الحقيقة، أوصلنا الحديث إلى أن الموجود هو “جماعة صِيّع”، أو “شلّة واقفة على الناصية واللي معانا يتكلم زينا”. الآن فقط يذكرني حديثنا بما كنا نتندر به أنا وراشد جلال السيوطي قبل أن يهاجر، من أن الحياة في مصر عبارة عن أوضاع ومناظر… وهو التعبير الذي تمدد معناه وتكاثر منذ ابتدعناه سخرية من عنوان كتاب رأيناه صدفة على أحد أرصفة “باب الدنيا” كما يسمي مصطفى وسط البلد: “شخصيات ومواقف”. منذ ١١ فبراير وأنا أتابع، فضلاً عن العبث واللغط والكذب، ردود أفعال “النخب” حيال الأحداث ومبرراتها المفترضة: الآراء والرؤى. أظن أنني وصديقَي، بينما لم نكن على حق حين لم نتوقع أن يحدث شيء في المستقبل المنظور، كنا على حق تماماً في تصورنا غير المعلن عن ما يمكن أن يفضي إليه شيء حدث.
حين تقول الانتفاضة السوريّة إنّها تمتلك المنصّة الأخلاقيّة في صراعها مع النظام، فإنّها تذهب أبعد من تعيين الفارق بين القتيل والقاتل، أو الضحيّة والجلاّد.
ذاك أنّ بُعداً آخر أخلاقيّاً جدّاً يقيم في هذه المساجلة هو رفض الكذب.
والحال أنّ النظام السوريّ بزّ في الكذب سواه من الأنظمة، حتّى عُدّ صاحب طريقة في هذا الباب. والسبب وراء التفوّق هذا سبب مزدوج: فهو، كنظام يُنيب العناصر الخارجيّة والإقليميّة عن الداخل وسياساته، كان مضطرّاً لأن يكذب مخترعاً «إنجازات» داخليّة لم يتحقّق شيء منها. وهو، للسبب نفسه، كان مُضطرّاً لأن يكذب مخترعاً «انتصارات» في المدى الخارجيّ والإقليميّ لم يتحقّق، هنا أيضاً، شيء منها.
لقد كان نظام صدّام حسين في العراق باهراً في أكاذيبه. هكذا جعل من هزائمه المذلّة «قادسيّات» و «أمّهات معارك» أثارت سخرية العالم. بيد أنّ الثروة النفطيّة التي وضع يده عليها أتاحت له قدراً من الإنجازيّة الداخليّة لم يتسنّ مثلها لشقيقه البعث السوريّ. أمّا التوتاليتاريّات الأوروبيّة، وأهمّها النازيّة الألمانيّة والستالينيّة السوفياتيّة، فهي أيضاً أوغلت في الكذب حتّى غدا الكذب جزءاً تكوينيّاً منها. بيد أنّ النظامين المذكورين كان في وسعهما الاعتداد بانتصارات جدّيّة في الخارج والداخل: فالستالينيّة انتصرت في الحرب العالميّة الثانية، والنازيّة أخضعت معظم أوروبا، بما فيها فرنسا، في خلال عامين. والاثنتان، وبطريقتيهما، ساهمتا في تصنيع البلدين اللذين استولتا عليهما.
في سوريّة كانت الحاجة إلى الكذب أكبر تبعاً للافتقار إلى كلّ شيء آخر. هكذا بات إدخال عشرة أجهزة كومبيوتريّة إلى البلد دخولاً في العولمة من بابها العريض، تماماً كما غدا «تجميع الأوراق» في الخارج، بما فيه من معس لهذه «الأوراق»، انتصاراً غير مسبوق لـ «القضيّة القوميّة».
وربّما أمكن ردّ اللحظة التأسيسيّة في هذه النزعة إلى 1963، حين اضطرّ البعث، الحاكم للتوّ، إلى الدخول في مفاوضات وحدويّة مع مصر الناصريّة تبيّن أنّه كان يكذب فيها على عبد الناصر وعلى مؤيّديه السوريّين. بعد ذاك كانت هزيمة 1967 التي قُلبت نصراً لأنّ «الأنظمة التقدّميّة لم تسقط»، وتلى ذلك تضخيم هائل لـ «نصر تشرين» 1973 تبيّن أنّ الغرض منه تمتين عبادة الشخصيّة التي تمتّع بها الرئيس الراحل حافظ الأسد. فعندما دخلت القوّات السوريّة لبنان في 1976 صُوّر دخولها دعماً للمقاومة الفلسطينيّة وللديموقراطيّة اللبنانيّة. بيد أنّ المقاومة والديموقراطيّة ذُبحتا على نحو لم تتعرّضا لمثله من قبل. وفي هذا السياق، ظلّ النهج المتّبع في لبنان دليلاً على الأخوّة التي لا تشوبها شائبة، تماماً كما ظلّ التواري أمام الغزوات والاجتياحات الإسرائيليّة تعبيراً عن الرغبة في اختيار «مكان المعركة وزمانها».
وكان ما يفاقم هذا الميل الراسخ أنّ سوريّة الرسميّة كانت تهرب من الداخل إلى مواجهة لا تستطيعها في الخارج، ثمّ تهرب من المواجهة تلك إلى الكذب. هكذا راحت تصوّر خروج مصر من الصراع العربيّ – الإسرائيليّ كأنّه تفصيل لا يؤثّر في المواجهة، مثله في ذلك مثل انهيار الاتّحاد السوفياتيّ الذي عُوّل عليه تأمين «التوازن الاستراتيجيّ» مع إسرائيل. وقد غدا النهج المذكور مدرسة رأينا آخر تطبيقاتها الكاريكاتوريّة في إعلان رامي مخلوف انتقاله إلى البرّ والإحسان، كما رأينا عدواها على الحلفاء اللبنانيّين الذين أعلنوا عن إحراز «نصر إلهيّ» فوق أنقاض بلدهم واقتصاده.
والحقّ أنّ اعتماد الكذب إلى هذا الحدّ لا يسوّغه إلاّ افتراض غياب الشعب، لا غياب رقابته فحسب. فحين يصرّ الشعب على أنّه موجود وحاضر تكون المنصّة الأخلاقيّة قد انعقدت له حكماً.
السموات الخلابة. المثقلة بآفاقها. كأنها الخلفية الجاهزة للوحة تصور حقول “الميموزا”. والمقننة بالـ”فوتوشوب”. الزاحفة على زجاجة سدادتها جليد. بلا عمود فقري. سموات لـ”وليام ووردزورث” إثر رجوعه من “الباستيل”. وسموات “الحنجرة” القديمة. التاريخ تحت إبطها ورصيدها الائتماني لا يكفي فنجان قهوة على الشاطئ. سموات هي الأسقف الخلابة للشاطئ. والتي تغمض على درجات الرمادي تحت زوايا مثلثاتها المتفصدة بالبخار. والتي ليست زوايا. سموات تضع أفيونة تغيير العالم تحت لسانها ثم تنحني لليخوت. أقرب إلى البنفسجي من الأصفر. ورغم أنف زهرة الميموزا. السموات التي هي سلالم موسيقية للنظر. جعلت من الله عصفوراً (كما يقول “وديع سعادة”) ولم تدعه يزقزق للشعوب. السموات المنتهَكة. المؤثرة رغم ابتذالها. المبتهجة بالغيم. “ليه يا بنفسج بتبهج”. وتهدُّج “عبد الحليم حافظ” على الوطن والعيون السود. سموات الشِعر الرومانتيكي. رموشهم ليل. ولا مكان لـ”عبد الناصر”. الحالمة بتغيير العالم. التي تثقلها آفاقها. الأفيونة لا تفارق لسانها فيما الشعوب تنتظر الزقزقة. سموات الحرية. سموات المساواة. سموات الإخاء. التي حين تأتي الشمس تشيح بقسم من وجهها عن القمم الغائصة في الزبد فيفوح الصنوبر أخضر وقريباً من الأمواج. الدين للثورة المضادة والوطن للمصطافين. وسموات الأمواج أيضاً. المبحرة بلا شوارع. الباقية بعيداً. والزرقاء رغم أنفها. الزرقاء بلا دماء. الزرقاء بحق الاحتجاج السلمي. والزرقاء بالأبيض وأسود كذلك. الزرقاء بالليل
محمد فرج: ما يكتبه ليس أدب رحلات ولكنه سياحة روحية في الأماكن
يوسف رخا: ما يسمّونه الانفجار الروائي أنتج كتابات لا تمتّ للجنس الروائي
استطاع يوسف رخا أن يصنع شكلاً جديداً ومغايراً لأدب الرحلات عبر ثلاثة كتب، صدر أحدثها مؤخراً تحت عنوان «شمال القاهرة، غرب الفلبين.. أسفار في العالم العربي» عن دار رياض الريس للكتب والنشر. بدأ مشروع يوسف رخا مع بيروت عندما قام بزيارتها في الذكرى الثلاثين للحرب الأهلية وكتب كتابه الاول «بيروت شي محل» 2006، بعد بيروت كانت رحلته إلى تونس ثم كتابه «بورقيبة على مضض..عشرة أيام في تونس» 2008 ثم الكتاب الأخير الذي شمل رحلات عدة الى المغرب وتونس ولبنان والامارات وايضاً القاهرة. عبر لغة متوترة ذات جمل قصيرة تلغرافية، تقدّم قراءة للمكان ولتاريخه القديم وحالته الآنية وايضاً ترصد حالة الرواي الذي هو مصري او عربي يلتقي بعرب آخرين لتظهر من خلال هذا اللقاء أسئلة كثيرة تشغل يوسف عبر كتبه الثلاثة أسئلة متعلقة بالهوية والقومية والشتات العربي والتاريخ وكيفية رؤيتنا الحالية له وايضاً كيفية تعاملنا اليومي معه.
يوسف لجأ الى هذا الشكل الكتابي مللاً من حصر أدبية الكتابة في الرواية والقصة والشعر واعتبار أي كتابة غير روائية هي كتابة غير أدبية، وبالتالي أقل شأناً، ولكنه يعكف الآن على كتابة رواية. وقرر أن «شمال القاهرة، غرب الفلبين» هو آخر ما سيكتبه بهذا الشكل فقد استنفده ولن يأتي فيه بجديد.
بداية.. ماذا تعني لك كتابة المكان؟
لا أحب استعمال تعبير «كتابة مكان» فهو تعبير نقدي وليس تصنيفاً أدبياً، بالنسبة لي ليس الامر في الكتابة عن المكان قدر. هو تجاوز على قدسية «النص الادبي». فما أكتبه ليس قصة ولا شعراً وليس رواية. نص لا يحمل إدعاء روائياً أو قصصياً ولكن في الوقت ذاته أدباً.
وربما تكون تجربتي مختلفة بعض الشيء. ففي البداية كنت اكتب قصصاً ونُشرت في كتاب «أزهار الشمس» 1999 ولكن لم أكن أعرف ساعتها أني لا بد ان أكون خادماً لكتابي وأحمله وأطوف به على الصحف وعلى النقاد والكتاب كي أعرفهم بنفسي، كنت أتصوّر ان النشر كفيل بأن يجعل المهتمين يقرأون ويتفاعلون. وقد تزامن هذا مع الوقت الذي بدأت فيه العمل في الصحافة وتحديداً في «الاهرام ويكلي» في وقت ضمت الجريدة عدداً من الشخصيات خلقت مناخاً مغايراً للعمل وفتحت فيه مساحات جديدة للكتابة وإمكانيات للظهور.
ولم أكن أتعامل مع الصحافة كمجرد «أكل عيش» أو كعمل تافه. كنت أمارسها بشيء من الحب والاهتمام ولم أكن أضع ذلك الفارق بين «الأدبي» المهم و«الصحفي» الأقل أهمية. فانشغلت بذلك لفترة طويلة تقريباً ست سنوات. ولما كنت أيضاً أعمل في الصحافة الثقافية، وبالتالى كنت متابعاً للحياة الثقافية وكنت أشعر بالملل من فكرة الانفجار الروائي التي بدأت في تلك الفترة، كنت أشعر ان هذا الحديث كله كان يجب أن يدور حول حركة التسعينيات الشعرية التي حققت منجزاً بالفعل.
ثم جاء «بيروت شي محل»؟
خلال الفترة التي أتحدث عنها بدأت مجلة «أمكنة» في الصدور. التي تقوم بالأساس على الاعتماد على كتابة خارجة عن التصنيف الادبي، وعندما ذهبت إلى بيروت في الذكرى الثلاثين للحرب الاهلية في 2005 كان من المفترض أني سأكتب مقالاً صغيراً لأمكنة»، ولكن وجدت المقال ينمو معي اذ فتح معي طرقاً جديدة تحمل أسئلة كثيرة لها علاقة بالكتابة من ناحية وبفكرة «الهوية» من ناحية أخرى. فكان «بيروت.. شي محل» ثم «بورقيبة على مضض» 2008 والكتاب الصادر مؤخراً «شمال القاهرة غرب الفلبين»، والذي ضم مجموعة رحلات حدثت خلال فترة الكتابين السابقين.
كتابتك من الصعب تصنيفها كأدب رحلات تقليدي أو سيرة ذاتية او رواية كيف تراها أنت وكيف ترى كيفية استقبال القارئ لها؟؟
في البداية كنت أصنف ما أكتبه أنه أدب رحلات، وبعد كتاب تونس وجدت أيضاً أنه خارج تصنيف أدب الرحلات بشكل ما. بالنسبة للقارئ هناك شكل ما من الخدعة فأنا أقدم هذا على أنه أدب رحلات وللقارئ حر في كيفية التعامل معه.
ابراهيم فرغلي عندما تناول كتابي الأخير ذكر ان ما أكتبه ليس أدب رحلات فهو لا يضيف الى معلومات القارئ شيئاً جديداً عن المكان، ولكنه نوع من السياحة الروحية في الاماكن!! وهو تقريباً عكس ما أقصد تماماً. لقد كنت سعيداً بكلمة الغلاف الخلفي لـ «شرق القاهرة غرب الفلبين»، لأنه يذكر ببساطة انه كتاب عن رحلات الى عدة مدن عربية.
الطرح الذي تقدّمه كتابتي بالأساس هو طرح يبتعد عن فكرة انك تكتب قصة قصيرة او رواية ولا تودّ حتى الاقتراب من هذا العالم. انت تكتب كتابة أدبية بعيدة عن المفاهيم الميتافيزيقية لسياحة الروح من ناحية وأيضاً عن الانواع الادبية المعروفة. ما اريد ان اقوله ان هذه الكتابة تتجاوز وترفض فكرة ان الادب او النص الادبي اعلى من النص الصحفي على سبيل المثال او الرسالة التي يمكن ان يتبادلها الاصدقاء. فالأدب ليس تعالياً او مجرد شكل من أشكال التصنيف تضفي قداسة على شكل وتلغيها عن أشكال أخرى.
لقد دفعت نقوداً من اجل ان انشر قصصي ولكن لم يهتم بها أحد. بينما في الصحافة تم الاحتفاء بي وتقدير ما أكتبه بشكل لم يصنعه النشر التقليدي. وانا لا أعرف كيف ستكون شكل الحياة بعد خمسين سنة هل ستبقى الناس تقرأ كتباً مثلاً أم ستتوقف هذه العادة. لا أحبّ فكرة الخلود الادبي.
فأنا أريد ان يتم الاحتفاء بعملي وانا على قيد الحياة وان اشعر ان هناك من يهتم بعملي بالدرجة التي ترضيني.
وبالنسبة لي اظن هناك ثلاثة مستويات عندما أتعامل مع ما أكتب المستوى السياحي او المفهوم الغربي لأدب الرحلات كمشاهدات وهناك مستوى آخر يرتبط بفكرة الهوية الذي يطرح نفسه بقوة طوال الوقت.. سؤال أن تكون عربياً؟؟ فهل نحن عرب، لأننا نتكلم في هذا الفضاء الواسع المسمّى اللغة العربية؟
وايضاً هناك المستوى التاريخي وهو المستوى الاهم والتاريخ هنا بمعنى ما يروى عن المكان، وهو ما يفرض الكتابة عن المكان، فكلمة «يُروى عن» يأتي بعدها مكان أو شخص أو سرد عنك؟
أعتقد ان دخول السيرة الذاتية ليست شيئاً مقصوداً بقدر ما هو جزء من طريقتي في الكتابة، وليس محركاً لي للكتابة. ولم أسع حتى الآن الى التخلص منها.
الفكرة بالأساس هي بمنهج الصحافة نفسها. يوجد حدث ثقافي وأنا كصحافي ذاهب لتغطيته فتسافر وتشاهد وتتأثر وتتحدث مع أكبر عدد ممكن من الناس وتجمع مشاهداتك وأحاديثك وتكتب عن كل هذا. وحقق ذلك بالنسبة لي توازناً بعيداً عن المناخ الأدبي الذي كنت أراه قاتماً وسخيفاً. وكانت «أمكنة» بالنسبة لي تفتح طريقاً مبشراً للخروج من هذا السخف والقتامة.
بيروت ـ تونس
كيــف كانــت تجربــة الكتابــة عــن تونــس بعد «بيروت شي محل»؟
كتاب بيروت بالطبع كان أكثر انطلاقاً أو فطرية. «بورقيبة على مضض» كان يحمل خبرة عملية أكثر بهذا الشكل الكتابي. فعلى حد تعبير كل من ايمان مرسال وعلاء خالد أن كتاب تونس فيه تعمّد في الكتابة. وانا أظن ان قراءة الكتابين معا مهمة فهناك الكثير من خطوط التشابه والارتباط كما هو حاصل ايضاً من وجهة نظري بين بيروت وتونس على مستوى انتقال الفلسطينيين من بيروت الى تونس. وانتقال الفينيقيين من بيروت الى تونس. وانتقالي شخصياً بين المدينتين.
وقد استغرقت عملية كتابة «بورقيبة على مضض» وقتاً أطول حيث استعملت أساليب متعددة واستخدمت وسائل أكثر.
ومن ناحية أخرى لم تكن مادة تونس مثيرة مثل مادة و«كتابة بيروت شي محل» بيروت بالفعل حركت أشياء كثيرة بداخلي. تونس أيضاً وضعتني أمام أسئلة كثيرة متعلقة بالعروبة وباللغة وعلى مستوى التدين أيضاً فهناك في تونس تدين أكثر من مصر، ولكن الأقل هو مظاهر هذا التدين التي تغلب في مصر.
على الرغم من التشابه بين تاريخي مصر وتونس. فالتاريخ التونسي هو تاريخ مصغر لمصر باستثناء أن ناصر مات وبورقيبة تمّ عزله وهذا كان أمراً مثيراً. بالنسبة لي هذه المقارنة بين مشاريع ناصر وبورقيبة وأيها لا زال يعمل وأيها توقف عن العمل وعن إنتاج النتائج. لكن لبنان حالة أكثر عنفاً وتعقيداً. وكان لدي في رحلة بيروت هدف واضح وهو أن أفهم «الحرب الأهلية» بالتأكيد لم أفهمها ولكن هذا الهدف كان موجوداً وهو ما سهّل الكتابة، رحلة تونس جعلتني أكثر حيرة.
لكن سفرك لبيروت لم يكن هو الأول، فدراستك الجامعية كانت في إنكلترا… لماذا لم تكتب عن هذه الفترة؟
اعتقد ان الكتابة عن المكان مرتبطة بقرب المساحة الزمنية لرؤية المكان، لان الامر يتحول الى ذاكرة للمكان. وهنا تتحول الى كتابة ذكرياتك عن المكان… الأمر الذي يجعل الكتابة عن الذاكرة وليس عن المكان. ولكني لم أحاول ان أكتب من قبل عن فترة إقامتي بانكلترا وهو ما يلفت انتباهي هذه الأيام، ربما لأني لست مشغولا منذ البداية بالغرب. لكن العدد المقبل من «أمكنة» سيكون حول الجامعة وسأشترك به بمقال عن هذه الفترة وهذا سيكون أول كتابة عن هذه الفترة.
ما اقصده بالمساحة الزمنية هو الابتعاد الزمني عن زمن الرحلة فرحلتي إلى انكلترا كانت من 1995 الى 1998 مر تقريباً عشر سنين. وهو الامر الذي سيجعل كتابتي عنها مختلفة بالتأكيد عن كتابة رحلتي بيروت وتونس فالإقامة الطويلة في المكان تصنع شيئاً مختلفاً وتحتاج إلى صياغة مختلفة. فالنص الوحيد عندي الذي يحمل إقامة طويلة بالمكان هو نص الإمارات – في الكتاب الأخير وكتبته بعد إقامة ثلاثة أشهر – فاذا كتب نص بيروت بعد سنتين من الإقامة مثلاً فلن يحمل هذا الدرجة من الاحتفاء بالمكان وهذا البريق الذي يحمله المكان الجديد، بالتأكيد سيخرج كتابة أخرى، ولكنها مختلفة تماماً.
تحدثت عن «الهوية» فما الذي تقصده؟
منذ ان تولد وانت تحمل هاجس المكان الآخر، فأنت تعرف انك في الجزء الأقل من العالم فهناك بلاد أجمل وأحسن من مصر. وأعتقد أن الهدف الاهم الذي أسعى اليه هو ان تشعر بأنك ند لأي «آخر»، فلن تكون انساناً وانت تحمل احساساً بالدونية. وعقب احداث مباراة «أم درمان» بين مصر والجزائر برز هذا الإحساس بالدونية إلى السطح على سبيل المثال.
فموضوع الهوية ضاغط وحاضر عندي واعتقد انه سيكون موجوداً في أي كتابة عندي. ربما لو كنت انكليزياً او اميركياً لم اكن سأنشغل بمسألة الهوية هذه اظن ان هناك ظرفاً تاريخياً يجعل موضوع الهوية مطروحاً عليك طوال الوقت فأنت مواجه بانك في مزبلة العالم.
ومن ناحية أخرى خلال كتبي الثلاثة ثمة مصري يقارن نفسه كعربي بعربي آخر. وليس المصري بشكل عام في أي مكان. ويكتشف أننا لسنا متشابهين ولا نتكلم جميعاً اللغة نفسها. فالموضوع في احد مستوياته متعلق بدحض الشوفينية المصرية – الغريبة أحياناً – فثمة فكرة عند المصريين أنهم مفهومون في حين بقية اللهجات غير مفهومة. مع ان الواقعي ان بقية العرب لا يفهمون كل العامية المصرية بالضبط كما لا نفهم نحن المصريين كل العامية التونسية او اللبنانية. أجل ثمة حالة من التعايش مع العامية المصرية الشبيهة «بالتلفزيون»، ولكن في الحقيقة انت غير مفهوم بالشكل الذي تتصوره.
ولكن هذا الهاجس لم يتواجد في فترة الدراسة في انكلترا؟
أنا غير مشغول بالغرب على الإطلاق كموضوع كتابة. وهذا ما جعلتني رحلة بيروت وما تلاها اكتشفه. فتصور الحياة في العالم «الافضل» انكسر عندي مبكراً فلقد سافرت الى اوروبا وأنا في السابعة عشرة. فتفكك عندي هذا الوهم منذ البداية بالإضافة إلى عدم فضولي لمشاهدة اوروبا. بالنسبة لي أفضل الذهاب الى بورما او نامبيا أفضل من فينا بالنسبة لي. هذا السياق يثيرني أكثر وأجد أشياء كثيرة لأقولها مرتبطة بهذا السياق.
وبالتالي البحث الذي أجده أكثر فائدة بالنسبة لي وعلى المستوى الاجتماعي المعاصر هو البحث في معنى كونك عربياً أو مسلماً معاصراً.
الهوية بالايجاب وليس بالسلب ان ترى نفسك مساوياً للآخرين لست أقل ولست أعلى. ليس بالتغني بجمال الآخر او بمهاجمته بدون معنى. ان تتعاطى مع الشروط المعاصرة التي هي بالضرورة ناشئة نتيجة علاقاتك المتعددة المستويات بهذا الآخر. وان تنشغل بأسئلتك الخاصة وليس بمقارنات مع الآخرين.
هل لديك خطط جديدة للكتابة عن مدن أخرى؟
لا اريد التوقف عن المدن العربية، ولكن أشعر أني اكتفيت من الكتابة بهذا الشكل وتحديداً في نص أبو ظبي. لن أقدم فيه جديداً بعد ذلك. ستتحول بعد ذلك الى تكرار وتعمّد بدون أي إضافة لا يعــني ذلك اني سأتوقف عن الكتابة عن المدن، ولكن ليس بهذا الـــشكل ولا أعــرف أيضا بأي شكل.
وأشعر أن نصوص «شمال القاهرة غرب الفلبين» ربما لم تحمل الحالة نفسها التي كتب بها الكتابان السابقان فهي نصوص كتبت لأسباب مختلفة وبشروط مختلفة لكتبي السابقة. والغريب بالنسبة لي أن أكثر ما كتب كان عن الكتاب الأخير، ربما لانه جاء بعد تراكم جذب الانتباه إلى هذا الشكل الكتابي. الآن هناك عملية كتابة جديدة تحدث ولكن على مستوى خيالى في الرواية التي أعكف الآن على كتابتها تحت عنوان «الطغري»، وهي حكاية خيالية غير واقعية او غير عقلانية وتدور أيضاً داخل مدينة هي القاهرة. والفرق بينه وبين كتبي السابقة هو وجود حدوتة لا معقولة تتركب عليها الأحداث.
الانفجار الروائي
كنت تريد الخروج من فكرة التجنيس الأدبي، والآن تكتب رواية. ولكن ألم تفكر بعد «بيروت شي محل» كتابة رواية؟
لا لم أفكر.. وأكثر ما يسبب لي ألفة في كتابة «الطغري»، هو أنها ايضاً خارجة عن الرواية الكلاسيكية، ومرتبطة أكثر بالكتب التجمعية الشهيرة في التراث العربي مثل «المستطرف». بالتأكيد ليس بهذا الحجم ولكنها تحمل بشكل ما هذه الصفة «الموسوعية»، محاولة كم وضع كبير من المعلومات حول شخص في سياق أدبي ما. وأيضاً لها علاقة بطريقة كتابة التاريخ عند الجبرتي وأبن أياس. وهذا يشعرني بشكل ما بعلاقة مع هذا التراث العربي – الذي لم يكن يضم الرواية بالمناسبة – أكثر من علاقتي بالكثير مما يكتب تحت اسم الرواية العربية الجديدة.
تحدثت عن الانفجارالروائي والرواية الجديدة… كيف ترى هذه المقولات؟
أكثر ما يكتب على انه «رواية» قد خلقت بالتالي هذه الحالة من «الانفجار الروائي» الذي يتحدثون عنه منذ سنين لا تمتّ للجنس الروائي بصلة. ما أقصده أن الجنس الروائي في العالم له علاقة بالحكي واللاواقعية.
فالروية بشكل ما هي نتاج البرجوازية الاوروبية في القرن التاسع عشر والتي كانت تكتب في كتب كبيرة الحجم لطبقة معينة عن طبقة أخرى. في ظل عدم وجود وسائل تسلية أخرى مثل التلفزيون. الا استثناءات يكون فيها الكاتب مخبولاً مثل ديستويفسكي على سبيل المثال.
فلكي تخلق علاقة بهذا الجنس الأدبي بالتأكيد ان تحتاج الى هو اكثر واعمق من أن تكتب قصة قصيرة طويلة بعض الشيء ثم تضع على غلافها كلمة رواية. او ان تكتب سيرتك الذاتية او اعترافاتك وتضع عليها رواية أيضاً.
انا مع تسمية كتابة مثل «عزازيل» او «عمارة يعقوبيان» رواية بغض النظر عن رأيك في هذه الكتابة. ولكن كتاب علاء خالد الأخير على سبيل المثال وهو كتاب جميل وأمتعني كثيراً ولكنه ليس رواية.
ولا يوجد أي مجهود حقيقي نقدي أو غير نقدي في تعريف ما هي «الرواية العربية» على الإطلاق، لو لدينا خطاب نقدي مسؤول لوجه اهتمامه لحركة الشعر في التسعينيات.
الانفجار لم يكن روائياً ولكن في كتابات أطلق عليها روايات، والرواية مجرد شكل من اشكال النشر. مع وجود حقيقة عالمية تؤكد ان الرواية تحقق حالة من المتابعة والاكتفاء والتشبع بالنسبة للقارئ، ولذلك مبيعات الرواية في العالم كله أكثر من الشعر او القصة القصيرة.
والنقد الغائب…
جزء من كوني ضد فكرة تسامي النص الأدبي على بقية ايضاً كوني لست مشغولا بالبكاء على النقد فلديّ الكثير من المصائب ولا احب الكتابة الاكاديمية بشكل عام. واعتقد ان النقاد لدينا الذين يملتكون ادوات نقدية تمكنهم من ممارسة هذا الفعل توقفت أذهانهم عند الستينيات.
ولا توجد متابعة تفاعلية حقيقة لما يكتب. فجزء من النقد ومن القراءة الحقيقية ان تتـفاعل مع ما تقرأ، وهذا لا يحدث.
لكن لماذا لا يفرز كل جيل نقاده كما يخرج مبدعينه؟
يمكن تفسير ذلك باسباب أكثر ابرزها ان النظام التعليمي السائد في مصر لا يساعد على خلق هذه العقلية النقدية. في النهاية المبدع قادر على ان يعلم نفسه. اعتقد النقد يحتاج بشكل ما او بآخر الى منهجية معينة بعيداً عن استقرارك على هذه المنهجية ام لا ولكن بالأساس يجب أن توجد هذه الآلية. هذا يعني بشكل آخر نظاماً تعليمياً وهذا ما اعرف انه يجري في جامعات أوروبية واميركية حيث ينتجون نقداً وليس مجرد متابعات.
الى جانب سؤال آخر هو كم الكتابات الموجود حالياً من اجل من ومن يقرأها؟؟ وهو سؤال له مستويات كثيرة ولكن يبقى المستوى الأهم هو مستوى العلاقة مع المجتمع بمفهومه الواسع فأنت في النهاية ومع كل هذا الضجيج أشبه بمن يطبع منشورات سرية