نصائح المرحلة + ملاحظتان

wpid-img_0458-2013-02-21-22-17.jpg

عليك أن تتعلم، ولو كان صعباً، أن تنظر إليهم كما تشاهد فيلماً وثائقياً عن قبيلة رعاة أو مزارعين من أجناس فاتتها المدنية، تتراوح شطارة أفرادها في التسوّل من سكان المدن والقائمين على آبار النفط المجاورة. لن يمر وقت حتى يغضبوا عليك إذا ما واظبت على تذكيرهم بحقيقة الدوكو الذي يدهنون به الهواء. وإما لأنك لا تستحق معركة أو لأنك تجيد شتمهم، سيتجاهلونك. حتى مارقوهم ممن أتقنوا استعمال اللغة الجديدة في الإيحاء بمعارف لا صلة لهم بها، لن يجدوك – حسب تلك اللغة – عدمياً بما فيه الكفاية، رغم أن الجانب العدمي منك، بالمعنى الحقيقي للعدمية، هو أكثر ما ينفرّهم أو يخيفهم. حاول أن لا تتقيأ حين يظهر مهرجوهم على الشاشة، أو يدلي مشاهيرهم بتصريحات، أو يعلن طياروهم عن كسر حاجز جديد للصوت. أنت وحدك. تذكر دائماً أن التلاقي كالتلقي صدفة نادرة، وأن التوجيب الذي يمارسونه فيما بينهم سيستثنيك ما لم تكن صاحب واجب، أنه ليس سوى مودة شخصية من قبيل “أنا وأخي على ابن عمي” إلخ، وأنه – كالجنيه المصري – لا يمكن صرفه خارج حدود العشيرة. فعلى عكس أجيال سابقة ممن تاهوا بين الأفخاذ ولم تعد لهم فائدة، أنت لا تريد أن تكون ذلك الشيخ الجليل الذي يفتش عنه الأصلاء من حافظي عهد ماض أجمل. جائز طبعاً أن تسعى إلى تحقيق طموحك، لكن ما تريده من ذلك هو عملة يمكن صرفها في كل مكان.

wpid-img_1881-2013-02-21-22-17.jpg

(١)

يحدث أن يشعر الإنسان في لحظة أن الحياة يمكن قصرها فعلاً على الخير والشر، أو الصح والغلط؛ وحين يحدث، يكون ما يمثّل هذين القطبين واضحاً تماماً، لا صعوبة لدى العدد الأكبر من الناس في الاتفاق عليه والمصادقة على تقديسه أو شيطنته بألفاظ مأخوذة من عصور سحيقة وخارجة من منظومات أخلاقية لا تركب على الواقع… يحدث؛ وخلاف حدوثه بشكل آلي كرد فعل زائف على أحداث – كالجرائم مثلاً – هي الأخرى عادية ومتوقعة، يحدث بشكل أصدق حين يجتمع عدد كبير من الناس على شيء سلبي: التعبير عن الغضب، رفض الظلم، “إسقاط النظام” (وما المقاومة والتحرر والجهاد إلخ إلا نماذج لتلك السلبية)… لكنه إذ يحدث يكشف عن تعقيدات وتناقضات كان الإنسان يعلم، ومنذ اللحظة الأولى، أنها موجودة ودائمة بما يجعل تقديس أي شيء أو شيطنته مجرد بله أو تباله، وبما يجعل قصر الحياة على الصح والغلط أو الخسر والشر إجراماً مجانياً وتعدياً عبثياً على الغير. إذاك يشعر الإنسان أنه معتوه وحقير، وأنه باستسلامه للحظة إنما تسبب في تعاسات كان يمكن تحاشيها ببساطة. عزاؤه الوحيد – الوحيد – أن يكون قد تعلّم شيئاً.

(٢)

لم أر في حياتي كلها استبداداً وإقصاء (رسمياً أو غير رسمي) أسوأ من ذلك الذي لا يزال “الربيع العربي” يمارسه على الناس، داخل “المجتمع الثوري” بالذات، رغم جميع الدروس المستفادة من خبرة العامين الماضيين، وأول هذه الدروس أن مشكلة المجتمعات العربية لم تكن في أنظمتها أو لم تكن في تلك الأنظمة بالأساس، وإنما في الذهنية التي ولّدت ترتيبات لا أخلاقية وأبقت عليها بل ومازالت تدافع عنها فعلاً إن لم يكن قولاً، بحيث يصبح النضال والكرامة أو الموت – كمعادل موضوعي لخيانة ومهانة هي كل ما يمكن أن تكونه الحياة – جزء من ذلك الدفاع. لم يعد التفاهم ممكناً حتى في أمور تبدو لي بديهية كعبثية الجهاد في سوريا في اللحظة الراهنة مثلاً، حيث الإصرار على كلمة ثورة بغض النظر عن معنى هذه الكلمة على الأرض، وبعنف أعمى هو أقرب فعلاً إلى الأصولية الدينية من الجذرية النظرية أو أي توجه سواها، أصبح شرطاً مبدئياً للحق في إبداء الرأي، وحيث الثورة نفسها، خلاف أنها مبرر للقتل أو الانتحار، لا تدل إلا على مثاليات أو مجردات ثبت ليس فقط أنها بعيدة عن الوعي الشعبي بأي معنى واقعي ولكن أيضاً أن وظيفتها الحقيقية هي تسهيل انتقال السلطة من جهة تنكر معظم الحقوق والحريات إلى جهة تنكرها كلها، وعبر المغامرة بهياكل مؤسساتية هشة أصلاً ومزيد من اغتيال الاختلاف…

لكن ما يذهل أكثر من ذلك كله هو الحديث عن الإنجاز والتفاؤل وتحقق الأهداف، عن تحمل التخبط على المدى القصير من أجل الخير الذي يدخره لنا المستقبل على المدى الطويل – وهو المبرر المجاني الجاهز للوقوف متفرجين على بيوتنا الآيلة للسقوط منذ قرون وهي تنهار أخيراً فوق رؤوسنا إن لم يكن للمساهمة في هدمها ولكن عن غير وعي وبلا اعتراف واضح أن هذا ما نفعله وإنما بدعوى محاولة درء الانهيار – الأمر الذي تعبر عنه فكرة استمرار الثورة ربما أكثر من أي فكرة سواها:

أنتم وقود سعار سلطة قوامه الكراهية والطائفية والتخلف، وإصراركم على الهوية والكرامة دليل أنكم لا ترون في الدنيا سوى مهانتكم التافهة جداً، الوضيعة جداً، الجاهلة ليس فقط بالمثاليات وإنما أيضاً بالحق في الحياة…أنتم البطل الطيب الذي يقاوم الطاغية الشرير في حدوتة شعبية باتت أسخف وأغبى وأكثر استهتاراً من أي سائق ميكروباص يعطل المرور ويعرض الناس للموت بامتداد مدينة نجحتم في جعلها كابوسية تماماً.

wpid-img_1460-2013-02-21-22-17.jpg

نكتة ثورة

wpid-i13117_mohammadalipasha4pn-2012-06-5-11-54.jpg

تبدو الفكاهة تاريخياً هي الصفة الجوهرية للمصريين: الشيء الذي يميزهم عن سواهم من العرب ويحبّب العرب فيهم كذلك، على مستوى ما؛ إنها ما يجعل المصريين عباقرة وما يجعلهم مثيرين للشفقة… وهي سبيلهم إلى الخروج من مآزق ليس أولها الوقوع تحت وطأة السلطة (كمحاولة حقيرة لتجنب العقاب) ولا آخرها مواجهة المعرفة (كمحاولة أحقر لتدارك الجهل أو الاعتذار عنه). حين تضحك على ما ومن يقهرك، طيباً أكان أم شريراً، لعلك تنتصر عليه بشكل ما؛ على الأقل تستعيض بضحكك عن انتصار تعرف أنه سيجانبك للضرورة… وهي فكرة تكاد تكون ممجوجة من كثرة ما أُشير إليها في السياق السياسي طيلة النصف الثاني من القرن العشرين.

بالطبع كانت الفكاهة جانباً من جوانب مقاومة القمع والتشكيك اللذين جوبهت بهما احتجاجات الثورة في مصر طوال تسعة عشر شهراً الآن، وقد كشفت عن ذكاء في التعاطي مع الاستبداد واللامنطق مصحوباً بقدرة على فضح الخرافة. لن أذكر أمثلة على هذا النضال الضاحك؛ الأمثلة لا تعد وهي، في ثورة ربما كان أهم ما فيها هو تسجيلها بالصوت والصورة، على رءوس الأشهاد. لكن الأجدى، بالنظر إلى ما أسفرت عنه احتجاجات متواصلة صار معنى استمرار الثورة فيها هو تكرار الأخطاء القاتلة مع غياب أي شعور بالمسئولية – كانت الأخطاء في أحيان كثيرة قاتلة بالمعنى الحرفي، لكن لعل الفكاهة بتعريفها، كالـ”ثورة” تماماً، غير مسئولة – يظل الأجدى هو السؤال عن معنى التفكه كموقف جذري من الحياة؛ وهل هو مطابق لطموح تغيير العالم الذي انطوت عليه الاحتجاجات أو في صالح ذلك الطموح أصلاً؛ السؤال – أقصد – عن إيجابية النظرة الساخرة إلى العالم في تصريفاتها الثورية. أذكر على سبيل المثال نكتة سمعتها في ميدان التحرير عشية سقوط مبارك: “ارجع يا ريّس إحنا كنا بنهزّر.” أذكر أنها لم تضحكني – فليست كل الفكاهة المصرية مستساغة في كل وقت – لكنني أذكر أيضاً أن ما ألفتني فيها هو مدى استعداد العقلية المصرية لنفي واقعها قبل تقييمه. أي “هزار” هذا الذي أمات (حينذاك) قرابة الألف نفس؟ غير أن الأكثر إيلاماً، بالنظر إلى الوراء، هو أن الثورة في تصريفاتها السياسية باتت “هزاراً” بالفعل: إنها إما مناسبة للموت المجاني كطقس تضحية يحركه شعور روحاني مكبوت داخل المؤسسة الدينية مستندة إلى عجز مهني وقابلية على استعراض الجهل والغباء، أو حجة لتمكين الإسلام السياسي في أقذر صوره (إن كان له صورة نظيفة) من الحكم والتحكم. فعلاً تمادينا في الضحك حتى ضحكنا على أنفسنا؛ ولم يبق لنا من الثورة سوى مناورات سياسية لا تختلف عن مناورات “النظام البائد” مع صدى القهقهات…

هل من إصلاح عماده خفة الدم؟ هل من “هضامة” للنضال؟ ولماذا إذن لا يبقى – على الجانب الآخر من ثورة يُفترض أنها تجاوزت الإصلاح أصلاً – إلا جهامة لولبية؟ يبدو لي أن الفكاهة هي تعبير حقيقي عن الرغبة في الحياة، عن الفرح والشهوة وطاقة التجدد. لكن يبدو لي بالقدر نفسه أن الفكاهة كانت تعويضاً مهيناً عن المعرفة والقدرة عبر ثورة ستضحك ألف مرة قبل أن تعترف مرة واحدة بفشلها.