اغمض عينيك تراني أمامك: جواب غرامي

بيروت-بشري-بيروت، 15 نوفمبر؛ ذكرى الواحات البحرية، 10 نوفمبر

Update Required To Play MediaUpdate your browser to a recent version or update your Flash plugin.

لم أدر ما طيب العناق على الهوى حتى ترفق ساعدى فطواك

وتأودت أعطـاف بانك في يدي واحمر من خفريهما خداك

beirutbsharre

12.07: “أبو شادي” يزفر، على جسر “سليم سلام”. لازلت، لاهثاً، أتوق إلى منقوشة. “العجقة”، يكرر. سينقّ طوال السكة؟ على الأقل، سمح لي أن أدخن. السيجارة بلا طعم من غير قهوة. “وين بدنا نروح من هون”؟ منذ لمحت كوعه على الـcase فيHotel Cavalier وأنا متوجس خيفته، هذا القصير الماكر؛ لو كنتُ فقط “تروقت” قبل أن أجلس جواره! كأنه بطل مصارعة أقزام. يتعاطى كأمير إمارة عفى عليه الزمن. لن أنسى نبرته يخبرني، لاحقاً، أنه يتحدث الفرنسية والإنجليزية “بتلااااااكة”!

Continue reading

الطربوش: القصة المنشورة في كتاب دينيس جونسون ديفيز

قبلما يمشي “زكريا” من عيادة الأسنان، سيناوله الطبيب شيئاً ملفوفاً في شاش. من غير ما ينطق، سيضع كرة الشاش الصغيرة لـ”زكريا” وسط راحة يده، وبرقّة وحسم يغلق عليها الأصابع – كما لو أنه واحد غني يتصدق على واحد فقير – ثم يربّت على القبضة المقلوبة ويسحب يده. وسيخرج “زكريا” من العيادة وفي حلقه نصف ضحكة محبوسة منذ أطلق النصف الأول بعدما قبّل كرة الشاش وحكّها في قورته ثم أخفاها في جيبه مثل أي منادي سيارات يأخذ “استفتاحه”. لأن “زكريا” قبلما يكمل ضحكته، اكتشف على وجه الطبيب تعبيراً عابساً وكأنه ينهره على رد فعله. لم يكن عند “زكريا” تفسير لفعل الطبيب سوى أن يكون تمثيلاً هزلياً يقصد به المزاح بعد جلسة علاج شاقة، الأمر الذي دفعه على أداء دور الشحات لإكمال المشهد. لكن لمّا أشاح الطبيب عنه بعصبية وكأنه يقول له “الحكاية ما تضحكش”، انصرف محبطاً من غير ما يفهم… العيادة قريبة من بيت “زكريا”، في شارع جانبي مظلم على الجهة المقابلة من ميدان واسع. حوالي ألف خطوة كما عدها في الطريق إلى هناك، لأنه يخاف من علاج الأسنان ويريد أن يلهي نفسه عن ما ينتظره. لكن ليلتها، وثقل البنج على فكه، سيبدو طريق العودة طويلاً جداً. ومن غير ما يفك “زكريا” لفافة الشاش ولا حتى يُخرجها من جيبه، سيسترجع أول مرة فسد فيها الضرس الذي ذهب يعالجه ليلتها (ها هو الضرس – فكّر – يفسد للمرة الثانية): قبل عشر سنين تقريباً حفر نفس هذا الطبيب في ضرس “زكريا”. بخفة نزع العصب وحشا مكانه. ظل يقلّم حتى صار الضرس مدبباً وقصيراً، ثم ركّب فيه طربوشاً من البورسلين. ولما ثبت الطربوش ابتسم لـ”زكريا” وقال: “سيبقى في فمك سنين طويلة.” لن يخطر لـ”زكريا” حتى يستلقي على الكنبة، وفي يده كوب شاي مسكّر كأن البنج يذوب في سخونته، أن يمد يده إلى كرة الشاش التي أخرجها من جيبه وألقاها أمامه على الطاولة. سيضع كوب الشاي جانباً ويتناول لفافة الشاش يفكها. وفي ضوء “الأبجورة” يراه لأول مرة: الطربوش الذي زرعه طبيب الأسنان في فمه منذ عشر سنين. ساعتها فقط تمر برأسه سنة كاملة لكل مئة خطوة قطعها في طريق العودة والبنج يشل نصف وجهه: سنة ما مات أبوه على سرير ضيق، وسنة ما أصابه أول انهيار عصبي جعله يكف عن تدخين الحشيش؛ سنة ما ذهب مع حبيبته في رحلة للتعافي في أصقاع آسيا، وسنة ما ترك حبيبته من أجل أخرى اختلف مع أبيها قبل أن يتزوجها. سنة ما زار لبنان لأول مرة وقرأ عن الحرب الأهلية هناك، وسنة ما تزوج ثالثة لن يستوي له العيش معها؛ سنة ما طلق زوجته ضد رغبتها، وسنة ما ذهب للعمل في إحدى دول الخليج؛ سنة ما عاد إلى وظيفته الحكومية، وسنة ما حصل على براءة أول اختراعاته العلمية. سيضع “زكريا” الطربوش – بلا شاش – وسط راحة يده، وبرقّة وحسم… لو كان ضرساً مخلوعاً – يفكر – لما كان قد استغرب وجوده معه الآن، إنه – على غلوه المفاجئ – جماد. ولأول مرة، وهو قابض على الجسم الغريب الذي قبع في فمه عشر سنين من غير ما يلتفت له مرة، سيدرك السر فيما فعله الطبيب

الطربوش: قصة

قبلما يمشي “زكريا” من عيادة الأسنان، سيناوله الطبيب شيئاً ملفوفاً في شاش. من غير ما ينطق، سيضع كرة الشاش الصغيرة لـ”زكريا” وسط راحة يده، وبرقّة وحسم يغلق عليها الأصابع – كما لو أنه واحد غني يتصدق على واحد فقير – ثم يربّت على القبضة المقلوبة ويسحب يده.  وسيخرج “زكريا” من العيادة وفي حلقه نصف ضحكة محبوسة منذ أطلق النصف الأول بعدما قبّل كرة الشاش وحكّها في قورته ثم أخفاها في جيبه مثل أي منادي سيارات يأخذ “استفتاحه”.  لأن “زكريا” قبلما يكمل ضحكته، اكتشف على وجه الطبيب تعبيراً عابساً وكأنه ينهره على رد فعله. لم يكن عند “زكريا” تفسير لفعل الطبيب سوى أن يكون تمثيلاً هزلياً يقصد به المزاح بعد جلسة علاج شاقة، الأمر الذي دفعه على أداء دور الشحات لإكمال المشهد. لكن لمّا أشاح الطبيب عنه بعصبية وكأنه يقول له “الحكاية ما تضحكش”، انصرف محبطاً من غير ما يفهم… العيادة قريبة من بيت “زكريا”، في شارع جانبي مظلم على الجهة المقابلة من ميدان واسع. حوالي ألف خطوة كما عدها في الطريق إلى هناك، لأنه يخاف من علاج الأسنان ويريد أن يلهي نفسه عن ما ينتظره. لكن ليلتها، وثقل البنج على فكه، سيبدو طريق العودة طويلاً جداً.  ومن غير ما يفك “زكريا” لفافة الشاش ولا حتى يُخرجها من جيبه، سيسترجع أول مرة فسد فيها الضرس الذي ذهب يعالجه ليلتها (ها هو الضرس – فكّر – يفسد للمرة الثانية): قبل عشر سنين تقريباً حفر نفس هذا الطبيب في ضرس “زكريا”. بخفة نزع العصب وحشا مكانه. ظل يقلّم حتى صار الضرس مدبباً وقصيراً، ثم ركّب فيه طربوشاً من البورسلين.  ولما ثبت الطربوش ابتسم لـ”زكريا” وقال: “سيبقى في فمك سنين طويلة.”  لن يخطر لـ”زكريا” حتى يستلقي على الكنبة، وفي يده كوب شاي مسكّر كأن البنج يذوب في سخونته، أن يمد يده إلى كرة الشاش التي أخرجها من جيبه وألقاها أمامه على الطاولة. سيضع كوب الشاي جانباً ويتناول لفافة الشاش يفكها. وفي ضوء “الأبجورة” يراه لأول مرة: الطربوش الذي زرعه طبيب الأسنان في فمه منذ عشر سنين.  ساعتها فقط تمر برأسه سنة كاملة لكل مئة خطوة قطعها في طريق العودة والبنج يشل نصف وجهه: سنة ما مات أبوه على سرير ضيق، وسنة ما أصابه أول انهيار عصبي جعله يكف عن تدخين الحشيش؛ سنة ما ذهب مع حبيبته في رحلة للتعافي في أصقاع آسيا، وسنة ما ترك حبيبته من أجل أخرى اختلف مع أبيها قبل أن يتزوجها. سنة ما زار لبنان لأول مرة وقرأ عن الحرب الأهلية هناك، وسنة ما تزوج ثالثة لن يستوي له العيش معها؛ سنة ما طلق زوجته ضد رغبتها، وسنة ما ذهب للعمل في إحدى دول الخليج؛ سنة ما عاد إلى وظيفته الحكومية، وسنة ما حصل على براءة أول اختراعاته العلمية.  سيضع “زكريا” الطربوش – بلا شاش – وسط راحة يده، وبرقّة وحسم… لو كان ضرساً مخلوعاً – يفكر – لما كان قد استغرب وجوده معه الآن، إنه – على غلوه المفاجئ – جماد. ولأول مرة، وهو قابض على الجسم الغريب الذي قبع في فمه عشر سنين من غير ما يلتفت له مرة، سيدرك السر فيما فعله الطبيب

Enhanced by Zemanta

ما رآه رخا‬

المكان باعتباره أزمة ‮ ‬يعانيها الكاتب

ياسر عبد الحافظ في أخبار الأدب

هذا كتاب لن يمنح لك نفسه من المرة الأولي‮. ‬في الحقيقة هو ليس مهتماً‮ ‬بهذا جداً،‮ ‬ربما لن يحترم قناعاتك بأنه من المفترض أن يكون كذلك،‮ ‬أليس هذا ما اعتدناه في كتب الرحلات،‮ ‬البساطة التي تناسب عقليات تحب أن تشاهد العالم بعيون الآخرين لا أن تغامر هي،‮ ‬شخص يسافر إلي مكان ليدهشك طوال الوقت بما رآه،‮ ‬يصف المعالم التاريخية الرائعة والحضارات الإنسانية،‮ ‬أو يتحدث عن المآسي والفقر والمجاعات،‮ ‬أخلاق الرجال وأحوال النساء،‮ ‬العادات والتقاليد الغريبة‮… ‬فقط لأنك لا تمارسها‮. ‬وهكذا فما عليك إلا أن تسترخي فيما السطور تتهادي إليك‮.‬ غير أن يوسف رخا،‮ ‬يبدو وكأنه‮ ‬غاضب من هذه الفكرة‮ (‬في الحقيقة هو‮ ‬غاضب من أشياء كثيرة‮) ‬وقد قرر منذ زمن،‮ ‬منذ‮ “‬بيروت شي محل‮”‬،‮ ‬و”بورقيبة علي مضض‮” ‬أن يهدم تلك النظرية علي رؤوس كتب الرحلات الأخري،‮ ‬حتي إنك بعد أن تنتهي من القراءة سيصبح عليك التفكير جدياً‮ ‬إما في تصنيف الكتب الأخري أو تصنيف هذا‮. ‬هو يعرف أن المفهوم لابد له أن يتغير،‮ ‬قبلاً‮ ‬كان الارتحال صعباً،‮ ‬الآن لم يعد كذلك،‮ ‬ساعات عدة وسط وسائل راحة تتنافس الشركات علي ابتكارها وتصبح في مكان آخر،‮ ‬وهناك لن تجد ما كنت تتصوره في خيالك،‮ ‬مغامرات المكتشفين باتت من التاريخ،‮ ‬لم يعد هناك ما يمكن اكتشافه،‮ ‬ولم يعد هناك ما يدهش،‮ ‬طعم القهوة بات واحداً‮ ‬في كل البلاد،‮ ‬وكل جوانب الأرض تم تصويرها من مختلف الزوايا‮. ‬ما الهدف من السفر إذاً،‮ ‬وما الذي يمكن تقديمه في كتاب رحلات،‮ ‬في نوع أدبي كاد أن يفقد أسباب وجوده‮.‬ ‮

العنوان‮ “‬شمال القاهرة‮… ‬غرب الفلبين ــ أسفار في العالم العربي‮” ‬وللتأكيد فإن هناك علي حقيبة المسافر رموز عدة‮: ‬شجرة الأرز وطربوش وجمل‮. ‬البداية في المغرب والنهاية في الإمارات وبينهما لبنان‮. ‬والكتاب يبدأ هكذا‮: “‬مرضت عروسي حال وصولنا‮. ‬يسمون الغرفة بيتاً‮. ‬لم نكد ندخل بيتنا حتي راحت في النوم‮. ‬ظلت ثابتة مع أن المكان وسخ وكئيب،‮ ‬بالكاد يسع جسدينا‮.” ‬متروك لك أن تتخيل ما تريد حول هذه القصة،‮ ‬هي واحدة من الألغاز التي عليك أن تضعها بجوار بعضها البعض لترسم الصورة التي ترغبها،‮ ‬بالطبع هذا يقتضي بداية أن تفك شيفرة اللغة،‮ ‬وهي لغة خاصة جداً،‮ ‬لغة روائية محملة بالكثير من الرموز والإشارات والإيحاءات،‮ ‬تتناول المكان ليس باعتباره مقصداً‮ ‬سياحياً‮ ‬وإنما باعتباره أزمة يعانيها الراوي مثله مثل أهل البلد،‮ ‬ومتي هكذا أصبح كأنه واحد منهم؟ هو نفسه لا يعرف،‮ ‬غير أن الشك الذي يداهمك في هذا كقارئ يساوره هو أيضاً‮ “‬وأنا جالس كنت أحس،‮ ‬بشكل لا يحتمل شكاً‮ ‬كبيراً،‮ ‬أنني جئت لهذا المكان من قبل‮”. ‬شك يعود لتبعثره كلمة من ابن البلد‮ “‬مصر والمغرب حال بحال‮”‬،‮ ‬إشارات كتلك تجعلك تعاود القراءة من البداية بروح مغايرة حتي تتلبسك الحالة التي يضعها رخا‮ “‬في الطريق لهنا يختلط الخيال بالذاكرة‮”‬،‮ ‬وهو ما يعني أن تتقاطع وتختلط المشاهد ويندمج الناس وكأنهم واحد،‮ ‬الزوجة فتاة مغربية،‮ ‬التاريخ بالحاضر،‮ ‬والأب الراحل عجوز يعزف وحده وسط حلقة متفرجين،‮ ‬غير أن ذلك لن يبدو‮ ‬غريباً‮ ‬فهناك اتفاق سابق عقده معك الكاتب‮ “‬أنت تعرف كيف تتبدل الأماكن والأشخاص‮”‬،‮ (‬هل تعرف؟‮). ‬وتصبح الرحلة بحثاً‮ ‬عن الذات في مرآة الآخر ذلك الذي يبدو في أحيان كثيرة وكأن لا وجود له‮ “‬كلما حاولت أن أكلمهم أو ألمسهم،‮ ‬لم يجبني أحد منهم أو يحس بوخز أصابعي من أصله‮. ‬كأنني هواء‮”. ‬غير أن هذا ليس بالسبب الذي يدعو للتوقف في رحلة البحث خصوصاً‮ ‬إن كان ما يبدو ليس بالضرورة هو الحقيقة،‮ ‬هناك لابد من الانتباه للمفاجآت والحيل،‮ ‬من المهم مثلاً‮ ‬أن تعرف متي سيظهر الحائط‮ ‬غير المرئي لتمر من خلاله،‮ ‬ولابد أن يكون لديك من قوة الملاحظة لتعرف إن كانت تلك هي الشوارع بالفعل أم أنك تري انعكاسها،‮ ‬والأهم أن تكون متيقظاً‮ ‬حتي لا تفوت لقاء محمد شكري أو بول بولز،‮ ‬أو وليام بروز،‮ ‬إذا مر أحدهم بجوارك‮. ‬رحلة تلفها موسيقي تسمعها عبر النص،‮ ‬يدور علي إيقاعها الناس،‮ ‬وتكون فيها بصحبة موتي يجوبون البيت بلا استئذان،‮ ‬والأسرار متاحة‮… ‬فقط إن أدركت أن الوعي بالذات سخف إنجليزي‮.‬ لكن علي قدر ما تبدو المغرب هكذا منفجرة بالحياة والموت أيضاً،‮ ‬تبدو بيروت بجانبها وكأنها‮ ‬غير مرئية،‮ ‬عصية علي الإمساك بها،‮ ‬ولأنها كذلك فيبدو وكأن رخا يبادلها انغلاقها،‮ ‬إن سرنا وراء الأكليشيه أن‮ “‬المدن كالنساء‮” ‬ستكون بيروت هكذا امرأة باردة لكنها تهوي مطاردة الرجال لها،‮ ‬وفي النهاية لن تمنح واحداً‮ ‬منهم شيئاً،‮ ‬الحياة بالنسبة لها هي تلك المطاردة دون الالتفات إلي عبثية الفعل الذي لا يؤدي إلي نتيجة‮. ‬غير أن تلك الرحلة من وجه آخر تبدو وكأنها ترانزيت بين البلدين،‮ ‬بين المغرب والإمارات،‮ ‬استراحة يمهد بها المؤلف ليفصل بين ذلك العنف الرومانتيكي والعنف الذي يفرضه واقع فج شيد منظومته علي قواعد لا تعترف بالخيال‮.‬ ‮

مثير للدهشة كم يمكن للغة والأسلوب وطريقة التفكير أن تتحول هكذا،‮ ‬كيف يمكن للبلاد أن تفرض منطقها وإيقاعها علي زائرها‮. ‬كان علي أن أعاود القراءة منذ البداية،‮ ‬من رحلة المغرب،‮ ‬فقط لمعاينة هذا التحول،‮ ‬كان يبدو وكأني أمام كاتبين،‮ ‬حالة مذهلة من الفصام‮. ‬هل الخليج قبيح إلي هذا الحد؟ إلي الدرجة التي لا يعود في مواجهته سوي التخلي عن لغة مليئة بالخيال إلي أخري صريحة وواضحة‮. ‬يبدو أن الإجابة‮: ‬نعم‮. ‬المسألة دوماً‮ ‬تتوقف علي قدرة الرؤية ومواجهة الواقع الخفي خلف المباني المبهرة،‮ ‬أن هناك‮ “‬حزن أرجواني في المنتجعات‮”. ‬ذلك الحزن الذي يلحظه المؤلف علي وجوه النادلات الفليبنيات عندما يختلين بأنفسهن للحظات والذي يتبدل إلي ابتسامات مرحة عند استقبال زبون‮. ‬وسائل الخلاص ونسيان الواقع بالنسبة للآخرين تتحول معه إلي عنصر آخر للتصادم مع الواقع‮ ” ‬تصبح‮ “‬المزة‮” ‬التي في السيارة عبئاً‮ ‬بعد أن بدت وكأنها الخلاص‮. ‬وتعود تفكر في حقوق الإنسان‮”. ‬لا أحد يعرف أحدا،‮ ‬التواصل عملية محكومة بالمنطق الاستهلاكي والنفعي الذي يحكم كل شيء آخر،‮ ‬و”المواطنون زبائن المنتجع الغائبون إجمالاً‮ ‬عن الحياة اليومية،‮ ‬أما بقيتنا من الوافدين فلا‮ ‬غاية من وجودنا سوي خدمتهم‮”. ‬هذا رغم انتباهه إلي أنه خلف الزي الخليجي الموحد هناك أفراد لهم أذواق متنوعة وقرائح ثائرة ليس فقط علي تقاليد يتعاطونها مثل‮ ‬غريق يتعلق بقشة،‮ ‬ولكن بالأحري ـ علي حداثة لم يصطدموا بها حتي جعلتهم فرقاء منفيين‮”. ‬محاولة للبحث عن الناس والتاريخ والثقافة،‮ ‬لكن السياق الاجتماعي الصارم سيمنع بالتأكيد‮ ‬غير أنه يواصل رغبته في التفهم،‮ ‬لكنها رغبة نظرية لا يدعمها تواصل،‮ ‬وكأن كل يتحرك في كون مواز،‮ ‬ربما هذا ما يجعله مع مضي الوقت‮ “‬أشعر بانتماء معقد للإماراتيين‮. ‬كأنهم أقرباء لي أجيال متتالية وأنا مقطوع عنهم‮. ‬أقرباء من البعد ـ في المكان والزمان ـ بحيث يبدون‮ ‬غرباء تماماً‮”. ‬تلك الغربة التي يسود منطقها لتصبح القانون الأول ومعها‮ “‬يصبح الحنين ملموساً‮ ‬كأصابع الحلوي‮”.‬ ‮ ‬لابد لكل هذا أن يصنع الحاجز بين الراوي وبين البلد،‮ ‬يجعله ولأول مرة لا يشعر برغبة في تعلم اللغة الجديدة التي يدور بها التعامل‮. ‬والأمر يتطور إلي أسئلة حادة تليق بهذا الواقع‮: ‬ما الفرق بين التحرر الجنسي والدعارة،‮ ‬هل يمكن أن تكون متمدناً‮ ‬دون أن تكون‮ ‬غربياً،‮ ‬أي من ثلاثة مفاهيم ـ الشعب،‮ ‬الدولة،‮ ‬الشركة الهادفة للربح ـ تطابق الوطن علي مساحة جغرافية،‮ ‬وكيف لصائد لؤلؤ اغتني فجأة أن يمارس عالميته المكتسبة؟ ‮

سابقاً‮ ‬كان الوعي بالذات في المغرب سخفاً‮ ‬انجليزياً،‮ ‬وسط الحياة التي لا يمكن إلا مجاراتها،‮ ‬إلا أنه في أبو ظبي يصبح الوسيلة الوحيدة لمقاومة السقوط في النمط الذي يسود بفعل الحال‮ “‬المصريون أنفسهم يتعلمون السكوت والعزلة وثقل الدم،‮ ‬في الغربة‮.”‬،‮ ‬في مواجهة مدينة قادرة‮ “‬علي نفي حتي المسجد إلي فضاء مول سبع نجوم‮.” ‬لا يمكن سوي التمسك بالتفكير فيما وراء كل هذا،‮ ‬في‮ “‬الإعمار‮” ‬الذي يشوش علي صوت الله الذي محله الفضاء،‮ ‬في ما يحدث لنا ونحن نعتنق أفكار البيض المثالية والساذجة عن القيم الإنسانية،‮ ‬في أن‮ “‬من يذهب إلي الخليج يسمن جراء كثرة الأكل وقلة الحراك،‮ ‬الأمر الذي يضمر اتهاماً‮ ‬ضمنياً‮ ‬بالتواطؤ مع الاستهلاكية البترولية و”بيع القضية‮”. ‬ثم في‮ “‬جدوي حياتي‮”‬،‮ ‬وفي معني الكتابة‮.‬ ‮”‬خيبة أمل أعمق من المحيط الهندي‮”: ‬سيتسرب إليك إحساسه وأسئلته‮. ‬ربما لهذا عليك الحذر منذ البداية‮… ‬يملك يوسف رخا تلك المهارة الخفية التي يستطيع بها أن يورطك معه‮.‬

الكتاب‮: ‬شمال القاهرة‮ .. ‬غرب الفلبين المؤالف‮ : ‬يوسف رخا الناشر‮: ‬رياض الريس