مينا ناجي: مختارات من أسبوع الآلام

عن كتاب “أسبوع الآلام” (قيد النشر): مينا ناجي

.

((وَثَقُوا يَدَيَّ وَرِجْليَّ. أُحْصِي كُلَّ عِظَامي)) – مزمور 22

.

فرحتنا. فرحتنا التى لا تسع شيئاً

ولا تستجيب إلا لنا.

فرحتنا أول الصيف. أول الموسم المغطى بالعشب الذى يكسو جدران الحمام وغرف النوم والطُرقة وجلودنا التى تنبهت أخيراً إلى وضعية أشد خطورة من مسك الليل. حان وقت فرحتنا التى أبكتنا كثيراً فى انتظارها الموقوت.

Continue reading

الكوب الألّاوي: محمود المنيراوي

wpid-275527174407592560_6860517-2012-09-16-17-31.jpeg

photo: Youssef Rakha

؏

ساكتٌ، قاعدٌ، راكنٌ ظهري إلى الحائط خلفَ الباب

عيوني تدور كأنما تتبعُ فراشة تحومُ حول المصباح؛

وأهلي في اضطراب من سكوتِي

أمي تُعدُّ لي الكمّادات والذي منه

أخي خرجَ ليبحثَ عن طبيبٍ “شاطرٍ”

وعاد إليَّ بشيخٍ ينفثُ كسحليةٍ آية الكرسي في كوبِ الماء

يمسكُ قبضتي، يفتحها إصبعاً إصبعاً؛

ويضعُ في كفِي كوبه “الألّاوي”

يصكُّ أسنانه ويقتلعُ حرفَ الشِين من بينِ لسانه وحنكهِ الأعلى

- اشرب يا ولدِي، وسَمِّ الله

لا حراك

يقعُ الكوبُ فينكسرُ؛

فتهربُ نملة من مائهِ؛

وتشربُ الأرض حروف الله دون أن يتشقق البلاط!

يحاول صاحب اللحية بمسبحةٍ أن يدغدغني

لا حراك

كفاه خوذةً حول جمجمتي

يقرأُ ما تيسر من القرآن ويضغط

لا حراك.

الشيخُ على ركبتيهِ أمامي

العائلة حولنا كإسورةٍ تدور

عقربُ الساعةِ يتحرك

وحشرجة لبابِ الغرفة

إذ تطلُّ أختي بنصفِ رأسها من خلفِ البابِ لتطمئن

منفضة السجائر الممتلئة على آخرها وقعت

الرمادُ يطير

ابنة أختي تنسلُ من يدِ أبيها وتسيرُ “دادا دادا”

تخرجُ من الغرفة

ومن شقٍّ طوليٍ بين البابِ وإطاره، تبعتها بعينيَّ

تسيرُ “الدادا دادا”

إلى أينَ تذهب؟ أقولُ في سري؛

تذكرتُ الدَّرَجْ

صرختُ بأعلى صوتي البنت والدَّرج البنت والدَّرج.

ذهبت العائلة كلّها تجري؛

وتركوا لي الشيخ وحده

فقلت له : كُس أمك.

.

محمود المنيراوي

الطربوش: قصة

قبلما يمشي “زكريا” من عيادة الأسنان، سيناوله الطبيب شيئاً ملفوفاً في شاش. من غير ما ينطق، سيضع كرة الشاش الصغيرة لـ”زكريا” وسط راحة يده، وبرقّة وحسم يغلق عليها الأصابع – كما لو أنه واحد غني يتصدق على واحد فقير – ثم يربّت على القبضة المقلوبة ويسحب يده.  وسيخرج “زكريا” من العيادة وفي حلقه نصف ضحكة محبوسة منذ أطلق النصف الأول بعدما قبّل كرة الشاش وحكّها في قورته ثم أخفاها في جيبه مثل أي منادي سيارات يأخذ “استفتاحه”.  لأن “زكريا” قبلما يكمل ضحكته، اكتشف على وجه الطبيب تعبيراً عابساً وكأنه ينهره على رد فعله. لم يكن عند “زكريا” تفسير لفعل الطبيب سوى أن يكون تمثيلاً هزلياً يقصد به المزاح بعد جلسة علاج شاقة، الأمر الذي دفعه على أداء دور الشحات لإكمال المشهد. لكن لمّا أشاح الطبيب عنه بعصبية وكأنه يقول له “الحكاية ما تضحكش”، انصرف محبطاً من غير ما يفهم… العيادة قريبة من بيت “زكريا”، في شارع جانبي مظلم على الجهة المقابلة من ميدان واسع. حوالي ألف خطوة كما عدها في الطريق إلى هناك، لأنه يخاف من علاج الأسنان ويريد أن يلهي نفسه عن ما ينتظره. لكن ليلتها، وثقل البنج على فكه، سيبدو طريق العودة طويلاً جداً.  ومن غير ما يفك “زكريا” لفافة الشاش ولا حتى يُخرجها من جيبه، سيسترجع أول مرة فسد فيها الضرس الذي ذهب يعالجه ليلتها (ها هو الضرس – فكّر – يفسد للمرة الثانية): قبل عشر سنين تقريباً حفر نفس هذا الطبيب في ضرس “زكريا”. بخفة نزع العصب وحشا مكانه. ظل يقلّم حتى صار الضرس مدبباً وقصيراً، ثم ركّب فيه طربوشاً من البورسلين.  ولما ثبت الطربوش ابتسم لـ”زكريا” وقال: “سيبقى في فمك سنين طويلة.”  لن يخطر لـ”زكريا” حتى يستلقي على الكنبة، وفي يده كوب شاي مسكّر كأن البنج يذوب في سخونته، أن يمد يده إلى كرة الشاش التي أخرجها من جيبه وألقاها أمامه على الطاولة. سيضع كوب الشاي جانباً ويتناول لفافة الشاش يفكها. وفي ضوء “الأبجورة” يراه لأول مرة: الطربوش الذي زرعه طبيب الأسنان في فمه منذ عشر سنين.  ساعتها فقط تمر برأسه سنة كاملة لكل مئة خطوة قطعها في طريق العودة والبنج يشل نصف وجهه: سنة ما مات أبوه على سرير ضيق، وسنة ما أصابه أول انهيار عصبي جعله يكف عن تدخين الحشيش؛ سنة ما ذهب مع حبيبته في رحلة للتعافي في أصقاع آسيا، وسنة ما ترك حبيبته من أجل أخرى اختلف مع أبيها قبل أن يتزوجها. سنة ما زار لبنان لأول مرة وقرأ عن الحرب الأهلية هناك، وسنة ما تزوج ثالثة لن يستوي له العيش معها؛ سنة ما طلق زوجته ضد رغبتها، وسنة ما ذهب للعمل في إحدى دول الخليج؛ سنة ما عاد إلى وظيفته الحكومية، وسنة ما حصل على براءة أول اختراعاته العلمية.  سيضع “زكريا” الطربوش – بلا شاش – وسط راحة يده، وبرقّة وحسم… لو كان ضرساً مخلوعاً – يفكر – لما كان قد استغرب وجوده معه الآن، إنه – على غلوه المفاجئ – جماد. ولأول مرة، وهو قابض على الجسم الغريب الذي قبع في فمه عشر سنين من غير ما يلتفت له مرة، سيدرك السر فيما فعله الطبيب

Enhanced by Zemanta