تعقيباً على “صورة مسيئة” لعبد الناصر على فيسبوك

wpid-7981114_cp_photo-2012-07-25-00-48.jpg

الدرس المستفاد:

بالتدريج وعبر قراءة تعليقات الأصدقاء، يتضح أن هناك فكرتين منفردتين في الدفاع عن نظام يوليو متمثلاً في عبد الناصر فضلاً عن الفكرة الآنية الخاصة بتمايز ذلك النظام عن الإخوان المسلمين وبالتالي اعتبار نقضه يصب في مصلحتهم (مع أنه يبدو لي أن إخفاقات نظام يوليو وشموليته وأنظمة تشبهه كالبعث بشقيه والقذافي في ليبيا هي التي أدت إلى سواد الإسلام السياسي).

الفكرة الأولى تدور حول قوة مفترضة (الكرامة، الريادة، القيادة) مدعومة بالإنجاز في المجال العام؛ وهو ما قد يتحدث عنه الستالينيون في البكاء على الاتحاد السوفييتي وما اتضح في الحالتين أن أكثره دعائي ومسرحي أو أن فوائده كانت حكراً على الطبقة الحاكمة ولا علاقة لها بمصلحة (حقوق وحريات) المواطن.

هذه الفكرة يمكنني احترامها مع أنها لا تهمني على الإطلاق.

أما الفكرة الثانية التي تهمني – والتي يتم التعبير عنها بطرق شتى بداية من مطالبة كاره عبد الناصر بالموضوعية والاعدال أو الكلام عن حب جموع الناس (الشعب) لشخص عبد الناصر، وليس انتهاء بتوجيه تهمة الجهل أو العمى “التاريخي” لمن يحيّد ذلك الحب أو ينكر جدوى الإنجازات ونتائجها – فهي باختصار أن هناك رمزاً ممثلاً لمنظومة قيمية يعتبر القدح فيه بمثابة القدح في تلك المنظومة على طريقة “رسوم الكاريكاتير المسيئة لرسولنا”. وفضلاً عن أن عبد الناصر لم يمثل في الحقيقة المبادئ المفترض أنه يمثلها وفضلاً عن أن بعض هذه المبادئ تستحق القدح، فإن هذا يبدو لي متطابقاً مع توجهات الإسلام السياسي.

هذه الفكرة لا أحترمها على الإطلاق.

وفي مذكرة الدفاع:

أي تقييم موضوعي بيقول إنه كان حيوان ومجنون سلطة وإن استبداده وغباءه سبب رئيسي للي إحنا فيه… وكل وجع القلب ده راجع لإن فيه ناس كانوا (أو لسه) بيعبدوه باعتباره رمز لأفكار أثبتت لا جدواها. أنا واحد م الناس ما عادش عندي أي تسامح مع النوع ده من التزييف وكراهية الذات

ما فيش أبيض وأسود، فيه طرف بيحتقر عبد الناصر مش كشخص لكن كرمز أو توجه أو قيمة. ده اللي أقرب للي بيعمله السلفي ولا حالة القداسة اللي ما بتسمحش باحتقار عبد الناصر؟ وهل ردود الأفعال الحادة دي نابعة من إحساس “ديمقراطي” ولا من إحساس مسلمين كتير أيام “الرسوم المسيئة” بتاعت الدانمارك؟ الناس مش قادرة تقبل “إهانة” لـ”زعيم” وإحنا بنتكلم في المدنية ومواجهة الحق الإلهي… وكإن ده ما كانش نفس خطاب تأييد صدام والقذافي وحتى حافظ الأسد، والباشمهندس بيقول لك ادعاء الحقيقة المطلقة… وهي ثقافة الصياعة دي مين اللي أسسلها؟ مين اللي خلى القانون شكله كده؟ الناس محتاجة تصلي لأمراضها، واللي يقول لهم يا جماعة دي أمراض يبقى كافر عادي. أو لو مش عايز يقول لك كافر يقول لك أصل إنت زي التانيين. خالتي نخبوية بتسلم عليك وبتقول لك الله يرحمك يا عبناصر

ممكن يكون الموضوع ده وازع شخصي عندي لوحدي، أنا فعلاً مش عارف. طبعا ما فيش شك إن يوليو كان نتيجة وضع سابق عليه. اللي فعلاً مش شايفه هو إيه وجه التفاهة في الارتداد عن مرحلة وسخة أو إزاي نقضها معناه إنك بتنكر أسباب حصولها – يعني هو التجاوز ازاي هيحصل من غير “إدانة”؟ – بالذات وإن المرحلة دي في حد ذاتها كمان كان ليها نتايج حاضرة في الوعي أكتر من غيرها. تكسير الأصنام ممكن يكون صورة تانية أو صنم بديل (يعني أكيد بيتضمن خطر التحول إلى ده) بس هو جانب جوهري من جوانب تطور الإنسان وثقافته وعلى قد ما أنا شايف جانب بقاله قرون مش بيحصل بقدر كافي أبداً عندنا…

ملاحظة هامة

من السمات الأصيلة لما يسمى بالديمقراطية حدة الآراء والحرية في التعبير عنها. من يعتقد أن الديمقراطية تعني التوافق أو التأدب فهو حبيس الشمولية. لا أقول إنني أتولى الأمر أو أبتدعه، لكن خطابات هذا المجتمع بحاجة إلى “تطرف” في بعض الاتجاهات ولن تؤدي بنا “الموضوعية” و”الاعتدال” و”الوسطية” إلا إلى مزيد مما نحن فيه. الذين يرفضون الإسلام السياسي بحدة (وأنا أولهم) الأحرى بهم أن يتخلصوا من مطلقاتهم هم، والذين لا يرون ارتباطاً بين الزعامة والفحولة والمثاليات الوطنية وبين انهيار المواطن وغياب الحقوق والحريات هم سبب رئيسي في الغياب والانهيار

ومن ترانيم المؤمنين

آباء من الفضاء الخارجي

ثلاثة جُمَع ولا يبدو أن مبارك قد أدرك ما يحدث من حوله، لا هو ولا العاملون معه ولا قطاع آخذ في التضاؤل من المصريين الذين يفضّلون وهم اﻷمان على فرصة أن يكون لهم ولبلدهم معنى أو يحصلوا أخيراً على حقوق اكتسبوها بانقطاع أحبالهم السُرية. إما هذا أو أن التبجح والتنطّع قد جاوز حد العماء. والخسة  طبعاً، الخسة التي تُحوّل النَفَس، بين شهقة وزفرة، إلى كذبة سافرة. مجرد كذبة مكرورة مفترض من الناس أن يبتلعوها حتى بعد أن ذاقوا طعم الحقيقة وسجدوا على اﻷسفلت. أنا أعدك بذلك. منذ 1967 ونحن لا نصدق اﻷكاذيب بقدر ما نبتلعها خوفاً وبحثاً عن المصلحة المباشرة. في كل جهاز إداري وفي كل المجالات مبارك صغير يفعل ما يفعله مبارك، تحكمه الاعتبارات العائلية واعتبارات تحالف النصابين أكثر ألف مرة من الرغبة في التنمية أو الإنتاج. ومن قبل حتى أن يولد مَن أطلق شرارة اﻷحداث الجارية، كانت الرؤى القومية/ اليسارية قد ذهبت وبقيت، بلا مبرر، الدولة البوليسية. ذهب  الزعيم (على كل ما في فكرة الزعامة من قيد) وبقي الديكتاتور. الحرامي. مجرد صنم أجوف، صدقني. وليس من يمنعه من التصرف وكأنه سلطان يورّث عزبته لابنه بينما تقبّل الوزيرة يدَ امرأته أمام الكاميرات. لكن الدم الذي يجري في عروق مبارك ليس أزرق. ونحن نعلم. لا يمكن أن يظل الناس يصلون لإله عجوة إلى اﻷبد، خاصة وأن نعيمه لم يعد مواتياً. ومنذ سنين وسنين وقد تحولت اﻷشغال والمآرب إلى تمثيليات نبحث ﻷنفسنا بين طياتها عن مساحة مسروقة يمكن أن نكون فيها بشراً: الكتب التي لا يقرأها أحد ﻷن أكثر من نصفنا أمي؛ العمل الذي لا يأتي على أكثرنا بالربح الكافي للعيش ويتلخص إجمالاً في تملق الرؤساء؛ العشق الذي يخصَّص قسم كامل من أحد أقبح أجهزة اﻷمن في العالم لمنعنا من ممارسته؛ الفنون ومباهج الحياة التي يضيّق عليها مشروع سلفي اتضح منذ 25 يناير أنه (وبخلاف مشروع الإخوان المسلمين ) متواطئ بالكامل مع السلطة ويساهم في تحجيم الجماهير لتسهيل استبدادها بالقرار. ولا قرار. التعليم والصحة والزراعة والمواصلات وحتى السياحة، فضلاً عن تجاوزاتالشرطة: كل شيء فاسد وغبي ومزيف. خلاف ضخ اﻷموال العامة في الحسابات الخاصة وتنفيذ ما تأمر به أمريكا حرفياً بلا اعتبار لا للهوية العربية ولا للضمير الإنساني، بالذمة، ماذا فعل نظام مبارك في الثلاثين سنة الماضية؟ ثم لحظة من فضلك. بأي حق يخاطبني اﻵن شخص أثبت لي بالقنابل المسيلة للدموع والذخيرة الحية والتضليل الإعلامي والمسيرات المدبرة والبلطجية المسلحين بل وبالجمال والحمير أنه ليس سوى رئيس عصابة؟ ثم بأي حق يكلمني بوصفه أباً أو حتى جداً مخرّفاً؟ بأي منطق يظنني سأصدق أن الشهداء أوجعوا قلبه أو أنه لن يقبل إملاءات من الخارج؟ ولا يفتأ نائبه الجديد، مهندس عملية السلامالعربي/ﻹسرائيلي  اﻷول – رافعاً المجرور وناصباً المرفوع – يحدثنا بكل هدوء عن اﻷجندات“! إلى مبارك وعمر سليمان وأحمد شفيق وأنس الفقي وسائر المخلوقات الفضائية: بحق  ما يجعلنا نتنفس ويخرج الصوت من حلوقنا، لن يعود أحد إلى بيته حتى تصبح لنا بيوت؛ لن نعود إلى الحياة حتى نشعر أننا أحياء. وأنتم  لستم آباءنا، يا قحابْ

صباح 11 فبراير قبل التنحي

Enhanced by Zemanta