أغنية الماعز: قصة حسن بلاسم

حسن بلاسم

أغنية الماعز

IMG_8008

 كان الناس ينتظرون في طوابير، ليرووا حكاياتهم. تدخلت الشرطة لتنظيم الأمور. أغلق الشارع العام المحاذي لمبنى الأذاعة أمام حركة السيارات. وهناك أنتشر النشالون وباعة السجائر المتجولون. وكانت شديدة المخاوف ُمن أن يندس إرهابي بين الناس ويحيل كل هذه الحكايات الى عجينة من اللحم والنار.

تأسس راديو ( الذاكرة ) بعد سقوط الدكتاتور. ومنذ البدء أخذت الأدارة بنهج وثائقي لبرامجها. لا نشرة أخبار ولا أغان، مجرد تقارير وثائقية وبرامج تنبش في ماضي البلاد. وجاءت الراديو شهرة كبيرة بعد الأعلان عن خبر تسجيل برنامج جديد بعنوان ( حكاياتهم بأصواتهم). وتوافدت الحشود على بناية الأذاعة من كل أنحاء البلاد. كانت الفكرة بسيطة : أختيار حكايات و تسجيلها بأصوات أصحابها ومن دون ذكر للأسماء الحقيقية ثم يختار المستمعون أفضل ثلاث حكايات تنتظرها جائزة مالية ثمينة.

Continue reading

تعقيباً على “صورة مسيئة” لعبد الناصر على فيسبوك

wpid-7981114_cp_photo-2012-07-25-00-48.jpg

الدرس المستفاد:

بالتدريج وعبر قراءة تعليقات الأصدقاء، يتضح أن هناك فكرتين منفردتين في الدفاع عن نظام يوليو متمثلاً في عبد الناصر فضلاً عن الفكرة الآنية الخاصة بتمايز ذلك النظام عن الإخوان المسلمين وبالتالي اعتبار نقضه يصب في مصلحتهم (مع أنه يبدو لي أن إخفاقات نظام يوليو وشموليته وأنظمة تشبهه كالبعث بشقيه والقذافي في ليبيا هي التي أدت إلى سواد الإسلام السياسي).

الفكرة الأولى تدور حول قوة مفترضة (الكرامة، الريادة، القيادة) مدعومة بالإنجاز في المجال العام؛ وهو ما قد يتحدث عنه الستالينيون في البكاء على الاتحاد السوفييتي وما اتضح في الحالتين أن أكثره دعائي ومسرحي أو أن فوائده كانت حكراً على الطبقة الحاكمة ولا علاقة لها بمصلحة (حقوق وحريات) المواطن.

هذه الفكرة يمكنني احترامها مع أنها لا تهمني على الإطلاق.

أما الفكرة الثانية التي تهمني – والتي يتم التعبير عنها بطرق شتى بداية من مطالبة كاره عبد الناصر بالموضوعية والاعدال أو الكلام عن حب جموع الناس (الشعب) لشخص عبد الناصر، وليس انتهاء بتوجيه تهمة الجهل أو العمى “التاريخي” لمن يحيّد ذلك الحب أو ينكر جدوى الإنجازات ونتائجها – فهي باختصار أن هناك رمزاً ممثلاً لمنظومة قيمية يعتبر القدح فيه بمثابة القدح في تلك المنظومة على طريقة “رسوم الكاريكاتير المسيئة لرسولنا”. وفضلاً عن أن عبد الناصر لم يمثل في الحقيقة المبادئ المفترض أنه يمثلها وفضلاً عن أن بعض هذه المبادئ تستحق القدح، فإن هذا يبدو لي متطابقاً مع توجهات الإسلام السياسي.

هذه الفكرة لا أحترمها على الإطلاق.

وفي مذكرة الدفاع:

أي تقييم موضوعي بيقول إنه كان حيوان ومجنون سلطة وإن استبداده وغباءه سبب رئيسي للي إحنا فيه… وكل وجع القلب ده راجع لإن فيه ناس كانوا (أو لسه) بيعبدوه باعتباره رمز لأفكار أثبتت لا جدواها. أنا واحد م الناس ما عادش عندي أي تسامح مع النوع ده من التزييف وكراهية الذات

ما فيش أبيض وأسود، فيه طرف بيحتقر عبد الناصر مش كشخص لكن كرمز أو توجه أو قيمة. ده اللي أقرب للي بيعمله السلفي ولا حالة القداسة اللي ما بتسمحش باحتقار عبد الناصر؟ وهل ردود الأفعال الحادة دي نابعة من إحساس “ديمقراطي” ولا من إحساس مسلمين كتير أيام “الرسوم المسيئة” بتاعت الدانمارك؟ الناس مش قادرة تقبل “إهانة” لـ”زعيم” وإحنا بنتكلم في المدنية ومواجهة الحق الإلهي… وكإن ده ما كانش نفس خطاب تأييد صدام والقذافي وحتى حافظ الأسد، والباشمهندس بيقول لك ادعاء الحقيقة المطلقة… وهي ثقافة الصياعة دي مين اللي أسسلها؟ مين اللي خلى القانون شكله كده؟ الناس محتاجة تصلي لأمراضها، واللي يقول لهم يا جماعة دي أمراض يبقى كافر عادي. أو لو مش عايز يقول لك كافر يقول لك أصل إنت زي التانيين. خالتي نخبوية بتسلم عليك وبتقول لك الله يرحمك يا عبناصر

ممكن يكون الموضوع ده وازع شخصي عندي لوحدي، أنا فعلاً مش عارف. طبعا ما فيش شك إن يوليو كان نتيجة وضع سابق عليه. اللي فعلاً مش شايفه هو إيه وجه التفاهة في الارتداد عن مرحلة وسخة أو إزاي نقضها معناه إنك بتنكر أسباب حصولها – يعني هو التجاوز ازاي هيحصل من غير “إدانة”؟ – بالذات وإن المرحلة دي في حد ذاتها كمان كان ليها نتايج حاضرة في الوعي أكتر من غيرها. تكسير الأصنام ممكن يكون صورة تانية أو صنم بديل (يعني أكيد بيتضمن خطر التحول إلى ده) بس هو جانب جوهري من جوانب تطور الإنسان وثقافته وعلى قد ما أنا شايف جانب بقاله قرون مش بيحصل بقدر كافي أبداً عندنا…

ملاحظة هامة

من السمات الأصيلة لما يسمى بالديمقراطية حدة الآراء والحرية في التعبير عنها. من يعتقد أن الديمقراطية تعني التوافق أو التأدب فهو حبيس الشمولية. لا أقول إنني أتولى الأمر أو أبتدعه، لكن خطابات هذا المجتمع بحاجة إلى “تطرف” في بعض الاتجاهات ولن تؤدي بنا “الموضوعية” و”الاعتدال” و”الوسطية” إلا إلى مزيد مما نحن فيه. الذين يرفضون الإسلام السياسي بحدة (وأنا أولهم) الأحرى بهم أن يتخلصوا من مطلقاتهم هم، والذين لا يرون ارتباطاً بين الزعامة والفحولة والمثاليات الوطنية وبين انهيار المواطن وغياب الحقوق والحريات هم سبب رئيسي في الغياب والانهيار

ومن ترانيم المؤمنين

GREEN-أسئلة الثورة

This slideshow requires JavaScript.

بالنسبة للي بيقولوا البلد حتنضف رغم أنف مش عارف مين، طيب هي لو البلد نضفت حيفضل إيه؟ بجد يعني: هل اللي بيحبوا “الوطنية” و”الإسلام” مستعدين يواجهوا حقيقة إن الحاجتين دول ما ينفعش ينفصلوا عن وساخة البلد؟ أو إنهم هما شخصياً – المثقفين، المناضلين، الدعاة، الناشطين وغيرهم من أصحاب الحناجر – أكل عيشهم أصلاً في استمرار الوساخة؟ هل فيه أي احتمال إننا بدل ما نبقى بنتكلم عن زعيم دكر ودين عظيم ووطن اللهم صلي ع النبي، نبتدي نتكلم عن حقوق وحريات وإنجازات ليها معايير موضوعية؟ ولا إحنا فعلاً محتاجين الوساخة عشان نحس إننا نضاف كأفراد بس الظروف هي اللي مش مساعدانا؟

مين سلم الحكم للمجلس العسكري بناء على قرار مبارك؟
مين انتخب ولسه مستعد ينتخب إخوان وسلفيين؟
مين رافع صورة الزعيم أو خياله على هيئة ناس كان بيمولها صدام والقذافي أو ناس عبيطة/بتستعبط بتكلمه عن حقوق العمال والفلاحين في بلد لا فيها صناعة ولا زراعة وفي عصر ما بعد العولمة الرأسمالية؟
مين عنده الشجاعة/البجاحة إنه يتحمل مسئولية الحكم “الإسلامي” نتيجة رفضه للمجلس العسكري؟
مين اللي وثني وكافر في عقايده: “اللي عارفين ربنا” ولا “العلمانيين”؟

حازم صاغية عن سوريا والعراق

wpid-n28196965278_1101277_9977-2011-08-10-15-47.jpg

سبب واحد يكفي بذاته كي نقول إنّ على النظام السوريّ أن يرحل. دع جانباً السياسة والاقتصاد والتعليم والسياسة الخارجيّة والأداء الحربيّ.

السبب المقصود هو الانتقال بين ليلة وضحاها من وضع كان يبدو فيه أنّ السوريّين كلّهم، ومعهم اللبنانيّون، صامتون عن بشّار الأسد ونظامه، إلى انفجار هائل في إبداء الرفض والمقت والكراهية للنظام المذكور ورأسه وأسرته وحزبه.

بالمقارنة بين هذا الانفجار الذي أتاحته شجاعة أبناء درعا، قبل أن ينضمّ إليهم شجعان المدن والبلدات الأخرى، وبين الصمت السابق المفروض والمعمّم، نستدلّ إلى درجة الخوف الذي كان يسري في عروق السوريّين، واللبنانيّين استطراداً، حين كانوا صامتين.

وهذا خوف تعزّ نظائره في تجارب أنظمة القمع والاستبداد. والأنظمة التي تخيف إلى هذا الحدّ ينبغي… ماذا ينبغي أيّها الأصدقاء؟

***

تجنّب أيّ عراق؟

الحياة – الثلاثاء, 09 أغسطس 2011

حازم صاغيّة

مع اندلاع الانتفاضات العربيّة أطلق البعض فكرة صحيحة مبدئيّاً، إلاّ أنّها، بقياس الوضع العربيّ، سهلة ومستعجلة. مفاد تلك الفكرة تفضيل التغيير من الداخل على التغيير من الخارج. أمّا الحجّة القاطعة فهي، بالطبع، وضع العراق اليوم، العراق الذي أطاحت القوّات الأميركيّة حكمه الاستبداديّ في 2003.

هذه الفكرة وهذا التفضيل الصحيحان من حيث المبدأ، بل البديهيّان، وجدا أحسن مسوّغاتهما في التجربتين التونسيّة والمصريّة اللتين شابهتا ذاك المبدأ. بيد أنّ التنبّه لم يكن كافياً إلى أنّ الدولة – الأمّة في مصر وتونس تبقى أوزن من الولاءات ما قبل الحديثة وأثقل، وإلى ما يترتّب على ذلك من وحدة المؤسّسة العسكريّة ووحدانيّتها، ومن محدوديّة القمع، على شناعته، قياساً بالقمع الصدّامي وما يماثله في بضعة بلدان عربيّة.

فحين اضطرّت الانتفاضة الليبيّة إلى الاستعانة بقوّات الناتو، وحين تبيّن أنّ طريق التغيير طويلة وشائكة في اليمن وسوريّة، فضلاً عن ليبيا، سرى الانتباه إلى أنّ شيئاً من العراق يقيم في هذه البلدان، تماماً كما سبق للعراقيّين أن تنبّهوا إلى أنّ شيئاً من لبنان يقيم فيهم.

إذاً ليس التدخّل الخارجيّ هو العنصر الذي ينبغي اجتنابه في تجربة العراق. ما ينبغي اجتنابه شيءٌ عراقيّ آخر هو الميل إلى إنكار التدخّل الخارجيّ، بعد المطالبة به، ومحاولة الالتفاف، من ثمّ، على نتائجه الطبيعيّة. وكان لهذا السلوك، لدى معظم النخبة الحاكمة في بغداد، أن قذف شطراً من الأمّة العراقيّة إلى الحضن الإيرانيّ من دون أن يخلو الأمر من توسّل الارهاب، فيما قذف شطراً آخر إلى الإرهاب المفتوح الذي مارسته «القاعدة» وأخواتها.

فقد استقرّ توازن الحساسيّتين عند الإمعان في التطييف، والمضيّ في خنق ما تبقّى من وطنيّة عراقيّة جامعة. وكان طبيعيّاً في هذا السياق وأد آخر ما تبقّى من سياسات تقدّميّة قيل إنّ العراق الجديد سيكون نموذجها ومنارتها. وانتهى الأمر بمسار التعفّن هذا إلى الموقف الحاليّ المشين من الانتفاضة السوريّة، دعماً لنظام يشبه النظام السابق في العراق، نظامٍ سبق أن اتّهمه العراقيّون برعاية الارهاب في بلدهم. وهذا جميعاً لم يكن مصدره إلاّ الاعتبار الطائفيّ الذي ساق النظام العراقيّ الجديد إلى طهران.

فبالطائفة وبإيران مُلئ الفراغ الكبير الذي أنتجه أصحاب تلك المواقف الذين جاؤوا من أحزاب راديكاليّة كـ «الدعوة»، وكانوا وما زالوا محمّلين بأثقال الوعي الخرافيّ، العروبيّ والإسلامويّ والشعبويّ، الذي لا تلتحم أطرافه إلاّ عند العداء للتدخّل «الاستعماريّ» «الغربيّ» «الصليبيّ»، تبعاً للمقدّمة الايديولوجيّة التي ينطلق منها كلٌّ من هذه الأطراف. وليس من المبالغة القول إنّ أيدي هؤلاء لا تبني مجتمعاً سياسيّاً حديثاً، بل تنشئ «تعدّديّة» استبداديّة مصفّحة بالخرافات والتنازع الأهليّ، كان آخر تمثيلاتها أمر مقتدى الصدر لمحازبيه بألاّ يستخدموا المكيّفات في حرّ الصيف العراقيّ القائظ. ومقتدى الصدر هو الأكثر راديكاليّة في رغبته بإخراج الأميركيّين من العراق وفي هواه الإيرانيّ.

وأغلب الظنّ أن تجد الانتفاضات العربيّة نفسها، كلّما زادت حاجتها إلى السياسة، مدعوّة لمكافحة هذا البُعد في التجربة العراقيّة، لا إلى مكافحة ذاك: إلى التحلّل من الأثقال والموروثات الإيديولوجيّة التي يلتقي على معظمها مقتدى الصدر وبشّار الأسد ومعمّر القذّافي وعلي عبدالله صالح، وإن كانوا في اللحظات العصيبة يعاملونها كجثّة كلب ميّت.

والأحسن تهيئة الشعوب والرأي العامّ لمثل ذلك.

لسان العرب

لكي يَقنَع مُحرري بصواب الصياغة، سيكون علي أن أجاريه في حجب الألف-لام نهائياً عن كلمة «بعض»، مع أن سيبويه نفسه لم يضن عليهما بالوصال (سيبويه لم يكن عربياً). أن أحشر في بداية «جَفَل» همزة على ألف، لحد الآن لم أدرك ضرورتها. أبدّل «عمل» بـ«فعل»، كل مرة. ولا أخنع للرغبة المبقبقة في الاستعاضة – بعد «مصاص» – عن الدماء بالدم، متناسياً أنني أشعر مع محرري مثل تائب يذكره الإمام بالفرائض: لا تسبق الأقوال قائلها، لا يأتي الاسم قبل الفعل (إلا مشفوعاً بـ«إنّ»)، لا تتصل جملتان معنوياً من غير عطف. لكنني في الحقيقة سعيد بفسقي، ووحده الإمام أساء فهم مروري على باب المسجد. يبدو أنني أعشق الأخطاء، أو قل أبحث في حائط مسمط عن خروم تتسع لأصابعي المتشبثة بالفصحى، فيما أتسلق إلى حيث لا لغة على الإطلاق. ويوم أصل إلى ذلك المكان (الجانب الآخر)، لن أرى إلا القدم الصغيرة لامرأة صينية من قرن سابق: عضواً ضامراً قيّحه الجمال. فأستريح للأبد من البديهيات: أن اللغة فعلاً صديق (لا يجب أن نبذل معه كل هذا الجهد)، أن الكلام يحيا في اصطلاحه، أن البلاغة لا يمكن أن تكون قدم امرأة صينية. لن أقول لمحرري إن «مِن» – ذلك النتوء السافل – حين يسبق «دون»، قوةً واقتداراً، أحسه سيخاً في شرجي. ولا أنه بيقينه المهني ليس سوى حانوتي آخر، يضع رجلاً فوق رجل وسط أطلال الكارثة الحضارية. هنا كما في سائر الأعراف البدائية لبوليس الفصاحة، سأرضخ للائحة العمل في جريدة النهار (تلك المكتوبة قبل إعدام صدام، بل قبل إعلان إسرائيل دولة مساهمة عربية). أيهما الأصح: تخرّج في – أم من – الجامعة؟ لن أعترف لمحرري بأن طه حسين كان تافهاً بل سفيهاً، حين شغل نفسه بمثل هذا السؤال. وتجنباً للإحراج، لن أشير إليه مجرد إشارة، بأن «اقتراحاته» تشعرني أنني غريب على اللغة العربية («غريب على الخليج» عنوان قصيدة بدر شاكر). سأخفي قيئاً نحوياً يتصاعد في حلقي. وحتى أقنع بأن أئمة المساجد عنيدون كالبغال، ولا سبيل إلى سبر رؤوسهم بما يتيح تسريب بهجة المحرّمات، سأظل أساهم في تنفيذ مؤامرة محكمة، للتأكد من أن اللغة، لغتي، لا تعيش إلا خارج الكتابة.