الشِعر في لوحات

ذكرني اللغط المحيط بصدور كتيب مختارات مجلة إبداع “صيد وحيد” بحقائق لا أبالغ إذا قلتُ إن نسيانها شرط للحفاظ على صلتي بالكتابة. وبصفتي متابعاً إن لم يكن منتجاً للأدب، كانت افتتاحية مدير تحرير المجلة في العدد المزامن مذهلة، حيث كشف للقارئ أن الكتيب لم يكن سوى فخ لإثبات أن قصيدة النثر كومة حصى تستحق أن تكنسها المؤسسة كما لازالت تفعل بعد عقود من استحواز صيغة الشعر المنثور على اهتمام الغاوين. ففضلاً عن أن في التعليق إهانة لمن كُلّفوا بتحرير الكتيب من زملاء مدير التحرير نفسه، من العبث أن يُسَبّ إنتاج الكاتب في المطبوعة التي استكتبته بكامل إرادتها، خاصة إذا ما حدث بدعوى أنها إنما فعلت لتثبت عدم جدارة ذلك الكاتب بصفحاتها!

خطر لي في هذا السياق أن المؤسسة الفاسدة وحدها تسمح بمثل ذلك الجنون (كما تتيح لأحد موظفيها أن يكون في اللحظة نفسها المانح والممنوح للجائزة الكبرى والوحيدة في مهرجان هو أسسه وأداره) وأن غياب المساءلة يوفر مناخاً مواتياً للتعريض المجاني بأي خصم مفترض على حساب المجلة والمساهمين فيها سواء. لكنّ ما لم أستطع تفسيره هو تكالب شعراء النثر أنفسهم على أن يكون لهم مكان في “صيد وحيد”، ولدرجة اتهام بعضهم لبعض بسرقة “أفكار” القصائد بل وإعلانهم عن فرحتهم بأن المؤسسة منحتهم شرعية الوجود (لتعود وتسحبها على الفور؟) يعني: لا مال ولا مجد في “إبداع”، فكيف يمثّل اعتراف أحد الأذناب المقطوعة للدولة البوليسية مكسباً؟

لكنّ مَن خاصم المؤسسة مقدّماً – مستعرضاً ذيوع كتابته في لغات غير العربية – بدا مبالغاً في رفضه وأحرج أنداده الأكثر تهذّباً (فهل ورود نص للشاعر في “إبداع” يهدد مصداقيته إلى هذا الحد؟ وماذا عن الواردة نصوصهم ممن تُستحسَن كتابتهم كأفراد؟) لعل في اللغات الأخرى شرعية أجدى بالفعل، مع أنه يبدو لي أن الشعر يخسر أكثر مما يكسب في الترجمة. وسواء اكتسبت قصيدة النثر شرعيتها من وزارة الثقافة أو من نجاح دولي يتيح مقاضاتها، لم يثبت “صيد وحيد” سوى أن الشيء المنزّه عن الربح والسجال، الشيء المهم لدرجة جرجرة كتّابه إلى أمور كهذه، ذلك الذي نسميه شعرا

ليس مهماً على الإطلاق

أنت والتنين

بينما تزقزقين في “رُبع غير معلوم الحال” (هكذا تُعَنوَن الأماكن المجهولة على الخرائط القديمة)، صارت كلمة “التنين” تُستخدم بغرض المبالغة، كأن يُقالَ – بدلَ “حزن شديد”، مثلاً – “حزن التنين”. وخطر لي لأول مرة إثر سماعها أنه لابد من طريقة أخرى لخرق المتاريس. كنتُ على بوابة مرقص غادرتُه جرياً منذ خمسة عشر عاماً. وبعد خمسة عشر عاماً، والموسيقى نفسها تسحبني – مع أنني لست راقصاً ولا أحب الرقص – كانت عيني تنسل إلى الأضواء اللفّافة بالداخل. هذه المرة أيضاً لن يذهب اللقاء أبعد من عتبةٍ “كعبلتني” وأنا أخطو إلى الوراء مذعوراً بينما الراقص الوحيد الباقي ينفث في وجهي النار. وفكّرتُ أنه على الأرجح من طول احتمائي ضد عوامل التعرية والتعرض أنْ صار يسحرني الجلد الأخضر لزواحف الشوارع، تلك المخلوقات المفرّغة: أخالني في الدنيا لأملأها. عليك أن تدركي أنني لم أنس زقزقتك لحظة وإن قبلت بلغة تجعل من المخلوق الخرافي أداة توكيد. والآن أيضاً سأجري بعيداً عن بوابة المرقص، وستغفرين لي شرودي إلى هناك بأن تبصقي حزناً لا يركب على بهجة شفتيك. هل تعرفين كم كنتُ أبكي ابتسامتك وأنا أصارع التنين؟