أغاني لندن، شتاء ٢٠١٠



تدخين (Willesden Green)

لحظة الاختلال المفاجئ – 
ويدي التي فارقها للتو
كتاب القصائد الأخيرة، 
تتشبث بالزجاج 

–  هل لأنني تخيّلتُ 
رائحة "سيلفيا بلاث" 
في أنف "تيد هيوز" 
كدتُ أفقد توازني؟

على الحافة السميكة
للشباك الوحيد 
الذي يمكن فتحه، 
عالياً قرب سقف غرفتنا
حيث جهاز إنذار الحريق متأهب 
لأي سيجارة أُشعلها، 
والطقس سجن أو سحاب، 
كنتُ ملفوفاً في المعطف الطويل 
ورأسي في "الفريزر"،
أزفر دخاني وأقرأ 
لاهياً عن وضعي الأكروباتي

حين انزلقت قدمي. 

ودونما يوقظك ارتطامه – 
فقط تمتمتِ بشيء كالسؤال،
 قبل أن يعود نَفَسك 
يغيب في الأغطية السميكة 
وأنت تتقلبين من جنب إلى جنب،
ويهب شيء من رائحتك، 
أو هكذا خُيّل لي

– سقط على الأرض الكتاب.

كل ما أذكره أنك نائمة 
وأنا أقول لنفسي:

"فضلاً عن الغرام واللاغرام، 
الشِعر واللاشِعر، 
وألف شيء غالٍ 
لابد أنه أصبح رخيصاً؛ 

فضلاً عن الشهرة التي يقول لها 
في إحدى قصائده 
إنها ستجيء كما أرادتها تماماً – 
ستجيء الشهرة، 
هكذا يقول لها في القصيدة، 
ولكن بعد أن تكوني 
قد دفعت ثمنها: 
سعادتك، 
زوجك، 
حياتك – 

فضلاً عن الناشر 
والطبيب النفسي، 
المكتبة وقاعة المحاضرات، 
مَن المسئول عن الخلاف 
ومَن يعتني بالطفلين 
(كان أصغرهما قد مات منتحراً 
قبل عام من لقائنا: 
عالم أحياء مائية "ملو هدومه" 
في السابعة والأربعين) 
وعن ترهات الـفيمينيزم  
واللافيمينيزم أيضاً، 
بعد عقود من وفاتها؛ 

فضلاً عن كل ذلك" – 
هكذا أقول لنفسي
 
– "لابد أن رائحتها في أنفه 
كانت أبسط وأروع
من أن يقدّرها سواه." 

ودونما أتذكر أنني 
قبل أسابيع أو شهور، 
دخّنت بالطريقة نفسها في مالطة 
ولم أحس بالسعادة،
مع أن الطقس موسيقى
وموقع الشباك لا يضطرني
إلى الأكروبات – كانت أخرى 
لا رائحة لها في أنفي
نائمة مكانك، 
وبدا أن مالطة كلها
في الوقت نفسه
مكدسة وخاوية 

– شعرتُ الآن أنني 
محلّق في الأعالي
لأنني مازلتُ واقفاً
وأنا وأنت في غرفة واحدة 
بعد أو بالرغم من كل شيء، 
ووجدتني أنظر
إلى حيث وقع الكتاب؛

ودونما أدير وجهي 
إلى جسدك النائم،
أشهق وأهمس لك:

"نجونا يا جميل!"

    
"عبّوطة" (Victoria)

شيءٌ ما في مشيتكِ بعد أن نحّفتْكِ الغُربة
توازن صعب أو فقدان توازن 
بين ملبن هيكلك والأرض التي تحمله
ميل في لا أو أكثر من اتجاه
بالحذاء الرياضي والمعطف المدبوغ
مع الفرو حيث الخياطة أنت أصغر حجماً
وسط كل هذه الشخوص والمركبات 
على جانبي طريق بلا أهمية الآن
أربع عيون خائفة عبر الجليد
نصف دورة أخرى وذراعاك تائهان 
كأنك تبحثين عن شيء لاحتضانه 
بين بكاء لم تمسسه الأسئلة الوجودية
وبكاء من أن الفرحة مؤقتة
ألف صوت أتعرف بها على نفسي
دونما يبرح اسمي شفتيك
وألف صورة للطفولة ذاتها في الضوء
الآن وقد كبرتِ واشتد عود وحدتك 
حتى هضمتِ أملاحاً أنا بثثتها في كليتيك
وعاودك التساؤل عن مصيرنا
شيء ما في اختلال ركبتيك حفظ السر
وأن ما ينتهي لابد أن ينتهي 
أنت على رصيف كهذا كل مرة تبدأين 
بينما بعد يومين أو أسبوعين أودّعك 
وقد عثر الذارعان على إبطي.


وسواس (Harley Street)

حَذَرُكِ يشل الرغبة
وأنا أقطع طريقي
تبدو استحالتُنا بسيطة
وأسمع ألف بظر يشخلل
مثل ألف صَدَفَة في جوال
أحمله على كتفي.


المولد (The merryーgoーround at South Bank)

لا يعرف لها اسماً بالعربية: 
لعبة الملاهي الأثيرة 
في القصص الخيالي وأفلام الرعب، 
حيث جياد من خشب أو بلاستك 
تدور على قاعدة مستديرة 
والأطفال في الظلام 
على أضوائها يركبون. 

احتفالات الشتاء على ضفاف النهر: 

"المولد" في ألطف منطقة 
في لندن. 
وبينما حبيبته تبحث عن هدايا 
لأشباح ساكنين في ربع ثالث 
من عالم يفصلهما ويدعوهما للقاء 
بضعة أيام فقط وسط الفراق،
بينما في المبنى المشرئب فوقهما 
مثل عملاق من Meccano 
أو "روبوت" معماري، 
معرض فوتوغرافيا الصحافة – 

صور الصومالي الذي يرجمونه 
بأمر المحاكم الشرعية 
ستؤرّق "أبو الليل" شهوراً لأن الرأس 
وهو الشيء الوحيد البائن 
من جسد مدفون في التراب 
بدأ يغير لون الحصى بالدم، 

ولأن هؤلاء كما ظن نفسه ذات يوم 
هم أيضاً مسلمون 

– اشترى الحبيب ساعة جيب من نحاس 
على وجهها تنين 
ثم دفتراً سميكاً له غلاف قماشي 
يوحي بأنه كشف حساب 
من أيام "ليوناردو دافينشي"؛
ومن مكتبة كأنها المصران الغليظ 
 Royal Festival Hall للـ، 
ديوان شعر وحافظة أوراق ملوّنة. 

كانت حبيبته مبتهجة بالأكشاك؛
وبرغم أنها تترقب لقاءً، حتى هنا، 
يكون من شأنه 
أن يغيّر لون الجليد، 
تفط على كعبيها كعصفور 
فوق البلاطات، بين النهر والدرج. 
وبدون سابق اتفاق، وهي تفعل،
يلاعبها "غمّيضة" – 

هكذا تسميها حبيبته 
كما تقول "سكربينة" و"جزدان"، 
ولا تتورع عن نعت "حرارة" على الشفاه 
بأنها "طفشِة حِمّى" – 
فلا يقبض على كتفيها من وراء 
إلى أن يرى الخوف في شعرها
تحت حز طاقيتها الكبيرة؛
حينئذ يثبّتها تحت ذقنه،
تصبح للحظة أو يزيد 
"عروسة حلاوة" هو "حصانها"...

ثم يواصلان حركتهما آمنين 
وسط أشباح ليس من شأنها 
أن تغير شيئاً،
يتداولان أمر المكان الأمثل للعشاء. 

وحتى يبلغا لعبة الملاهي هذه 
South Bank في طريق مغادر
على غير انتظار، ويكونا قد تداولا 
الشالات والأقراط كذلك، 
خاتماً بفصٍ، حقيبةً مشرشرة...

بلا كلام يسترسلان في التساؤل
عن مصير ذلك الذي دام 
دونما يستجمع قوة دفع كافية 
للوقوف حيث يمكن
أن تتحلق حوله أشباح...
 
مع أنه لم يتردد يوماً في التجدد،
ذلك الذي دام بينهما، 
ولا عمل حساباً للـ"موالد"
أو محاكم تشرئب بالأسمنت من فوقها... 

 merryーgoーround يتوقفان أمام الـ. 

لا يعرف لهم اسماً ولا حبيبتُه: 
فرسان الخيال الصغار هؤلاء
يصرخون بفرحة أو رعب، 
وكأنهم يتعقبون مصائرهم 
في دائرة مفرغة. 

من صائد الغزلان إلى قائد الجحافل، 
والهائم في البراري 
يغني غراماً مستحيلاً:
صاروا كلهم أمام الحبيب فجأة
على صهوات جيادهم، 
يدورون بلا توقف حيث بدا 
أن أجساداً بلا عدد
يمكن أن تُدفن إلا رؤوسها. 

وإذا به يحوّط حبيبته بفزع 
من أن تغيب مرة أخرى 
أثناء "غميضة" يلعبانها
فلا يعود يجدها 
في ألطف منطقة في لندن
حيث جياد من خشب أو بلاستك 
تُمتطَى على ضفاف النهر
إله Royal Festival Hall والـ 
يثبّت تحت ذقنه الخليقة.


عشاء (Baker Street)

برغم الجليد المتراكم 
فتاتاً من الصوف الأبيض
وكونكَ لا يمكن أن تدخن
في مكان دافئ
اللقاء فرح عابر القارات
وتناغم النكهات عبقري حقاً
في المطعم الطلياني

كل ما في الأمر أن "البيتزا" 
جاءت حارة بدرجة مستحيلة
ما دفع النادل إلى الاعتراف
بأنه لا يختار لنفسه هذا الصنف
إلا حين يمتلئ خَزّان دموعه 

آكلها على العشاء – 
هكذا أخبرك النادل – 
ثم أُمضي الليلة أبكي 

هكذا ولو للحظة 
كان لابد من اجترار موتاك
أو كما يقول كفافيس
الذين فقدتهم 
وكأنهم ماتوا
ودونما تفسد الفرحة 
امتد خيطان شفافان 
كالثلج أو الكريستال
من وجهك إلى طبق "باستا" جديد
طلبتَه خالياً من الشطّة.

 

تدخين

elbadil | December 29, 2010 | التصنيف : إبداعات 

 

Willesden Green

إلى حنتوسو

 

لحظة الاختلال المفاجئ –
ويدي التي فارقها للتو
كتاب القصائد الأخيرة ،
تتشبث بالزجاج

– هل لأنني تخيّلتُ
رائحة “سيلفيا بلاث”
في أنف “تيد هيوز”
كدتُ أفقد توازني؟

على الحافة السميكة
للشباك الوحيد
الذي يمكن فتحه،
عالياً قرب سقف غرفتنا
حيث جهاز إنذار الحريق متأهب
لأي سيجارة أشعلها،
والطقس سجن أو سحاب،
كنتُ ملفوفاً في المعطف الطويل
ورأسي في “الفريزر”،
أزفر دخاني وأقرأ
لاهياً عن وضعي الأكروباتي

حين انزلقت قدمي.

ودونما يوقظك ارتطامه –
فقط تمتمتِ بشيء كالسؤال،
قبل أن يعود نَفَسك
يغيب في الأغطية السميكة
وأنت تتقلبين من جنب إلى جنب،
ويهب شيء من رائحتك،
أو هكذا يُخيّل لي

– سقط على الأرض الكتاب.

كل ما أذكره أنك نائمة
وأنا أقول لنفسي:

“فضلاً عن الغرام واللاغرام،
الشِعر واللاشِعر،
وألف شيء غالٍ
لابد أنه أصبح رخيصاً؛

فضلاً عن الشهرة التي يقول لها
في إحدى قصائده
إنها ستجيء كما أرادتها تماماً –
ستجيء الشهرة،
هكذا يقول لها في القصيدة،
ولكن بعد أن تكوني
قد دفعت ثمنها:
سعادتك،
زوجك،
حياتك –

فضلاً عن الناشر
والطبيب النفسي،
المكتبة وقاعة المحاضرات،
مَن المسئول عن الخلاف
ومَن يعتني بالطفلين
(كان أصغرهما قد مات منتحراً
قبل عام من لقائنا:
عالم أحياء مائية “ملو هدومه”
في السابعة والأربعين)
وعن ترهات “الفيمينيزم”
واللافيمينيزم أيضاً،
بعد عقود من وفاتها؛

فضلاً عن كل ذلك” –
هكذا أقول لنفسي

– “لابد أن رائحتها في أنفه
كانت أبسط وأروع
من أن يقدّرها أحد سواه.”

ودونما أتذكر أنني
قبل أسابيع أو شهور،
دخنت بالطريقة نفسها في مالطة
ولم أحس بالسعادة،
مع أن الطقس موسيقى
وموقع الشباك لا يضطرني
إلى الأكروبات – كانت أخرى
لا رائحة لها في أنفي
نائمة مكانك،
وبدا أن مالطة كلها
في الوقت نفسه
مكدسة وخاوية

– شعرتُ الآن أنني
محلّق في الأعالي
لأنني مازلتُ واقفاً
وأنا وأنت في غرفة واحدة
بعد أو بالرغم من كل شيء،
ووجدتني أنظر
إلى حيث وقع الكتاب

ودونما أدير وجهي
إلى جسدك النائم
أشهق وأهمس لك:

نجونا يا جميل

يوسف رخا



Enhanced by Zemanta