
تعقيبا على خواطر دونتها بعنوان “المجتمع الصايع ودولة الصياعة” كتب الصديق “س”: “معاك..بس انت مش معايا ان هناك قانون دفع بيحرك البشر،يفوق ادراكهم تقدر تقول كده انه آليه مسيطره عناصر كتير شكلتها منها اسباب تاريخية انت ذكرتها وكراكيب اجتماعية سوت العجينة بالتشكيل اللي اصبحو عليه الآن. بالطبع ليس هناك لذة تذكر في الفرجة فكلنا متورطون بشكل او بآخر..نحن لايمكننا ان نفسر انفسنا بمعزل عن روعة هذا التشكيل ومتقوليش انة مش رائع..حياة مبيته على رأي علاء خالد..وبما انها حياة تضيع بلا ثمن وبلا نبل تبقى…..صحيح تبقى ايه؟”.
كان من الممكن أن أجيب على ” س” بمجرد رأي سريع، أو بكلمتين كهزة رأس من شخص يريد أن يغلق الموضوع. لكني لا أريد له أن يغلق، بل ان ما أشار اليه من فكرة “الروعة” عاد واستفزني مجددا، فاطفأت السيجارة وقررت أن أكلمه بلهجة أكثر جدية.
أنا لم أفهم أولا تعبير “روعة هذا التشكيل” الا من منطلق مصري محلي أكرهه بكل ما في نفسي من حوافز الكره، ينظر المصري الى بلده وكأنها استثناء، وهناك فرق كبير بين أن تكون استثناء صنعه القدر، أعني الانتماء الى بلد ولدنا وعشنا فيه، وبين تكريس هذا الاستثناء لنصالح ذاتنا حتى على ما تكرهه.
العبارة لا معنى لها مطلقا الا هذه الرغبة التي أزعم أنها سليلة الطبقة المتوسطة غير القادرة على المواجهة الى النهاية أبدا، والتي تجبر كراهيتها على التلوي لتظهر في صورة ابتسامة شائهة لشخص يقول لك: ما هي الأمور حلوة وعادي أهه..
يريد أن ينقل اليك قناعة بأنه غير موتور، أنه أهدأ نفسيا، أنه يستطيع أن ينظر الى الأمور من جهة أخرى فيراها جميلة.. أو بالأصح متميعة، فيكون له الحق ألا يصل الى قرار، ويعلي من شأن حالته “اللاأدرية” ليضعك في مأزق الأخلاقي المتعصب، كأن الأمر شخصي.. لكن بطريقة ملتبسة ونفسية معقدة جدا.
والسؤال هل نتاج النقاش حول موضوع سياسي أو اجتماعي..الخ يفضي الى هذه النتيجة: أنه جميل أو غير جميل؟
وهذا يحتاج الى عودة لفكرة الجمال نفسها.
نقول عن لوحة جميلة حتى لو صورت شخصا يمزق “جتته” وهو هابط من السماء، لأننا نقول: انظر الى معاناة الانسان المعاصر، أو نقول: ضاع اليقين الى الأبد.. وهذا ما يريد الفنان قوله..
لأننا بطبيعة الحال نعرف أنها صورة، وأنه من الغباء أن نمد أيدينا الى الانسان في الصورة لأننا ببساطة سنمزقها.
لكن حين نرى انسانا يوشك على القاء نفسه من الشرفة بعد تجربة حب فاشلة، فانه من الصعب أن نتخيل أنفسنا، مطلين من النافذة المقابلة صارخين على أصدقائنا: انظروا الى هذه الروعة.
بل ان في ذلك شيء غير قليل من انعدام الضمير، وسوء تقدير مؤسف لحالة شخص حقيقي يتألم بشكل لا يطاق، ربما يمكننا بكلمة أو ببضع كلمات أن نعيد حياته الى غرفة معيشته الحميمة.
يبدو هذا بديهيا الى درجة السذاجة..
ليس معنى هذا أن الجمال لا يوجد الا في اللوحة فقط، أعني لا يوجد في الواقع، بل يوجد فيه حينما يتحول الى نموذج لشيء أبعد من فرديته، حين تصبح الأصوات والحركات والألوان منقولة الى عالم آخر يشكل فكرة محورية في حياتنا.. قد يحدث حتى بعد عودتنا من مشاهدة حادث حريق.. لكن ليس مطلقا أثناءه.. لأننا في مواجهته لا نكون أمام الحالة الرمزية بل أمام الحالة الخاصة الفريدة لشخص يحترق.
يمكن الرجوع خطوتين الى الوراء في الحقيقة لمعرفة أصل الموضوع، أعني أصل الطريقة التي صارت عرفا ثقافيا متداولا، هو العرف نفسه الذي دفع دوستويفسكي الى السخرية ضمنا من تورجينيف في رواية “الشياطين”. رأى دوستويفسكي في تورجينيف الكاتب الذي يسجل حادث غرق باخرة، وكأنه يقول بأسلوبه المتأنق: انظروا كم تمكنت من وصف هذا المشهد الانساني المؤثر.
قلت من قبل (وآسف على هذا التعبير) أن أجيالا عدة من المثقفين المصريين نشأت في الحاضنة “الشاعرية” ولا أقول الشعرية. الحاضنة التي تسمح لهم بالشعور بالتميز لأنهم يملكون مشاعر خاصة جدا وحساسة الى درجة الرهافة فيما يخصها، لكنها غليظة غلظة أنانية الطبقة التي تنتمي اليها، والتي علمتها اسلوب “الحق نفسك”، انها مدعوة بشيء مجهول الى التميز، وبخلق “لغة” خاصة لهذا التميز تساوم به طبقتها على الانتساب، ولذلك يكمن موضوعها في اللغة لا في الواقع، تختار أرض المعركة، التي تسمح لها بالشعور بغاية النبل تحت ضوء الأباجورة الخاصة بها، ان ما يأسرها ليس المشهد ولا مسؤليتها الانسانية تجاهه، لكن ما ستكتبه عنه، وبذلك تكون قد تصالحت مع واقعها، وعادت الى الانتساب اليه من باب خلفي دون تضحيات، فهي تناضل مع “الأسلوب” على أوراق يقرأها الأصدقاء بتمعن كبير. لذلك كان هناك حرص شديد منذ السبعينات على الهجوم الحاد ( وبعضه محق فعلا) على تيارات الوضوح الشعري، لكنها كانت في الواقع تؤسس مملكة “النص”، نوعا من الحماية ضد المحاسبة، ودليلا مضاعف لا يُخترق فاصلا بحجاب كثيف بين الالتزام الاخلاقي والفني وكأنهما متناقضان بالأساس.
يمكننا النظر الى ما فعله الكتاب منذ ثورة يناير: استثمار للحدث في صور شخصية شاعرية!
كم تحليلا دقيقا كتب؟ كم محاولة جريئة في استثمار الحدث الضخم لاعادة مراجعة المواقف والأفكار، لابتكار أساليب جديدة لنشر ثقافة حقيقية، ثقافة تفسر الحياة، ولا تقفز فوقها كالبهلوان باستعارات وصور؟ ما معنى أن أقدم قصيدة أو مشهدا تمثيليا أو حتى أغنية ثورية (أظنها كذلك) لشخص أسيء تعليمه، ويتعرض لبلبة موجعة لوعيه. تماما مثل شخص حريص جدا على تلقين “آداب” المائدة لآخر يحصل على طعامه من صناديق القمامة.
من يعرف أوليات اسعاف المرضى أهم بكثير في الميدان، من يستطيع أن يقدم للناس شرحا واضحا يشركهم في صياغته، من يضع أمامهم كتب غيره لأن هذا هو وقت القراءة، أي الوقت الذي يمكن أن تتحول فيه الى فعل تغيير.
لكن من قال ان هذا المثقف كان يفكر بالتغيير أو حتى يتصوره؟ أو لديه ولو صورة مهزوزة عنه؟ بل لقد كان يتعيش على انعدام فرصته ليغرق في النوستالجيا ويتاجر بها، باعتباره حامل مفاتيحها، ويكلمنا عن تجاربه الشخصية التي لا تعني أي شيء، بغرور من يظن حياته نموذجا، لمجرد قدرته الوقحة على صياغتها في كلمات.
أحتاج اليوم كتابا يعلمني فعلا، أي يعاملني كابن، كواحد من الناس يبحث عن لغة مشتركة، وعدالة في الشارع كما في النص.
ربما حين يحكي أحدنا بعد سنين ما شاهده يتنهد شاعرا بالجمال، أما الجمال الآن ففي مكان آخر، في نسيانه بالذات.
وأخيرا ما صنع النصوص الكبيرة فعلا هو هذا النسيان، هو احساسها المروع أن عليها أن تتخلى عن كل صيغة جمالية سابقة لأن ما تراه أكبر من فكرة الجمال.
سوف يفصل في هذا الحكم آخرون.. أما الكاتب الحقيقي فسيشعر بنوع من الخجل لأنه لم يقل كل ما يستحق القول.
مهاب نصر