حكاية مصر الآن

13426432025_9a543cbc84_b
ذات يوم عُزِل الرئيس المنتخب للجمهورية الثانية. كان منتخباً لكنه كان طائفياً. كان منتخباً وطائفياً لأنه إسلامي وكان يؤسس لدولة الخلافة متأخراً ثلاثة قرون. عزله الجيش لأن الجيش هو السلطة القادرة إثر انهيار التجربة الديمقراطية. لم يمر عامان على التجربة حتى انهارت. هكذا تتعاقب الأحداث في دولة الانقلاب بعد ستة عقود كاملة من حدوثه، حيث الرئيس هو الزعيم والبوليس والإعلام الموجّه. بعد ستة عقود يتنحى الزعيم فيسلِّم السلطة للقيادة العسكرية.

Continue reading

مهاب نصر: آباؤنا .. حزب الكنبة الفاسد

كتب مهاب نصر في ٢٥ نوفمبر ٢٠١١:

لا يعرض فيلم في بيتنا رجل، الا وتقفز صورة الأب الموظف، الذي ربى ابنه على الخضوع، والأدب المتمثل في انحناءة الرأس، انحناءة تبقى طول العمر، لأرواح تتحسب أن تأتي يد فتصفعها، أهم ما يعنيها أن تسير الحياة بلا مشاكل مع أن الحياة شنفسها مشكلة، وأن تمر دون مواجهات، وهو ما يعني أن تستبدلها بمواجهة طويلة مع نفسك تخرج منها مهزوما مسلما بالأقدار

Continue reading

حازم صاغية: نحن وأميركا وتشومسكي

ناس في الشوارع: صور يوسف رخا

This slideshow requires JavaScript.

*

حازم صاغية في الحياة؛ السبت ٣ نوفمبر ٢٠١٢

منطقة الشرق الأوسط ولاّدة لخرافات سياسيّة تؤمّن لنا اكتفاء ذاتيّاً، بل فائضاً، منها. أمّا أن نستورد، فضلاً عمّا نملك، خرافات من الخارج، فهذا كثير جدّاً.

اللغويّ والمفكّر والناشط السياسيّ الأميركيّ نعّوم تشومسكي، الذي يستولي على لبّه العداء لأميركا، قال في القاهرة، قبل أيّام، إنّ بلاده تناهض الديموقراطيّة في العالم العربيّ لأنّ الديموقراطيّة تناقض مصالحها. وعبارة كهذه، شأن كلّ عبارة من طينتها، سرت في ربوعنا كما تسري النار في الهشيم.

في سبيل مزيد من الدقّة، كان يمكن القول إنّ الولايات المتّحدة، إبّان الحرب الباردة، تآمرت حقّاً على تجارب ديموقراطيّة في إيران (مصدّق) وغواتيمالا (أربنز) في سياق صراع بين نفوذها ونفوذها الاتّحاد السوفياتيّ. وهذا الأخير كان، بدوره، معادياً للديموقراطيّة من ألفها إلى يائها. ثمّ بعد الحرب الباردة، ارتكبت الولايات المتّحدة خطأ شنيعاً في موقفها من الانتخابات في غزّة، ففشلت في امتحان من الصعب جدّاً النجاح فيه، بسبب تشابك الديموقراطيّة مع مسألة السلام الذي تتعهّده واشنطن، خصوصاً في ظلّ عدم اعتراف «حماس» بإسرائيل.

لكنّ التعميم على طريقة تشومسكي أقصر الطرق إلى التجهيل.

فأوّلاً وأساساً، هل كانت الديموقراطيّة، في الفترة الممتدّة منذ نشأة الكيانات العربيّة الحديثة حتّى 2005، مطروحة على جدول أعمال الفكر السياسيّ العربيّ؟ هل ظهر تيّار واحد قويّ وشعبيّ في العالم العربيّ يعتبر الديموقراطيّة قضيّته بحيث يمتحن ويتحدّى الموقف الغربيّ، والأميركيّ تحديداً؟ هل كانت القوى المؤثّرة في المنطقة، من الناصريّة إلى الخمينيّة مروراً بالثورة الفلسطينيّة، قوى تسعى إلى الديموقراطيّة؟ وهل كانت بُنى وتراكيب الأحزاب في العالم العربيّ، باليساريّ منها واليمينيّ، ديموقراطيّة؟ وما دام الأمر يتعلّق بالمصالح، فما هي الدول الكبرى التي تتّفق مصالحها مع قيام الديموقراطيّة في العالم العربيّ؟

في هذه الأسئلة يكمن الموضوع الأهمّ، والنتيجة المتحصّلة هنا هزيلة جدّاً. هذا حتّى لا نذكّر بأنّ بعض القوى الأكثر جماهيريّة في التجارب السياسيّة العربيّة، والأكثر عداء للغرب، إنّما وصلت إلى الحكم عبر الانقلاب السياسيّ على أنظمة شبه ديموقراطيّة.

وقد لا يكون من المبالغة القول إنّ التجربة اللبنانيّة، على قصورها، باتت، بعد الانقلابات العسكريّة العربيّة، التجربة الوحيدة القريبة من الديموقراطيّة. وليس الغرب هو الذي اغتال تلك التجربة التي كان يؤخذ عليها «عمالتها» للغرب!

الموضوع المركزيّ هذا هو ما تطرحه بطريقتها الثورات العربيّة الراهنة حين تباشر استعادة السياسة إلى دواخل البلدان، بدل أدغال الجيوبوليتيك العابر للحدود، مؤسّسةً الفرصة الذاتيّة الأولى لاحتمال ديموقراطيّ. غير ذلك يبقي الموضوع تائهاً جوّالاً، لا وظيفة له سوى إعفاء النفس من مسؤوليّاتها وإحالتها إلى أميركا. وكم هو معبّر أنّ أبطال إعفاء النفس من مسؤوليّتها باتوا، بعد تلك الفرصة الجديدة، أكثر جهراً بالعداء للديموقراطيّة «إذا كان هذا ما تعنيه»! (وكان هؤلاء بعد سقوط الاتّحاد السوفياتيّ قد بدأوا يرطنون بالديموقراطيّة رفعاً للعتب).

وفي الحالات كافّة، لا ينمّ أصحاب النزعة تلك إلاّ عن نباهة سياسيّة رفيعة حين يكون خطابهم الموجّه إلى أميركا هو التالي: «نحن نريد أن نحاربك ونضرب مصالحك ونقاتل إسرائيل. فهل أنتِ يا أميركا مع الديموقراطيّة التي لا نريد أن نبنيها؟».

أغلب الظنّ أنّ شبّاننا وصبايانا باتوا أقلّ استعداداً لسماع تلك العظات البليدة والتعميمات الساذجة حتّى لو صدرت عن نعّوم تشومسكي.

حازم صاغية

************************************************************

ملاحظة موازية عن صفحة يوسف رخا في فيسبوك

البلهاء جعلونا نصدق أن “الحراك الشعبي” وحده يمكن أن يحقق تقدماً؛ وحصروا التقدم المطروح في أسئلة سياسية/اقتصادية محسومة مسبقاً في حين أن الأسئلة الاجتماعية/الثقافية هي وحدها التي كان يمكن أن تفرق معنا. السؤال الآن: هل يمكن إحداث أي تغيير حقيقي في بلد عربي دون تحويل ذلك البلد إلى ساحة صراع طائفي وفتح حنفيات الدم والنزوح بلا طائل؟ لا يختلف أحد على بشاعة مافيا عائلة الأسد، مثلاً؛ لكن الثورة السورية، والتي ظُن خطأ أنها يمكن أن تستبدل تلك المافيا بنظام حكم ديمقراطي تعددي يحترم حقوق الإنسان ويتطلع إلى الكفاية والعدالة، ماذا حققت إلى الآن وماذا يمكن أن تحقق – حتى لو نجحت – وقد تحولت إلى حرب أصولية على النفوذ الشيعي؟ وهل وفر على مصر وتونس الدم والدمار سوى أن حكومتيهما عميلتان لـ”قوى الاستعمار” وبالتالي قادرتان على تسليم السلطة لفريق جديد من العملاء بسرعة نسبية؟ متى ندرك أن هذه ليست دولاً وإنما مستعمرات، وأن المسئول عن كونها وبقائها كذلك هو – قبل أي طرف آخر – سكانها أنفسهم، حيث الكلام عن التحرر ليس إلا ذريعة لمصالح من شأنها أن تنفي احتمالاته تلقائياً؟

.

أنا اعتقادي إن اللي حصل في مصر وتونس له علاقة أساسا بإن ما فيش حاجة حصلت، هامش حريات النظام العالمي ووجود المؤسسات جوة النظام ده بشكل أو بآخر سمح بإنه يحصل شو ضخم ومقنع لدرجة إننا نصدقة، وكان الضامن لده – بما فيه ما يسمى بالقانون والمؤسسات وحيادية قواتنا المسلحة الباسلة وبما فيه كمان استعداد قطاعات عريضة جداً للتعريص الممنهج واستعجال كل الأطراف على إن الشو يخلص و”السلطة تتسلم” – هو إن العمالة للمنظومة الرأسمالية السايدة واضحة وبسيطة وبالتالي فيها مساحة لإن الناس تبقى بتمثل في المسرحية وهي مش واخدة بالها إنها مسرحية (ويمكن العمالة بالمعنى ده شيء إيجابي في ضوء إن لا فيه قابلية على الإنتاج ولا مشروع عالمي بديل إلا إرهاب بيقدم نفسه باعتباره صحوة إسلامية وأموال بترول بتنتج وتدعم الإرهاب زي المقاول السكير اللي بيعمل في عمارته زاوية صلاة عشان يكفر عن ذنوبه وهو عمره ما سأل نفسه بجد إذا كان أصلاً مصدق في الدين)، بينما عمالة سوريا هي لجهات بتناهض المنظومة الرأسمالية ولو اسماً مش فعلاً وبالتالي بترفض هامش الحريات السياسية المطروح من قبل ما يتوجد فتبص تلاقي الشو بيقلب بجد. ما أظنش الطائفية ممكن تعمل منطق أسباب ونتائج أبداً في حد ذاتها، وبعدين ما فيش طوائف في ليبيا مثلا بس شوف اللي حصل في ليبيا. الطائفية مجرد لغة لتبرير العدمية في مجتمعات فشلت في خلق ثقافة معاصرة تخلي للحياة حد أدنى من المعنى عند عدد كافي من الناس، وطائفية النظم مش أكتر من انعكاس لده

Mini exhibition: Hipstamatic Cairo + لم أفهم عمري: تحديثات الحالة

… وإذا كنا نريد أن “نتحاور” أو “نشتبك مع الواقع” – وإذا كنا نريد أن نفعل بأهداف “وطنية بناءة” أو على الأقل خالية من الأغراض الدنيئة (والمعنوي من تلك الأغراض أهم من المادي دائماً، ولا مناص من تذكر أن أوّل علامات الدناءة المعنوية هذه هو تعمّد سوء الفهم بهدف السطوع كغريم)… بالله على دين أمك يعني، إذا كان هذا ما نريده فما الذي يمكننا الاشتباك معه أو الحوار حوله أصلاً؟ ابن الرئيس يعيّر معارضيه بمقاطعة الانتخابات (على اعتبار أن في ذلك تأييداً أوتوماتيكياً لمنافس أبيه حامي الثورة بوصف ذلك المنافس عدو الثورة… وهو ما يعلم هو قدر ما أعلم أنا وتعلم أنت أنه دعارة برخصة)، والمطبوعة الثقافية-الأدبية الوحيدة في بلد عدد كتابه أكبر من عدد قرائه تدعّي على كارل ماركس حب النبي محمد كرد فعل على واقعة أخرى أهم ما فيها أنها تثبت – ومن جديد – تخلف وتزمت المسلمين في العالم كله؛ ثلاثة أرباع خطاب “المعارضة” عبارة عن تفكه على ما يقوله المسئولون في الخطب الرسمية بلا أي نظر إلى كيفية أو جدوى استبدال هؤلاء المسئولين أو حتى تغير ما يقولونه. وخمس مرات في اليوم، كل يوم، نخترع العجلة… فنكتشف – وكأننا لم نعرف من قبل – أن الإخوان لا يمثلون الثورة ولا الديمقراطية وأنهم بصدد أخونة الدولة، أن السلفيين رعاع متخلفون يجب وضعهم في مصحات عقلية خاصة، أن “الجمهورية الثانية” نسخة أكثر ريفية وغباء من الجمهورية الأولى (ولا ننكر غباء وريفية الجمهورية الأولى)، وأن الوضع الإقليمي (الربيع العربي) عبارة عن حرب طائفية بين المسلمين بعضهم وبعض قبل أن تكون بين المسلمين وغيرهم. أسأل بجد: ماذا يمكن أن يقال؟ ولمن يقال؟ وبأي غرض “بناء” محتمل …

… وحيث كان العمى الثورجي قد بلغ ببعضهم حد ادعاء إن اغتيال السادات “فعل وطني” (وكأن العمل الجهادي الأممي تعبير مفهوم عن الوطنية، وكأن الوطنية أصلاً قيمة مرغوب فيها في السياق)؛ وحيث يبلغ العمى الاشتراكي ببعضهم في الدفاع عن التأسلم (رغم أنه اختيار رجعي-في مقابل تقدمي، ومسار رأسمالي-في مقابل اشتراكي) حد إقحام دوافع النضال التحرري المناهض للاستعمار على مظاهرات السفارة الأمريكية؛ لا شك أن العمى القومجي سيدفعهم أيضاً إلى تبني الطائفية السنية الصريحة في مقابل “الخطر الشيعي” الذي سيجدون لـ”تمدده” – وبقدرة قادر، كما حدث بالفعل في العراق ثم سوريا – غطاء “صهيونياً” (وبغض النظر عن أن النظام الإسلامي الشيعي قد يكون أوسخ حتى من النظام الوهابي)، فيتحولون من تلقاء أنفسهم إلى نشطاء ومنظرين لما يسمى بالقاعدة …

أؤيد عمر محمد مرسي في تصريحه الأخير تأييداً مطلقاً (وإن اختلف مقصدي من العبارة نفسها): “ثورة مين يا أبو ثورة؟” بل وأسمح لنفسي بالمزايدة عليه فأقول: “ثورة يا بن دين الكلب يا خول؟ إنت جاي دلوقتي بكس أمك تقول لي ثورة؟”

… لم أفهم عمري من يأخذون عليك بذاءتك في أوضاع أكثر بذاءة بما لا يقاس، وبالذات منهم (منهن) من يحملونك مسئولية الإرث الثقافي الذكوري لشتائم بعينها وكأنك بمجرد استخدامها – وبغض النظر عن ما تقصده في الواقع – تؤيد ذلك الإرث …

… ومن مجمل ما يُحزن حقيقة – أقصد ما يثير شعوراً شخصياً ليس مقصوداً بالحزن – أن يخذلك حلفاؤك المفترضون ليس في آراء سياسية (ستعكس الخيبة الثقيلة شئنا أم أبينا) ولكن في انحيازات واختيارات ثقافية بالمعنى الواسع – ضد “العلمانية المتطرفة”، على سبيل المثال – وفي الاستهبال على الواقع والتاريخ بتصميم بغل مجهد …

***

Ⓒ Youssef Rakha

معايدتان

wpid-img_3730-2012-07-23-09-34.jpg

٢٣ يوليو ٢٠١٢ – الزعامة، المركزية، الحروب العبثية، القفز على المؤسسية والقانون (حتى لو هما من صنع الاستعمار)، تحويل التعليم إلى شهادات انتماء للطبقة، زرع كراهية الأجنبي، احتضان التخلف وعسكرة المؤسسات، اعتماد الدعارة والتسول قيماً عليا في السياسة والرزق، إلغاء الاختلاف السياسي بحجة الأمن القومي وإلغاء التعدد الاجتماعي بحجة الهوية الموحدة، تمجيد الجهل والكسل والاستسهال بحجة الصالح العام، اختزال الضمير في الحنجرة والأخلاق في المظاهر، تطوير وساخات الدولة البوليسية ونظرية المؤامرة وتجذيرها في الأدمغة قبل الأجهزة، تسييد “وطنية” فاشلة تلغي المواطن لصالح وطن متخيل وبالتالي يكون معادلها الوحيد على المدى الطويل هو طائفية قمعية وطنها “إسلام” هو كمان متخيل… كل سنة وأنتم طيبين بمناسبة “الثورة” المجيدة

wpid-img_3731-2012-07-23-09-34.jpg

١ رمضان ١٤٣٣ – والغريب إن لسه فيه بنيآدمين قادرين يقولوا عبارة “رمضان كريم” دي من غير ما يقعوا من الضحك أو يغلبهم العياط أو تنتابهم حالة هيستيرية فيقعلوا بلابيص ويجروا في الشارع، والأغرب إنهم بيلاقوا اللي يرد عليهم بنفس درجة البرود العصبي ويقول لهم “الله أكرم” وكإن دي حاجة عادية تماماً، وما حدش في دول ولا دول ولا اللي حواليهم يشك مجرد شك في إن فيه حاجة غلط: إن اللي لسه قادرين يعملوا كده مثلاً ما عادوش بنيآدمين، أو إن الكرم مش من صفات الشهور، أو إن المقصود بفكرة كرم رمضان عمره ما حصل ولا هيحصل… كل سنة والبنيآدمين طيبين

السورإسلاموية هي الحل

wpid-untitled-1-2012-07-10-04-53.jpg

مشروبات الصيف الإسلامية الجديدة: رجّع براحتك

إن الصراعات السياسية مجرد تجليات على السطح. إذا نشبت الصراعات فكن متأكداً أن هناك قوى غايتها إبقاء الصراع محتدماً لأنها تهدف إلى الكسب من وراء الوضع. حين تنشغل بالصراعات السياسية السطحية فأنت ترتكب خطأ الثور في الحلبة؛ إنك تهاجم القماشة. هذا ما تكون السياسة من أجله: أن تعلمك القماشة. تماماً كما يعلّم مصارع الثيران الثور: يعلمه أن يتبع، أن يطيع القماشة. – وليام باروز

أيام انتشار الفاشستية في أوروبا ظهرت حركة تدعى “سورفاشيزم” على غرار الـ “السورياليزم”؛ فكما يضع السورياليون أنفسهم “فوق” الواقعية ليقاوموا تفاهاتها وأكاذيبها، أراد السورفاشستيون أن يضعوا أنفسهم “فوق” القيم الفاشستية. وكانت فكرتهم الأساسية هي استحالة مجابهة العنف (معنوياً أكان أو مادياً) إلا بعنف أشد منه وأعلى، لأن الفاشستي ببساطة لا يمكن التفاهم أو التصالح معه.

وكان من تبعات ذلك أن يقطع السورفاشستيون صلتهم باليسار المنضوية تحته حركة السورياليين ويُسقطوا عقيدتهم الماركسية (ربما استشرفوا في الشمولية التي تتضمنها الاثنتان نقطة تلاق بين الماركسية والفاشية من الأصل)…

واليوم أعلن – ومن هذا المزنق الافتراضي – إنطلاق الحركة السورإسلاموية في العالم العربي، وأعلم رفاقي إنه ربما يكون علينا إسقاط عقائدنا “الثورية” وربما حتى “الليبرالية” في سبيل ذلك.

للإيضاح، الفرق بين الليبرالي والسورإسلاموي – على سبيل المثال -

الليبرالي: والله الحجاب حرية شخصية ولا يجب أن يُفرض على أحد.

السورإسلاموي: اقلعي البشنوق اللي على دماغ أمك يا بنت دين الكلب وكفاية بقى!

عاش السورإسلامويون من المحيط إلى الخليج!

wpid-394711_440644735976470_296532573_n-2012-07-10-04-53.jpg

من كتاب فرج فودة

إشارات ذات صلة

بالنسبة لرد فعل وزارة الداخلية على واقعة السويس – “شباب ملتزمين وهو لو كان اعتذر كان الموضوع عدى” – بأفتكر حوارات كتير خلال النص الأول من ٢٠١٢ حوالين إن الإخوان “ما قتلوش وما عذبوش وما اعتقلوش ولا حاكموا حد محاكمات عسكرية” وبالتالي ما يُقارنوش بالعسكر وأتباعهم (وكإن “العسكر” ما هماش غطا لممارسات رسمية بتحصل بغض النظر، وكإن المسئولين في البلد عندهم أي قدرة إنهم يدافعوا عن قيمة مجردة، وكإن المسئولين مش هيركبوا الموجة بغض النظر)… وبأفتكر كمان العبارات اللي كانت الناس الساقعة اللي ما لهاش موقف ما بتبطلش تقولها: “إحنا عايزين دولة القانون” و”مصر دولة مؤسسات”. أتمنى إن الناس تكون ابتدت تفهم إن الإسلاميين مش هيحلوا مشاكل القمع إنما هيزوده ويخرجوه عن النطاق المؤسسي المتعارف عليه أكتر ما هو خارج، وإن فكرة “الالتزام” من غير ما يكون فيه حاجة متفق عليها نلتزم بيها كمواطنين مجرد حجة للعدوان والتخلف… مين مفروض “يلتزم” بإيه قدام مين بعد ما الحاجة المفهومة المقبولة اجتماعيا واللي مش ضد القانون مطلوب من المواطن إنه يعتذر عنها قدام جهة مش رسمية وبعد ما مسئولين في الداخلية بيعتذروا عن جريمة القتل لمجرد إن اللي في الحكم إسلاميين؟ بجد أتمنى إن الناس تكون فهمت شوية إن المطروح في العالم العربي مصيبة مش “نهضة”، وإن “الثورة” في أشكال وممارسات السلطة، مش في السلطة مع مين

مخاوفي ككاتب تتمحور حول الكساد الذي أصاب الأدب في أعقاب الثورة نتيجة انشغال الجميع بتبعاتها واقتصار النشاط على “الكتابة السياسية”، لكنها ليست مخاوف بقدر ما هي إحباطات مهنية تخصني… لا أريد أن أتحدث عن مخاوفي من المد الإسلاموي غير المسبوق إلا بوصفي مواطناً أو شخصاً يطمح إلى المواطنة، لأن ثالوث “النخبة-العامة-السلطة” لا يقنعني ولا يعنيني على الإطلاق. واحد يريد أن يشرب “بيراية” أو يصطحب صديقته إلى مكان عام بلا مشاكل وتعقيدات؛ مسلم تزعجه مظاهر التدين الوهابي المبالغ فيها والجهل البشع بتراث الحضارة الإسلامية أو إلغائه؛ إنسان لا ديني حريص على أن لا يُحرم حقه في حرية العقيدة؛ زوج لا يريد لزوجته أن تتحجب غصباً ولا يريدها أن تعاني لكونها “سافرة”… هذه مخاوفي التي لا أظنها نابعة من انتماء طبقي كما يفترض القسم الأكبر من “اليسار” المناصر للإخوان المسلمين، ولا أظنها مقتصرة على مجتمع بعينه “ثقافياً” أكان أو غير ذلك. إنها مخاوف مواطن مستعد أن يسمي الأشياء بأسمائها، ولم يعد يرى أي جدوى لمساعي التوافق والمصالحة مع سلطة لا يعترف بها أصلاً…

نكتة ثورة

wpid-i13117_mohammadalipasha4pn-2012-06-5-11-54.jpg

تبدو الفكاهة تاريخياً هي الصفة الجوهرية للمصريين: الشيء الذي يميزهم عن سواهم من العرب ويحبّب العرب فيهم كذلك، على مستوى ما؛ إنها ما يجعل المصريين عباقرة وما يجعلهم مثيرين للشفقة… وهي سبيلهم إلى الخروج من مآزق ليس أولها الوقوع تحت وطأة السلطة (كمحاولة حقيرة لتجنب العقاب) ولا آخرها مواجهة المعرفة (كمحاولة أحقر لتدارك الجهل أو الاعتذار عنه). حين تضحك على ما ومن يقهرك، طيباً أكان أم شريراً، لعلك تنتصر عليه بشكل ما؛ على الأقل تستعيض بضحكك عن انتصار تعرف أنه سيجانبك للضرورة… وهي فكرة تكاد تكون ممجوجة من كثرة ما أُشير إليها في السياق السياسي طيلة النصف الثاني من القرن العشرين.

بالطبع كانت الفكاهة جانباً من جوانب مقاومة القمع والتشكيك اللذين جوبهت بهما احتجاجات الثورة في مصر طوال تسعة عشر شهراً الآن، وقد كشفت عن ذكاء في التعاطي مع الاستبداد واللامنطق مصحوباً بقدرة على فضح الخرافة. لن أذكر أمثلة على هذا النضال الضاحك؛ الأمثلة لا تعد وهي، في ثورة ربما كان أهم ما فيها هو تسجيلها بالصوت والصورة، على رءوس الأشهاد. لكن الأجدى، بالنظر إلى ما أسفرت عنه احتجاجات متواصلة صار معنى استمرار الثورة فيها هو تكرار الأخطاء القاتلة مع غياب أي شعور بالمسئولية – كانت الأخطاء في أحيان كثيرة قاتلة بالمعنى الحرفي، لكن لعل الفكاهة بتعريفها، كالـ”ثورة” تماماً، غير مسئولة – يظل الأجدى هو السؤال عن معنى التفكه كموقف جذري من الحياة؛ وهل هو مطابق لطموح تغيير العالم الذي انطوت عليه الاحتجاجات أو في صالح ذلك الطموح أصلاً؛ السؤال – أقصد – عن إيجابية النظرة الساخرة إلى العالم في تصريفاتها الثورية. أذكر على سبيل المثال نكتة سمعتها في ميدان التحرير عشية سقوط مبارك: “ارجع يا ريّس إحنا كنا بنهزّر.” أذكر أنها لم تضحكني – فليست كل الفكاهة المصرية مستساغة في كل وقت – لكنني أذكر أيضاً أن ما ألفتني فيها هو مدى استعداد العقلية المصرية لنفي واقعها قبل تقييمه. أي “هزار” هذا الذي أمات (حينذاك) قرابة الألف نفس؟ غير أن الأكثر إيلاماً، بالنظر إلى الوراء، هو أن الثورة في تصريفاتها السياسية باتت “هزاراً” بالفعل: إنها إما مناسبة للموت المجاني كطقس تضحية يحركه شعور روحاني مكبوت داخل المؤسسة الدينية مستندة إلى عجز مهني وقابلية على استعراض الجهل والغباء، أو حجة لتمكين الإسلام السياسي في أقذر صوره (إن كان له صورة نظيفة) من الحكم والتحكم. فعلاً تمادينا في الضحك حتى ضحكنا على أنفسنا؛ ولم يبق لنا من الثورة سوى مناورات سياسية لا تختلف عن مناورات “النظام البائد” مع صدى القهقهات…

هل من إصلاح عماده خفة الدم؟ هل من “هضامة” للنضال؟ ولماذا إذن لا يبقى – على الجانب الآخر من ثورة يُفترض أنها تجاوزت الإصلاح أصلاً – إلا جهامة لولبية؟ يبدو لي أن الفكاهة هي تعبير حقيقي عن الرغبة في الحياة، عن الفرح والشهوة وطاقة التجدد. لكن يبدو لي بالقدر نفسه أن الفكاهة كانت تعويضاً مهيناً عن المعرفة والقدرة عبر ثورة ستضحك ألف مرة قبل أن تعترف مرة واحدة بفشلها.

مهاب نصر: المجتمع الصايع ودولة الصياعة-٢

wpid-yr13-2011-11-30-19-38.jpg

تعقيبا على خواطر دونتها بعنوان “المجتمع الصايع ودولة الصياعة” كتب الصديق “س”: “معاك..بس انت مش معايا ان هناك قانون دفع بيحرك البشر،يفوق ادراكهم تقدر تقول كده انه آليه مسيطره عناصر كتير شكلتها منها اسباب تاريخية انت ذكرتها وكراكيب اجتماعية سوت العجينة بالتشكيل اللي اصبحو عليه الآن. بالطبع ليس هناك لذة تذكر في الفرجة فكلنا متورطون بشكل او بآخر..نحن لايمكننا ان نفسر انفسنا بمعزل عن روعة هذا التشكيل ومتقوليش انة مش رائع..حياة مبيته على رأي علاء خالد..وبما انها حياة تضيع بلا ثمن وبلا نبل تبقى…..صحيح تبقى ايه؟”.

كان من الممكن أن أجيب على ” س” بمجرد رأي سريع، أو بكلمتين كهزة رأس من شخص يريد أن يغلق الموضوع. لكني لا أريد له أن يغلق، بل ان ما أشار اليه من فكرة “الروعة” عاد واستفزني مجددا، فاطفأت السيجارة وقررت أن أكلمه بلهجة أكثر جدية.

أنا لم أفهم أولا تعبير “روعة هذا التشكيل” الا من منطلق مصري محلي أكرهه بكل ما في نفسي من حوافز الكره، ينظر المصري الى بلده وكأنها استثناء، وهناك فرق كبير بين أن تكون استثناء صنعه القدر، أعني الانتماء الى بلد ولدنا وعشنا فيه، وبين تكريس هذا الاستثناء لنصالح ذاتنا حتى على ما تكرهه.

العبارة لا معنى لها مطلقا الا هذه الرغبة التي أزعم أنها سليلة الطبقة المتوسطة غير القادرة على المواجهة الى النهاية أبدا، والتي تجبر كراهيتها على التلوي لتظهر في صورة ابتسامة شائهة لشخص يقول لك: ما هي الأمور حلوة وعادي أهه..

يريد أن ينقل اليك قناعة بأنه غير موتور، أنه أهدأ نفسيا، أنه يستطيع أن ينظر الى الأمور من جهة أخرى فيراها جميلة.. أو بالأصح متميعة، فيكون له الحق ألا يصل الى قرار، ويعلي من شأن حالته “اللاأدرية” ليضعك في مأزق الأخلاقي المتعصب، كأن الأمر شخصي.. لكن بطريقة ملتبسة ونفسية معقدة جدا.

والسؤال هل نتاج النقاش حول موضوع سياسي أو اجتماعي..الخ يفضي الى هذه النتيجة: أنه جميل أو غير جميل؟

وهذا يحتاج الى عودة لفكرة الجمال نفسها.

نقول عن لوحة جميلة حتى لو صورت شخصا يمزق “جتته” وهو هابط من السماء، لأننا نقول: انظر الى معاناة الانسان المعاصر، أو نقول: ضاع اليقين الى الأبد.. وهذا ما يريد الفنان قوله..

لأننا بطبيعة الحال نعرف أنها صورة، وأنه من الغباء أن نمد أيدينا الى الانسان في الصورة لأننا ببساطة سنمزقها.

لكن حين نرى انسانا يوشك على القاء نفسه من الشرفة بعد تجربة حب فاشلة، فانه من الصعب أن نتخيل أنفسنا، مطلين من النافذة المقابلة صارخين على أصدقائنا: انظروا الى هذه الروعة.

بل ان في ذلك شيء غير قليل من انعدام الضمير، وسوء تقدير مؤسف لحالة شخص حقيقي يتألم بشكل لا يطاق، ربما يمكننا بكلمة أو ببضع كلمات أن نعيد حياته الى غرفة معيشته الحميمة.

يبدو هذا بديهيا الى درجة السذاجة..

ليس معنى هذا أن الجمال لا يوجد الا في اللوحة فقط، أعني لا يوجد في الواقع، بل يوجد فيه حينما يتحول الى نموذج لشيء أبعد من فرديته، حين تصبح الأصوات والحركات والألوان منقولة الى عالم آخر يشكل فكرة محورية في حياتنا.. قد يحدث حتى بعد عودتنا من مشاهدة حادث حريق.. لكن ليس مطلقا أثناءه.. لأننا في مواجهته لا نكون أمام الحالة الرمزية بل أمام الحالة الخاصة الفريدة لشخص يحترق.

يمكن الرجوع خطوتين الى الوراء في الحقيقة لمعرفة أصل الموضوع، أعني أصل الطريقة التي صارت عرفا ثقافيا متداولا، هو العرف نفسه الذي دفع دوستويفسكي الى السخرية ضمنا من تورجينيف في رواية “الشياطين”. رأى دوستويفسكي في تورجينيف الكاتب الذي يسجل حادث غرق باخرة، وكأنه يقول بأسلوبه المتأنق: انظروا كم تمكنت من وصف هذا المشهد الانساني المؤثر.

قلت من قبل (وآسف على هذا التعبير) أن أجيالا عدة من المثقفين المصريين نشأت في الحاضنة “الشاعرية” ولا أقول الشعرية. الحاضنة التي تسمح لهم بالشعور بالتميز لأنهم يملكون مشاعر خاصة جدا وحساسة الى درجة الرهافة فيما يخصها، لكنها غليظة غلظة أنانية الطبقة التي تنتمي اليها، والتي علمتها اسلوب “الحق نفسك”، انها مدعوة بشيء مجهول الى التميز، وبخلق “لغة” خاصة لهذا التميز تساوم به طبقتها على الانتساب، ولذلك يكمن موضوعها في اللغة لا في الواقع، تختار أرض المعركة، التي تسمح لها بالشعور بغاية النبل تحت ضوء الأباجورة الخاصة بها، ان ما يأسرها ليس المشهد ولا مسؤليتها الانسانية تجاهه، لكن ما ستكتبه عنه، وبذلك تكون قد تصالحت مع واقعها، وعادت الى الانتساب اليه من باب خلفي دون تضحيات، فهي تناضل مع “الأسلوب” على أوراق يقرأها الأصدقاء بتمعن كبير. لذلك كان هناك حرص شديد منذ السبعينات على الهجوم الحاد ( وبعضه محق فعلا) على تيارات الوضوح الشعري، لكنها كانت في الواقع تؤسس مملكة “النص”، نوعا من الحماية ضد المحاسبة، ودليلا مضاعف لا يُخترق فاصلا بحجاب كثيف بين الالتزام الاخلاقي والفني وكأنهما متناقضان بالأساس.

يمكننا النظر الى ما فعله الكتاب منذ ثورة يناير: استثمار للحدث في صور شخصية شاعرية!

كم تحليلا دقيقا كتب؟ كم محاولة جريئة في استثمار الحدث الضخم لاعادة مراجعة المواقف والأفكار، لابتكار أساليب جديدة لنشر ثقافة حقيقية، ثقافة تفسر الحياة، ولا تقفز فوقها كالبهلوان باستعارات وصور؟ ما معنى أن أقدم قصيدة أو مشهدا تمثيليا أو حتى أغنية ثورية (أظنها كذلك) لشخص أسيء تعليمه، ويتعرض لبلبة موجعة لوعيه. تماما مثل شخص حريص جدا على تلقين “آداب” المائدة لآخر يحصل على طعامه من صناديق القمامة.

من يعرف أوليات اسعاف المرضى أهم بكثير في الميدان، من يستطيع أن يقدم للناس شرحا واضحا يشركهم في صياغته، من يضع أمامهم كتب غيره لأن هذا هو وقت القراءة، أي الوقت الذي يمكن أن تتحول فيه الى فعل تغيير.

لكن من قال ان هذا المثقف كان يفكر بالتغيير أو حتى يتصوره؟ أو لديه ولو صورة مهزوزة عنه؟ بل لقد كان يتعيش على انعدام فرصته ليغرق في النوستالجيا ويتاجر بها، باعتباره حامل مفاتيحها، ويكلمنا عن تجاربه الشخصية التي لا تعني أي شيء، بغرور من يظن حياته نموذجا، لمجرد قدرته الوقحة على صياغتها في كلمات.

أحتاج اليوم كتابا يعلمني فعلا، أي يعاملني كابن، كواحد من الناس يبحث عن لغة مشتركة، وعدالة في الشارع كما في النص.

ربما حين يحكي أحدنا بعد سنين ما شاهده يتنهد شاعرا بالجمال، أما الجمال الآن ففي مكان آخر، في نسيانه بالذات.

وأخيرا ما صنع النصوص الكبيرة فعلا هو هذا النسيان، هو احساسها المروع أن عليها أن تتخلى عن كل صيغة جمالية سابقة لأن ما تراه أكبر من فكرة الجمال.

سوف يفصل في هذا الحكم آخرون.. أما الكاتب الحقيقي فسيشعر بنوع من الخجل لأنه لم يقل كل ما يستحق القول.

مهاب نصر