ياسر عبد اللطيف: نصان

في المدينة الشهباء

وصلتُ إلى حلب قادماً من بيروت عن طريق البر. كلما تقدمنا نحو سوريا، بدت بوضوح أكثر ملامح “الدولة”على الرغم من تدهور حال الطريق عمّا كان عليه داخل الحدود اللبنانية: لافتات إشارية، وأكشاك لعسكر وشرطة، وألوان موحدة لأطلية المرافق.. في الطريق، كان راديو السيارة يبث على الهواء مباشرةً وقائع مؤتمر دولي للآباء المارونيين من كنيسة الجبل، وأعلن المذيع وصول وفدٍ من حزب الله كضيوف على المؤتمر برئاسة نائب الأمين العام نفسه. أخذ رئيس الوفد الشيعي الميكرفون ليلقي كلمةً. قال بصوت جهوري: ” جئنا لننزع عن المؤتمر صفته المارونية.. ليكون المؤتمر مؤتمرا لبنانيا وطنياً..” أغلق سائق السيارة الراديو بينما كنت أتساءل: كيف يحل ضيوف على مكان لينزعوا عنه صفته الأساسية؟

Continue reading

الأسد على حق: قصيدة ألن جينسبرج

ألن جينسبرج (١٩٢٦-١٩٩٧): الأسد على حق

كن صامتاً من أجلي، أيها الإله المتأمل

 

عدتُ إلى بيتي لأجد في الصالة أسداً

وهرعتُ إلى بئر السلم أصرخ: أسد! أسد!

السكرتيرتان الجارتان، عقصت كل منهما شعرها الأدكن. وبصفقة ارتدت نافذتهما مقفلة

أسرعتُ إلى بيت أهلي في باتيرسون، ومكثت نهارين

؎

هاتفت طبيبي النفسي، تلميذ رايخ

كان قد حرمني من الجلسات عقاباً على التحشيش

حصل،هكذا لهثتُ في أذنه: “في صالة بيتي أسد.”

للأسف، لا مجال للمناقشة،وضع السماعة

؎

ذهبتُ إلى حبيب قديم وسكرنا بصحبة حبيبته

قبّلتُه. وبومضة مخبولة في عيني أعلنت أن عندي أسداً

انتهى بنا الأمر نتقاتل على الأرضية. جرحتُ حاجبه بأسناني فطردني

في سيارته الجيبالمصفوفة أمام البيت كنت أستمني متأوهاً: “أسد.”

؎

عثرتُ على جويصديقي الروائي وزأرتُ في وجهه: “أسد!”

نظر إلي مهتماً وقرأ علي أشعاره العفوية الراقية المكتوبة كما يكتب الإيجنو” (والإيجنو شخص يعيش مرة وإلى الأبد<. وينام في أسرة الآخرين)

أنصت في انتظار أن أسمع اسم الأسد. لم أسمع سوى الفيل، التيغلون – ابن النمر واللبؤة – والهبغريف، الحصان أحادي القرن، النمل

لكنني عرفتُ أنه فهمني حين تناكحنا في حمام إيجناز ويزدوم

؎

في اليوم التالي مع ذلك أرسل إلي قصاصة من عزلته في سموكي ماونتين

إني أحبك يا نونو وأحب سباعك الذهبية الرقيقة

بيد أنه لا روح ولا حجاب، إذن فإن حديقة حيوان أبيك الغالي ليس فيها أسد

قلتَ لي إن أمك جنت قبل أن تموت، فلا تنتظر مني وحشاً خرافياً يكون عريساً لك.”

؎

حائراً ودائخاً، مرتقياً هذه الحياة كلها تذكرتُ الأسد الحقيقي يتضور جوعاً وسط نتنه في هارلم

وفتحت باب الغرفة لأجابه انفجار قنبلة غضبته

يزأر جائعاً في وجه جص الجدران، لكن أحداً عبر الشباك لا يسمعه. التقطتْ عيني الطرف الأحمر للعمارة السكنية المجاورة واقفة في سكون يصم

وأطلنا النظر بعضنا إلى بعض. عينه الصفراء العنيدة وسط هالة الفرو الأحمر

أنا من أصابني رمد العينين لكنه توقف عن الزئير وأشهر ناباً يحيي

واستدرت أطهو البروكالي للعشاء على موقد الغاز الحديدي

غليتُ ماء وتحممتُ بماء ساخن في الوعاء المعدني أسفل الحوض

؎

لم يأكلني، ورغم أنني حزنت لتضوره في وجودي

في الأسبوع التالي كان الهزال قد جعل منه بساطاً سقيماً تملأه العظام. تتساقط سنابل شعره

عينه المحمرة حانقة وهو مقع يتألم برأسه المشعر في كفي أسد

وقرب المكتبة المصنوعة من صندوق بيض. المملوءة بمجلدات نحيفة لأفلاطون وبوذا

؎

كنت أسهر جواره كل ليلة أشيح بعيني عن وجهه الجائع المعثوث

وكففت أنا الآخر عن الأكل. يضعف ويزأر بالليل بينما تجيئني الكوابيس

مأكولاً من جانب أسد في مكتبة الحرم الفضائي لجامعة كولومبيا، أسداً محروماً من الطعام من جانب البروفيسور كانديسكي، أحتضر في نُزُل حقير داخل سيرك الأسد

وكنت أصحو في الصباحات والأسد لا يزال مضافاً إلى وجودي يحتضر على الأرضية. “أيها الحضور الرهيب!” صحت. “كلني أو مت!”

في ذلك العصر نهض وسار إلى الباب وكفه على الحائط الجنوبي يحافظ على توازن جسده المرتجف

أطلق صريراً كليماً خلع قلبي من سقف حلقه الذي لا قعر له

وهدر كالرعد مغادراً أرضيتي إلى السماء أثقل من بركان في المكسيك

دفع الباب ليفتحه وبصوت حصبائي قال: “ليس هذه المرة يا صغيري، لكنني سأعود مرة ثانية.”

؎

يا أيها الأسد الذي يأكل عقلي الآن منذ عقد ولا يعرف سوى الجوع

ليس فردوس رضاك يا زئير الكون كيف اصطفيتني

لقد استمعت إلى وعدك في الحياة الدنيا وصرت جاهزاً للموت

خدمت حضرتك الأبدية الميتة جوعاً أيها الرب. أنا الآن في غرفتي أنتظر رحمتك.

 باريس، مارس 1958

.

Monaco Mini Exhibition-أغنى بلد في العالم

؏

ضِعتُ في طريق العودة من موقف عبود
قال لي سائق آخر وسط عطلة المرور: أنت الآنَ خارج القاهرة
كان له ملامح موظف أرشيف يطل وجهه مُضجِراً من أحد شبابيك المُجَمّع
الجوع في بطني ولا أشعر بغير الوهن
كانت الأبواق تدفعني بلا رحمة عكس وجهة بيتي إلى الأمام وكلما بلغت تقاطعاً وغيّرت وجهتي أنتهي إلى الطريق ذاته حيث السيارات مسرعة ولا أحد
عبرت “الزراعي” إلى “الصحراوي” وما زلت ذاهباً إلى الإسكندرية
بدأت السيارة تحذّرني من نفاد البنزين ولا “يوتيرن” في الأفق أو مضخة
وقبل أن يبدأ الارتجاف تذكرتُ موناكو
ذهبنا من نيس بلا سيارة وقال صديقي إن ثمة شيئاً كئيباً في محطات القطار: حتى هنا يا أخي
وكنا نركض
في محطة أغنى بلد في العالم
لنلحق قطاراً يعيدنا قبل أن نضطر إلى المبيت في المطر
لكن صديقي ليس هنا الآن ولا نيس ولا موناكو ولا حتى موقف “عبود” واللهاث ليس في الرئة ولكنْ في بطني حيث يجب أن أشعر بشيء آخر وأنا ثابت أرتجف
أضواء الطريق برتقالية وإذا وقفت السيارة فلن يأتي أحد لنجدتي

تحميل مجموعة يظهر ملاك


 

 

 

قصيدة جديدة: ما أطول الزراعي

ما أطول “الزراعي”

دون أن نصوم (في العشر الأواخر) تركنا طنطا عبر شارع البورصة

قلنا منطقة تجارية أكيد فاضية—نصف ساعة زحف وسط أكداس المتسوقين

عرق البروليتاريا يمطرنا والسيارة تخرم عجين اللحمة واللحى والقماش

وعيون المتخمين لِتَوّهِم تطالعنا بكراهية الرعاع لنبلاء الباستيل

ظلمات ترشيد الكهرباء ونحن خندق محفور في المدافن نصرةً لإخوتنا في غزة

دعك من أن غزة الآن أبعد من أنتاركتيكا والإخوة نفسهم يسبون الدين

من هنا حتى قويسنا بهائم الأسفلت بالكاد تتفادى الحفاة والحمير وهكذا

؎

على هذه الأرض – جارية الأرض – لا شيء يستحق الحياة

أم العائشين أم الميتين تصدّرين القفا للصفع أملاً في لقمة طرية

وسواء أتغير لفظه أو استمر ضمن الذل المستحب يظل اسمك مسبة

؎

تخوم قليوب تبشر بالوصول لم يعلمنا أحد بأي عَطَلَة في السكة

كان قتلة المتظاهرين – الأهالي – سدوا الطريق مرة أخرى احتجاجاً

وبينما نلتحق بصف الهاربين إلى المدقات الجانبية حيث الفجاج والحجارة

تذكرتُ كيف قلبنا الدنيا بالرقاد على التراب ولأنهم يقتلوننا صدقنا أننا نضحي

لغاية ما تحقق مطلبنا العبيط رجعنا بيوتنا ليحلّوا محلنا هم نفسهم

وهكذا مكّنا العصابة الأولى من تسليم البضاعة للعصابة الثانية حين متنا

بلا كبير جهد تغوطنا اللحظة اعتلينا النخلة وأغوتنا العينان الخلابتان ولكن

؎

كيف لعينيك أن تكونا غابتي نخيل وهما على هذا القدر من البجاحة

وكل عام لا يعشب الثرى ولا نجوع ما مر عام وجعنا بما يكفي لنسعى

نحن الغربان تشبع والجراد يعوي على تطلعات ستبقى أسطورية

؎

كانت المدقات مشرشرة بالحفر والمياه مركبات صناعية معطلة في العتمة

موكب مناوري الهايواي مثل ثعبان خرافي طالع نازل فوق جرف

ورغم وجود متفرجين من أهل المصانع على الجانبين فكرتُ أننا في مجاهل

هذا الذي نخوض فيه ببطء فيل كليم هو ما أزحنا عنه الحجر يوم ثرنا

خندق نبلنا محفوف بالأهالي رعاع حاقدون ومحتجون قتلة ولا باستيل

هل كانت الشعوب تثور دائماً قبل أن تتوفر لها الخدمات الأساسية

بلا طريق لا يعترضه المحرومون من الكهرباء هل نعمل ثورة أم نمثّل فالآن

؎

احترق المسرح من أركانه للمرة الألف لكنكم أنتم يا حبيبي الممثلون

لم تكن فلسطين لكم لأنكم أولاد قحبة من قبل أن تفقدوها

لم تصلحوا لشيء إلا التجول بين صفوف المتفرجين لتنادوا: كاكولا-بيبس

؎

الرحلة تستغرق ساعة خمس ساعات حتى يلوح “المحور” مخضّباً بالمشاة

وكأنه عذاب القبر نعيش من أول وجديد عاماً ونصف أو عامين من إحباطاتنا

فقدنا الأمل ليس في الثورة فقط ولكن في المستقبل أيضاً في النشطاء السياسيين

ولا عزاء للمدفونين حولنا لراشفي الشاي على شط هذه البركة للعميان بفعل فاعل

لا عزاء لنا نحن أيضاً يوم نقتل أو نُحتَجَز ها هنا في المجاري الرطبة نستنبح

حتى الغضب يتفثأ حيث حر الليل وأخبار انهيار محدّق في الركن الخلفي للدماغ

كل التفاصيل التي يناقشها الأصدقاء تغدو ذباباً يئز ويغبّش البربريز فعلاً

؎

الناس في بلادي جارحون ولكن كعقارب غير سامة ليس عندهم غناء

حشرات منزلية في مطابخ الإنسان يعملون أي شيء من أجل قبضتي نقود

وطيبون في التسول أغبياء في إيمانهم بأن القَدَر فقط وساخة القرون

LIPS-قصيدة

(download if you like)

ذات يوم نطق أحدهم بتوصيف دقيق
لذلك الذي نعرفه ما إن نراه
وفيما تشخلل كلماتنا المعقودة كالخرز
في سلاسل ضيقة حول أعناقنا
ونحن نرود الحظائر نفسها
لم ننتبه إلى ما قاله
كان الذئب السعران ينبح تحت الكوبري
و”الونش” يفترس السيارات
وقبل أن يخطر لنا أن نستزيده
سقط الناطق بالتوصيف فجأة
من شباك المؤسسة
فتاة أخرى أو امرأة بدأت تهذي
وهي تخترع العجلة على رصيف “قهوة”
يرن على طاولاتها “قشاط” الرجال.

*
أكاذيب مَن يسعى إلى صدق
ومَن يسعى
إلى كذب
يمكن أن يشبه الصدق
بشرط أن يبقى
على مسافة من الأشياء
وكلما غاص في الوهم أكثر
كلما حلّق أبعد في مداراته
بدا أنه أصدق
لأنه ساعتها فقط
وبينما صاحب الصدق نائم
يمكنه أن يسرّب كليشيهات
تروق للمافيا الصغيرة
المافيا التي تحكم سموات
كأنها أسقف واطئة
ونجومها المبالغ في حجمها تشهق
كجروح المعذَّبين في المعتقلات.

أنور براهم

لكي تكون لحظةٌ كهذه

برغم كل أوجاعنا المستلبة

واللعاب دهان سحري

من قارورة الفم إلى تجويف الأذن

على طرف إصبع واثق

كأنه يُداوي جرحاً نابضاً هناك

كان على سيدة البئر أن تأتي

حدباء في ردائها

تجر جوال الموسيقى

ضحكتها شق من صديد

والبرد مخبوء في شَعرها

بينما الأشياء منفلتة

مثل فوانيس السيارات

هي التي لم تستطع أن تكون أُماً

بعد أن أنجبت شعباً كثيراً

كما يفعل أنبياء اليهود

في الكتاب المقدس

بعد أن دسّت الآذان في الجوال

وأدمت الأسفلت رقصاً

مَن كان يظنها ستضربنا بيأس

يسع كل هذا الجمال؟

لنكن في اللحظة وحدها

بكل ما بقي في جوفنا

ولتكن مضاجعاتنا حزينة

على أقصى ما يكون الحزن

لتكن شهوتنا فجيعةً يا حبيبتي

كالحرب وأبناء السِفاح

Enhanced by Zemanta

الحب

لولا الخطوة العجولة

لشخص يخرج من البيت

ولا ضوء بعدُ حيث تزقزق العصافير

لما امتلأت الأرحام بالأجنة

تدمدم سيارتي في الصمت

وأنا حامل الحقيبة في الليل البرتقالي

خلفي قطار من الأيتام