مهاب نصر: آباؤنا .. حزب الكنبة الفاسد

كتب مهاب نصر في ٢٥ نوفمبر ٢٠١١:

لا يعرض فيلم في بيتنا رجل، الا وتقفز صورة الأب الموظف، الذي ربى ابنه على الخضوع، والأدب المتمثل في انحناءة الرأس، انحناءة تبقى طول العمر، لأرواح تتحسب أن تأتي يد فتصفعها، أهم ما يعنيها أن تسير الحياة بلا مشاكل مع أن الحياة شنفسها مشكلة، وأن تمر دون مواجهات، وهو ما يعني أن تستبدلها بمواجهة طويلة مع نفسك تخرج منها مهزوما مسلما بالأقدار

Continue reading

عن الأناركية والعدمية ومقالات الرأي وحاجات تانية جميلة: تدوينة اعترافات

(١)

عندما أقرأ مقالات معارفي الذين يواظبون على النشر في الصحف المصرية ينتابني الشعور بأن بيني وبين الواقع الذي يتكلمون عنه فيلتر تلت مراحل، كأن المسافة من عندي إلى المجتمع عبارة عن “نو مانز لاند” بثلاث نقاط تفتيش.

وأحس أن معارفي من كتاب الرأي الشباب هؤلاء على تفاوت مهاراتهم ورؤاهم معلقون في نقطة التفتيش الثانية أو طافون في المرحلة المتوسطة من الفيلتر – يعني حتى هم بينهم وبين الواقع مرحلة – لكن يكون بيني وبينهم أيضاً نفس المسافة، الأمر الذي يضاعف من إحساسي بأني في المكان/الزمن الخطأ.

دائماً يبدو الكلام أكثر بديهية من أن تُكتب عنه مقالات في الجرايد، فيكون هناك إحساس بأن الكتاب مضطرون إلى تضييع وقتهم من أجل الاشتباك مع واقع وسخ. ويكون هناك شك في أنهم إذا وُجدوا في واقع أنظف لن يجدوا ما يقولونه.

Continue reading

مانهاتن: كيف كففت عن الحشيش وتركت حبيبتي

«الذين يستحبون الموت على الكفر…» – أسامة بن لادن

«وعمرَّ الله موضع خروجها من آدم بالاشتياق إليها، فحن إليها حنينه إلى نفسه لأنها جزء منه، وحنت إليه لأنه موطنها الذي صدرت عنه» – ابن عربي

«فلم تهوني ما لم تكن في فانيا» – ابن الفارض

ذات يوم، اضطررت للكف عن الحشيش.

Continue reading

نصائح المرحلة + ملاحظتان

wpid-img_0458-2013-02-21-22-17.jpg

عليك أن تتعلم، ولو كان صعباً، أن تنظر إليهم كما تشاهد فيلماً وثائقياً عن قبيلة رعاة أو مزارعين من أجناس فاتتها المدنية، تتراوح شطارة أفرادها في التسوّل من سكان المدن والقائمين على آبار النفط المجاورة. لن يمر وقت حتى يغضبوا عليك إذا ما واظبت على تذكيرهم بحقيقة الدوكو الذي يدهنون به الهواء. وإما لأنك لا تستحق معركة أو لأنك تجيد شتمهم، سيتجاهلونك. حتى مارقوهم ممن أتقنوا استعمال اللغة الجديدة في الإيحاء بمعارف لا صلة لهم بها، لن يجدوك – حسب تلك اللغة – عدمياً بما فيه الكفاية، رغم أن الجانب العدمي منك، بالمعنى الحقيقي للعدمية، هو أكثر ما ينفرّهم أو يخيفهم. حاول أن لا تتقيأ حين يظهر مهرجوهم على الشاشة، أو يدلي مشاهيرهم بتصريحات، أو يعلن طياروهم عن كسر حاجز جديد للصوت. أنت وحدك. تذكر دائماً أن التلاقي كالتلقي صدفة نادرة، وأن التوجيب الذي يمارسونه فيما بينهم سيستثنيك ما لم تكن صاحب واجب، أنه ليس سوى مودة شخصية من قبيل “أنا وأخي على ابن عمي” إلخ، وأنه – كالجنيه المصري – لا يمكن صرفه خارج حدود العشيرة. فعلى عكس أجيال سابقة ممن تاهوا بين الأفخاذ ولم تعد لهم فائدة، أنت لا تريد أن تكون ذلك الشيخ الجليل الذي يفتش عنه الأصلاء من حافظي عهد ماض أجمل. جائز طبعاً أن تسعى إلى تحقيق طموحك، لكن ما تريده من ذلك هو عملة يمكن صرفها في كل مكان.

wpid-img_1881-2013-02-21-22-17.jpg

(١)

يحدث أن يشعر الإنسان في لحظة أن الحياة يمكن قصرها فعلاً على الخير والشر، أو الصح والغلط؛ وحين يحدث، يكون ما يمثّل هذين القطبين واضحاً تماماً، لا صعوبة لدى العدد الأكبر من الناس في الاتفاق عليه والمصادقة على تقديسه أو شيطنته بألفاظ مأخوذة من عصور سحيقة وخارجة من منظومات أخلاقية لا تركب على الواقع… يحدث؛ وخلاف حدوثه بشكل آلي كرد فعل زائف على أحداث – كالجرائم مثلاً – هي الأخرى عادية ومتوقعة، يحدث بشكل أصدق حين يجتمع عدد كبير من الناس على شيء سلبي: التعبير عن الغضب، رفض الظلم، “إسقاط النظام” (وما المقاومة والتحرر والجهاد إلخ إلا نماذج لتلك السلبية)… لكنه إذ يحدث يكشف عن تعقيدات وتناقضات كان الإنسان يعلم، ومنذ اللحظة الأولى، أنها موجودة ودائمة بما يجعل تقديس أي شيء أو شيطنته مجرد بله أو تباله، وبما يجعل قصر الحياة على الصح والغلط أو الخسر والشر إجراماً مجانياً وتعدياً عبثياً على الغير. إذاك يشعر الإنسان أنه معتوه وحقير، وأنه باستسلامه للحظة إنما تسبب في تعاسات كان يمكن تحاشيها ببساطة. عزاؤه الوحيد – الوحيد – أن يكون قد تعلّم شيئاً.

(٢)

لم أر في حياتي كلها استبداداً وإقصاء (رسمياً أو غير رسمي) أسوأ من ذلك الذي لا يزال “الربيع العربي” يمارسه على الناس، داخل “المجتمع الثوري” بالذات، رغم جميع الدروس المستفادة من خبرة العامين الماضيين، وأول هذه الدروس أن مشكلة المجتمعات العربية لم تكن في أنظمتها أو لم تكن في تلك الأنظمة بالأساس، وإنما في الذهنية التي ولّدت ترتيبات لا أخلاقية وأبقت عليها بل ومازالت تدافع عنها فعلاً إن لم يكن قولاً، بحيث يصبح النضال والكرامة أو الموت – كمعادل موضوعي لخيانة ومهانة هي كل ما يمكن أن تكونه الحياة – جزء من ذلك الدفاع. لم يعد التفاهم ممكناً حتى في أمور تبدو لي بديهية كعبثية الجهاد في سوريا في اللحظة الراهنة مثلاً، حيث الإصرار على كلمة ثورة بغض النظر عن معنى هذه الكلمة على الأرض، وبعنف أعمى هو أقرب فعلاً إلى الأصولية الدينية من الجذرية النظرية أو أي توجه سواها، أصبح شرطاً مبدئياً للحق في إبداء الرأي، وحيث الثورة نفسها، خلاف أنها مبرر للقتل أو الانتحار، لا تدل إلا على مثاليات أو مجردات ثبت ليس فقط أنها بعيدة عن الوعي الشعبي بأي معنى واقعي ولكن أيضاً أن وظيفتها الحقيقية هي تسهيل انتقال السلطة من جهة تنكر معظم الحقوق والحريات إلى جهة تنكرها كلها، وعبر المغامرة بهياكل مؤسساتية هشة أصلاً ومزيد من اغتيال الاختلاف…

لكن ما يذهل أكثر من ذلك كله هو الحديث عن الإنجاز والتفاؤل وتحقق الأهداف، عن تحمل التخبط على المدى القصير من أجل الخير الذي يدخره لنا المستقبل على المدى الطويل – وهو المبرر المجاني الجاهز للوقوف متفرجين على بيوتنا الآيلة للسقوط منذ قرون وهي تنهار أخيراً فوق رؤوسنا إن لم يكن للمساهمة في هدمها ولكن عن غير وعي وبلا اعتراف واضح أن هذا ما نفعله وإنما بدعوى محاولة درء الانهيار – الأمر الذي تعبر عنه فكرة استمرار الثورة ربما أكثر من أي فكرة سواها:

أنتم وقود سعار سلطة قوامه الكراهية والطائفية والتخلف، وإصراركم على الهوية والكرامة دليل أنكم لا ترون في الدنيا سوى مهانتكم التافهة جداً، الوضيعة جداً، الجاهلة ليس فقط بالمثاليات وإنما أيضاً بالحق في الحياة…أنتم البطل الطيب الذي يقاوم الطاغية الشرير في حدوتة شعبية باتت أسخف وأغبى وأكثر استهتاراً من أي سائق ميكروباص يعطل المرور ويعرض الناس للموت بامتداد مدينة نجحتم في جعلها كابوسية تماماً.

wpid-img_1460-2013-02-21-22-17.jpg

السورإسلاموية هي الحل

wpid-untitled-1-2012-07-10-04-53.jpg

مشروبات الصيف الإسلامية الجديدة: رجّع براحتك

إن الصراعات السياسية مجرد تجليات على السطح. إذا نشبت الصراعات فكن متأكداً أن هناك قوى غايتها إبقاء الصراع محتدماً لأنها تهدف إلى الكسب من وراء الوضع. حين تنشغل بالصراعات السياسية السطحية فأنت ترتكب خطأ الثور في الحلبة؛ إنك تهاجم القماشة. هذا ما تكون السياسة من أجله: أن تعلمك القماشة. تماماً كما يعلّم مصارع الثيران الثور: يعلمه أن يتبع، أن يطيع القماشة. – وليام باروز

أيام انتشار الفاشستية في أوروبا ظهرت حركة تدعى “سورفاشيزم” على غرار الـ “السورياليزم”؛ فكما يضع السورياليون أنفسهم “فوق” الواقعية ليقاوموا تفاهاتها وأكاذيبها، أراد السورفاشستيون أن يضعوا أنفسهم “فوق” القيم الفاشستية. وكانت فكرتهم الأساسية هي استحالة مجابهة العنف (معنوياً أكان أو مادياً) إلا بعنف أشد منه وأعلى، لأن الفاشستي ببساطة لا يمكن التفاهم أو التصالح معه.

وكان من تبعات ذلك أن يقطع السورفاشستيون صلتهم باليسار المنضوية تحته حركة السورياليين ويُسقطوا عقيدتهم الماركسية (ربما استشرفوا في الشمولية التي تتضمنها الاثنتان نقطة تلاق بين الماركسية والفاشية من الأصل)…

واليوم أعلن – ومن هذا المزنق الافتراضي – إنطلاق الحركة السورإسلاموية في العالم العربي، وأعلم رفاقي إنه ربما يكون علينا إسقاط عقائدنا “الثورية” وربما حتى “الليبرالية” في سبيل ذلك.

للإيضاح، الفرق بين الليبرالي والسورإسلاموي – على سبيل المثال -

الليبرالي: والله الحجاب حرية شخصية ولا يجب أن يُفرض على أحد.

السورإسلاموي: اقلعي البشنوق اللي على دماغ أمك يا بنت دين الكلب وكفاية بقى!

عاش السورإسلامويون من المحيط إلى الخليج!

wpid-394711_440644735976470_296532573_n-2012-07-10-04-53.jpg

من كتاب فرج فودة

إشارات ذات صلة

بالنسبة لرد فعل وزارة الداخلية على واقعة السويس – “شباب ملتزمين وهو لو كان اعتذر كان الموضوع عدى” – بأفتكر حوارات كتير خلال النص الأول من ٢٠١٢ حوالين إن الإخوان “ما قتلوش وما عذبوش وما اعتقلوش ولا حاكموا حد محاكمات عسكرية” وبالتالي ما يُقارنوش بالعسكر وأتباعهم (وكإن “العسكر” ما هماش غطا لممارسات رسمية بتحصل بغض النظر، وكإن المسئولين في البلد عندهم أي قدرة إنهم يدافعوا عن قيمة مجردة، وكإن المسئولين مش هيركبوا الموجة بغض النظر)… وبأفتكر كمان العبارات اللي كانت الناس الساقعة اللي ما لهاش موقف ما بتبطلش تقولها: “إحنا عايزين دولة القانون” و”مصر دولة مؤسسات”. أتمنى إن الناس تكون ابتدت تفهم إن الإسلاميين مش هيحلوا مشاكل القمع إنما هيزوده ويخرجوه عن النطاق المؤسسي المتعارف عليه أكتر ما هو خارج، وإن فكرة “الالتزام” من غير ما يكون فيه حاجة متفق عليها نلتزم بيها كمواطنين مجرد حجة للعدوان والتخلف… مين مفروض “يلتزم” بإيه قدام مين بعد ما الحاجة المفهومة المقبولة اجتماعيا واللي مش ضد القانون مطلوب من المواطن إنه يعتذر عنها قدام جهة مش رسمية وبعد ما مسئولين في الداخلية بيعتذروا عن جريمة القتل لمجرد إن اللي في الحكم إسلاميين؟ بجد أتمنى إن الناس تكون فهمت شوية إن المطروح في العالم العربي مصيبة مش “نهضة”، وإن “الثورة” في أشكال وممارسات السلطة، مش في السلطة مع مين

مخاوفي ككاتب تتمحور حول الكساد الذي أصاب الأدب في أعقاب الثورة نتيجة انشغال الجميع بتبعاتها واقتصار النشاط على “الكتابة السياسية”، لكنها ليست مخاوف بقدر ما هي إحباطات مهنية تخصني… لا أريد أن أتحدث عن مخاوفي من المد الإسلاموي غير المسبوق إلا بوصفي مواطناً أو شخصاً يطمح إلى المواطنة، لأن ثالوث “النخبة-العامة-السلطة” لا يقنعني ولا يعنيني على الإطلاق. واحد يريد أن يشرب “بيراية” أو يصطحب صديقته إلى مكان عام بلا مشاكل وتعقيدات؛ مسلم تزعجه مظاهر التدين الوهابي المبالغ فيها والجهل البشع بتراث الحضارة الإسلامية أو إلغائه؛ إنسان لا ديني حريص على أن لا يُحرم حقه في حرية العقيدة؛ زوج لا يريد لزوجته أن تتحجب غصباً ولا يريدها أن تعاني لكونها “سافرة”… هذه مخاوفي التي لا أظنها نابعة من انتماء طبقي كما يفترض القسم الأكبر من “اليسار” المناصر للإخوان المسلمين، ولا أظنها مقتصرة على مجتمع بعينه “ثقافياً” أكان أو غير ذلك. إنها مخاوف مواطن مستعد أن يسمي الأشياء بأسمائها، ولم يعد يرى أي جدوى لمساعي التوافق والمصالحة مع سلطة لا يعترف بها أصلاً…

مهاب نصر: أدب الاعتراف ثورة لم تكتمل

This slideshow requires JavaScript.

في استجداء لحالة من الاعتراف الإعلامي يسأل مقدم البرنامج الفنان أو الفنانة «س»: ما هي عيوبك، متطلعا بابتسامة حانية، بعين على الضيف وأخرى على الكاميرا: يجيب الفنان أو الفنانة: الحقيقة عيبي الوحيد هو الصراحة.. عيبي الوحيد أنني وفيّ للصداقات..إلخ، وهي صيغة يعرفها البلاغيون بالـ «مدح في صيغة الذم»؛ أي أن الفنان بدلا من أن يدخل بجدية في حالة الاعتراف، بعد ان اتخذ هيأته وطقسه، يفرغ الاعتراف من مضمونه، ويحوله إلى تملق عكسي للذات.

يفعل الأدب الاعترافي في المحيط العربي شيئا شبيها، حينما يقدم لنا روايات على هيئة سير ذاتية، أو اجتماعية ذات نكهة فضائحية؛ لأنه يستخدم بالذات نوع الفضائح المتوقع لدى جمهوره.

يكتب الشاعر أنه ضائع، أو منتهك للـ«محرمات» التي يعرفها أصدقاؤه سلفا، أو أنه بسيط وعادي، فظ ومتناقض، مسحوق وقاس، وفق جدول رومانسي يتخذ سمة ما بعد حداثية زائفة، ويكتب الروائي عن الجنس والفساد والسلطة والدين، ما يتداول على المقهى الثقافي نفسه الذي يشكل المسودة الحقيقية لروايته، ويخرج لنا السينمائي صورة البطولة الشعبية الفولكلورية للـ«صايع» أو الـ«هلفوت» البريء باعتباره شخصا يُسقط عَرَضا سروال مجتمع الأقوياء فتظهر عورة الاثنين معا.

كذا تخرج عناوين الصحف المعارضة لتجذب هذا السروال إلى القدمين.

لكن لاشيء يحدث رغم ذلك، لأن السروال الذي كان في حاجة إلى الإسقاط ربما كان سروال المجتمع كله بشعرائه وروائييه ومخرجيه كما ببسطائه وأقويائه.

يضحي الاعتراف الزائف بجزء من فضيحة معروفة سلفا أو متوقعة، مبددا طاقة الاعتراف الحقيقية التي هي مواجهة بالذات مع ما لا يرى، ليس مع ما لم يُقَل، بل ما لم يفكر فيه، ليس من أجل الفضيحة وتكسير العظم والسعادة الطفولية بالتمثيل بالحياة كجثة، ليس للعيش داخل نسيج الحالة الاعترافية والتلذذ بها كمقر بديل عن الحقيقة، بل لتجاوز التناقض الذي تمثله.

أكاد أشعر أن الأدب الأوروبي الحديث نشأ أساسا في حضن الاعتراف، ولكنه خرج من ذلك بانجاز يضاهي الانجاز الفلسفي ويفوقه أحيانا. وليس هذا مجال التحقيق في مصادر «الاعترافية» العربية، ولكن في طبيعتها المعقدة والخجولة بل المصطنعة والمجانية.

لكن لهذا الموضوع صلة ما بالثورات العربية الآن، ثورات بلا عمق، زلزال لم يصب إلا قشرة الأرض، بينما ما نحتاجه ليس أقل من بركان. لقد أسهمت الحالة الاعترافية الفضائحية في تحطيم مقدسات، في تمزيق المركز، لدرجة أن هذه الثورات ربما كانت شكلا من أشكال التحلل أكثر مما هي الشكل الايجابي لتقديم بديل للحياة، ثورة تعيش باكتشاف أعدائها، وبوضعهم وراء قضبان الاعتراف، لكنها هي نفسها لا تعترف. وهذا هو مكمن ضعفها.

فالاعتراف الزائف علّمها تملق الذات، وطهارتها الثورية، علمها أن الخطأ دائما هناك، وأن محصلته هي الفضيحة وليس اعادة الاكتشاف.

تحمل الكتاب والمثقفون عقودا طويلة مهمة الاعتراف نيابة عن مجتمع يحترم التظاهر، ويدافع عن القيم التي ينتهكها هو بالذات، ولا يحترم الخطأ ولا يفهمه، ولم ينتبهوا إلى أنهم اتخذوا هيئة النقيض الزائف لهذا المجتمع.

وحين خلت الساحة فعلا للجميع من تشبهوا بالاعتراف ومن استنكفوا عنه، وجدوا أنفسهم في ساحة خالية، يضربون كفا بكف: ماذا يحدث؟ يا إلهي! انهم يسرقون الثورة. وغدا سيقولون بتهكم: هل وقعت الثورة فعلا؟! ليفتحوا دفتر اعتراف آخر.

لماذا لم يعترف الكتاب بنقص مواردهم الثقافية؟ ولا الثوار بأنهم في حاجة الى امتلاك رؤية واضحة عن مجتمعاتهم، ولا المجتمع بضعف تأهيله العلمي والمهني والثقافي وحتى الأخلاقي. نحن «تمام» الآخرون هم المشكلة.

وغدا ربما نكتشف أننا لم نضيع ثورة فقط، بل اضعنا لحظة استثنائية للاعتراف النبيل.

مهاب نصر في القبس

المثقفون والثورة

سبع تطبيقات للدعارة “الثقافية” أدعوكم إلى تقصي تجلياتها في ردود أفعال المثقفين على الثورة

أن توافق على ما تراه مرفوضاً بدافع شخصي (مادي أو معنوي، عن جهل أو علم بحقيقة المعنيين)؛ أن تساوي بين الغث والثمين في المنتجات والمواقف لكي لا تُغضب أحداً، ما يعني إما أن تخفي رأيك أو أن لا يكون لك رأي بالأساس؛ أن تروّج ليس لما أنجزته في مجالك ولكن لما يهيّئه الإنجاز من سلطة أو وصاية، إلى أن تصبح في مكان يطابق المناصب التي سعيتَ إلى تكسيرها لما ابتدأت؛ أن تتاجر بأزمتك أو “مشكلتك” عوضاً عن تجاوزها في الحياة، وبما يجعل من المشاكل على وساختها أوسمة ومبررات؛ أن تكون مثل سكان القرى في الاختباء داخل جماعة والولاء المطلق لأشياء بالضرورة نسبية، تستدفئ بأشباهك وأنتم تتخابثون على بعضكم بقدر ما تتخابثون على الآخرين، وبدعوى التحضر دائماً لا تغادرون أبداً رغم كل مظاهر المغادرة بما فيها الهجرة إلى البلاد المتحضرة؛ أن تنتحي جانباً من المتن أو المركز ليس لأنك تكرهه فعلاً ولكن لأن الهامش أو الطرف طريقتك في بلوغه؛ أن تكون حياتك العامة في الخندق السليم بينما حياتك الخاصة خارجه، ما يؤدي بك في معرض عيش أكثر من حياة إلى أن لا تعيش أصلاً

حوار‮ ‬منصورة عز الدين

هدفي تحطيم البقرات المقدسة

لا يكف يوسف رخا عن إثارة الشغب‮. ‬

حاجته الدائمة إلي المغادرة وعدم الثبات تدفعه لاختبار أقصي درجات التمرد و(السخط؟‮) ‬في الكتابة‮. ‬لا يعترف بأي فواصل أو حدود بين الأنواع الأدبية،‮ ‬لذا يمعن في التنقل بينها ومزجها ببعضها البعض كأنما تتحول الكلمات معه إلي لعبة ما‮. ‬إلي مكعبات أو قطع ميكانو يرّكبها كل مرة علي نحو مختلف ثم لا يلبث أن يفككها من جديد‮.‬

اللغة من وجهة نظره صديق لا يجب أن نبذل معه كل هذا الجهد‮. ‬صديق يتحول رخا من أجله إلي متآمر أبدي يظل يسهم في تنفيذ مؤامرة محكمة للتأكد من أن اللغة‮ “‬لغته لا تعيش إلا خارج الكتابة‮” ‬كما كتب في نص‮ “‬لسان العرب‮” ‬ضمن كتابه الأحدث‮ “‬كل أماكننا‮”. ‬وهو النص الذي يشبه خارطة طريق‮ (‬لن أقول مانيفست‮) ‬لنظرته للّغة،‮ ‬وهي نظرة،‮ ‬ربما تكون بدأت معه منذ بدايته،‮ ‬إذ نجد تجلياً‮ ‬آخر لها في نص من نصوصه الأولي‮ (‬منشور في الكتاب نفسه‮) ‬وعنوانه‮ “‬عبّاس العقاد‮” ‬يكتب فيه‮ “‬تلك القوالب الخرسانية‮/ ‬وقصائد الحديد والصلب‮/ ‬هل كنت تتحدث مع المازني‮/ ‬بلغة سرية؟‮/ ‬أنت لم تترك لي‮/ ‬أكثر مما تركه الإغريق القدامي‮/ ‬أنت ورثتني‮/ ‬قوالب طوب‮/ ‬أنت ممن جعلوني‮/ ‬أكره اللغة العربية‮”.‬

هذه القصيدة أشبه ما تكون بتصفية حسابات مع نظرة معينة للّغة وللفن،‮ ‬وهو أمر لا ينكره رخا،‮ ‬إذ يقول‮: “‬كان هذا مطروحاً‮ ‬في قصيدة التسعينيات‮. ‬تصفية حسابات مع البشر والدنيا بشكل إنساني،‮ ‬تصفية حسابات علي المستويين الجمالي والأدبي‮. ‬لكن يمكنني قول إنه ليس تصفية حسابات بقدر ما هو تمرد أو تكسير للبقرات المقدسة،‮ ‬والعقاد أكبر‮ “‬البقرات المقدسة‮” ‬بدون وجه حق‮! ‬هو من وجهة نظري ليس لديه جديد يقوله،‮ ‬علاقته باللغة مريضة ومختلف تماما عن طه حسين مثلاً‮. ‬موقفي من العقاد ليس موقفاً‮ ‬من عصر ولا توجه سياسي،‮ ‬إنما موقف من كاتب أرفض التعبد في محرابه‮. ‬الآن لن أكتب قصيدة بهذا المنطق‮. ‬لأني مقتنع حاليا أن تصفية الحسابات حتي لو بشكل جمالي ليست هدفاً‮ ‬كافياً‮ ‬للكتابة‮”.‬

‮ ‬تبدو اللغة هنا هي المعيار الأول الذي يقرِّب صاحب‮ “‬بيروت شي محل‮” ‬من كاتب أو ينفره منه،‮ ‬يستشهد بطه حسين باعتباره النموذج المغاير للعقاد،‮ ‬لكنه يعود في نص‮ “‬لسان العرب‮” ‬ليسخر من صاحب‮ “‬الأيام‮” ‬لأنه شغل نفسه بسؤال‮: “‬أيهما الأصح‮: ‬تخرّج في الجامعة‮ ‬_‮ ‬أم من‮ ‬_‮ ‬الجامعة؟‮”. ‬

من ناحية أخري‮  ‬يبدو يوسف رخا كأنما في صراع دائم مع اللغة للوصول للغته هو،‮ ‬لغة تخصه،‮ ‬وتشبهه،‮ ‬بما يحمله من تمرد وقلق ورغبة دائمة في اخراج لسانه للجميع وتكسير كل الأيقونات والبقرات المقدسة‮. “‬هذا في حد ذاته من الأشياء الأساسية في الكتابة الأدبية‮. ‬درجة من الطزاجة تسعين لها‮. ‬أن تتجاوزي الكليشيهات حتي لو قمتِ‮ ‬بسك كليشيهات خاصة بكِ‮ ‬في المقابل‮.” ‬يقول رخا قبل أن يضيف‮: “‬ثمة سلطات لغوية مزعجة‮. ‬توجد سلطوية كريهة في التعامل مع اللغة‮. ‬هذا شيء ضد الإبداع‮. ‬نحن نتكلم لغة‮ ‬غير التي نكتب بها‮. ‬لدينا لهجات مختلفة،‮ ‬ولغة لم تتطور إلا علي الورق،‮ ‬وأري أن هذا شيء جيد‮. ‬لو حذونا حذو أوروبا لكانت كل لهجة تحولت إلي لغة منفصلة‮. ‬هذا يطرح سؤالاً‮ ‬طوال الوقت هو‮: ‬كيف تكتبين؟ أنتِ‮ ‬مسبقاً‮ ‬اخترتِ‮ ‬الكتابة كامتداد تاريخي لما كُتِب باللغة العربية علي مدي التاريخ،‮ ‬لكن مع لمسة إنسانية تقترب من لغة الكلام‮. ‬في مرحلة من المراحل،‮ ‬عندما كنت أفكر في الكتابة،‮ ‬شعرت أن الأشياء التي من الممكن أن أخسرها والتي لا تعوض هي الصراع بين العامية والفصحي‮. ‬لديكِ‮ ‬لغتان يمكنكِ‮ ‬استنباط شيء مختلف من تصادمهما أو تجاورهما‮. ‬اللغة إضافة لكونها علاقة صريحة مع ما هو الشعر،‮ ‬إنما هي أيضا صراع‮. ‬معظم الكتّاب الذين أحبهم سواء بالعربية أو الإنجليزية يكون عندهم لغة تخصهم‮”.  ‬

‮>>>‬

اختار رخا‮ “‬كل أماكننا‮” ‬عنواناً‮ ‬لكتابه الأحدث الصادر عن دار العين،‮ ‬كأنما يؤكد من جديد علي أهمية المكان في كتابته‮. ‬إذ يظهر دائما باعتباره مركز الكتابة والعنصر الأساسي فيها‮. ‬لاحظنا هذا في كتبه في أدب الرحلات من‮ “‬بيروت شي محل‮”‬،‮ ‬إلي‮ “‬شمال القاهرة،‮ ‬غرب الفلبين‮”‬،‮ ‬وها نحن نلاحظه في نصوصه الأحدث المقالات منها والقصائد،‮ ‬بل وحتي في مخطوط روايته التي لم تصدر بعد‮ “‬كتاب الطغري‮”. ‬يعترف رخا أنه في الشعر لا يوجد لديه وعي بحضور المكان‮: “‬عندما سافرت إلي أبو ظبي وجدتني أكتب قصائد متتالية عن المكان دونما تخطيط أو قصدية‮. ‬وكان هذا لطيفاً،‮ ‬إنما الكتابة عن المكان في كتب الرحلات تتم عن عمد،‮ ‬أعتقد أن المكان من الأشياء الأساسية عندي،‮ ‬أكثر أهمية من الزمن بالنسبة لي‮. ‬من المفارقات أني عشت في أماكن كثيرة جدا في القاهرة وخارجها،‮ ‬وكنت دائما أعود للشقة التي وُلدت فيها‮. ‬احساس لا علاقة له بالعاطفة أو الحنين‮”. ‬

الزمن في كتابات رخا إما مفكك أو موجود في منظومة محددة سلفاً‮. ‬في كتاب‮ “‬الطغري‮” ‬مثلاً‮ ‬تدور الرواية في ثلاثة أسابيع محددة‮. ‬ويظهر فيها المكان‮ / ‬القاهرة وتغيراته بشكل واضح،‮ ‬بل إنها‮ (‬أي القاهرة‮) ‬العنصر الأساسي في‮ “‬كتاب الطغري‮” ‬كما يؤكد رخا‮: “‬وهذا جزء رئيسي من عملية التكوين في الرواية‮. ‬المكان حاضر تماما،‮ ‬ليس فقط القاهرة،‮ ‬إنما نكهات معينة لأماكن معينة‮. ‬قاهرتي أنا‮. ‬شعرت باختلاف كبير حينما أكتب عن مكان ضخم أعرفه جيدا‮. ‬أبو ظبي وبيروت مثلا أصغر من القاهرة،‮ ‬وخبرتي فيهما أقل‮. ‬عندما يكون المكان كبيراً،‮ ‬وخبرتك فيه كبيرة تستطيعين اللجوء لخيارات صعبة‮”.‬

لكن بعيداً‮ ‬عن مركزية المكان،‮ ‬يبدو‮ “‬كل أماكننا‮” ‬مربكاً‮ ‬لهواة التصنيف،‮ ‬فالكتاب يحطم الحدود بين الأنواع الأدبية المختلفة،‮ ‬إذ يضم ديوانين قصيرين أحدهما قديم والآخر جديد،‮ ‬ومعهما نصوص ومقالات‮. ‬تجسير الفجوة بين الأجناس له مستوي آخر أيضا فثمة نصوص شعرية في الكتاب أقرب للنثر،‮ ‬ومقالات ونصوص سردية أقرب للشعر‮. ‬لا يبدو يوسف رخا مرتاحاً‮ ‬لفكرة أن يبرر نشره للمقالات مع القصائد،‮ ‬يقول بدرجة من الاستهانة‮: “‬كان لدي ديوانان قصيران،‮ ‬لا يصح أن ينشر كل منهما وحده،‮ ‬كان من الممكن أن يُنشرا مع بعضهما في كتاب أصغر‮. ‬لم أرغب في أن ينشر كل منهما في كتاب أصغر لأن لدي مشكلة مع الكتب الهزيلة حجماً،‮ ‬كما كنت أشعر بضرورة أن تتم قراءتهما معاً‮. ‬أيضا أردت كسر التصنيف الحاد بين النثر والشعر واخترت نصوصا نثرية من الممكن أن تصنع حالة كلية مع الديوانين‮. ‬من الممكن أن تقرأي القصائد علي أنها نثر مطبوع بشكل مختلف،‮ ‬وتقرأي المقالات علي أنها شعر مطبوع كنثر‮”.‬

أسأله‮: ‬تبدو مشغولا بتجسير المسافة بين الأنواع الأدبية المختلفة،‮ ‬ما السبب؟

‮- “‬بالنسبة لما أكتبه،‮ ‬أشعر أن مسألة الأنواع الأدبية مفتعلة‮. ‬ثمة شكل تقني يتطلب أشياء معينة‮. ‬ولديّ‮ ‬دائما تساؤل هو‮: ‬هل لو كتب رامبو روايات لكان أصبح أقل أهمية وتأثيراً؟ وهل لو كتب ديستويفسكي قصائد لكان أقل أهمية؟ فكرة التخصص التي كانت سائدة في السبعينيات لا معني لها من وجهة نظري‮. ‬الكتابة كتابة سواءً‮ ‬أكانت مقالا أو ريبورتاج أو قصة‮. ‬ما يحركني لها دوافع واحدة بغض النظر عن الجنس الأدبي الذي أكتبه‮. ‬في لحظة معينة أجدني أقرأ كتاب‮ “‬ميزان الذهب في شعر العرب‮” ‬من أجل كتابة بيتين من الشعر العمودي أحتاجهما في مكان معين من عمل معين‮. ‬التركيبة الموجودة في‮ “‬كل أماكننا‮” ‬لا أعرف إلي أي مدي هي موفقة‮. ‬هي مبنية علي نصوص كانت موجودة مسبقاً‮ ‬عندي‮”.‬

‮>>>‬

رغبة رخا في التمرد وتحطيم البقرات المقدسة،‮ ‬لا توفر شيئاً‮ ‬أو أحداً،‮ ‬إذ تمتد إلي الشعر نفسه‮. ‬نلاحظ رغبة قوية في إنزاله من عليائه واللعب به ومعه‮.‬

يقول‮: “‬لا أري أن أدبية النص لها أي علاقة بتوصيفه‮. ‬عندي ثورة شخصية علي الأدبية الخاصة بتلقي النص الآتية من مكان معين خارجه‮. ‬من جانب آخر هناك الأفكار التي ظهرت في التسعينيات والداعية لكسر نوع معين من البلاغة وتصور معين عن الأديب‮. ‬كان الأهم فيها أنها حطمت المفهوم الخاص بأن من يكتب يلعب دور المعلم أو الأديب أو حتي النبي‮. ‬في عملي لا تزال هناك الرغبة في أن تصدمي أو تكسري‮. ‬رغبة مصدرها التآلف مع ما حدث في التسعينيات رغم أني وقتها لم أكن واعياً‮ ‬بهذا بشكل كافٍ‮. ‬هذا الكتاب أشعر أنه فاصل‮/ ‬حاجز بين مرحلة استنفدت أغراضها وبين مرحلة جديدة‮. ‬بمعني‮  ‬بين مرحلة كتابة المكان بالشكل الذي بدأته‮ ‬2005‮ ‬وبين الرواية التي انتهيت منها مؤخرا‮. ‬الديوان صدر فوراً‮ ‬بعد‮ “‬شمال القاهرة‮ ‬غرب الفلبين‮”. ‬شعرت أنه يملأ المساحة بين أدب الرحلات والرواية‮. ‬الكتاب كان من المفترض أن يحتوي أيضاً‮ ‬علي اسكتشات وصور فوتوغرافية،‮ ‬لكن لم يحدث هذا لأسباب ربما تكون تقنية،‮ ‬الفكرة تم رفضها من قبل الناشر‮”.

Enhanced by Zemanta