قصة محمد ربيع: أحمال

في الأول من فبراير عام 1957، وفي مدخل قصر الأمير عبد المنعم، توقف ضابط شاب مواجهًا الأمير بصرامة معتادة. أخبره أن عليه الرحيل، عليه ترك القصر فورًا. بدون أن ينطق حرفًا، عاد الأمير إلى الداخل، ثم خرج وفي يده حقيبة، ابتسم للضابط، وتحرك نحو السور الجنوبي للقصر.

تعجب الضابط في البداية مما حدث، فللقصر مدخل واحد، يقع في السور الشمالي. وازداد عجبه حينما فتح الأمير باب غرفة ملاصقة للسور الخلفي ودخلها. في الداخل، احتد الضابط عليه، أدرك أنه خُدع، وأنه لم يتم مهمته بنجاح، هدده بطرده بالقوة، لكن الأمير ادعى أن هذه الغرفة ليست جزءًا من القصر، وهو لا يملكها، مع ذلك يستطيع البقاء والعيش فيها. قال له إن والده تخلى عنها منذ مدة طويلة، أخبره أن الشيخ أبو النور مدفون بها. أشار الأمير إلى هيكل في منتصف الحجرة مغطى بسجاد رقيق: ألا ترى القبر؟ ثم أدار سبابته في هواء الغرفة: هل ستأممون ضريحًا؟

في ذلك اليوم، بحث الضابط عن خريطة القصر في الملف المُعطى له، تأملها مرارًا أثناء كتابة تقريره، ذكر الضابط في تقريره أن الأمير قد غادر القصر بالفعل، وأن المهمة قد تمت على ما يرام، ولم يذكر حكاية الضريح أبدًا، لم يكن هذا تقصيرًا منه، ولم يكن تواطؤًا. أرفق الضابط خريطة القصر مع التقرير، وهكذا اطمئن لدقة تقريره أخيرًا، وأيقن أنه أتم مهمته على أكمل وجه.

تُظهر الخريطة مبنى القصر وحدوده. وفي السور الجنوبي يظهر جزء صغير مقتطع من السور، لا ينتمي للقصر، بل يبدو وكأنه جزء من الشارع، مكتوب عليه بخط دقيق: ضريح الشيخ أبو النور.

***

لا زلت أذكر أول مرة تجرأتُ وخالفتُ فيها أوامر أمّي. قالت: لا تشرب عصير القصب من الشارع، ملوث، ستمرض حتمًا إذا شربتَه.

أطعتُ هذا الأمر لمدة طويلة، وكنت مقتنعًا بأني سأمرض إذا ما شربته، ولا أعرف ما الذي دفعني لشرب الكوب الأول. خصوصًا أنّ برودة ذلك اليوم لم تكن دافعًا قويًا. كنت قد قطفت ياسمينة من الفرع المتدلي على الرصيف، وشاهدت امرأة تقف أمام نافذة الضريح الصغيرة، متعلقةً بالقضبان الرأسية للنافذة على الجانب الآخر من الشارع. وكعادة مريدي الشيخ أبو النور، كانت تهمس له بحاجتها، همس المحبين. أهذا ولهٌ أم طلب؟ ازداد اقتراب المرأة من النافذة حتى التصقت بها تمامًا، كنت أعلم أنها تبكى، لكني لم أرها باكيةً. ولما أتمت طلبها واعترفت بولهها، استدارت إلىّ وهي لا تعلم أني أراقبها والتقت أعيننا، ولا ريب أن النظرة دامت للحظة لكنها حُفرت في ذاكرتي إلى الأبد؛ وقفت المرأة بعينين رطبتين أمام النافذة التي تخفي ما بالداخل، وأمامها الجذع الأفقيّ لشجرة الضريح.

امتد الجذع خارج التراب رأسيًا، فقط لمسافة قصيرة، ثم انحرف بحدة لينمو في اتجاه أفقي، ثم عاد لينمو مائلًا، لينطلق ويتفرع فوق الضريح، وفوق الشارع كله.

تحركت خجلًا من تلاقي الأعين، وبعد عدة أمتار وقفت أمام محل العصير. طلبت كوبًا وشربته بتمهل على غير عادة الناس، ورائحة الياسمين في أنفي، والمرأة الولهانة في عيني.

سأمر بعد ذلك اليوم مرات عديدة ماشيًا في شارع الشيخ أبو النور، ولسنوات قادمة سأرى ضريحه وشجرته كثيرًا، وسأشرب القصب ورائحة الياسمين.

***

مشت صبرية وكأنها تطفو فوق الأرض، تحمل صينية الطعام للأمير. في مستقره الجديد داخل الضريح، جلس الأمير ليقرأ ويشغل الموسيقا. في الصباح يفتح الباب المطل على الحديقة، ويجلس بالداخل. يتابع ما يدور بين الأشجار، يتابع العاملين بالقصر، يراهم ولا يرونه. كان لا يزال يأمل في العودة إلى القصر مرة أخرى.

في اليوم الأول، لما دخلت صبرية الغرفة بعد طفوها، فكر الأمير: ستجلس بين ذراعيّ. وفكرت هي: سأقبّله. بدا الأمر حتميًا، وأصبح كل كلام قد يبرر ما سيحدث سخيفًا. ما أسقط الأمير على الأرض صريعًا كانت الأنامل الدقيقة، تلك التي أحاطت بالكوب وسلمته له. فكر الأمير: ربما تنكسر وتتشظى إذا ما ضغطت عليها. لابد من الإحاطة بتلك الأنامل. ثم تم الإجهاز على الرجل تمامًا، حينما مشت صبرية عائدة إلى القصر، حرة الذراعين. مشت وهي تعلم أن كل شيء زائل وأن عِرقًا جديدًا سيتضافر مع عِرقيها السودانيّ والصوماليّ.

تغلّب الطيش الحالي على الإحساس بالذنب المستقبليّ، وبدا لهما أن الحياة لن تدوم إلا ليوم.

wpid-img_7290-2013-05-18-02-06.jpg

كانت رحلة يومية؛ المشي من أول شارع أبو النور حتى آخره، ثم في شوارع أخرى حتى أصل إلي بيتي. ولا أعلم كيف حدث هذا؛ لكن تفاصيل المشي في الشوارع الأخرى غائبة عني، بينما تفاصيل شارع أبو النور حاضرة في ذاكرتي بقوة. حتى اليوم، وأنا أكتب هذا الكلام، أتذكر كل شيء.

لن أنسى أبدًا أول مشاهدة، أم أنها أول رؤيا؟ على باب المدرسة وفي وسط زحام الخروج، سمعتُ أن المترو قد دهس للتو زميلًا لنا. أسرعنا جميعًا لنرى الجثة، تحلقنا حولها، ورأيناه. لكني لم أفهم قط ما حدث، تفرقت أعضاء الفتى في دائرة صغيرة جدًا، وتخيلت أن أحدهم جمعها وكون منها كومة واحدة، ثم وجدت واحدًا من الواقفين يقوم بحجب الجثة بأوراق الصحف. وقفت قليلًا أحدق في تل اللحم المغطى ثم مشيت متجهًا إلى البيت.

هناك، في منتصف شارع أبو النور، وعلى الجزء الأفقي من فرع الشجرة الماثلة أمام الضريح، شاهدت لفافة قماشية بيضاء تحوى ما ظننته رضيعًا. عندما اقتربت، شاهدت وجه الطفل ناصع البياض، تمامًا كالقماش الذي يحيطه، كان نائمًا في وضع جنينيّ وكأنه لم يولد بعد. كان المشهد ككل أغرب من مشهد الأوصال المكوّمة الذي شاهدته للتو. وفكرت، كيف يترك أحدهم طفله هكذا بلا حماية. ورغم الغرابة البادية، إلا أن حميمية ارتبطت بالمشهد أيضًا. وقتها لم أكن أعرف معنى الكلمة، لكن الشعور كان جليًا.

للحظة، ظننت أن جذع الشجرة لم يكن مهدًا للطفل كما هو ظاهر، بل هو قبر له.

***

صحا الأمير وآلام بسيطة تشغل بطنه. ومع آخر اليوم ازداد الألم كثيرًا، وفي اليوم التالي تذكر أنه لم يتبول ليومين أو ثلاثة.

عاد الأمير من المستشفى محطمًا، كانوا قد أزالوا جزءًا من جسده في عملية مؤلمة. ظل يهذي أثناء إفاقته ويفكر في ما أودعه في جسد صبرية.

مرت أيام وهو جالس في غرفة الضريح، لابسًا جلبابًا مخططًا لا يبدله. يقوم ليتمشى قليلًا في الحديقة ثم يعود وقد أٌنهك جسده تمامًا. سرح بخياله متأملًا ما حوله معظم الوقت. قل طعامه وشرابه ثم عافهما تمامًا.

انهارت دفاعات جسده مرة واحدة، فعانى من حمى استمرت ليومين. قام بعدها هزيلًا لا يكاد يقف. ثم صحا من في القصر ذات يوم ليكتشفوا غيابه الكامل.

كانت ملابسه واسطواناته وكتبه في مكانها فظن البعض أنه ذهب ليتمشى حول القصر أو في الشارع الخلفي. انتظروا حتى حل الليل. لكنه لم يعد. كان برد فبراير في قمته.

في صبيحة اليوم التالي لاحظ أحد الحراس أن هناك تجمهرًا صغيرًا خلف القصر. أمام نافذة الضريح، كان الأمير يتدلى مشنوقًا من أحد فروع الشجرة. أخفت الأغصان جثته ليوم كامل واكتشفه أحد المارة بالمصادفة. انتفخ جلبابه المخطط بالهواء ثم التصق بجسده العاري بفعل الريح، فظهر جسده للجميع شديد النحول متخشبًا.

مر وقت وقت طويل قبل أن ينزلوا الجسد المتدلي من الفرع. أسندوه لوهلة على جذع الشجرة الأفقيّ ثم أدخلوه إلى القصر لتهيئته للدفن.

***

هذه أيامٌ عظيمة، أيامُ المدرسة، حمل همي آخرون، وظلّت كتفاي حرتين بلا أحمال. كنت كيوسف، بطل فيلم “الكيت كات”، أطير ولا ألمس الأرض بقدمي.

قالي لي أبي ذات مرة: استمتع قبل أن تَرفعَ الأحمال. كنت وقتها قد أدركت ما يرهق كتفيه. لكن قوله هذا أشعرني بالذنب؛ كيف أستمتع وهو مرهق هكذا؟ لم أكن لأتحمل ذرة مما يتحمل وكان هو حريصًا على إبعادنا عن كل هم. أعلم أنه تلقى همومًا كثيرةً فجأة. أثناء شبابه وخلال شهور قليلة وجد نفسه راعيًا لبيت اعتاد أن يكون أحد أفراده. كنت أتمنى لو أنه أشركني في همه، أولًا كي أعتاد القادم، وثانيًا كي يتخفف قليلًا مما يرهقه دومًا، لكنه لم يفعل. كان أبي يعلم أني لم أكن جديرًا بأي أحمال.

لكن لا مفر. لما بلغت الثلاثين كانت الأحمال قد تراكمت بالفعل، ولم أعد ألمس الأرض بقدمي أثناء المشي، بل صرت لا أرفعها من فرط الثقل. حفرت قدماي بصمات في كل طريق مشيته، حتى شارع أبو النور لم يخل منها. كنت أتمنى أن أنتهي وقد مشيت بلا بصمات، وبلا أحمال.

لكن ّما كان كان.

wpid-2013-02-2000-49-21-2013-05-18-02-06.jpg

بسرعة بالغة انتشر الخبر: تشارك الأمير عبد المنعم وصبرية في الفراش، وانتحر الرجل لشدة إحساسه بالذنب، وهي الآن تحمل جنينه ولا تعرف كيف تتصرف.

انتشار سريع حاسم. وبعد يومين من الكلام، بدا الخبر وكأنه في إطار عمل انتقامي موجه إليها، جارة حسودة، زميلة قبيحة، أو ربما رجل آخر اشتهاها سابقًا وصدته. أحدهم نشر الخبر الغريب، حكاه للجميع، حكاه لمن في القصر، لبوابي المباني المحيطة بالقصر، للجيران، للمارة، للباعة الجائلين، فعل يوحي بالشماتة ولا يتطلع للإخبار. ولما سُئلت صبرية عما حدث صمتت.

هذا صمت مزلزل، هذا صمت الموافقة. قالوا: سرقتها السكين. لم تعتد الكذب. تزني ولا تكذب.

أحاط الرعب بالقصر وبالشارع أول الأمر، ثم لما ردت بالصمت استراح الجميع، على الأقل، لم يظلم أحد صبرية بالكلام، والكلام أظلم من الفعل. هي فعلت ذلك وصمتت موافقة، وبقى الجميع في انتظار ما سيحدث، تسعة أشهر ونرى النتيجة، لا أكثر من تسعة.

قالوا: ستهرب حتمًا. ستبقى. ثم تساخف الشباب وأخذوا يسخرون مما حدث وسيحدث. قالوا: الأمير أحب الخادمة. ستلد أميرًا صغيرًا. بل ستلد ملكًا يحكم البلاد مرة أخرى. ستلد أميرًا، أو ستلد خادمةً. قالوا: بطنها ينتفخ. تمشي بتثاقل.

وبعد هدوء كل تلك العواصف، ومع انشغال الناس بأمور أخرى، قال القليل: لنتابع بطنها، علّنا نظلمها. لكنهم تذكروا صمتها فصمتوا.

***

رقد أبي مريضًا في مستشفى قريب، كان السكون قد أتم زحفه على جسده وأيقن الجميع أن الوضع سينتهي خلال وقت قصير ولا سبيل للعودة إلى الوراء. هربت من السكون، ومشيت خارج المستشفى حتى وصلت لأول شارع أبو النور. كان أذان الفجر يسرى في الهواء، والنسمات الصيفية ترافقه، عندما رأيت الطفل مرة أخرى. كانت هذه ثاني رؤيا للرضيع وقد مر على الأولى سنوات عديدة. بخلاف المرة الأولى، كان الرضيع جالسًا على جذع الشجرة الأفقيّ، يظهر بياضه واضحًا في الظلام، يحوطه الغطاء الأبيض. لكني رأيته هذه المرة متحركًا يضرب الهواء بذراعيه ضرباتِ من يحاول الفرار، من يلوّح لأبيه لكي يحمله، من يطرد موتًا يلاحقه. على نافذة الضريح، كانت شموعٌ قليلة تقاوم النسمات، تحاول أن تظل منيرة. تابعت المشي، وضربات الرضيع تسيطر علىّ. أخذتني رائحة الياسمين على مهل، ثم مررت على دكان العصير، وعلى الرغم من أنه كان مغلقًا، إلا أن الرطوبة المشبعة برائحة القصب كانت ملحوظة، تتكاثف على وجهي، استسلمت لها كما اعتدت، وتابعت الهرب.

***

بعد عام من الانتحار، تذكر الناس فجأة الحكاية، تذكروا أن صبرية لا زالت حاضرة وسطهم، وأنها لم تلد، ولم تغب عنهم لتجهض. كانوا قد تابعوا خلال الأشهر السابقة انتفاخًا في بطنها، فتأكدوا من الحمل، ثم لاحظوا أن عامًا مر عليهم والانتفاخ لا يزال موجودًا. تحيّر الجميع.

في حجرتها الصغيرة صارحتها ثلاث نسوة بما يضمرن: سنرى بطنك، لا مفر من ذلك. قالت آمنة: لا نفهم ما يحدث، ومللنا الكلام الفارغ في الخارج، ولابد من الوصول للنهاية. كانت صبرية قد أصبحت بطيئة الحركة بالفعل، بدا الانتفاخ ظاهرًا من تحت الجلباب، كل مشاهد الحمل كانت ظاهرة بقوة، لكن بلا مولود. رفعت صبرية جلبابها ببطء، كشفت عن بطنها، وبعد توقف قصير خلعت الجلباب. رأى الجميع الانتفاخ حقيقةً واضحةً بلا مداولات. لكنه كان أبعد ما يكون عن الحمل، انتفاخ عرضي يعلو البطن، ويقترب من الثديين. قالت آمنة: ليس حملًا، هذا ورم.

قالت النسوة: صبرية مريضة، بطنها متورم ولا نعلم سببًا لما حدث. ولا صحة لما قيل عن الأمير وسبب انتحاره. كان الكلام قاطعًا هذه المرة. مر العام والناس يتقلبون من فرط اختلاط المشاعر، فلما أتت البراءة اطمأن الجميع.

انتهى الأمر بشهادة النسوة الثلاث، قالت آمنة: من سيذكر اسمها بعد ذلك سنقطع لسانه. تذكر الجميع صمت صبرية فصمتوا.

wpid-img_9930-2013-05-18-02-06.jpg

في بداية مرضه اعتاد أبي أن يردد: اللهم خفف عني. ثم علم أن الخفة وسكونه لن يتآلفا، بعدها طغى المجاز على كلامه. ناداني في يوم اكتمل فيه يأسه. قال: ارفع الأخشاب عني. تحيّرت ولم أفهمه، كان راقدًا كعادته، أخبرته أن هذا ثقل المرض، ولا أخشاب. أشار بعينيه إلى غطائه القماشي: ارفع لوح الخشب هذا. رفعت الغطاء محاولًا إرضاءه، تابعه بعينيه ثم سكنتا قليلًا مختبرًا فرق الضغط على جسده، ولابد أنه لم يشعر بأي فرق فأغمض عينيه مستسلمًا.

ثم قل كلامه كثيرًا. قلتُ: أُشغل عبد الوهاب؟ فرد باقتضاب: لا. قالت أختي: كوب من الشاي؟ فرد بنزق: كرهته. قلتُ بعد مدة: أُشغل شادية؟ فلم يرد علىّ، واكتفى بتحريك رأسه.

أدعيت الجلد لكني كنت أهرب مع كل فرصة متاحة. ورأيت أن أحماله الحياتية قد زالت وحل محلها ثقل وهميّ، وحزنت لأن الواحد لن يخلو من الهموم حتى لو سكن وصمت. اكتمل صمتنا مع اكتمال سكونه، لكن أبرع تعليق قاله صديق عمره لما زاره ورآه ساكنًا صامتًا. قال: يا خسارة.

***

أمرت ثلاثون سنة؟ أربعون؟ في كل سنة يموت واحد، راح حراس المباني، والبوابون، والباعة الجائلون، وسعاة البريد، ومحصلو الكهرباء. ثم راحت الجارات، وراح العاملون في القصر، وحديقة القصر، ولم يتبق في النهاية إلا صبرية وآمنة.

عاشت آمنة مع ابنها في بيت قديم بالعباسية، رقدت على سريرها بلا حركة، لكن ذهنها كان صاحيًا. في يومها الأخير، أخذت تنادي صبرية. أشارت إلى ولدها، وأمرته بإحضارها فورًا، هذه الساعة بلا تأخير، قالت: هذا آخر ما أريد. ثم أخذت تناديها مرة أخرى. أتت صبرية متعجلة، لا تعرف ما يحدث سوى أنّ آمنةً تُحتضر وأن ابنها المهرول يود أن ينفذ رغبتها الأخيرة بأي ثمن.

جلست صبرية على جانب الفراش. حدقت آمنة فيها قليلًا سألتها عن حالها، عما حدث، أين ذهبتْ، كيف عاشتْ. سألتها عن من سافر ولم يعد. عن الراحلين. ثم أطالت الأسئلة عنهم. كادت الغيوم أن تختفي. وعند حد معين من الأسئلة توقفت. قالت: أنا أموت، أتمّي الأمر.

في تلك الليلة، وقفت صبرية أمام شباك الضريح لأول مرة منذ سنين عديدة، تعلقت بالقضبان وهي خجلة، بكت، واعتذرت عن ما حدث في حضرة أبو النور. وفي اليوم التالي دخلت إلى مستشفى قريب. صعدت إلى عيادة الطبيب، استلقت على سرير المرضى بدون أن تكلمه، قالت: أرحني. فسألها الطبيب عن شكواها.

***

أتذكر أيضًا يوم وفاتي؛ أسرعت سيارة الإسعاف لتنقلني من منزلي إلى مستشفى لم أعلمها، وجد السائق أن الشارع الرئيسي مزدحم، فقرر اختصار الطريق وقاد سيارته في شارع أبو النور. كنت ممددًا في السيارة، جذعي مائل مع ميل السرير، ونظري متجه نحو نافذتها، عندما لمحت الطفل للمرة الثالثة، هذه المرة كان قد نما قليلًا، كان يتعلم المشي، يخطو خطوات خرقاء، يرافقه رجل طويل، يلبس جلبابًا بيتيًا مخططًا، يمسك بيد الطفل بسعادة، ويتمهل أثناء مشيه، يثني ركبتيه قليلًا، يحني رأسه، يقترب من الطفل، ثم يجاريه في خَرَقه، فيفتعل التخبط. ركل الطفل الهواء بطيش مضحك، واستمرت ذراعه الحرة في الحركة العشوائية بكل تهور، ثم أوشك على التعثر والسقوط. كنت سأضحك حتمًا لو رأيته يسقط بعد كل هذه الشقاوة.

غاب عني كل إحساس بالخطر في تلك اللحظة، لم أكن أعلم أني سأموت بعد دقائق. على الرغم من مرضي الطويل، كان موتي مفاجئًا. حسنًا، الآن سأفترض سببًا لفرحة الطفل الساذجة، سبب سيرضيني حتمًا؛ ربما لأن الطفل علم أني سأموت قريبًا، قرر أن يقوم بحركاته الشقية تلك، أراد أن يلفت نظري بعيدًا عما سيحدث بعد دقائق، أراد أن يقول أنّ القادم أفضل. أو ربما، وهو سبب منطقيّ ويتوافق مع حدود معرفتي؛ أراد الطفل أن يتباهى بالرجل ذي الجلباب الذي يرافقه، وأن يلفت نظره.

***

أمام النافذة ترتفع شجرة الضريح كصوفيّ آخر. انحنى جذعها استعدادًا لتلقي ما بيد صبرية. فوضعت اللفافة التي تحوي جنينها على الجذع. كان الطبيب ذا يد خفيفة، جراح لطيف، أخرج جنين صبرية الميت بلا أضرار تقريبًا. قبل العملية، شرح لها ما عرفته منذ سنين عديدة: توقفت البويضة قبل أن تصل إلى الرحم، ونمت حتى أصبحت جنينًا صغيرًا، مات في أشهره الأولى. ولما أفاقت، أراها كتلة الجنين المتكلّسة، أراد تعزيتها على ما ظنه حزناً. قال: ربما لو عاش لتغيرت أمور.

لمست صبرية قضبان النافذة، وألقت النظرة الأخيرة على الجنين المتكلّس في قبره الخشبي.

قصر السراب – نوفمبر 2012

كتبت هذه القصة في ورشة جائزة الرواية العربية في أبو ظبي

محمد ربيع

الصور ليوسف رخا

ياسر عبد اللطيف: نصان

في المدينة الشهباء

وصلتُ إلى حلب قادماً من بيروت عن طريق البر. كلما تقدمنا نحو سوريا، بدت بوضوح أكثر ملامح “الدولة”على الرغم من تدهور حال الطريق عمّا كان عليه داخل الحدود اللبنانية: لافتات إشارية، وأكشاك لعسكر وشرطة، وألوان موحدة لأطلية المرافق.. في الطريق، كان راديو السيارة يبث على الهواء مباشرةً وقائع مؤتمر دولي للآباء المارونيين من كنيسة الجبل، وأعلن المذيع وصول وفدٍ من حزب الله كضيوف على المؤتمر برئاسة نائب الأمين العام نفسه. أخذ رئيس الوفد الشيعي الميكرفون ليلقي كلمةً. قال بصوت جهوري: ” جئنا لننزع عن المؤتمر صفته المارونية.. ليكون المؤتمر مؤتمرا لبنانيا وطنياً..” أغلق سائق السيارة الراديو بينما كنت أتساءل: كيف يحل ضيوف على مكان لينزعوا عنه صفته الأساسية؟

وصلنا قبل هبوط المساء. بزغت حلب من قلب البراري، بيوتاً بيضاء مشربة بلون وردي وقد انعكست عليها إشعة الشمس الغاربة، وفهمت سر تسمية المدينة بالشهباء. قضيتُ ليلتي في حي يعرف بـ”الدبلوماسيين”، بجوار مستشفى يحمل اسم الطبيب العربي القديم أبو بكر الرازي. وفي الصباح التالي ذهبت لزيارة المدينة القديمة و”خان الصابون” وقلعة حلب؛ جددها السلطان المملوكي الغوري، على الرغم من أنه جركسي بوضوح كان يتكلم التركية الطورانية، إلا إني حسبته مصرياً لما له من عظيم صنع في المعمار حدانا في القاهرة، وشعرت حيال ذلك البناء الصرحي بقرابة روحية، وجلست بأحد مقهيين تحت أقدام الحصن أحتسي القهوة وأطلق أفكاري في الهواء.

wpid-img_0187-2013-04-23-03-16.jpg

واصلت المشي بالجوار. مشيت ومشيت، حتى بلغتُ مقبرةً تقع في قلب حي سكني. شواهد القبور فيها نُحِتت بشكل فني وقد تم طلاؤها بألوان متعددة مع نقوش بأسماء الموتى وتواريخ ميلادهم ووفياتهم. وتتدرج أرض الجبانة من أعلى لأسفل، فتبدو الشواهد كأنها تصطف صفوفاً خلف بعضها، الأعلى خلف الأدنى في تدرج متناسق وبألوان مبهجة تدحض كآبة الموت وتحيلها متعة بصرية.

أخذني السير حتى بلغت حياً بدا كما لو كان في مكان ما بالاتحاد السوفيتي السابق.. لافتات المحال مكتوبةٌ بالروسية إلى جوار العربية. طبعاً: الشريك التجاري الأساسي لسوريا البعث. ولكن بعد مسيرة دقائق طالعتني لافتات تحمل اللغة الأرمنية التي تشبه حروفها اللغة الأمهرية. شطحت في العلاقة بين الأرمنية والأمهرية الحبشية. بين أرمينيا وأثيوبيا. كلتاهما دولتان مسيحيتان أرثوذكسيتان في محيط من الجيران المسلمين. وتقف كل منهما في تاريخ الحضارة الإنسانية بمفردها، معزولةً تقريباً عن محيطها. و هناك فوق ذلك تشابه خط الكتابة لديهما. حيث الحروف تشبه قطعاً من الحبال. فلو كانت الكتابة في بلاد ما بين النهرين القديمة بالخط المسماري، فهذا هو الخط الحبالي.

wpid-img_0190-2013-04-23-03-16.jpg

الغرض.. أدركت أني أسير في الحي الأرمني الشهير بحلب، المدينة الواقعة على تخوم آسيا الصغرى. والتي استقبلت موجتين كبيرتين من اللاجئين الأرمن في بدايات القرن الماضي، حتى أصبحوا يشكلون ـ في فترة ما ـ ربع سكانها. ولفرط ما سرت انتابني جوع عنيف.. قلت سأبحث عن أقرب مطعم لأتناول شيئاُ. فإذا بي أمام دكان صغير تحمل لافتته اسم “هاكوب”، مكتوب تحتها بخط أدق “بسطرمة ونقانق وكفتة” قلت هذا هو عين المطلوب، ودخلت إلى المكان بعد أن نزلت درجتين إلى أسفل. كان المطعم من الداخل صغيراً شبه مظلم.. وقد وقف في عتمته خلف ثلاجة زجاجية شابان يتكلمان بلغة ليست العربية. سألتهما مبتسماً: هل هذه هي اللغة الأرمنية؟ رد على أحدهما بجهامة نافياً وقال: “لا.. نحن أكراد!”. تطلعت إلى الثلاجة وسألته عما هو جاهز لديه من طعام . فرد عليّ بأنهم لا يبيعون الآن. كان هناك شيء ما في الموقف يقول أنه كاذب، وأنه يمتنع بشكل ما من العمل.. وعندها ظهر رجل مُسن شديد البياض، عرفت فيه الأرمني صاحب المحل. نهر الشاب وقال له “بعه ما يريد”. انصاع الشاب وسألتي عمّا أريد.. وأردف معتذراً “أنا آسف.. ظننتك سودانياً”. جاء يكحلها فعماها. تذكرت أن بشرتي سمراء، وهو أمر غير مألوف في هذه البلاد. وتذكرت أني في مدينة المتنبي، الذي أخذ على الوالي الإخشيدي كافور لونه الأسود ضمن ما أخذ، وتذكرت متنبئاً آخر معاصر من هذه البلاد أيضاً أسمى المصريين إبان الوحدة مع سوريا بـ”غربان أفريقيا الجائعة”. نعم، كنت في هذه اللحظة غراباً أفريقياً جائعاً في أزقة الشهباء.. وأنقذني من الجوع والغبن تدخل الأرمني الشيخ. فكرتُ في مغادرة المكان وقد ارتفع مؤشر غضبي، لكنني فضلت البقاء احتراماً لتدخله، وتذوقت أفضل بسطرمة أكلتها في حياتي مخلوطةً بطعم العنصرية البغيض. ونفحت الكردي الشاب بقشيشاً سخياً، كنوع من رد الإهانة.

***

لا يوجد قمر فوق بوربون ستريت

اليوم هو “ثلاثاء الدسم” أو “ماردي جرا” كما ينطقها أهل المدينة بالفرنسية، التي لم تعد هي لغة الشارع هنا. نعم، هذه مدينة في الولايات المتحدة الأمريكية كانت تتكلم الفرنسية.

هو الثلاثاء الذي يسبق أربعاء الرماد في المعتقد المسيحي، حيث من المفترض أن يأكل الناس وجبةً دسمة قبل الصوم الكبير. تتكون عادة من أرز “الچامبالايا” بالسجق وحبات الفاصوليا الحمراء وأهلة الجمبري الذهبية. بالمدينة أيضاً طابع كاريبي يسيطر على طريقها الساحلي. بالطبع أنا لم أقصد أن أصل إلى نيو أورليانز في يوم كرنفالها، ولكن السائحين، وأنا منهم، يجعلون من كل يوم من أيام هذه المدينة كرنفالا، أو”ماردي جرا” دون أن يعقبه بالضرورة أربعاء رماد أو صوم كبير.

محال كثيرة بشوارع “الحي الفرنسي” تبيع فولكلوريات السحر، وأدوات طقوس الفودو الغامضة، سواء للاستعمال الشخصي أو للتذكارات السياحية: عرائس صغيرة من الخزف أوالعاج، بشعور مضفرة كالحة السواد، وعيون من خرز تعكس نظراتها رعباً صامتاً. لو رصصت هذه العرائس وفقاً لنظام معين قد تؤثر في مصير شخص ما. هناك أقنعة لموتى، وجماجم بأحجام مختلفة من مادة بيضاء تشبه العظم، وجفنات فرعونية محشوة بأحشاء المومياوات، وخفافيش من مواد لزجة بدماء سائلة على خطومها الجرذية.

wpid-img_0191-2013-04-23-03-16.jpg

أتخيل نفسي مصاص دماء يهيم على وجهه بعد انتصاف الليل بهذه المدينة السحرية، متلفعاً بمعطف أسود طويل، يختبئ وجهي خلف ياقته العالية تطاردني تلك الأغنية القديمة متسربة من زمن الثمانينيات. نحن الآن في عام 2009، وذلك الفتى الإنجليزي الذهبي الذي كان في وقتها مُدرساً متمرداً يقارب حركات البانك، يبدو الآن كنجم عاطفي يلهب قلوب العذارى على طريقة عبد الحليم حافظ، فيما أنا مواطن مصري يسير مُجرجراً خطواته في شوارع مدينة أمريكية يتباطأ عندها نهر المسيسبي قبل نهايته في مستنقعات موحلة تسكنها تماسيح القاطور الضخمة… “إنك لن ترى أبداً ظلي.. ولن تسمع وقع خطوتي.. عندما يكون القمر ساطعاً فوق بوربون ستريت..”

جئت إلى هذه المدينة تلاحقني شهرة شارع بوربون ستريت، بنوادي الموسيقى وبارات الاستماع؛ هذه مدينة الچاز، وهنا منشأ هذه الموسيقى الساحرة أعظم ما أنتجته الولايات المتحدة. كل من هم في هذا الشارع من السائحين، وتستطيع تمييزهم بسهولة، أمريكيين وأجانب. الأمريكيون تسيطر عليهم روح السياحة أكثر من الأجانب. جاءوا من مدن الغرب الأوسط المحافظة، حيث “الرقاب الحمراء” ورعاة البقر وقد فقدوا أسطورتهم، إلى هذه المدينة المتحررة، يجرعون البيرة في أكواب بلاستيكية من مقاس “الباينت” على قارعة الطريق، وهو ما لا يتاح في مدن وبلدات البراري. الأضواء الحمراء، ونساء خرجن من روايات فلوبير يقفن على أبواب البارات يدعونك للدخول. “لا أملك خياراً سوى أن أتبع للنداء”.

wpid-img_0226-2013-04-23-03-16.jpg

لو أنك تعرف مدينة شرم الشيخ المصرية، فهناك بها شارع اسمه “خليج نعمة”. هو ليس شارعاً في الحقيقة، هو ديكور منقول من استوديوهات هوليوود في الخمسينيات لشارع على نمط أفلام الويسترن: واجهة شارع، أو شريطان متقابلان من واجهات المحال: بارات طبعا، وصالونات حلاقة وأندية للقمار.. هناك تغسل أكثر من مافيا أموالها وتديرها في اقتصاد معزول عن الاقتصاد الحاضن.. واجهات المحال، تعكس فكرة تعميق ما هو سطحي، وفقاً لمصطلح رولان بارت، فذلك الشريط الرفيع من الواجهات تغوص خلفه بطون علب الليل الساهرة على تدوير عجلة اقتصاد المتعة المسروق من سياق ملتهب.. وهنا في بوربون ستريت، نفس التعميق لما هو سطحي، وإن كان أكثر أصالة وإيغالاً في العمق لبطون تلك العلب التي تتمحور حولها عجلة اقتصاد أكبر حجماً.

لم يعد الچاز هو الموسيقى المنتشرة بنوادي الشارع الشهير، فباراته تقدم نوعاً رخيصاً من الروك آند رول السياحي. وعليك إذا أردت أن تستمع إلى چاز حقيقي أن تبتعد قليلاً.. فررت من شارع “بوربون ستريت” بصخبه الملون، وانزلقت منحرفاً إلى شارع بإضاءة خافتة، الجو مُشبَّع بالندى.. “أري وجوهاً بينما هي تمر تحت أضواء الفوانيس الشاحبة”.. ربما إلى شارع “فرينش مِن”، أي الرجال الفرنسيون. الإنسان هنا لا يقابل المراهقين الصاخبين كباقي المدن الأمريكية، من تراهم في الأغلب كهول فوق الأربعين من الجنسين.. ومن الجنبات يتردد نعيب ساكسفون سوبرانو يبكي إعصاراً ضرب هذه المدينة مخلفاً مئات الضحايا والمشردين، وكانت حتى ذلك اليوم، لا تزال تتعافى من آثر ذلك الحدث الجلل.

wpid-img_0227-2013-04-23-03-16.jpg

ثلاثيات ورباعيات وخماسيات من العازفين في نوادي الفرينش مِن، بيانو وجيتار ودرامز، وساكسفون أو ترومبيت، وكونتر باص غليظ يطن بأوتار كالحبال. هنا التقليد القديم للچاز. يجلس المنصتون يحتسون مشروباتهم بانهماك في السماع. ويدخلون في عاصفة من التصفيق في أعقاب كل وصلة ارتجال. ينفرد عازف، وليكن البيانيست بالتيمة الأساسية للّحن، ثم يبتعد عنها بمقدار خطوتين.. ثم ينوع على هذا الابتعاد، ثم يبتعد بمقدار أربع خطوات.. وينوع أيضاً.. ويوغل في الابتعاد بارتجالات متطرفة حتى تكون قد نسيتَ اللحن الأصلي، فإذا به يعود إليه مرة واحدة ويعزف التيمة الرئيسية بمفرداتها المكتملة، لتنفجر عاصفة التصفيق ويعود شمل العازفين ليلتئم في مجرى المقطوعة. وتكون قطعة ثلج قد ذابت في كأسك.

عند عودتي بنهاية الليل، أمر بمقهى ساهر، فأقرر أن أشرب قهوةً للطريق، لتستجمع أصداء الموسيقى قبل أن يطويها النوم. القهوة الأمريكية رقيقة كالشاي، لا يصدمك كافيينها بدفقة الإفاقة المشعة، ولا تُذهب النوم من العيون، هي فقط تضع النقاط فوق حروف الكؤوس التي جرعتها الليلة. في الداخل ينعس على أحد مقاعد المقهى مشردٌ بملابس رثة؛ بالتأكيد لا ينتمي لجمهور الچاز الوقور، ولا لصخب المدينة السياحي. ربما كان ينتمي لإعصار كاتارينا الذي ضرب المدينة منذ ثلاث سنوات. فوق رأس النائم كان ثمة ملصق كبير يعلن أن الاحتفال الشعبي الخاص بانتهاء الكرنفال قد تم نقله من ساحة المدينة إلى فندق الماريوت، وذلك للظروف التي خلفها الإعصار! وهكذا تستعيد الرأسمالية الديثرامب المسيحي الأفريقي الأغريقي بفضل الطبيعة وغضبها لتدعم معابدها الشامخة…

* الجُمل بالفونط الثقيل من أغنية “القمر على بوربون ستريت 1985“، للموسيقي البريطاني جوردون سَمنر الشهير بستينج.

ياسر عبد اللطيف

يونيو (حزيران) 2003

نصان لآية نبيه: تمارين عامة لتطوير مهارات الأرق، ١٤-١٥

(c) Youssef Rakha

14-
أتمرن على ركوب الموج في صحراء
أعاند المد والجزر
فلا أتوه ولا أصِل
والرمال التي تحملني تبدل غربتي بألفة
حتى أصير أشبهها
وتجعل أمواجها أرضاً لي
تدفعني بقوة فأقول
“اللا جدوى هي اللا جدوى”
بلا يقين أكثر من أني لا أعرف معنى هذه الجملة
غير أني حين أكررها
أفر لأسكن أمنيتي البرتقالية
يغمرني سكرها المالح
فأتذكر
أن حزني القديم
هو مُبدعي
لكنه لا يمكن أن يكون زهوي

15-
ليس ثمة طريق يكسو الأخضر جانبيه حتى النهاية
أم ليس ثمة نهاية لطريق؟
أعرف أن صحرائي بعيدة
لكني لا أمل عد زجاجات المياه بعد كل خطوة
لأضمن أني سأتجاوزها
ما لا يمنع من مواصلة المشي
ساحبة طريقي ورائي
خفيفًا ومرتاحًا
ينتفض من النسيم
كستارة نافذتي

آية نبيه
مارس – 2012

قصيدتان لمحمود المنيراوي

wpid-img_0459-2012-05-27-08-07.jpg

.

يقولُ شابٌ مسّهُ قربها:

ليتني قرطٌ إذا ما مرتْ بكِ شمسٌ لمعتُ.

ليتني كُنتُكِ، لأرضى وأكمل رحلتِي

لكنَّ ستارة على نافذةٍ بلا زجاجٍ

لا تصدّ سعير الريح

ولا مردّ لريحٍ

تمشي إلى اللامستقر،

يسابقُ خطوها خطوها،

والريحُ فرصتي السريعة

يوقظني عقربُ ساعتي،

كلّما غفوتُ عنها يلسعني

يقول: قد فاتك لُقاح الريحِ

أيّها الكسول، عد لنومك جائعاً

تقلّب بتختك وانتظر

فأبكِي، لأنّ أبي وأد الأحلام في جاهليةٍ أولى ثم تاب

لكن التوبة لا تعيد الميتين

أُصاب بدوارِ البحثِ عن قشّة

أنام

كغريقٍ أحاول اصطيادَ القشّة

أصحو

لا حصادَ في الأحلام

أنفخُ ما تكوّم عليَّ من غبارٍ

نُسخة كربونية، يكررني الأمل

بأسمائِيَ الحسنى، أنادِيني

لأني فشلتُ

أقفُ بشرفتي

أخطبُ فيَّ إذ يصطفُ جنبي وخلفي تحتَ الشرفة

جنود مُجندة

أخاف أن يسمع المجندون تحت شرفتي كلامي

ويتركوني وحيداً

فأوبخني:

لا توسوس لكَ فتهرب منك

الناسُ تُحب السماع

وأنتَ تحب الحديث

ولا أحد تحت شرفتكَ

وحدكَ تستمع

لا تُلقِ همّك بك

أنتَ نهركَ والطريقُ طويلةٌ

و”كل شيءٍ من الماءِ حي”

.

.

.

.

wpid-img_0630-2012-05-27-08-07.jpg

.

يا الغريب الراضِي، بما قسّمتهُ لكَ الصدفة

فكّر بالبَعدِ

تتحرر من يأسِ اللحظة

كُن طيراً مثلي

لئلا نقع في مصيدةِ الفصول

اهرب

النجاةُ يا حبيبي

آيةُ الآلهةِ وغايةُ الناس

انثرْ همّك في الفضاءِ المتسع للكائنات جميعها

سِر. لا تخدشْ حلق الأماني بجفافِ الوسيلةِ

تلوَّ، قبل أن تُصابَ بالتخمة

فأنتَ على غيرِ عادة الآلهة تكبرسِر

وقُل لأثركَ لن أعود

يكفيكَ جندك للرحيلِ، فارحل

أنتَ قُوْتك والحصان لسانك، فامتطهِ

لا تكن خليفةً

وافتح بلاداً

واسبِ نساءً بأمرهن

لا تُقيّد اصبعكَ بخاتمٍ ليس على هواك

لكَ صورة الأنثى وهذا المدى لكَ

ارحل فاتحاً، لكَ لا عليك. لكن تذكر:

قد يبلل الشتاء ريشكَ، فتثقُل خطاكَ، ولا تنجو

فليسَ “كُل شيءٍ من الماءِ حي”

نص وصور: محمود المنيراوي

قصائد جديدة، ٢٠١١-٢٠١٢

wpid-untitled-2012-05-23-06-36.jpg

ثلاث قصائد قصيرة جداً مختبئة في تويتر هذا الصباح

دم

مستشفي الدمرداش تحتاج الآن

لكل فصائل الدم

علي من يستطيع التبرع بالدم أن يتوجه

إلي مستشفي الدمرداش

استغماية

معتصمو الدفاع

يطاردون البلطجية

في الشوارع الجانبية

أهم حاجة

لو حد حيجيب امدادات للميداني

أهم حاجة حالياً

إبر وخيوط

جراحة،

هولدر،

شاش قطن بيتادين فولتارين

حقن،

آنتي بايوتك

سبراي

تعويذتان ضد التأسلم

(١)

أيها المتجهمون فوق حيطان المزابل

المستعيضون عن الأخلاق بلحية

الخائفون من وجوه البنات

تعبئّون الله في أجولة

وتهيلونه على الأحياء

أنا العلماني الكافر

أنا المرتد العميل

سأبقى إلى آخر جسد تدفنونه

أقض مضاجعكم بالخيال

(٢)

نحن أبناء أباليسكم

يا من تكتفون بأسماء الأسماء

سنظل نذكّركم

بأن المئذنة قضيب والقبة نهد

والماء الصافي خمر في أفواه العاشقين

يا من تكتفون بطقوس الطقوس

نحن ملائكة متخفون

وقد حلفنا أن نلفظكم

عند أول إشارة مرور

في الطريق إلى الجنة

جاعلين آخرتكم مثل دنياكم تماماً

نصائح ملك الموت إلى ثكلان

بالكاد دقيقة وأنت تخطو مغبّش العينين

هل نفد صبرك في دقيقة؟

اسمع

لا شيء في الكون كله يرحمك

لا شيء يوقف المنشار في عظام هيكلك

اجلس قليلاً

ولا تثقل علي

لا تجعل فجيعتك نداء إلي

وأنت تعلم

أنني عبد المأمور

أحمل على كتفي نحيب الكرة الأرضية

مضاعفاً ألف مرة

لا تظنني أملك معنى لشيء

فحيث تصبغ الأسفلت الدماء

لا أرى سوى بقعة داكنة

وإن شعرتُ بما تشعر به مضافاً إليه

كل من كان مثلك

أنا الذي أصاحبكم لحظة بلحظة

ولا أستطيع أن أفرح لفرحكم

لأنني أعرف وجعكم كاملاً

حتى في أشد اللحظات لذةً

كل ما أستطيع أن أعدك به الآن

أنك حين تنظر

لن تجد للفقيد أثراً في السرير

وكخدمة إضافية مني

لن تجد سريراً في الغرفة

بل لن تكون غرفة هناك

إلى أن تمسي بلا شيء أمامك

لا شيء مطلقاً

وكل ما أطلبه في المقابل

تذكّر

أن الحياة ليست سوى انتظاري

أنا الذي أطحن القلوب طحناً

ولا أستريح برهة

من سماع نبضها

البلد

إلى مهاب نصر

كل هذه السنين يا صاحبي

وكأننا هنا عن طريق الخطأ

ننتظر حتى تَفرغ الشوارع

لنقود مركبات غير مرخّصة

ونواجه جنود المعابر

بالضحكة الصفراء والنقود

نحلم بأماكن ولو وُجدت


نحن لا ننفع لها يا صاحبي


مضطرين أن نخالط التماثيل

أن نبادلهم حديثهم
أن نندس وسطهم


بأطراف مجمّدة ننظر ولا نرى


وبرؤوس منكّسة في بيوتنا

نعتذر عن ارتياد المحاجر
لنجرّب التكاثر سراً

ونبكي سلالتنا المهدّدة

كل هذه السنين حتى نجرؤ

على إعلان أننا لسنا تماثيل

لنسقط مقطوعين على قواعدهم

ميتين برؤوس مفلطحة

بعيون معصورة كالمحار

بثقوب في عظامنا

كيف يا صاحبي كل هذه السنين


ومازالنا لا نُخرج سوى حشرجة

“الصحراوي” ليلاً

“بلاي ستيشن”
والهدف – بلا ضوء –


أن تظل سائراً

دونما تصطدم بأجسام معدنية


ترعد على جانبيك


ولا تحيد إلى هلاكك


عن خط من دوائر فوسفورية

يظهر ويختفي
في الظلام


الموت الرحيم – قالت حبيبتي


ثم شهقت للمرة العاشرة

وأنا لا أستطيع
أن أنظر إلى وجهها –


هذا هو
طريق التحدي


هل حينها حدّقتُ من جديد؟

نور الكشافين في أوج احتدامه

بالكاد يكشف مترين


سأقطعهما في ثوان

ولا آخِر للسواد المتحول من بعده


كالتلال أو العجين

كأن الأرض خلف الزجاج


والجسد مستسلم للجاذبية


أنت عطشان للفوانيس

تفتش عيناك خلف ظلال


تحسبها أشخاصاً يعبرون


عن سراب التماعات

برتقالية وعالية


وحين نصمت عبر نفق آخر
من اللا ضوء

حين تتصلب عضلات كتفينا


وتتسع أعيننا

فوق البئر الأفقية

نعرف كم هي قريبة غايتنا


لحظة شرود


في السرعة أو الزاوية

يمكن أن تضع حداً للتهاوي
و

كم سيكون جميلاً في الحقيقة


أن تتوقف الحركة

كم هو رائع يا صغيرتي

أن ينتهي الطريق

نيرون يوم الحريق

إلى الهوب

“في الليل على فراشي طلبتُ من تحبه نفسي…” – نشيد الأنشاد ١،٣

إذا كنتَ نائماً في تلك الغرفة وصحوتَ على خبرِ زواجك


في منتصف الليل، إذا كنت نائماً وصحوت على رؤوسٍ صغيرةٍ قرعاء


تنبت في المساحة الفاصلة بين مقهاكَ الاعتيادي والمخدّة

أو جوعٍ لعروسِك عاريةً في برواز الباب


أقول وقد صَرّتْ “سرينة” كأنها حكّةُ المعدن في الزجاج


ودُجِّج الجنود في طريقهم إلى لقاء المسيرة

إذا كنت نائماً وصحوت على خبر زواجك يا حبيبي، لا تفزعْ


***

لكن زملائي الساخطين، حال تُسمَع أصوات القادمين من بعيد


سيهرولون إلى أسفل ليذودوا عن غنائمَ بعجلات

ويلعنوا أولئك القَتْلى المزعجين، مسلّمين أمرهم إلى الله والقَتَلَة

وسأُمسي في محلّ عملِي الشاغر “نيرون” يوم الحريق


أسحب قوسي فوق الكمنجا بينما روما تنسحق

مثل ورقة في قبضة متسخة، سرعان ما تغيب في المخلّفات


أسحب قوسي وأغنّي يا عروسي، وأنت تبحثين عن فستان الزفاف

***

لا تفزع. انتظرْ يا روح عروسك حتى يعود يُفتح المقهى


ولا يضيرنك أن تستبصر نظرةَ نشّالٍ حرمك فلوسَك أول أمس


مثلما حرمتْك زوجة عبوس ولداً ألّفت اسمه قبل أن تطلّقها

ضع كفّك على رأس النشال من دُبُرٍ فوقَ سطحٍ حاد

ضع قدمك على صدره؛ وعند تفاحة آدم، في عنقه، ضع ركبتك


أقول وقد دُقّتْ ذراعُك بندولاً يولّد رشاش الدم ليُزيلَ الملامح

المهم أن لا تعود ترى وجه النشال

***


حقاً يخطر لي الآن أنه أحوج مني إلى الفلوس

مع أنني أنا الذي على وجه زواج، فأغفر له خديعته يا “توتة”


ولتعلمي: فيما الجنود المخمورون بانتصارهم على المسيرة

يدهسون القادمين مثل قطيع جاموس وحشي

من شأنه أن يهدّد أمن السيارات، سأكون فوق الدنيا


أغني. صبري حتى أستقلّ ركناً في مقهاي


لأرى ضحكة عيني حبيبة يلدغني الجُحْر ثانيةً من أجلها


***


الدنيا حجرات متصلة مكيفة الهواء، والناس على ألوان مشروباتهم

هذه حجرتك. اذكر يا بابا أن السير في الشوارع ليلاً

بات يستوجب عناقاً غير مخطط، يفقد المرء إثره أولاداً أو فلوساً أو حياة

وأنت جالس هكذا مع قهوة المعدة الفارغة يغويك كوب عميق

بالسمنة، وأنت تنتقل بناظريك بين يمام محجب ودجاجة تقود “مرسيدس”

اذكر أن لك طائراً يمكنك امتطاؤه إلى حيث الاحتجاجات


تطالعها من علٍ وأنت تمسح دموعه.


***


ولأن قلبك يتسع للفجيعة، لأننا مسلسلون على باب الله يا ماما


ويُقال إنه يعمل لنا ما فيه الخير، سنعيش لنفتح بيوتاً فيها غرف كهذه

نموت على أسرتها بلا دماء. لا يرتسمن الذعر على شفتيك

إذن، ولا تبكي آباءنا الميتين، لا تبكي آباءنا أمام رأس كأنه كرة مبططة

اقضمي ذَكَري فقط وأنت تدندنين، كما سأغني لك في شرفة المبنى الشاهق


وهم يقتلون، اقضمي ذكري ودندني عن طعام سنأكله سوياً

أو غيط وسطه غدير. ثم انفثي نحيبك في ذروتي


***


إذا صحوت والفجيعة تنخر صدرك، وبينما الناس يشجعون “الزمالك”

الضحايا يُحاكَمون، إذا كنتَ نائماً ثم صحوتَ على فجيعة يا “كوكي”


والذاهبون إلى الجنازة يرفعون أعلام فريق كرة قدم سيُهزَم

في مباراة أقيمت رغم أنف الحِداد، اعلم أن وجهك ينطبع على بطني


ويخبئ  شعباً بديلاً هناك، إذا كنت نائماً وصحوت على جنود يبيدون مسيرة

افرح بقصر فيه جارية هي وحدها تملك حياتك


ترقص على نغمك أنت والقاهرة تحترق

الثورة بجد

عن قصيدة “الأسد على حق” لألن جينسبرج

“ليس فردوس رضاك يا زئير الكون كيف اصطفيتني”

أرجع من الإسكندرية عبر طنطا لأجد الثورة أسفل سريري

ومَثنيَّ الجذع على ضوء أبجورة الكومودينو، وجهي بمحاذاة المُلّة

أتبين الملايين تركض وتدافع عن نفسها بالحجارة، كل واحد عقب سيجارة لا يزال مشتعلاً

يرفعون لافتات كالطوابع ويحفرون شعارات أكبر من أجسادهم على الباركيه، أتسمّع هتافهم

***

وكأس الفودكا الأخيرة لم تتبخر من جمجمتي منذ واحد سكندري لم يُعمَل في رشدي

عظمي المخمور يقرقع وأنا أغالب البكاء ممزِّقاً ملابسي في الشباك:

الثورة حصلت يا أولاد القحبة، الثورة حصلت بجد!

***

وقد تركتُ حبيبتي في شارع بن الفارض عند بتاع المخلل تستقبل الفلول

مفتقداً لا الواحد ولا البحر، لا وجه أمها المترمل منذ ساعات ولا أباي الميت قبل عشر سنين

ولا خلف مقهى الأحمدية ولياً كان ذَكَرُه – ضمن الكرامات – أكبر من هراوات الشرطة العسكرية

بل أذني التي ابتلت في الأظاريطة لأن دموعها كانت تقطر من سماعة الموبايل

***

ألطّخ ملابسي بالحبر الأحمر وأُسرع إلى العمل لأرقد على عتبة المدير

لم تكن الثورة مع الزملاء ولا في المترو ولا حتى في حناجر شهداءٍ يُبعَثون بلطجيةَ أمنٍ مركزي

هائماً في ملكوت سكك حديد مصر كيف لم أضبطها حتى هربتْ إلى غرفتي؟

***

مضعضعاً بعدما نمت ليلتي في حمام المصلحة أوشوش عامل البوفيه: بلا ثورة، الحياة لا تُحتَمَل

هل تعرف أن ابن الفارض قال إن موت العاشق حياة والقتل أفضل من الهجر

المؤسف أنه كما أن لا تغيير بلا مذابح كذلك لا زمن بلا انتظار، هل تعرف الملائكة…

الملائكة؟ يسألني متهكماً وهو يتحسس صلعة كالجلمود ويطالعني بشفقة، يقرضني خمسة جنيه

***

أسعى إلى إحدى اللبؤات أسداً يحمل كشكولاً لأخبرها بأن الثورة ليست في ميدان التحرير

ومحتسياً فرابيه من مؤخرة سموذي بعد ثالث دابل إسبريسو في أحد فروع سيلانترو

أزعق في كاتوليكي مراهق من فوق شاشة اللابتبوب: لا شيء اسمه الغيرة القضيبية!

***

من الدقي إلى التحرير مرات عديدة صحبة شاعر شاب هو الآخر من طنطا

أتأكد من فشل الجهود حين لا ترد حبيبتي على الموبايل وهي ثكلى

وإذ جلس زيزو مع فتاة أردنية ليلة جاءني التليفون، هل كان مصابها المفاجئ عقد ارتباطنا؟

***

عندما ترد أخيراً أقنع صاحبي الشاعر أن اعتصاماً بجد في غرفتي، ننطلق بلا سلاح

وزاحفاً ورائي على ركبتيه من جنب الكومودينو بشورته البرميودا كمندسّ يتلصّص

جموع المحتجين حول كعكة حجرية هي عبارة عن نعل قديم، مثلما كنا تماماً

الدبابات علب ثقاب والإف-١٦ كالدبابيس وغوغائيون سفلة، بين المُلّة والمرتبة قناصون بالليل

***

نضاجع المخدات بعد أن أقول لصاحبي إن الله في القضبان والثورة بلا واي-فاي

أتخيل حبيبتي راكعة أمامي ببلوزتها السوداء، فجيعتنا الفردوسية وأنا أقذف في حلقها

وحين توقظنا أمي في الصباح لا أقاوم، أرى الخادمة ومكنستها الكهربائية عليها ختم النسر

أرى العَلَم يرفرف في أيدي مخلوقات فضائية وأعرف أننا لن نهزم إسرائيل

يغتاظ صاحبي والقذى في عينه حين يمتد خرطوم المكنسة تحت السرير

مع ظهور الخيش والصابون أمنعه عن الخادمة بصعوبة: لا فائدة من اغتصابها!

الآن ليس سوى صوت المكنسة وهو يبكي، لا دم ولا حديد يعود باركيه الغرفة نظيفاً وخالياً

وحيث كانت الدواوين على الرفوف زجاجات ديتول وبليدج، إسفنجات وخرق منمقة

فجأة يشهق سريري على صوت السرينة، تشتعل الملاءات وتنفجر المرتبة

يتفصد الكومودينو عن أسد هصور يزأر ويختفي صاحبي والكتابة على الحيطان:

سنوري حين يمارس الجنس يقذف كل عشرين دقيقة ولسانه أخشن من ورق الصنفرة

***

أيتها الحبيبة المنتحبة يا مانحتي الأورجازم النهائي لقد انعقدت حياتانا بالموت

لقد رأيتُ الآتين والغادين قبّلت ذوي اللحى وجريت من شاهري السنجة على سلالم المترو

حملتُ سيدي مجاهد إلى ظلمة القبر لأُطمئن أباك ونعست مقرفصاً بين مقصورتين

لقد وجدتُك أسفل سريري وجيش أمي في الغرفة، سلّمت رقبتي لفم الأسد.

٢٠١١

فبراير

بريق اللافتات. والصاخبون. والذين تركتُهم مطمئناً. وللمرة اﻷولى منذ اجتمعنا. والمخيمات التي يسكنونها. وطعم الهواء خلف الحواجز. والذين تركوا أشغالهم ليجمعوا الزبالة. وبائعو اﻷعلام مع بائعي التسالي. ولينظمونا صفوفاً في الدخول والخروج. والذين “عزّلوا” بعائلاتهم. والنائمون تحت الدبابة. علامة النصر باﻹصبعين. والذين يفتشونك ويعتذرون. والنائمون في العراء. وكذب المحطات الرسمية. وفي أحضان الله. والكلام المقيّئ. والذين يقبّلون الجنود. والخيانة على صفحات الجرائد. والخيانة بلا أجندات. وحاملو اﻷرغفة والفواكه. الشاي في الكوب البلاستك. والسيجارة المشتعلة من سيجارة. وصورة تذكارية مع الدبابة. الذاهب واﻵتي. و“مرحباً باﻷبطال“. ومَن راح حسه وهو يهتف. والخوذة المرتجلة في النار. والكوكاكولا لغسيل الوجه. وفي الطوب والحوافر والعصي. الجري ثم الرجوع. وأحضان الثكالى. والمتليف جلده بالشظايا. أوجع قلبه ما حدث لهم. والكوكاكولا بثلاثة جنيهات. ومع علبة كشري صغيرة. ولا يجد حرجاً أو غضاضة. ولن يقبل اﻹملاءات اﻷجنبية. ويقولون إننا مضللون. حاملو الجرحى عبر المداخل. وخراطيم المياه على الساجدين. والساجدون على اﻷسفلت. والذقن والشعر واﻷحذية. ويقولون إنه على كلٍ رئيسنا. سائق التاكسي الخائف. ورافعو الصليب المقدس. وسائق التاكسي الخجول. والذين دهستهم العجلات. صورة الرئيس مع الحذاء. ومشيعو اﻷجساد واحداً بعد واحد. والذي مات قابضاً على الطلقة التي أخرجها من عنقه الطبيب. والذي اختطفوه وأحرقوا وجهه بالسجائر. والذي مات في المرة الثانية. من يهتف لا يمت. والقنص من فوق أسطح الفنادق. والقنص تحت ستار الليل. والشعارات في الرصاص. والذي واجه المضرعة لوحده. والقلق على البلد ككلام المأجورين. وتحت غطاء الليل. أكثر من معنى لجبهة. واستغاثات اﻷطباء. والنازفون على السلالم. وخسّة الشرطي. ومَن حمل القنبلة وقذفها عليهم. ومِن وسط دخان التشنج. ومن حل محلهم وهم يركضون. والذي منع زميله من ضربهم بالحجارة. والنيل ليلاً. والجندي الذي قال لي: كيف أضربكم وأخي بينكم. وضابط الجيش الذي غمرني بذراعه. والشعب يريد إسقاط النظام. ودقات الطبول إيذاناً بشيء. والكارثة. والساحات المدمدمة كالمناحل. ودقات لتنغيم الشعار. الانتظار والذراع مرفوع بالبطاقة. ومن كان شرطياً سيُذبَح. والجلوس على الرصيف. والموت ضرباً. والموت بالنهار. والمطر على الجباه. الشعب يريد محاكمة الرئيس. وعيون الخارجين من المساجد. وأطفال العشوائيات. وما يبقى من السيارة بعد أن تحترق. والانفلات اﻷمني. والرشاش في المرحاض. وأفواج اﻵتين بعد أن يأمنوا. واﻵتون مع أصدقائهم. واﻵتون مع أقاربهم. واﻵتون لوحدهم. ويسقط مبارك.

إبريل

السموات الخلابة. المثقلة بآفاقها. كأنها الخلفية الجاهزة للوحة تصور حقول “الميموزا”. والمقننة بالـ”فوتوشوب”. الزاحفة على زجاجة سدادتها جليد. بلا عمود فقري. سموات لـ”وليام ووردزورث” إثر رجوعه من “الباستيل”. وسموات “الحنجرة” القديمة. التاريخ تحت إبطها ورصيدها الائتماني لا يكفي فنجان قهوة على الشاطئ. سموات هي الأسقف الخلابة للشاطئ. والتي تغمض على درجات الرمادي تحت زوايا مثلثاتها المتفصدة بالبخار. والتي ليست زوايا. سموات تضع أفيونة تغيير العالم تحت لسانها ثم تنحني لليخوت. أقرب إلى البنفسجي من الأصفر. ورغم أنف زهرة الميموزا. السموات التي هي سلالم موسيقية للنظر. جعلت من الله عصفوراً (كما يقول “وديع سعادة”) ولم تدعه يزقزق للشعوب. السموات المنتهَكة. المؤثرة رغم ابتذالها. المبتهجة بالغيم. “ليه يا بنفسج بتبهج”. وتهدُّج “عبد الحليم حافظ” على الوطن والعيون السود. سموات الشِعر الرومانتيكي. رموشهم ليل. ولا مكان لـ”عبد الناصر”. الحالمة بتغيير العالم. التي تثقلها آفاقها. الأفيونة لا تفارق لسانها فيما الشعوب تنتظر الزقزقة. سموات الحرية. سموات المساواة. سموات الإخاء. التي حين تأتي الشمس تشيح بقسم من وجهها عن القمم الغائصة في الزبد فيفوح الصنوبر أخضر وقريباً من الأمواج. الدين للثورة المضادة والوطن للمصطافين. وسموات الأمواج أيضاً. المبحرة بلا شوارع. الباقية بعيداً. والزرقاء رغم أنفها. الزرقاء بلا دماء. الزرقاء بحق الاحتجاج السلمي. والزرقاء بالأبيض وأسود كذلك. الزرقاء بالليل.

يخطر لي أننا هنا من زمان

في منتجع ليس كالدنيا

يرتدي النزلاء سواراً بلون البرتقال

علامة أنهم دفعوا

حق كل ما يمكن أن يجرعوه

وحيث الطعام والشراب، النزلاء قرية

أطفال كالطحالب وعجائز هيبيون

أنصاف عاريات يكركرن على الضفاف

وعلى رسغ كل منهم ذات الشريط

ذلك الذي لا يمكن خلعه

بلا آلة قاطعة

في منتجع لعله كالدنيا قليلاً

فلاحة ما كادت تولد حتى أنجبت

واصطحبت شعباً باكياً

إلى حيث سفينة واحدة بيضاء

تقسم الأفق نصفين

***

برتقال الشمس حليب الهلال

وفي الليل كل النجوم

الطعام ليس طيباً رغم كل شيء

لكن النزلاء متجاورون على اختلافاتهم

وكلهم كلهم يرتدون السوار

كأن ليس لهم رأي في الحكاية

في منتجع يخلط اللغات أو مخلفاتها

أعثر على لون المياه

فيما أنتظر قدح قهوة

غير مدرج في حقوق الإقامة

وأتابع الأرسغ المطوّقة

ختم يجُبُّ حتى الحجاب

في استطاعته أن يقول عنك شيئاً

بينما أنت ساكن كالمناشف

والدنيا بعيدة وسافلة

***

يخطر لي

أننا معتقلون في الصحراء

كفوا عن تعذيبنا من سنين

واكتفوا بمتابعة أيامنا

عوضاً عن الاعترافات

وهم يلهوننا بالغناء والسباحة

يعلمون متى نأكل أو ننام

أين نذهب لو غادرنا المبنى المركزي

وكيف تتلاحق خطواتنا على الطريق

سوار برتقالي في رسغ كل منا

يعرّفهم مَن نكون

يخطر لي

أننا حبساء مصحة عقلية

يجمعنا وهم مشترك

إننا مصطافون في نزهة على الشاطئ

أتينا منذ أيام وبعد أيام نروح

فيما الحقيقة أننا هنا منذ الأزل

ولا أمل في العودة قبل أن نموت

سوار برتقالي يحدد إقامتنا

ويُعلِم العاملين أننا مرضى

لا يجب أن يواجهونا أبداً بالحقيقة

***

في منتجع هو الدنيا، يا حبيبتي

نراهن على مشروب مثلج

أو مباراة كرة طائرة على الرمال

بينما السوار في رسغنا

والموجة تبتعد

تحميل PDF


الرسالة الغزاوية: مشاهدات الثورجي اليائس في ربوع القطاع البائس

؏

قال العائد من “احتفالية فلسطين للأدب” في العاشر من مايو سنة ٢٠١٢: الحمد لله على ما بقي في الأرض من علمانية، والصلاة والسلام على قائد الثورة المحمدية. وبعد. وصلني كتابك من بيروت إلى شاطئ غزة على شاشة الآي-فون فقلتُ في بالي مثلما يقول الناس هناك “إيش الدعوة”، وقرَرْتُ لأن ذِكري عندك لم ينقطع رغم طول الصمت وغول المسافة السياسية. ثم لم ألبث أن نَبهت إلى دعوتك فشكرتها لك وقدّرتها فيك. وما كدتُ أحل بجوار السيد أحمد البدوي حتى شرعت في الاستجابة.

يُحكى – حيّاك الله – إن ملتحياً في مدينة غزة أوقف سيارة أجرة يطلب الذهاب إلى “مركز حطين في تل الإسلام”، فما كان من السائق إلا أن تركه وغادر صارخاً: “طيب، خلِّ صلاح الدين الأيوبي يوصلك!” ذلك أن الأسماء، وأنت أعلم مني بأهوائها، لا تتغير بمرسوم أمني وإن أراد لها ذلك أصحاب السلطان. فالراكب كما يدرك السائق يقصد “مركز الأمن الوقائي في تل الهوى”؛ وقد بات أحد معاني المقاومة في ربوع القطاع، منذ تغيير الأسماء، رفض الاعتراف بالأسماء الجديدة: هذا الملتحي إما أن يسمي المكانين باسميهما أو يظل واقفاً في الشمس. وعليه – أثناء لقاء وفدنا بممثلي اتحاد نقابات العمال – لعل ذلك القيادي العمالي كان ينوّه إلى الالتباس الكامن في كل لفظة لما قال، في معرض خطابه إلينا: “ما يسمى بالتطبيع مع ما يسمى بإسرائيل”. (أما أنا فأقول إن استبدال الهوى بالإسلام قلة أدب بغض النظر، وهو من مجمل الجاهلية الإخوانية المتحققة هنا مثلما لم تتحقق في أي مكان بتدقيقه.) فاعلم حياك الله أنّ “بالفيست” الذي أتاح لي غزة للمرة الأولى في عمري إنما عَبَر ما يسمى بالحدود ليكسر ما يسمى بالحصار. وعلى رغم أن السجن قائم ولا إنساني ومن شأن فتحه أن يفيد شمال سيناء ربما أكثر من فلسطين، تبدو الجعجعة المناهضة للحصار الإسرائيلي المصري، في ضوء ما تضربه حماس على أذهان وأجساد من خالطتُهم في غزة، محض سفالة.

wpid-untitled-1-2012-05-17-23-57.jpg

واستطرد ينفث دخانه في رشفة إسبريسو ثم تنهد، قال: في تلك الندفة المحاط رسمها براً وبحراً بالموت المحقق على يد دولة الشرج اليهودي المستَنفَر – حاشاك – صاحبتُ شابّين: النحيل، والأقرع. ولم أفهم إلا على هدى من حديثهما إحساساً راودني منذ حللتُ في الخامس من مايو بأن مناهضة الحصار تشبه الحصار نفسه حد التطابق، أو أن لمساجين غزة – فضلاً عن الأسيجة الأجنبية – سجانين منهم يسهرون على عزلهم ووحدتهم. هكذا يصبح الصمود حجة لقهر الراغبين في الحياة – أسعد الله أيامك – وهو ما باتت السلطة الفتحاوية تباركه طبقاً لما سماه ربيب الوفد عمرو عزت “اتفاقية تبادل قمع”. فاعلم أنّ “حركة المقاومة الإسلامية” وقد تحكمت في الفلسطينيين نتيجة نفاد صبرهم على فساد فتح باتت تقاوم فلسطين. حتى بدا لي، غفر الله لي ولك، أنني داخل حدود دولة شرج الإسلام. وهل من حركة إسلامية لمقاومة فلسطين؟ لعله بيزنيس حصار لمزيد من الأكل والعبادة؛ أما الدليل فهو أنفاق تهريب بين شقي رفح لا يمكن عبورها بلا تصاريح رسمية أو تمرير بضائع منها بلا جمارك.

ومما علمت في معية طالبات مسلمات سافرات شاهدتهن يناطحن أساتذتهن البيضان بوقاحة رائعة ولا يرعوين عن الصراخ في حاملي الكلاشنكوف “ما بنخافِش منكم”: من كثرة ما ضبط القادة الحمساويون عملاء لفتح وإسرائيل بين صفوفهم – الأمر الذي كان يؤدي إلى اختفاء الكادرات موتاً في “عمليات جهادية” لم تحدث – أصبح كلٌ متهماً بالعمالة. أصبح على كلٍ أدلة مخابراتية تدعمها وثائق بالصوت والصورة عادة ما تُلتقط أثناء الإقامات الصيفية في مصر. فإذا بدولة الإسلام هي الدولة البوليسية، خَلَص؛ كل ما هناك أنها بلا دولة تُذكر. إيش الدعوة… وكم شعرتُ بضآلتي وكم فرحت في حضرة هؤلاء البنات. وكم كانت فرحتي بهن مؤلمة، ألماً يقطع شرق المتوسط كله من الإسكندرية إلى طرطوس مروراً بهذه الأمواج.

كان النحيل حمساوياً في مراهقته، ثم تحول انتماؤه الفكري باتجاه فتح؛ أما الأقرع فهو أكبر سناً، وقد دفعه التفاني الاستشهادي في الشتات إلى جماعة الإخوان المسلمين ومنها إلى القاعدة قبل أن يستوي نضاله – ذلك الذي يصفه بكلمات من قبيل “مجرد إني هان، مجرد إني بأضحك” – إثر الاستقرار في غزة، حيث عزف عن الفصائل لينظم الاحتجاجات الشبابية عبر الإنترنت. فاعلم حفظ الله نضالك أن ثورة قامت في مارس ٢٠١١ كان شعارها “الشعب يريد إنهاء الانقسام”، وأن حماس استعانت على قمعها ببلطجية أو شبيحة لا يفرّقهم عن ما عندنا سوى أنهم، كراكب الأجرة سالف الذكر، ملتحون. ولا نأمة من جهتهم تشكّك في الملصقات الوهابية عبر دلتا النيل: “أختي بالله عليك اقطعي علاقتك الحرام مع زميلك في الجامعة نصرة لإخواننا في غزة.” لقد هداني نقار الشابين، من قبل أن أرى الأمن يمارس بذاءته على وفدنا وجمهوره في المساء الأخير، إلى أن الاستبداد قائم بغض النظر عن التوجهات السياسية. إنه قائم – كما استفاض الأقرع في الوصف ضاحكاً – ضرباً بالعصي وكعوب البنادق فضلاً عن الرمي بالرصاص، واندساساً في التجمعات الطلابية، ومصادرةً للأجهزة الإلكترونية، واعتقالاً جزافياً، واحتجازاً بلا محاكمة للتعذيب وفرض توقيع الاعترافات والإقرارات، وتشهيراً بين الأهل والجيران، ومنعاً من النشر على المواقع الإلكترونية، و(مثلما حدث معنا في دار الباشا يوم التاسع من مايو بلا إنذار) فضاً للحفلات والندوات مهما خلت من السياسة ومهما جانبها المجون. إنه يحدث لا للأسباب السياسية وحدها وإنما كذلك للاختلاط بين الجنسين، والإبداع الأدبي والفني، والاتصال بالأجانب أو العرب أو حتى الفلسطينيين من خارج غزة… فهم – كما قيل لي مرة بعد مرة: الحمساويون “هم” – بصدد بناء المجتمع الفاضل. وفي المجتمع الفاضل لا تكمل جملتين حتى يغمز لك محدثك أن انتبه هناك من يتصنت علينا، ألا لعنة الله على المتخلفين!

حكى لي النحيل إنه التحق بفتح من خلال أصدقائه في الجامعة في أعقاب “انقلاب الـ ٢٠٠٧”، وأشار ونحن سائران إلى وفرة البضائع الغالية في محيط “الرمال” حيث نصب الجندي المجهول – محل تجمهر التظاهرات المسبوقة دائماً بفرشة من مباحث الأمن الداخلي والمتبوعة بالاعتقال: ميدان تحرير صغير، العوض بسلامتك – ثم أردف بنبرة محايدة: “هاد الحصار.” (تحضرني في هذا الصدد حكاية سوداني زار غزة في وفد تضامني فلما ولج السوبرماركت صاح: “اللهم ارزق السودان بحصار مثل حصار غزة!”) بطول المدينة، تنتصب لافتات تحمل وجوه الشهداء في صفوف ولا تذكر ملابسات استشهادهم. أومأ صاحبي إلى إحدى تلك اللافتات أمام مقر أمني أزرق، وحدّد ترتيب الوجه المعني ليخبرني إن صاحبه صفعه بعدما جره إلى الحبس لأنه رآه في العلن مع فتاة؛ وأضاف إن صديقاً له وزّع الحلو احتفالاً بموت صاحب الوجه نفسه. كنا نقترب من ذلك الخط اللامرئي حيث تتاخم الصحراء المياه. وكنت كأنما أعرف ما سوف يحصل في الغد (ويصيبني قبحه بذعر لحظي رغم ذلك) من اقتحام الأمسية الختامية للاحتفالية من جانب جلف مصمت الوجه يهدد الحضور قائلاً إنهم غير مسموح لهم بالتصوير بلا سلام ولا استئذان ثم – بعدما يصورنا هو، من جانبه – يهدد بإخلاء المكان بالقوة إذا لم نغادر. كأنما كنت أعرف ونحن نقترب من البحر. وأفكر إن نصرة إخواننا في غزة أن نكون معهم بأجسادنا في دار الباشا، وأن نختلط بهم رجالاً ونساءً، وأن نصل كل علاقات العشق المحتملة ولا نقطعها تأكيداً على رغبتنا في أن يعيشوا.

جعلنا الله وأهل غزة من أصحاب القلوب لا الحناجر، وهيأ لنا في الثورة العربية مسالك مترقرقة كشاطئهم نركب عليها بحار نعمته، وعصمنا من قتل الروح قبل قتل الجسد. وجنبنا التجارة بالدين. إنه هو فاطر الغرام والثورة، ليس أرحم منه.

ثم ختم كتابه بكلام في كسر الحصار عنونه “دعاء الرجوع من غزة”، قال: لمس أكتاف. والانتظار في القاعات. لا علاقة له بالقضية. والحنجرة بالتوازي. الحنجرة أعلى فأعلى. والحصار كالجنزير الذي تحزّم به وسطك لترقص. وطائراتٌ تُسمع ولا تُرى فوق رأسك. وتهتز في إثرها الصورة على التليفزيون. والحصار بضاعة مهربة من خلف حاجز. ولا أحد يعرف كيف تدخل. السيارات الفارهة. والحصار بالآي-فون. ووفد المتضامنين في البقعة المنكوبة. ومن يصوّر بجواله يتحمل المسئولية. لدينا أدلتنا على نشاطك. أن توقّع إقراراً لتذهب. والكهرباء التي لا تأتي. ومن يَشْكُ يروّجْ شائعات. التهمة نشر العلمانية. أن تشبح الشخص يعني: تعلّقه من رجليه. وتحريف القرآن. والترحاب الرسمي. صفوف المسئولين على أبواب المكاتب. الانتصار على أمريكا خمس مرات في اليوم. وقبل الأكل في الصباح الباكر. أزمة الوقود. ووفد المتضامنين في البقعة المنكوبة. إذا قالت حماس فصدقوها. أن تترك من اعتقلتَهم في الحبس حين تُقصَف. حتى الفدائيون يجرون من كعوب البندقيات. ولا لشيء سوى الكهرباء في بيوتهم. فإن الصدق ما قالت حماس. والضرب حتى الإغماء. الضرب رغم الصلات العائلية. والرصاص الحي. الحروف العبرية على الملصقات. والشيقل بالقاف. وانتظار القوافل. والصمود ملتحون بالعصي. والمخبران اللذان لا يفارقانك. والبحر. الحنجرة من أسفل إلى أعلى. والأنفاق التي تحولت إلى موانئ. والجمارك الضرورية لعبورها. أن تُعتقل لأسباب أخلاقية. وتكسير أطراف الشباب على سبيل المقاومة. وبكاء البنات حين يُفضّ الحفل عنوة. والكلاشنكوف على البوابة. ثلاث سيارات شرطة في الزقاق. البحر نفسه. نفس البحر. وفرحة اللقاء في القاعات. ولسعة الشطة في الطعام الطيب. ولمس أكتاف مع عرق العصاري. المصافحة بلا حساب.

؎

حوار عبد المنعم الشنتوف

يعتبر يوسف رخا واحدا من العلامات المتميزة في المشهد الإبداعي العربي المعاصر، ويتسم بتنوع منجزه النصي بين أدب الرحلة والقصة والرواية علاوة على التحقيق الصحافي. درس يوسف رخا بجامعة هال في بريطانيا قبل أن يعود إلى مصر ويحترف العمل الصحفي. يشتغل حاليا مسؤولا عن الملحق الأسبوعي لجريدة ‘الأهرام’ الصادر باللغة الإنجليزية. أصدر الكاتب عددا من الأعمال نذكر من بينها: ‘أزهار شمس’، ‘بيروت شي محل’، ‘غرب القاهرة شرق الفيليبين’،’ بورقيبة على مضض’ علاوة على ‘الطغرى’ و’التماسيح’.
تتميز التجربة الإبداعية للرجل باستثمارها الدال للتهجين على مستوى الأشكال التعبيرية علاوة على التوظيف الذكي لتنويع من السجلات اللغوية تتوزع بين العامية المصرية ولغة المصنفات التاريخية القديمة واللغات الأجنبية من قبيل الإنجليزية وهو ما نتمثله في رواية ‘الطغرى’ تحديدا. يمكن النظر إلى هذه الرواية ولاحقتها ‘التماسيح باعتبارهما تمثيلين قويين للأدب المعبر عن ثورة 25 يناير التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك. في هذا السياق، إذن، يشكل الحوار مناسبة للاقتراب من العوالم الإبداعية لهذا الكاتب الذي يتميز بمفارقة تجربته الإبداعية للمألوف والسائد…

wpid-cairo-metro4-2012-05-15-04-59.jpg

1-بدأت الكتابة عام 1999 بإصدار أول مجموعة قصصية بعنوان “أزهار شمس” عن دار شرقيات. وازى ذلك اشتغالك في الصحافة باللغة الإنجليزية تحديدا، حيث عملت في الإصدار الإنجليزي الأسبوعي لمؤسسة الأهرام ثم ككاتب تحقيقات في أبو ظبي لمدة عام قبل أن تعود إلى الأهرام. هل تعتقد أن اشتغالك الصحفي قد أفادك في الكتابة الأدبية، وهل يمكن أن تحدثنا عن نقاط الاتصال والانفصال بين هذين السياقين في الكتابة؟

أيام مراهقتي عقدتُ العزم على أن أكون كاتباً. كان هذا يعني أن تصبح الكتابة مسار حياة بما في ذلك الجانب المهني منه. ولا أعرف فيم كنت أفكر بالضبط: هل كنت أدرك أن الأدب في حد ذاته لا “يؤكّل عيشاً”؟ كان قراراً أهوج ربما فيما أملاه علي لاحقاً، لكنني لازلتُ فخوراً بوضوحي مع نفسي والعالم في رفض ذلك السيناريو المتكرر في بلادنا – أن يكون للكاتب مهنة “جادة” تحفظ له حداً من العيش الكريم والمكانة الاجتماعية؛ ظاهرة الكاتب الطبيب والكاتب المهندس والكاتب السفير – وكأن الكتابة مزحة أو نشاط هامشي يفتقر إلى الجدية بتعريفه، وكأنها ليست “شغلانة” بما يكفي، أو كأن هيامك على وجهك لتكتب نهايته الأليمة محسومة مسبقاً! صدرت “أزهار الشمس” على نفقتي بالتزامن مع حصولي على وظيفة في الأهرام تقريباً – كان الحصول على وظيفة رضوخاً للـ”مجتمع” متمثلاً في أبوي، ولكنه كان أيضاً وعداً بأن أحقّق حلمي في العيش مما أكتب وإن بلغة أخرى، في سياق ليس أدبياً؛ وحيث كنت ساذجاً بما يكفي لأنتظر أن يستقبل كتابي “قراء” و”نقاد” لا أعرفهم فيقيّموه بنزاهة، أحبطني الصمت المطبق والغياب التام لأي نشاط ترويجي أو تسويقي من جانب الناشر. مع الوقت بدا لي السياق الأدبي منفّراً في مقابل سياق صحفي كنت أحقق فيه نجاحات مُرضية مادياً ومعنوياً… أما من الناحية التقنية فالصحافة في بعض أشكالها أدب وهي في كل أشكالها تدريب على الأدب. أظنني تحدثت عن ذلك بما يكفي من قبل: الصحافة لا يمكن أن تكون منتهى الطموح لكنها يمكن أن تساعد كثيراً.

2- انتقالك إلى أدب الرحلة أو محكيات السفر مسألة تستحق المناقشة. ونحن نعرف أنك درست في جامعة هل البريطانية وتنقلت بين بلدان مختلفة. هل كان اختيارك لهذا الشكل التعبيري محصلة هذه التجربة في “الترحال” واكتشاف عوالم مغايرة لما ألفته عيناك في بلدك الأصلي. راكمت في هذا السياق مجموعة من التحققات النصية الجميلة: “بيروت شي محل”، “بورقيبة على مضض”، “شمال القاهرة غرب الفيليبين”. هل يمكنك أن تحدثنا عن هذا الاختيار التعبيري؟

كنتُ منزعجاً من زيف وغباء “الانفجار الروائي” في مصر، هذا من ناحية. أردت أن أمارس أدبيتي بشكل يخرج على ذلك الخطاب كلياً ويكسر هايراركية الأشكال المدشنة بل وينفتح على احتمالات قد تقترب من ذائقة جمهور قراء معطّل، ولعله فعل بدرجة ما (وإن كان يبدو لي أمر القراء غاية في الارتباك والتعقيد إثر ثورة كان من تبعاتها أن تسهّل مهمة الإسلاميين في قمع الحراك الاجتماعي والأخلاقي والفردي؛ ثم أين كتاب المعارضة النجوم غير الإسلاميين من مستقبل الكتابة وهم ربما أكثر انغلاقاً وتفاهة حتى من نظرائهم الموالين للدولة؟) من ناحية أخرى ربما كنت أحتاج شكلاً “غير أدبي” أعود من خلاله إلى اللغة العربية، حيث انقطعتُ عن الكتابة بالعربية على نحو شبه كامل لفترة تجاوزت ست سنوات. بالطبع كان ثمة ما يؤهّل لمثل تلك الكتابة نتيجة تعدد الأسفار وتراكم الإحساس بالأماكن، كما أن فضاء جديداً للنشر – مجلة “أمكنة” السكندرية التي كتبت لها أول تلك النصوص، مثلاً – بدأ يهتم بما يمكن أن يسمى النص المفتوح أو الريبورتاج الأدبي. ثمة حياة في مكان آخر أو نظرة أخرى إلى الحياة؛ وكما في الحياة كذلك في الكتابة. ممتطياً “ركوبتي” الصحفية، شعرتُ أنني أدخل أرضاً لم يردها أحد قبلي…

3-لاحظت وأنا أصاحب تجربتك الابداعية استثمارك الدال لأسلوب كتابة التحقيق الصحفي بما يستلزمه ذلك من التقاط ذكي للتفاصيل واستنطاق لتواريخ الأمكنة مع استلهام قوي لمساحة واسعة من التخييل. وما أثارني في هذه النصوص انفتاحك فيما يشبه تهجين الأشكال التعبيرية على الرسم والفوتوغرافيا والشعر والتاريخ؛ وهو ما يتجلى بقوة في كتابك “شمال القاهرة غرب الفيليبين”. هل يمكن الوقوف عند هذا الاختيار موصولا برغبتك في التمرد على الشكل النمطي للكتابة؟ هل يمكنك أن تسلط الضوء على هذه الإشكالية؟

أنت تستعمل كل ما لديك في الكتابة، كما تستعمل ما لديك في معركة البقاء على قيد الحياة. كانت تقنيات الصحافة أداة فعالة في الاستقصاء وإن لم أقصر استخدامها على الموضوعات الصحفية بالطبع. بالنسبة إلى الجانب البصري من هذه الكتب، أعتقد أنه يمثل محاولة لاستلهام المساحة في النص الأدبي؛ وقد تم استثمار هذه المحاولة على نحو أوضح في “كتاب الطغرى” باختلاق خريطة للقاهرة وإدراج رسوم على علاقة بتلك الخريطة في متن النص. لعلها مساع لاستخراج “جغرافية” النص في مقابل تاريخيته الحاصلة بطبيعة الحال، سوى أنني أمارس الفوتوغرافيا أيضاً وقد كان لذلك أثر في كتابتي على مستويات متفاوتة. لكن هناك جانباً ربما لم يتسن ذكره من قبل وهو الدفاتر التي أحتفظ بها وأودعها الكتابة والرسوم والقصاصات والتذكارات تحايلاً على مرور الوقت والنسيان؛ لقد قيل عني قبل أعوام إنني “آخر الوراقين”. ومنذ الطفولة وهاجس “عمل كتاب” يراودني؛ كنت أخترع كتباً “علمية” صغيرة بما يتوفر من قرطاسية في البيت. المؤسف أن الإخراج البصري نادراً ما يحوز اهتمام الناشرين العرب مع أن لفنون الكتاب كما تعلم تقاليد خلابة في التراث العربي الإسلامي ومن الممكن استنهاض تلك التقاليد بتقنيات حديثة.

4- “بيروت شي محل” الصادر عن مجلة أمكنة عام 2006 تمثيل واضح لتداخل الكتابة الصحفية والكتابة الإبداعية. وقد سعيت من خلاله إلى الاقتراب من عوالم هذه المدينة التي تعتبر القلب النابض للبنان والتحولات التي طالته بعد نهاية الحرب الأهلية. يعج هذا المحكي الجميل بتفاصيل تنقل السارد الرحالة بين العديد من الأمكنة داخل بيروت أو في الجنوب ولقاءاته بالناس. كيف يتمثل يوسف رخا الاشتغال التخييلي على موضوعة “المكان” في ارتباطها بالذوات الإنسانية التي تقيم أو تعبر فيه؟

لم يكن التخييل في “بيروت شي محل” – ولا في نصوص المدن العربية من بعده باستثناء، ربما، المنامات المغربية – سوى توليفياً، لغوياً. فيما بعد، في “الطغرى”، اكتشفت إمكانات الاختلاق والتلفيق على مستوى الأحداث والمعلومات. وكان السبب الرئيسي وراء انصرافي إلى الشكل الروائي هو إدراكي التدريجي أن القاهرة هي موضوع كتابتي الحقيقي وأنني لا يمكن أن أقارب القاهرة بلا تخييل جذري من هذا النوع، وهو ما يستلزم سياقاً أقرب إلى سياق الرواية. لعل كتابة السفر كان دافعها الأعمق في اللاوعي أن أتمكن من رؤية القاهرة أدبياً عن طريق مقارنتها بمدن عربية أخرى أو جعلها مرجعية رئيسية لرؤية تلك المدن التي تشبهها وتختلف عنها في الوقت ذاته. قناعتي أن للكتابة بطلاً من اثنين بغض النظر عن سواهما من أبطال: إما المكان، أو الزمن. كان من شأن اهتمامي بالقاهرة وانطلاقي إلى الرواية من كتابة الأماكن أن يصبح المكان هو بطلي الأول. لا يعني هذا أن الزمن غائب عن نصوصي ولا أنني أتهاون في احترام اللوحة الزمنية التي أرسم عليها العمل – أو أركّبه – ولكنه يعني أن المكان ربما أهم… لكن الوجود في بيروت في ذكرى الحرب الأهلية الثلاثين بصفة نصف صحفية كان دافعاً على الكتابة في حد ذاته وهو ما أدى إلى استشراف احتمالات تحويل المكان إلى موضوع كتابة. المكان بالطبع ليس مساحة جغرافية (طبيعية، معمارية) وإن كان أيضاً كذلك. إنه وجود في محيط ولقاء بأشخاص واحتمال أن تكون أنت شخصاً جديداً نتيجة ذلك.

5- أود أن أتوقف معك مليا عند كتابك الأخير الصادر في بحر السنة الفارطة عن دار الشروق القاهرية. قرأت الكتاب بمتعة حقيقية وأنا أجد في داخلي انجذابا إلى تعدد سجلاته اللغوية وأشكاله التعبيرية. ثمة هذا الاستثمار الدال للمصنفات التاريخية التي اهتمت تحديدا بتاريخ مصر عموما والقاهرة بشكل خاص. وقد لاحظت قي هذا الصدد ركونك الدال صوب استعمال لغة هي مزيج من العامية والفصيح إسوة بمصنف الجبرتي في تاريخ مصر. كيف يمكن تفسير هذه الاستعادة؟

لم تكن لغة الرواية استعادة أو استدعاء بقدر ما كانت إحياء لسجل غائب من سجلات العربية المكتوبة: اللغة الوسطية التي أُرّخ بها للقاهرة لقرون من قبل الجبرتي، والتي أُهملت أو اندثرت إثر المد القومي لصالح فصحى مفتعلة إن لم تكن ركيكة ومنفصلة عن عمقها المعاش. العامية جانب عضوي من اللغة العربية وربما الجانب الحي منها، كما أن الكلمات الوافدة من لغات غير عربية مصدر رئيسي للغة. بدا السجل الرئيسي من ثَمّ مناسباً لكتاب يطمح إلى تصوير القاهرة وتصنيفها على غرار “الخطط” القديمة وإن بمنطق معاصر ومختلق. لكن لم ينطو الأمر على إعادة إنتاج لغة قديمة أو استيحائها كما هو الحال عند كتاب آخرين. كان الهدف هو التوصل إلى معادل معاصر للغة الجبرتي في سياق تقاليد الكتابة التاريخية. وقد يكون انجذاب قارئ مغربي إلى نص مكتوب بهذه اللغة دليلاً على نجاح مسعاي على هذا المستوى. كان الإيغال في التاريخ مدخلاً إلى سؤال الهوية المطروح في الرواية على أكثر من صعيد: ماذا يعني أن تكون مصرياً قاهرياً؟ ولكن أيضاً: ماذا يعني أن تكون مسلماً في هذه البقعة من العالم بعد الألفية الثانية؟ أحس القاهرة تكويناً متعدد الأبعاد، ففضلاً عن المدينة المكشوفة هناك مدن مستورة تنازعها المساحة ذاتها: مدن تاريخية وإسلامية، وأخرى طبقية ثقافية، ومدن سياسية مقصورة على توجه إنساني أحادي شديد الضيق. أردتُ أن أكشف ستر هذه المدن على نحو يتداخل مع تصنيف المدينة المعروفة أو أجزائها التي تقع فيها أحداث الرواية ومن ثم أستخرج قاهرة فريدة موجودة بالفعل إلا أنه لا يمكن رؤيتها قبل قراءة الكتاب، قاهرة هي اسطنبول نهاية القرن التاسع عشر وهي صحراء المماليك وهي دهاليز “مولات” مدن المستقبل؛ وكان التاريخ العثماني بالتحديد زاوية أساسية في هذا الصدد؛ لأن القاهرة التي سعيتُ إلى استخراجها تلك كانت للضرورة – وإن، للضرورة أيضاً، بمنطق مناقض جوهرياً لمنطق الإسلام السياسي – قاهرة إسلامية.

6- لماذا هذا التشديد المكثف في كتابك “الطغري” على استعمال توليف من السجلات اللغوية تتوزع بين الدارجة المصرية والعربية الفصيحة والإنجليزية المعربة إن صح التعبير. وقد وصل بك الأمر حد وضع معجم في خاتمة “العمل” تفسر فيه الغامض من هاته الكلمات. هل يتعلق الأمر والحالة هاته بمراهنة مقصودة على خيار “التهجين” من منطلق الافتراض الذي مؤداه أن ليس ثمة وجود لهوية أصيلة أو خالصة وأن الاختلاط أو الهجنة هي الحقيقة الوحيدة؟

فيما يخص اللغة، بالتأكيد لا وجود لهوية أصيلة ولا حقيقة سوى الاختلاط. عن نفسي، لا أؤمن بـ”طهورية” اللغة على الإطلاق. للعربية الفصيحة امتداد مكاني وزماني لا يجب أن نتخلى عنه ربما، لكنه لا يجب أن يؤدي إلى موتنا لغوياً. اللغة كائن حي محكوم بلحظته التاريخية، هي كائن يحيا باصطلاحه على الأفواه قبل أن يُكتب؛ أظن هذا بديهياً، وهو ما يستتبع الهجنة بدرجة أو أخرى على المستوى المقصود. اللغة تصنعنا وتنمينا ولو أننا قصرنا ما نستمده منها على لحظة أو بقعة واحدة لتحولنا إلى “زومبيز” – وهو ما حدث ويحدث للكثير من العرب بالفعل، بدرجات – أما بالنسبة إلى الهوية الإنسانية-الثقافية، فالسؤال أصعب كثيراً. من زاوية جذرية، أظننا كائنات مهجنة بالضرورة ليس فقط لأننا نعيش في عصر اندحار ثقافتنا “الأصيلة” أياً كانت ومن ثم بشروط ثقافة أخرى لعلها أقل اختلافاً عن ثقافتنا تلك في الحقيقة مما يبدو، ولكن أيضاً لأننا كائنات مدنية أو هكذا لابد أن نكون لكي نكتب روايات. إن هذه النصوص موجهة إلى قراء يسكنون مدناً متعددة الهوية، وحسبك أن هناك من يعرف العربية ولا يقرأ إلا الروايات الإنجليزية أو الفرنسية بل ويقرأ الروايات العربية نفسها مترجمة إلى اللغة الأوروبية التي اعتاد أن يتلقى فيها الأدب… ليس هذا حكماً أو موقفاً، إنه واقع وحسب: قارئ الرواية المعاصرة الجادة كما أتصوره – حتى وإن كان لا يعرف سوى العربية – ليس كائناً أحادي الهوية؛ قد يكون بينك وبين العربي فهم دقيق أو “محلي” في بعض الأمور لكنك لن تستطيع أن تقول له شيئاً ذا بال ما لم تتعدد وتتنوع ثقافتكما بما يستوعب اللحظة التي تشتركان في صوغها عبر النص الروائي، أليس كذلك؟ بالنسبة إلى العرب اليوم بالتأكيد ولكن ربما أيضاً بالنسبة إلى أي جماعة بشرية في أي زمن، تلك اللحظة لا يمكن أن تقتصر على ثقافة واحدة. ومع ذلك، ورغم ذلك – وهو ما يجعل سؤال الهوية أصعب من سواه – كثيراً ما أحس أن هناك هوية رغم كل شيء، هوية تتجاوز المدنية الفردية متعددة الثقافات تلك… لكن ماذا عسى تلك الهوية أن تكون؟

7- “الطغري” في الآن نفسه محاكمة إبداعية قوية للتدهور الذي عرفته مدينة القاهرة وتقلص أو انحسار البعد “المدني” بما يستلزمه من تعدد واختلاف في الرؤى إلى العالم وطرائق العيش والسلوك والعودة القوية للدين بتصوراته “الشوفينية” و”الشعبوية”. يلوح لي أيضا من خلال قراءتي للعمل أن تفاصيل عدة من سيرتك الذاتية حاضرة بقوة. أين يتقاطع السير ذاتي والروائي في هذا النص وأين يحضر التخييل؟

كان سؤال السيرة الذاتية مطروحاً بشدة أيام “أزهار الشمس” وكان ضاغطاً في ذلك الوقت حيث بدا أنه لا مهرب من رصد الواقع وبدا الواقع قاصراً أو ضيقاً نتيجة صغر السن وحدود التجربة. فيما بعد – عبر الصحافة وخبرات الحياة – أصبح الموضوع أقل أهمية بالنسبة إلي. السؤال ليس “هل تكتب سيرة ذاتية” ولكنه “كيف تستخدم السيرة الذاتية في الكتابة”. في “الطغرى” شخوص وحالات منطلقها من الواقع بالفعل ولكنها لا تعنيني شخصياً بالضرورة، لا تعنيني في أكثر من أنني أعرفها جيداً وأشعر بأنني مؤهل للكلام عنها بدافع إدخالها في مشروع قاهرتي الذاتية تلك… أما بالنسبة إلى انهيار المدنية وانتشار الأسلمة الشكلانية المستوردة إجمالاً من الخليج العربي، فليس في ذلك ما يحتاج إلى سيرة ذاتية أو أي سيرة: إنه أمام عينيك أينما حللت في مصر وهو بالنسبة إلي فقط غير مفهوم. هو يزعجني ويؤلمني بالطبع لكن الأهم ربما هو أنني فعلاً لا أفهمه، لا أستطيع تفسيره. ولعل في الكتاب محاولة لتفسيره فنياً من خلال الفانتازيا كما رأيت. لكن على أرض الواقع أو على أسفلت الشوارع، ما الذي يدفع شخصاً مهما كان عادياً أو محروماً أو حتى أفاقاً إلى تبني مثل هذه النظرة إلى الحياة، إلى الأخلاق أو الروحانيات، ومن ثَمّ مغادرة المدنية والمدينة إلى الأبد؟ هل تستطيع أن تجيبني؟

wpid-img_1308-2012-05-15-04-59.jpg

8- يهمني أن نقترب من منجزك الروائي الأخير “التماسيح” والذي سوف يصدر قريبا. لاحظت من خلال قراءتي للعمل اهتماما قويا بالتأريخ السردي لجيل التسعينيات الأدبي في مصر والسمات التي تميزه من تمرد على الأنساق والمواضعات الجاهزة في الرؤية إلى العالم والمعيش وبحث عن أدب مغاير. لاحظت في الآن نفسه مماثلة بين هذا الجيل وجيل البيتنكس في أمريكا واعترافا إبداعيا مؤثرا بالأدوار التي اضطلع بها هذا الجيل في الحدس بما أصبح يعرف بالربيع العربي وثورة 25 يناير في مصر والتعبير الإبداعي عن إخفاقاتها وانحرافاتها بفعل تأثير المؤسسة العسكرية والتيارات السلفية الرجعية. هل يمكن النظر إلى هذا العمل باعتباره امتدادا للطغري أم إن ثمة مسافة معرفية وجمالية تفصل بينهما؟ وما هي دلالة هذه المقارنة بجيل البيتنكس؟

ليست هناك مسافة بالمعنى المعرفي والجمالي لكن “التماسيح” مشروع منفرد أو هكذا أراها. كان المفترض – وربما يحدث بالفعل – أن يتبع الملف الأول من حاوية التماسيح ملفان ثانيان لتكتمل ثلاثية روائية عن أحداث ٢٠١١ يركّز كل من أجزائها على حقبة زمنية ويتخذ شكلاً من الأشكال المطروقة ولكن في السياق ذاته (فالملف الثاني، على سبيل المثال، كان المفترض أن يكون رواية بوليسية). “يوسف” أو “الفتيس” في التماسيح ليس هو “مصطفى الشروبجي” وإن كان ثمة تشابه. أرى الامتداد في عمقه على صلة بثلاثة أسئلة جوهرية مطروحة في العملين على حد سواء: سؤال الهوية (ماذا يعني أن تكون مسلماً؟ ماذا يعني أن تكون شاعراً؟)؛ وسؤال اللحظة التاريخية (القاهرة في الربع الأول من القرن الواحد والعشرين)؛ وسؤال التجاوز (كيف يؤدي الغرام أو الثورة أو الحدث الخارق للطبيعة إلى احتمال معنى أو حوار أو جمال عن طريق تخطي الشرط التاريخي بالنظر إلى الدنيا من زاوية، إن أردت، ما-وراء-سياسية)… ثمة تشابه بالفعل بين التسعينات في مصر والخمسينات في أمريكا؛ وكان من شأن حركة البيتنكس أن تؤدي إلى الثورة الاجتماعية قبل السياسية في الستينات كذلك كما أدت التسعينات إلى أحداث ٢٠١١ بمعنى ما. ومع ذلك بالطبع ثمة معطيات مختلفة لا يتسع المجال لذكرها. المهم أنني عقدتُ الصلة بين حركتين أدبيتين لم يُلتفت إلى تشابههما من قبل في حدود علمي، وكان من شأن ذلك أن يساعدني على فهم ما عشته ولم أفهمه للوهلة الأولى، ذلك الذي سميناه ثورتنا.

CAFE-مختارات من ديوان “علية عبد السلام”: موت من أحبوني

مختارات من قصائد علية عبد السلام

(download if you like)

صديقي

كان كهؤلاء المطعونين

هادئاً كالطاولات بعد أن غادرها العشاق

وحشياً كسكين فرغت تواً من مهمتها

يفض الرسائل

يجرح عشبها النامي في البلاد التي طردته

طوى الصور القديمة وغنى:

“نورما” كنت قاسية في الفراغ كهياجي وحيداً

لافظة كتأشيرة تمنح للمهاجرين نهائياً

تفضلين أن تنمو الحشائش فوق الجسور الخاصة بالسيارات

تتشابك آراء الصيادين حول الانتظار

“نورما ” لماذا أخرج للمقهى

وأصاحب النساء المختلفات عنك تماماً

“نورما” لن تقول أبداً إنها حامل منه

وإن الجنين قد يكون أنثى

وإنها تأكل الخبز الجاف فقط

وتشرب القهوة المرة

وكعادة الصغيرات تخشى بلل الأمطار

لكنها ستؤلم الجسد قليلاً

لتطبع وشمه المفضل

فى المكان المفضل

وتخرج لجمع الزهور

وشراء الآيس كريم.

بل كأني أعنفها فقط

أثير في النفوس الضعيفة

خيبة أمل في إصلاحي

كأني تلك الوردات التي تخرج من الفساتين وتمضي كسرب نمل تحت أقدامي

فأدهسها – غير نادمة -

بل كأني أعنفها فقط

الرجل الوحيد على عتبة بيته

جالس يكشط عوداً من الحطب

الغريب فى الأمر:

كان يبحث عن (طراوة) !

لا يجوز

عنوة ألعب؟

لا

لن ألعب معك أيها العالم

لتحترق القدس

ليفنى الفلسطينيون

ليكذب الزعماء العرب

لتنام مصر في العسل

ليخدعني حبيبي

ليبتزني العسكر

يرهبني رجال المخابرات

يراودني أنصاف الرجال عن نفسي

عنوة أؤمن بما تؤمنون

يا علماء الأرض

لا يجوز للجمال أن يدخل دورة المياه

كل صباح

لا يجوز حرق الشرق للتدفئة

لا يجوز

الغردقة

10/11/2002

موت من أحبوني في قصائد

من القبح أن أكون تحت أقدام أمي

القسوة والأقنعة البريئة يتبادلان قيادتي

أجد راحة ما حين أبتكر حكايات عن موت أبى.

كبرت من الكراهية النقية حيث لم أتعلمها

ولدت منها فحرصت على مص الدماء

إنها قوة إنسانية عظيمة تمنحنى السعادة

بسبب ذلك كل سعادتى موت من أحبوني ميتة شنعاء.

لسبب غامض حين أغرز في الباب مفتاحى أتعلم الوحدة

أتخيل صديقاً

يطعم أسماكي

يغير ماء الورد

ينتبه لغلق الباب في الشتاء

حيث الريح الشديدة

توهن النبات

بالطبع لا أحد في الداخل

فأبغض حماقتي وأصرخ :

بالتأكيد كنت قاسية للغاية.

أغلق الباب

أبتسم للأسماك المشرفة على الموت

والنبات البائس

للملصقات على الحائط

أتشمم رائحة جسمي

قد يأتى أحد كالهواء

أكثر زرقة من الليل

يشبه هذا العفريت الذي أحببت.

وجدت طريقي

حيث لن يتشبه بي أحد

سأكون طائراً يحلق بالقرب من بيت مهجور

وفى خيبتي

سأقلد فتاة صغيرة تتوهم أنها صخرة

وأحراش وحيوانات مفترسة

وأنها خوف لن يبلغ منتهاه

وأنها ظلمة خالصة من أي توجس

وأن السخونة التى تعتلي ركبتيها

دم

وأنها فتاة صغيرة تحب أن تلعب.

هذا كنزي الذي أخفيته

بحكمة إنسانية معقولة

وحده يدير شئوناً أجهلها عن روحى

يصنع لى الفطائر بالعسل

ألتهمها متسلية بمراقبة جموع الذباب

التي تحلق بالقرب من ركبتي

لديّ ما يغري

فم واسع

شفتان غليظتان

مخضبتان بالعسل

سيدنو الذباب متردداَ

في خبث مفضوح

لكني يا صديقي

سينشق فمي فجأة.

قراصنة العصر (2)

يسقط المطر ولا تكبر أشجاري

أحزن وأنام

في الليل

أرى قدراً فيه ماء يغلي

بسهولة ويسر أقطع أصابعي

ألقي بها في القدر

لا أجزع

أتابع تقلصها نشوانة

أقرب وجهي من فوهة القدر

( لينظف البخار وجهي وليظل جميلاً )

لا أكترث أن نبحت الكلاب

أو اشتعلت النار في دولابي

فماذا أصنع للعبيد المقيدين

أسأل الشمس التي تسكن أرضي لماذا أنت هنا

أقول وداعاً لمن يهمني أمره

أما الناس

فأعد لهم إناء كبيراً من دمي

بعد أن أقطع يدي أجمع الزهور ثم أجففها وأخلطها بالدم

سأرسلها بالبريد أو في زجاجات خمر فارغة عندما أكون في أعالي البحار

قرصاناً من القراصنة.

توائم (3)

هذه الأرض مسكني

بيتي قريب من قسم الشرطة أطلس العالم تحت يدي

طوابع بريد

ورق أبيض

مقص صغير

ماذا ينقصني للاتصال بأصحاب روحي المنتشرين في الأرض

أخترع توائم لي قادمين إلي بحنو الأنبياء أو الآباء الطاعنين في السن

لا أود أن أضل أحدكم فليس لدي هلع من المتطرفين ولست من دعاة تخفيف الأعباء عن كاهل المواطن

بل لا أرى الفقر عيباً

أضجر من الشباب

لا أصدق إذاعة لندن

أتابع باريس عبر مونت كارلو

كل يوم موتى جدد

ماذا ينقصني للاتصال بأصحاب روحي المنتشرين في الأرض

الأكيد أن موتي غداً حيث لا أسمع أعدائي الفرحين

وهم يمجدون سيرتي

سأختفي أيها الأغبياء ولن تقدرون غيابي.

خمس قصائد ( للنيو يير )

1999

(1)

تشتاق روحي لعالم لا أدركه

بعض الألوان المبهجة أزين بها وجهي

يصبح لي قناعا أواجه العامة

أرضي الشعب

البشرية أستهلكت/ الحياة موت يعاند

تشتاق روحي لعالم لا أدركه

أنت طيب أيها الشيطان

بجانبك

مومياء بجوار جسد نابض يجري فيه الدم

كلاكما وجود ينقصه الخلو من كل عيب

انتهى عصر الجماهير

لا تصفيق بعد اليوم

دعونى أولاً أبول كأي كلب أو قطة

هل تصدقون

يحارب الشيطان الإنسان

ويغفر الله الذنوب.

(2)

سأحط من قدر المسيطر

وأقف على وهن المعذب

لفافة من التعاسة

تطالعني كل صباح

سأحط من قدر المسيطر

أواجه الله بحريتي

أعبر عن براءتي

العالم غابة وسط الصحراء

الإنسان حيوان يكذب على التاريخ

يمارس الشر

الطبيعة عار حقيقي علق بالزمن

براءتى ليست كاملة

تنقصني زهرة مجففة بين طيات كتاب مقدس

وصلاة القلب بوجدان طاهر

ينقصني قبر

لتكتمل حريتي.

(3)

ها أنت تشرق في جسمي

كمنتظر للنبؤة أو صاحب رسالة

ها أنت تتوقف عن الطيران

إلا أن خطواتك كطائر جريح

لا تخفى خفتك

ها أنت عنيد كشيطان

ساخن كالجحيم

بارد كالفضاء

لك الموت أو البقاء

لتبقى كإله صغير

أو ملاك لنبي

أو حتى تلميذ

لتبقى تلميذ لأنك لن تطير مرة أخرى

تلك الجبال الرهيبة التي اعتلت جناح روحك لن تزول بدوني

لأنى لإلهة الغد طائعة

ولشريعة الروح خاضعة

دعني أزيح عنك الوهن برحمتي

أخاف الله فيك

فيك الله.

(4)

يا الله

ها أنا أقدم روحي على جسدي

ولا أكترث بالمال

ها أنا من أجلك أنت وحدك

أخسر كل شيء

إذن لماذا تلقى بالشيطان فى طريقي

ولماذا ينتحر ملاكي

يتملكني الخوف

لا أخافك يا الله

لأنك مارست شرورك جميعاً

وأصبحت عجوزاً

أخاف الشيطان الذى اختار جسمي

لى إله بعيد يحميني:

يبارك الشحاذين

يركع للأطفال المشردين في الشوارع

يسجد لمن قالوا لا

يقف إلى جوار الثائرين

يرفع السلاح ضد من داسوا على حرية العبادة ضد الأفكار الخبيثة

إلهي لا يقبل التزييف

ليس لديه ميزان

لكنه عادل

لأنه لم يخلق شيطاناً ليسكنني

يا الله

خذ شيطانك

واعطني روحي التى تحبك

وتخافك.

(5)

لا دهشة في الصباح

خسارة مسائك

لن تعوض

هزيل أنت في الصحراء

وحيد في الزحام

انفضني عنك لأنك ستقتلني كما فعل السابقون

اخلص لوهم ينتابك في عزلتك

افعل كما يفعل العارفون

وطن روحك في الفراغ

اشهد أنك قادر على الخروج

اليوم تثار حروب

بين السماء والسماء

نفس واحدة ستموت

ولن يولد إلا هو

هذا الذي سلم نفسه

وقال:

لتكن المشيئة للمجهول.

**********

علية عبد السلام

أغاني لندن، شتاء ٢٠١٠



تدخين (Willesden Green)

لحظة الاختلال المفاجئ – 
ويدي التي فارقها للتو
كتاب القصائد الأخيرة، 
تتشبث بالزجاج 

–  هل لأنني تخيّلتُ 
رائحة "سيلفيا بلاث" 
في أنف "تيد هيوز" 
كدتُ أفقد توازني؟

على الحافة السميكة
للشباك الوحيد 
الذي يمكن فتحه، 
عالياً قرب سقف غرفتنا
حيث جهاز إنذار الحريق متأهب 
لأي سيجارة أُشعلها، 
والطقس سجن أو سحاب، 
كنتُ ملفوفاً في المعطف الطويل 
ورأسي في "الفريزر"،
أزفر دخاني وأقرأ 
لاهياً عن وضعي الأكروباتي

حين انزلقت قدمي. 

ودونما يوقظك ارتطامه – 
فقط تمتمتِ بشيء كالسؤال،
 قبل أن يعود نَفَسك 
يغيب في الأغطية السميكة 
وأنت تتقلبين من جنب إلى جنب،
ويهب شيء من رائحتك، 
أو هكذا خُيّل لي

– سقط على الأرض الكتاب.

كل ما أذكره أنك نائمة 
وأنا أقول لنفسي:

"فضلاً عن الغرام واللاغرام، 
الشِعر واللاشِعر، 
وألف شيء غالٍ 
لابد أنه أصبح رخيصاً؛ 

فضلاً عن الشهرة التي يقول لها 
في إحدى قصائده 
إنها ستجيء كما أرادتها تماماً – 
ستجيء الشهرة، 
هكذا يقول لها في القصيدة، 
ولكن بعد أن تكوني 
قد دفعت ثمنها: 
سعادتك، 
زوجك، 
حياتك – 

فضلاً عن الناشر 
والطبيب النفسي، 
المكتبة وقاعة المحاضرات، 
مَن المسئول عن الخلاف 
ومَن يعتني بالطفلين 
(كان أصغرهما قد مات منتحراً 
قبل عام من لقائنا: 
عالم أحياء مائية "ملو هدومه" 
في السابعة والأربعين) 
وعن ترهات الـفيمينيزم  
واللافيمينيزم أيضاً، 
بعد عقود من وفاتها؛ 

فضلاً عن كل ذلك" – 
هكذا أقول لنفسي
 
– "لابد أن رائحتها في أنفه 
كانت أبسط وأروع
من أن يقدّرها سواه." 

ودونما أتذكر أنني 
قبل أسابيع أو شهور، 
دخّنت بالطريقة نفسها في مالطة 
ولم أحس بالسعادة،
مع أن الطقس موسيقى
وموقع الشباك لا يضطرني
إلى الأكروبات – كانت أخرى 
لا رائحة لها في أنفي
نائمة مكانك، 
وبدا أن مالطة كلها
في الوقت نفسه
مكدسة وخاوية 

– شعرتُ الآن أنني 
محلّق في الأعالي
لأنني مازلتُ واقفاً
وأنا وأنت في غرفة واحدة 
بعد أو بالرغم من كل شيء، 
ووجدتني أنظر
إلى حيث وقع الكتاب؛

ودونما أدير وجهي 
إلى جسدك النائم،
أشهق وأهمس لك:

"نجونا يا جميل!"

    
"عبّوطة" (Victoria)

شيءٌ ما في مشيتكِ بعد أن نحّفتْكِ الغُربة
توازن صعب أو فقدان توازن 
بين ملبن هيكلك والأرض التي تحمله
ميل في لا أو أكثر من اتجاه
بالحذاء الرياضي والمعطف المدبوغ
مع الفرو حيث الخياطة أنت أصغر حجماً
وسط كل هذه الشخوص والمركبات 
على جانبي طريق بلا أهمية الآن
أربع عيون خائفة عبر الجليد
نصف دورة أخرى وذراعاك تائهان 
كأنك تبحثين عن شيء لاحتضانه 
بين بكاء لم تمسسه الأسئلة الوجودية
وبكاء من أن الفرحة مؤقتة
ألف صوت أتعرف بها على نفسي
دونما يبرح اسمي شفتيك
وألف صورة للطفولة ذاتها في الضوء
الآن وقد كبرتِ واشتد عود وحدتك 
حتى هضمتِ أملاحاً أنا بثثتها في كليتيك
وعاودك التساؤل عن مصيرنا
شيء ما في اختلال ركبتيك حفظ السر
وأن ما ينتهي لابد أن ينتهي 
أنت على رصيف كهذا كل مرة تبدأين 
بينما بعد يومين أو أسبوعين أودّعك 
وقد عثر الذارعان على إبطي.


وسواس (Harley Street)

حَذَرُكِ يشل الرغبة
وأنا أقطع طريقي
تبدو استحالتُنا بسيطة
وأسمع ألف بظر يشخلل
مثل ألف صَدَفَة في جوال
أحمله على كتفي.


المولد (The merryーgoーround at South Bank)

لا يعرف لها اسماً بالعربية: 
لعبة الملاهي الأثيرة 
في القصص الخيالي وأفلام الرعب، 
حيث جياد من خشب أو بلاستك 
تدور على قاعدة مستديرة 
والأطفال في الظلام 
على أضوائها يركبون. 

احتفالات الشتاء على ضفاف النهر: 

"المولد" في ألطف منطقة 
في لندن. 
وبينما حبيبته تبحث عن هدايا 
لأشباح ساكنين في ربع ثالث 
من عالم يفصلهما ويدعوهما للقاء 
بضعة أيام فقط وسط الفراق،
بينما في المبنى المشرئب فوقهما 
مثل عملاق من Meccano 
أو "روبوت" معماري، 
معرض فوتوغرافيا الصحافة – 

صور الصومالي الذي يرجمونه 
بأمر المحاكم الشرعية 
ستؤرّق "أبو الليل" شهوراً لأن الرأس 
وهو الشيء الوحيد البائن 
من جسد مدفون في التراب 
بدأ يغير لون الحصى بالدم، 

ولأن هؤلاء كما ظن نفسه ذات يوم 
هم أيضاً مسلمون 

– اشترى الحبيب ساعة جيب من نحاس 
على وجهها تنين 
ثم دفتراً سميكاً له غلاف قماشي 
يوحي بأنه كشف حساب 
من أيام "ليوناردو دافينشي"؛
ومن مكتبة كأنها المصران الغليظ 
 Royal Festival Hall للـ، 
ديوان شعر وحافظة أوراق ملوّنة. 

كانت حبيبته مبتهجة بالأكشاك؛
وبرغم أنها تترقب لقاءً، حتى هنا، 
يكون من شأنه 
أن يغيّر لون الجليد، 
تفط على كعبيها كعصفور 
فوق البلاطات، بين النهر والدرج. 
وبدون سابق اتفاق، وهي تفعل،
يلاعبها "غمّيضة" – 

هكذا تسميها حبيبته 
كما تقول "سكربينة" و"جزدان"، 
ولا تتورع عن نعت "حرارة" على الشفاه 
بأنها "طفشِة حِمّى" – 
فلا يقبض على كتفيها من وراء 
إلى أن يرى الخوف في شعرها
تحت حز طاقيتها الكبيرة؛
حينئذ يثبّتها تحت ذقنه،
تصبح للحظة أو يزيد 
"عروسة حلاوة" هو "حصانها"...

ثم يواصلان حركتهما آمنين 
وسط أشباح ليس من شأنها 
أن تغير شيئاً،
يتداولان أمر المكان الأمثل للعشاء. 

وحتى يبلغا لعبة الملاهي هذه 
South Bank في طريق مغادر
على غير انتظار، ويكونا قد تداولا 
الشالات والأقراط كذلك، 
خاتماً بفصٍ، حقيبةً مشرشرة...

بلا كلام يسترسلان في التساؤل
عن مصير ذلك الذي دام 
دونما يستجمع قوة دفع كافية 
للوقوف حيث يمكن
أن تتحلق حوله أشباح...
 
مع أنه لم يتردد يوماً في التجدد،
ذلك الذي دام بينهما، 
ولا عمل حساباً للـ"موالد"
أو محاكم تشرئب بالأسمنت من فوقها... 

 merryーgoーround يتوقفان أمام الـ. 

لا يعرف لهم اسماً ولا حبيبتُه: 
فرسان الخيال الصغار هؤلاء
يصرخون بفرحة أو رعب، 
وكأنهم يتعقبون مصائرهم 
في دائرة مفرغة. 

من صائد الغزلان إلى قائد الجحافل، 
والهائم في البراري 
يغني غراماً مستحيلاً:
صاروا كلهم أمام الحبيب فجأة
على صهوات جيادهم، 
يدورون بلا توقف حيث بدا 
أن أجساداً بلا عدد
يمكن أن تُدفن إلا رؤوسها. 

وإذا به يحوّط حبيبته بفزع 
من أن تغيب مرة أخرى 
أثناء "غميضة" يلعبانها
فلا يعود يجدها 
في ألطف منطقة في لندن
حيث جياد من خشب أو بلاستك 
تُمتطَى على ضفاف النهر
إله Royal Festival Hall والـ 
يثبّت تحت ذقنه الخليقة.


عشاء (Baker Street)

برغم الجليد المتراكم 
فتاتاً من الصوف الأبيض
وكونكَ لا يمكن أن تدخن
في مكان دافئ
اللقاء فرح عابر القارات
وتناغم النكهات عبقري حقاً
في المطعم الطلياني

كل ما في الأمر أن "البيتزا" 
جاءت حارة بدرجة مستحيلة
ما دفع النادل إلى الاعتراف
بأنه لا يختار لنفسه هذا الصنف
إلا حين يمتلئ خَزّان دموعه 

آكلها على العشاء – 
هكذا أخبرك النادل – 
ثم أُمضي الليلة أبكي 

هكذا ولو للحظة 
كان لابد من اجترار موتاك
أو كما يقول كفافيس
الذين فقدتهم 
وكأنهم ماتوا
ودونما تفسد الفرحة 
امتد خيطان شفافان 
كالثلج أو الكريستال
من وجهك إلى طبق "باستا" جديد
طلبتَه خالياً من الشطّة.

 

Link

كتابنا

يوم حلمتَ باسمينا متجاورين على غلاف واحد قلتَ لي إن هذا غير مسبوق في ثقافتنا وإنه، فضلاً عن كونه أَقيَم من الحب، حلٌّ لوضعنا المستحيل. ولأن خيالك لم يتسع لاحتمال أن يصبح الوضع ممكناً فيما ظللتَ تعصر ليمونتك في حلقي… إلى آخر قطرة، جعلتَ “كتابنا” حجةَ تَجَاوُر ربما كان أفضل لك أن يبقى هو الآخر حلماً. ذات يوم أغضبك فصل أنا كتبتُه لكنك لم تَردّ عليه بفصل كما اتفقنا. أنا كنتُ قد صدّقتُ أن غير المسبوق هذا الذي أقدمنا عليه، حل وضعنا، بالفعل أصلب من ليمونة جفّت وتجعدت ولم يبق إلا أن تُلقَى في سلة المهملات. ولأنني منذ ذلك الحين تذكرتُ لحظةً مرت، وأنا أسمعك، أيقنتُ فيها أنك رغم كل ما تقوله لا تتكلم – لم تتكلم، لا تستطيع الكلام – قلتُ لنفسي إن “ثقافتنا”، مثلاً، مجرد صوت بلا معنى يخرج من فمك. وعرفتُ: لا شيء عندك قيّم في الحقيقة، لا الحب ولا الغلاف. لحظة واحدة مرت، لكنني سأتذكرها. لهذا فقط – ربما – لم أنبس، لم أحدّثك عن خيبة الرجاء. واكتفيتُ بإزاحة المشروع عن “سطح المكتب” مؤقتاً بانتظار فصول كان يتأكد لي أنها لن تُكتب من كتابنا. مع أنني يا أخي أأكنتُ مستعداً لإعادة صياغة أي شيء. لو أنك فقط تكلمت. لكنك فضّلت الخرس والتذاكي. وأنا حذفتُ “فايلات” الكتاب

وجه المثقف

أراك تمسك هذا الكتاب كأنه لم يعبر إلى يديك قارةً ومحيطاً على حساب عاشق آخر بليد يعمل تحت مسمى الصداقة في خدمتك. تقلّب الصفحات وأنت تسحب فوق رأسك، مثل “بالاكلافا” أو نقاب، وجه المثقف: ربيب المكتبات وصديق الأساتذة، المهم حضوره حيث يحضر المهمون. وقبل أن تبحث في الكلام عن دليل على أنه ليس من تأليف كاتب كبير، قبل أن تعيّن الثغرات وترى أصداءك أو أصداء غيرك في عبارات تحسها مسروقة ومستهلكة، أراها على وجهك، هي نفسها: الفرحة التي استمرأتها منذ ابتدأت، بأن شخصاً – الموجود، ربما أحسن الموجودين – وقع في حبك بما يكفي ليستلهمك. وأرى الرفض ذاتَه يخالطها في البراري الضيقة حول عينين ليس سواهما خلف القماش: أنت لست ملهِماً، لا. لا تريد أن تكون مملوكاً لشخص. حتى قراءتك الآن مدفوعة فقط بالفضول. كل ما في الأمر أن صوتاً آخر قرر أن يبروز لك صورة منزوعة عن حقيقتك… صورة هم، من ورائها، الرابحون؟ – في هذه اللحظة، وقبل أن تجيب عن سؤالك، قبل أن يسأل أحد من يكونون هم هؤلاء وقبل أن تضم الكتاب إلى غنائم روّضت نفسك على احتقارها عبر السنين، وتعود دونما تدري تستفز أو تستجدي كاتباً لن يكون كبيراً للقتال في معركة امتلاكك، تلك التي لا تخرج منها أبداً خاسراً، لتترك خلف ظهرك قواداً آخر أو عدواً كنت تفضّل أن يكون قواداً – اسمع: بالنسبة لهذا الكاتب، أنت لست سوى جسد لم يرد أن يُقاوِم شهوة عبوديته. هو كتب لأنه كان رباً قادراً ذات يوم، ولأنه أحبك بعد أن رأى عبر الزجاج كل الحبال الذائبة التي تربط أجولة زبالتك. أما الذي أنجزتَه والكتّاب الكبار والعشاق البلداء ووجهك هذا، أنت كلك على بعضك بكل أهميتك: بالنسبة لهذا الكاتب، كل هذا ليس أكثر من “بارفام” كان يحجب عنه رائحتك، أو حكاية فتاة فقيرة تركت حبيبها لتتزوج من ثري عربي

Enhanced by Zemanta

هأسأل عليك إزاي



كنت أذهب إليه في مرسمه بمصر الجديدة فيطردني. لم يكن يطردني بالضبط، وليس كل مرة طبعاً، لكنه لم يكن يتساهل في أي هفوة تنظيمية من جانبي وكان يتعمد معاملتي كصبي معلم بدلاً من زبون. ضخامة جثته واتزانه الوقور يصدّران إحساساً بأنني أقف منه موقف الابن العاق، وهو ما أحسسته على وجه الدقة حين بلغني الخبر بينما أنا على سفر. في المخابرة الهاتفية الأخيرة كان قد قال لي “ابقى اسأل عليَّ”. وكأي شخص مزاجي حقير لم أفعل، تماماً كما تجاهلتُ أبي في أيامه الأخيرة دون أن أعلم أنها الأخيرة أو أسأل نفسي إن كان باقياً لي هذا الأب أو إن كان يمكن أن يعوّض. الآن وقد وصلت إلى حيث كنت ذاهباً، أفكر في كل آبائنا الراحلين، كيف أنهم آجلاً أو عاجلاً يرحلون، وأننا نكون تقاعسنا في السؤال… كل هذه المخابرات المؤجلة وتجاهلي لمن أحب خجلاً أو شوقاً أو خوفاً من وزن لحظات محتملة…تذكرتُ أيضاً يوم قلت له مازحاً إنني لن أتعبه بنفس القدر في مشروعنا التالي المشترك، وكان قد شكا وشكا من ويلات التعامل مع شخص مستهتر ومدلل مثلي حيث اقترح ثم رفض ثم قبل أن يصمم كتاباً عن بيروت يحتوي على نصوصي وصوري التي أرسلتها إليه فور الانتهاء منها بلا توقعات سنة 2005.كان قد عمل في كتابي بلا مقابل، أعطاني اسمه فضلاً عن جهد يديه، ما ساهم ولابد في أنني واصلت الكتابة عن المدن وتمكنت من نشر ما كتبته وربما حتى إثارة شيء من الاهتمام. كان يتحرك من واقع إعجابه بالنص مجرداً من أي اعتبار ولأنه – كما قال لي – تعرّف في الصور على بيروت التي عاش فيها قبل عقود أو سنين. يومها قلت له “عقبال الكتاب اللي جاي يا أستاذ محيي”، وكان رد فعله عكس ما توقعت تماماً، حيث ظننته سيقول شيئاً من قبيل “بعينك”! كان رد فعله فقط أن تنهد تنهيدة قصيرة وابتسم ثم قال ما معناه أنه قد لا يبقى على قيد الحياة ما يكفي من الزمن لإنجاز كتاب. كانت لحظة محيرة. أردت أن أحتضنه أو على الأقل أبكي في حضوره، أن أعبر عن الامتنان والغضب وشيء ثالث يحسه الأبناء حيال هؤلاء الذين يجعلونهم أشخاصاً بحيوات وأسماء. لم أفعل شيئاً بالطبع.وأتذكر أنه كان ينفيني إلى البلكونة كلما أردت أن أشعل سيجارة وقد سد خرماً في صدره كما صار يقول حين أجبره الطبيب على الكف عن التدخين. هناك شيء آسر في أدائه على كل حال، وعندما يأخذه سحر الحكي يتبدى الحنان في صوته بما ينفي آثار ذلك العنف المقطّر. حكاياته شيقة ومتعددة وإن كانت مريرة، في الكثير من الأحيان يتملكه اليأس من هذه البلاد وهؤلاء الناس لكن نبرة التأمل المتفكه لا تبرح صوته. كنت أسترد في حضوره إيماناً بجدوى الثقافة والمثقفين زايلني طوال سنوات كففت أثناءها عن الكتابة بالعربية. والآن أعرف أنه لولا محيي اللباد لما أصدرت كتاباً بعد ذلك الانقطاع.بأحلى المعاني كان مثقفاً مشتبكاً مع الواقع، كان قد تعلم كيف يجنب نفسه ليس فقط الأدلجة والادعاء ولكن أيضاً كل تلك الأشياء المؤسفة والمجهدة التي قد يعاني منها فنان عنده من الشجاعة وحب الغير ما يكفي لاختيار مسار مصمم الجرافيك في زمن لم يكن يعني فيه ذلك سوى شح الموارد والتصادم مع الغباء.أفكر فيه وأقول في عقلي: طيب هأسأل عليك إزاي دلوقتي أنا يا أستاذ محيي؟

———————————————————————————-





Enhanced by Zemanta

لعله عاش

قراءة 


في الطريق إلى المطار، قبل أن أركب التاكسي من خارج المدينة، لمحت عجوزاً كأنه قابل للكسر

يقف منكّس الرأس قليلاً وجنبه للسور، مواجهاً أحد المعابر المقوّسة

والآن في كابينة التدخين، وسط أرجوحة الهبوط والإقلاع

أيادي الضباط السارحة كأنما بشهوة مكبوتة على ملابسي المتسخة

وأضواء اللافتات المتحولة

كيف رضخت لنخز حامل حقيبتي وهو يخب على بلاطات رمادية بحجم الكف، فلم أقف لأبادل هذا العجوز حديثاً

أو أنظر في عينيه نظرة كاملة؟

مستويةً على رأسه وثابتة، رغم هشاشة هيكله التائه في بقايا بدلة «شيك»، كانت صينية مستطيلة، أدهشني خلوها من الأكواب

ورأيت في يديه المرفوعتين إلى وجهه ورقة

كأنها إحدى تلك النشرات الطبية التي يدفسونها في علب الدواء

لم يلتفت غيري إلى العجوز. إنه إذن من أهل الحي. لعله عاش حياة ليست سيئة كلها، قلت لنفسي، لعله أنجب جيشاً واشترى مزرعة

لكن كم أندم الآن أنني لن أراه ثانية، لكي أُسكت الشك الذي يدمدم في صدري منذ أشعلت السيجارة، بأنه نسخة من أبي

أبي الذي مات قبل عشر سنين. كأنهما فولة انقسمت نصفين

Reblog this post [with Zemanta]

كل أماكننا

جاءوا بالليل. كانوا ثلاثة، لا أعرف سوى واحد منهم (لعلني دعوته إلى إحضار الآخرين ونسيت). وقفوا في الصالة الخالية يجيلون النظر في أرجاء الشقة التي شغلتها عاماً دون أن أفرش إلا غرفتها الوحيدة – تلك المساحة الصغيرة المحتجبة جوار الحمام – ولم يخطر لي يوماً أنني سأشهد نهايتها على هذا النحو. عام في العاصمة الإماراتية، لم يكن إعراضي عن فرش الصالة خلاله بخلاً بقدر ما كان كسلاً وتوقاً للفراغ. كنت مرتاحاً لفكرة البقاء في حالة مؤقتة، مكسورة. وتحججت، مفاكهاً، بأنني أتمثل إمارة أبو ظبي رمزياً في تقسيم سكناي: الصالة هي ذلك الجزء الذي تحتويه الإمارة من الربع الخالي، والغرفة المفروشة واحة العين، أما الحمام فجزيرة أبو ظبي المحاطة بمياه الخليج. (أزحت بقية الإمارات إلى المساحة المتاخمة للممر الخارجي.) وكنت إذ أحادث الحبايب تليفونياً من فضاء الصالة بالليل، أضحك من قلبي حين يلحظون ترديد الصوت ويقولون: كأنك تتكلم من وسط الصحراء

لوهلة – وأنا بصدد استقبال زواري الثلاثة – تحولت ملحمة الشقة البدوية إلى مفتتح رواية مُقبضة كأنها «محاكمة» كافكا: من هؤلاء؟ وبأي حق يغيرون على بيتي بهدف تفريغه؟ لعلني تناسيت، بما يتناسب واللحظة الغنائية – فها هي مرثية مكان آخر مفقود بدأت أكتبها في عقلي – أنني طلبت منهم أن يأتوا وأن يحملوا أثاث البيت القليل إلى الخارج مقابل ثمن بخس أحسن من لا شيء، وأنه جانب من الاستعداد لمغادرة الإمارات، تلك الحالة المكسورة، إلى مكان أكثر ثباتاً وديمومة في القاهرة. ليلتها نمت على الأرض محاطاً بكتبي وثيابي وليس سوى فانوس خافت يضيء الواحة التي ذابت في صمت الربع الخالي وخوائه بلا تلفزيون ولا كرسي ولا مكتب. حتى غلاية الماء أخذوها، تذكرت حين عنّ لي أن أعمل قهوة فتوجهت عفوياً إلى «رأس الخيمة» كما اعتدت أن أسمي المطبخ. وكنت أعد الورقات النقدية القليلة – ثمن عام من الألفة – فأجدها، عملياً، لا شيء. غصة أصابتني وأنا أنزلق في نومتي الأرضية شيئاً فشيئاً هي التي أكدت لي كم باتت عيشتي في هذا المكان، عكس ما نويت، مستقرة وسائغة. فاستعدت أماكن أخرى شغلت كلاً منها عاماً أو أقل أو أكثر: شققاً وغرفاً وأنصاف مساكن، في بيوت أو فلل أو أبراج، مزودة بالمدافئ أو (مثل شقتي هذه) بتكييف الهواء، غادرتها – مثل الآن – لأسباب وجيهة، أوجهها حاجتي الدائمة إلى المغادرة. وطمأنت روحي بأنها ليست مفقودة كلها: كما يبقى معي شيء من ألفتها، لا شك أنها هي الآخرى ستحفظ شيئاً مني، تلك الأماكن. لم أصدق حين انتبهت على دموع لم أكن قد توقعتها أبداً، وأنا راقد على أرض «العين»، أبكي إمارتي

من كتاب يصدر قريباً عن دار العين

سفر الوجوه

سَفَر الوجوه

2.L

«فكل ضد خلاف وليس كل خلاف ضد» – ابن عربي، «كتاب الأسفار»

ممسكاً بزمام الأمور، يبدو أبي رومانسياً في صورة بطاقته العائلية. أعرف أنه لم يكن يحملها أثناء مسيره في شوارع القاهرة – هل كان الإعراض عن حملها إيماءة تحدٍ مجهضة؟ – فعدم حملها ذلك لم يخفف وعيه بالمجتمع البوليسي. من غير وثيقة مختومة – يقول – يظل إنسان هذه البلاد عرضة الإلغاء المادي. (استنتجت أنه يقصد الاعتقال أو التصفية، في العموم: إحدى حلقات سلسلة لانهائية من التنويعات المحتملة على هذين المصيرين، واقعاً أو خيالاً كابوسياً في عقله.) وكأنه لم يسمع أن هناك ضباطاً يمزقون البطاقات في وجوه أصحابها، بغض النظر! كنت أحس، عندما أفكر في كلام أبي، أن تمزيق البطاقة لا يعدو أن يكون مسرحة لفعل الإلغاء المسيطر على عقله، على مستوى رمزي. لكن الخلاف بين الإعراض عن الشيء والإيمان بضرورته رسّب شكاً، راكمه أكثر من تناقض، في انفلات الزمام من قبضة الرجل العجوز. (لم أعهد أبي مرة يحمل تحقيق شخصية، لكنني لليوم أكاد أسمع صوته: «إوعَ تمشي في الشارع من غير بطاقة!») إن أمامي أقل من عام حتى أولد، وقت التقطت الصورة، سنة 1975. وأظن، من هذه الناحية، أنها وثيقة الصلة بوجودي، كونها جزءً من أول بطاقة عائلية يستصدرها الرجل الذي أنجبني. ومع هذا، من شأن نظرتها الحالمة – «رومانسيتها» غير المتوقعة هذه – أن تجعل الشخص الذي يطالعني فيها مفارقاً لذكرى أبي في اضطرابه وانطفاء عينيه: زوج يتحايل على الحياة العائلية بالنوم أطول وقت ممكن، ولا أراه يلمس المرأة التي يعيش معها أبداً، أو يعبر عن أي مشاعر تجاهها. كانت أشياء بيولوجية، كلها – آثار مرض السكر على أطرافه والشيخوخة المبكرة في وجهه، أو نمطية علاقته بعالم نادراً ما يتجاوز حدود شقتنا – تلك التي صاغت معرفتي بأبي. ولفترة أطول مما يجب، بسببها، ظلت صورته الذهنية (ذكراه) أصدق من صورة البطاقة. على أن الوجه الرومانسي، بدوره، كشف عن أبعاد مجردة. أصبح النظر إلى البطاقة بمثابة رؤية أبي من بعيد، أو من خلال شاشة تزيل وطأة السنين عن وجهه. في البطاقة كان وجهه، بمعنى شخصي جداً، يتأطر. حتى استقر في مكان خاص من رأسي تحوطه فراغات مستطيلة. أصبح أول بورتريه.  فالبورتريه – هذه شطحتي – هو المساحة الملتبسة بين صورتين: واحدة على ورق أو قماش، والثانية في المخزون البصري للرأس. تعريف مبدأي، إذن: أن أسأل نفسي، وأنا أقيس خبرة حاضرة على معرفة توجع، أيهما أصدّق؟

شيء في صورة البطاقة يشعرني أنه نفس الشخص، بيقين متزايد: سحبة الخدين على بشرة خالية من الشعر، ربما، أو تفصيلة في علاقة الحدقة بالشفاه تنقل إحساساً كلاسيكياً بالشجن. في التواءة الفم، تدريجياً، يمكنني أن أرى كل شيء: سقوط النظرية وإخفاق الحب، قابلية تحول المرارة لاستجداء… سلوك طفيلي، ذلك الأخير، يريحه من الأعباء اللحظية بإحالتها على أمي ويبديه ضحية. أعتقد أنه أتقن الدور لدرجة الالتباس. أصبح ذلك الشخص-الضحية بالفعل. ومن ثَم الاستطراد الدائم، بنفاد صبر (يستند إلى أن في جيبه تشخيصاً بالاكتئاب المزمن): «أنا مريض»… بوادر التعبير الذي عقّد مراهقتي، بعبارة أخرى: انتظار الموت. يمكنني أن أرى، بدقة، نموذج الفرد المسيّس أيام جمال عبد الناصر. لم تبق هواجس التعذيب والتجسس مسماراً في حذائه بالضبط. صار دوامها، بالأحرى، أشبه بملابسه الداخلية. وتحولت من الألم النبيل الذي يطالعني في البطاقة إلى ذلك التشنج المدبب في الوجه، ذلك البله الظاهري الملازم لانزوائه. في التواءة الفم – أقول – مساحة للنظر إلى صورة البطاقة، ليس باعتبارها نسخة من ذكرى أبي، ولكن كرمز أقل بشاعة لما تدل عليه. في النظرة الحالمة نفسها، ألمح وجعاً لم يكن ليقترن بالتذكر. ومع هذا، يؤدي التجريد – تجريد الأبيض والأسود، أيضاً – لمواجهة أعنف أثراً من صورة كارنيه نادي الصيد، مثلاً، حيث الألوان وتزامن اللحظة وتطابق مزعوم مع الواقع يعكس الصورة الذهنية، على السطح. حضور أبي يتضاءل، في تلك الأخيرة – على الرغم من أنها تقنياً أقرب إلى واقع ذكراه بالفعل، وهو التناقض الذي يؤكد إيماني بأن البورتريه في جوهره اختراع أو تخيل – ما يؤدي، في النهاية، إلى تعريف ثانٍ: أن أجفل وأنا أنظر إلى صورة مختلفة عن مرادفها الذهني، يمكّنها اختلافها من أن تجعل ذلك المرادف يوجع.

«العيان يغني عن البرهان» ابن عربي، «رسالة لا يعول عليها»

البورتريه – وهي فكرة حاضرة في كتابات رولان بارت وأحاديث رتشرد أفدون – أقرب إلى لقناع من انعكاس الوجه في المرآة. في صورة البطاقة قناع مجرد من اللون والملمس – مجرد، أيضاً، من أي دليل على الوجع – يحمل كل أسباب التعرف على أبي. ولا شك أن لهذه الحقيقة صلة بأنني عادة ما أتطلع للبطاقة – ليس لكارنيه نادي الصيد – كلما راوغتني ملامحه. هكذا أفضّل أن أراه؟ فقط – أحس – هناك فرصة أكبر لاجترار معرفتي. لسبب أو آخر، بالإضافة، تبدو حقيقة الخبرة أوضح على مسافة. أتذكر، وأنا أنظر لصور أبي الأبيض وأسود، بالذات، أن هذا هو الأثر المادي للضوء الطالع من وجهه، في لحظة ماضية. وببراءة أعيد اكتسابها كل مرة، أستوعب أن الضوء – أثر الضوء على أسطح معالجة كيميائياً – هو كل ما يبقى من جسده، فوق الأرض. فن البورتريه (أو هكذا يقول أفدون) هو استعراض، وكأي استعراض، في توازن تأثيراته يظل إما جيداً أو سيئاً، ليس طبيعياً أو مصطنعاً. أستطيع أن أفهم كيف يمكن أن تكون هذه الفكرة مزعجة – أن البورتريه ليس سوى استعراض مختلق – فهي توحي بأن نوعاً من الصنعة يداري حقيقة الشخص المصوّر. ولكن الأمر ليس كذلك. أنت لا تستطيع أن تبلغ الجوهر، الطبيعة الحقيقية للشخص الذي تصوره، عن طريق إزالة السطح. السطح هو كل ما عندك. ولا يمكنك أن تفعل أكثر من أن تعالجه – الإيماءة، الرداء، التعبير – على أن تفعل ذلك بشكل جذري وصحيح. كونها تسجل شيئاً رهن لحظة التسجيل – عند بارت – الصورة الفوتوغرافية تبقى مرادفاً للموت. تشغلني هذه الفكرة، ليس بالرجوع لصور الموتى (أبي)، ولكن من زاوية أن الفوتوغرافيا، وبطريقة تميزها عن التصوير الزيتي، مثلاً، تحمل سمات تحقيقية، فكثيراً ما كان يؤكد أفدون – في وجه انتقادات «ضحاياه» – «أنت كنت هناك، لا يمكن أن تقول: ليست هذه صورتي.» الصورة أثر مادي، ليست مجرد تمثيل ذهني. ولكنها، وبنفس المنطق، تتعامل مع أشياء من الزوال والهشاشة بحيث لا يمكن أن تنطوي على حقيقة ثابتة. تبقى «عياناً» – بلغة المتصوفين – خلاف «برهان» العلم الديكارتي. أقصد أن حقيقتها شيء يُحدس أو يُحس، ثم يُؤوَّل، ولا يمكن إثباته أو نفيه. الخلاف بين الصورة الذهنية لأبي وصورة بطاقته الشخصية، إذن، لا يجب أن يقسم خبرتي البصرية به إلى ضدين. على العكس، لعل الخلاف مجالاً لـ(إعادة) النظر أكثر وأكثر. اجترار معرفة اكتسبت مصدراً جديداً وغير متوقع (رومانسية النظرة). فالشيء الوحيد المؤكد، على السطح الفوتوغرافي، هو ذلك «الوهم» الذي يصفه أفدون: «هذه التدريبات، هذه الاستراتيجيات، هذا المسرح الصامت، إنما يحاول أن يوجد وهماً: أن كل ما تجسده الصورة حدث بالفعل، أن الشخص الموجود في البورتريه كان دائماً هناك، لم يقل له أحد أين يقف، أو يشجعه على إخفاء يديه. أنه، في النهاية، لم يكن حتى في حضرة مصور.» أما البقية ففضاء مفتوح لتأويل الناظر (وطبقاً لمقدار وطبيعة المعرفة التي يجيء بها إلى البورتريه، من قبل أن ينظر إليه، سواء كانت معرفة بالشخص الذي تم تصويره أو بالظروف المحيطة به، بالمجال الذي صور فيه، مثلاً: مجتمعه، أو غرضه وغرض المصور من الصورة).

كانت مُعلمتي الفوتوغرافية الأولى – وتخصصها البورتريه، رغم أنها أتت إليه من خلفية صحفية – تؤكد أن معرفتها بالشخص الذي تصوره دائماً ما تؤدي إلى صورة أفضل. الكاميرا – تقول – من السهل أن تتحول إلى عائق يحول دون التفاعل الإنساني بينها وبين شريكها في العملية الإبداعية. إنها تصور بعينيها وقلبها، وبعقلها أحياناً، من قبل حتى أن تزيل غطاء العدسة استعداداً لتعريض الفيلم. على أن معلمتي هذه كثيراً ما كانت تختزل المعرفة المطلوبة إلى ساعة أو ساعتين هما مدة لقاء صحفي، بحكم ظروف عملها، الأمر الذي زرع في نفسي شكاً مبكراً في جدوى كلامها على امتداده المنطقي. صدمني، فيما بعد، أن أقرأ حديث أفدون عن أن أفضل بورتريهاته هي لأشخاص لا معرفة له بهم خارج لحظة التصوير. أنت تصنع (بدلاً من أن تأخذ) صورة – كما تقول معلمتي – لكنك لا تملك من مادة خام (في هذه الصناعة) سوى سطح متغير، قد يساعد على إثبات أو نفي فكرة تريدها – أن الجبهة العريضة دليل الذكاء، مثلاً، أو أن الفقراء ملابسهم مهترئة – لكنه لا يفعل ذلك إلا مصادفة، خارج السياق «المحايد» للعملية الفوتوغرافية. ومن ثم يعالَج بتقنيات – مهما كانت بريئة – ليس من شأنها أن تتفاعل مع المعرفة الممكنة. المهم هو إلى أي حد يمكن أن تكون محايداً؟ وإن كنت محايداً لحد يبرر خطاب التفاعل مع الواقع – في مقابل خطاب مقاربته بالرأي الذاتي والخيال – فلماذا تريد أن تصنع صورة أصلاً؟ المهم – أقول – أن تؤدي الصورة وظيفتها، ما بين التوثيق الرسمي (في العمل الجنائي، مثلاً، أو في بطاقة أبي العائلية) والتواصل البصري. وفي كل مرة تؤدي فيها واحدة من هذه الوظائف، على حد قول بارت، تصبح الصورة موتاً آخر للحظة أخرى، أو رسالة نبوية من عالم آخر مستقبلي. أعتقد أن اهتمامي بالبورتريه ينبع أساساً من هذه الفكرة…

«لا تدرك الأبصار الهواء لكونها سابحة فيه»، ابن عربي، «رسالة إلى الإمام الرازي»

قبل أن يخطر لي موت أبي كاحتمال فعلي، ونتيجة اقتراح عابر من قبل المخرج المسرحي حسن الجريتلي، قطعت مسافة كيلومترين أو أكثر قليلاً من بيتنا خلف ميدان الدقي إلى قاعة أفق-1 بمتحف محمود خليل – مشياً – لأنظر إلى مجموعة بورتريهات قديمة. لم أكن أعرف عنها ولا حتى اسمها المصطلح عليه – «بورتريهات الفيوم الجنائزية» – ولم تكن نظرتي محملة بغير ادعاء شاب لم يكد يمر بمراهقته الصعبة، ذهب – بناء على نصيحة «فنان» أكبر يرعى موهبته المفترضة – ليتعاطى «الثقافة» في متحف. لكن الحدث الناتج عن رحلتي القصيرة تجاوز النص الذي كتبته إثر ذهابي (حيث تحايل أبي الروحي علاء الديب على تبويب مجلة صباح الخير ليجد له مكاناً فيها). كان حدثاً، كما ثبت، بغض النظر عن النص. فهذه أول مرة أقدر الفن التشكيلي بالعيان في مقابل البرهان (إن أردت). ظلت تطاردني بورتريهات هوارة – والصورة التي تكهن المؤرخون بأنها لمصري يدعى ساراباس، على وجه الخصوص – لدرجة أنني خفت منها، في الشهور التالية. وبال٫ات بعد أن عرفت أن الغرض من رسم هذه البورتريهات أن توضع داخل الخرطوشة التي تحفظ المومياء في مكان الرأس. لم تكن فكرة الرحيل عبر الزمن – ولا حركة المشاعر من الاستغراب والتربص إلى الصحبة والسكينة – تعبر، مع ذلك، عن التجربة. في القاعة المظلمة – كانت خالية تماماً عندما دخلتها، فاختلط خلوها بالجو المكيف والتصميم الحديث ليشعرني أنني في مركبة فضائية – لم يظهر شيء. خطوت بحذر بين حوائط منسابة حتى اضطررت للاستدارة. وبطرف عيني لمحت بؤرة ضوء، فجأة: كان شخص ينظر إلي بعينين كبيرتين جداً، مفتوحتين فيما يشبه العتاب. وهكذا ظلوا يطلون من مستطيلاتهم المضاءة، كأنهم يتابعونني بعيونهم. وكلما نظرت لأحدهم أشعر، بيقين لا يمكن أن أكون قد اختلقته، أن هناك أحداً معي في المكان. شخصاً من لحم ودم، راعني أن يكون قد عاش منذ أكثر من ألف عام. ففكرت في تاريخ بورتريهات هوارة: قرن ونصف – تقريباً – لا يعدو أن يكون لحظة عابرة. شيء استثنائي بالكامل… أن يُستبدل هيكل الوجه المفرغ على خرطوشة المومياء – القناع ذا الملامح الموحدة – بلوح خشبي مرن، فوق سطحه نماذج على آخر تطور للمدرسة السكندرية «الطبيعية» في رسم الوجوه. (عرفت، مؤخراً، أن معلمي هوارة يقفون من العبقري الإغريقي أبلس موقف التأثيريين من النهضة الإيطالية)… ولا يهم، في المقارنة بين الفوتوغرافيا والرسم – وعلى سيرة الموت، بالضرورة – إلا ذكر النظرية القائلة بأن البورتريهات أنجزت بالشمع الساخن، الأمر الذي يستدعي من السرعة في الأداء (بالإضافة، ربما، إلى استخدام عدسة تعكس الضوء على السطح الذي يعالجه الرسام) ما يوازي مدة التبادل في إحدى «جلسات» أفدون أو طلعات معلمتي الصحفية، وبغض النظر عن كون هؤلاء المعلمين يؤمنون، مثل الأخيرة، بأهمية التعرف على الزبون أو لا. المؤكد أن أحداً منهم لم يكن يعرف زبونه. لكن الأهم من كل ذلك أن هناك اتفاقاً عاماً على أن قوة تأثير البورتريهات تكمن، ليس في مطابقتها الفوتوغرافية للواقع – وإن كانت تقاليد أبلس قد ساعدت على تحقيق واقعية باهرة – ولكن في اعتمادها لوحة ألوان رباعية لتحقيق درجة من التجريد جذرية وصحيحة، تماماً كما تنبع قوة البورتريهات الفوتوغرافية من كونها تعتمد درجات مشابهة من التجريد، سواء من خلال اختزال الرؤية إلى الأبيض والأسود أو معالجة السطح الذي هو موضوع الصورة – الإيماءة، الرداء، التعبير – الأمر الذي يعقد في ذهني صلة وطيدة ما بين حدث الذهاب إلى متحف محمود خليل والانبهار بأعمال نادار وأوجست ساندر ثم أفدون، ضمن أسماء أخرى (وعلى الرغم من أنني لم أر من تلك الأخيرة إلا نسخاً أنجزت على خط إنتاج طباعة تجاري، تبعد في معظم الأحيان عن الأصل ببضعة أجيال). البورتريه، إذن (سواء أنجز بالفضة أو الصبغة المذابة في الشمع أو الزيت): أن أشعر بشخص ميت معي في الغرفة، وأنا وحدي هناك.

عزيزي ساراباس

ظللتَ معلقاً على حائط غرفتي شهوراً فمتى أُزلت؟ لا أذكر. لم تكن سوى بوستر رخيص، في النهاية، حمل شيئاً من هيبة وجلال موميائك رغم كل شيء. أفدون يقول إن تاريخ الفن هو أيضاً تاريخ الأزياء – على سبيل تبرير عمله التجاري – فهل كان رداؤك الروماني «على الموضة»؟ متى أُنجزت صورتك؟ كيف عرفت أن تنظر إلى الرسام بذلك المزيج المثالي من الحضور والغياب؟ لعله كان صائماً حين أقبل على عمله – فمن عادة تلك الأيام البعيدة أن لا يدع الفنان شبع الطعام يحول بينه وبين المهمة المقدسة التي هو بصدد إنجازها – ولعله تمكن، وهو ينظر إلى نضرة وجهك الذي يبرق بالحياة، من الولوج إلى جمجمة محنطة. منذ أول لحظة وعيناك تقولان: أنا هنا. هل يفرق معك إلى هذا الحد، أن أتعرف عليك؟ لا شك أنني كنت أفكر فيك عندما ألّفت لصديقي السينمائي مقاطع مستلهمة من النصوص القديمة، حتى يدرجها في عمل وثائقي عن وجوه الفيوم. هل كنت على حائط غرفتي حينذاك؟ كنت أعرف أن عبقرية نادرة حفظت منك الدليل، وأنت ميت. أصبحت صديقاً حاضراً وأنت، بالمعنى الحرفي، تراب. كنت قريباً جداً، لا؟ وتأكد أن المسافات الزمنية، مهما طالت، لا تفصلنا عن بعضنا البعض بالقدر الذي نتخيله.كل هذا الحزن والإصرار في عينيك. صدقني، يا ساراباس (وحتى إن لم يكن هذا اسمك، في الحقيقة): لقد عرفتك جيداً.