حوار مينا ناجي: الصياغة الأخيرة

٦ نوفمبر ٢٠١٠

هل لابد أن ترتبط هوية الكاتب بمكان جغرافى وتاريخ محدد؟

أرى أنها على العكس لابد أن لا ترتبط، لا يصح أن تكون الكتابة مكبلة بفكرة انتماء لمكان معين أو حتى زمن معين. الانتماء لمكان وزمان يكون حاصلا رغماً عنك. سهل جداً أن تقع فى فخ سياسى أو غير أدبى، غير أدبى بأى معنى، ليس من الضرورى أن يكون سياسياً، لو أنك ربطت بين كونك تنتج أدباً وفكرة أن هذا الأدب له مكان أو له زمن أو له أى نوع من أنواع الانتماء.

  Continue reading

أحمد ندا: حبس انفرادي مع اكتئاب مزمن

أفان تتر:

تدريب خاص على إتقان الخسائر

خاصة فيما يتعلق بالأنا العليا

دورات مكثفة في تحمل المرارة

wpid-2013-03-2103.31.30-2013-03-20-17-55.jpg

علب غير قابلة للاستخدام

هذه العلب البشرية التي تحتل الشوارع مدارية شهواتها في شجارات لا تنتهي إلى شيء..صوت الثواني وهو يتكتك في دوائر جوفاء..الكلاكسات تستخدم سبابها المنغم بينما تتكسر الأضواء مرتجفة من كلهذا الصخب

لست قادرا على الاحتجاج إذ تتوارى بلاغتي وراء فكرة غير محددة يسميها العرف “غشاوة” أنا أحدث حينما يهدأ الإسفلت وتخرج الموسيقى من وقع الخطى

الأرواح الثاقبة لا تختبر جنونها كثيرا لكنها تنتشر في أضلاعي لأقص على الغرباء مايبقي علي.. فأحدث في كل مرة يراني سافكو الدماء وبسخرون مني

إنني أبدأ بالغناء عندما أجد الرقص الذي يعرف أغنيتي..يحدث هذا فور دخولي في ثلث الليل الأخير بكأس ويسكي ووحدة مسالمة

عندها أقول للعلب البشرية التي تحتل الشوارع: هذه نفسي خالصة لي..فاتركوها

wpid-2013-03-2103.31.13-2013-03-20-17-55.jpg

حطابون

فقدت الطريق إلى عزاء عائلي

لأقابل ناقدا يتحدث عن الدلالات المتوارية في نصوص سركون

وصديقا يثرثر في فضل السرد على الشعر

ومحنطا يبحث عن ستالين في وجوه محايدة

علي أن أجوب الشوارع الآن

أخلص نفسي من وساخة الأفكار

وأفكر في قوانين أخرى

غير العدالة

التي جرجرها الفلاسفة كجاموسة الذبح

الحطابون أيضا يفكرون في قوانين جديدة

مسالمون لأنهم غير حقيقيين

هل رأى أحد حطابا إلا في القصص المصورة؟

يبتسمون دائما ويقابلون الجنية الطيبة

ويقطعون الأشجار للتوابيت

حيث حفنة من الموتى

يفترشون العزاءات

فيما أنا عالق في الفراغ

wpid-2013-03-2103.28.58-2013-03-20-17-55.jpg

بذاءة

أخذت نصف شرائط الحبوب من صيدلية البيت

ربما أحصل على موت هادئ

خال من التفاصيل الملحمية

إلا أنني نمت ليومين متتالين

رأيت جنودا وأوركسترا

يعزفون بداخلي

وأنا أشد وثاقي بالصياح

لأربك المشهد

لا أتحكم في المارشات

والرصاصات تتحول إلى طين يلطخ الجو

كنت بعيدا عني

وثمة رؤوس مهشمة تتطاير

حاجبة عني الشمس

كنت عرقانا أتهالك من أوكتافة تصم أذني

لن أتكلم

لن تضربني الزلازل وإن تداعت الأرض

أنا الذي أتداعى

غير مستمسك بالبقاء

أمشي على رأسي

والسواعد تتراص من حولي

تساعدني على الاتزان..

رأيت ماء البحر يغلي

كأنها القيامة كما حدثوني عنها

ربما حانت الساعة التي أقيء ما أكتمه…

لم يعد لدي ما أخسره

أتجرع الترامادول بانتظام لم أفعله مع الصلوات الخمس

اليوم أجرب أدوية القلب والسكر والاكتئاب معا

وأترك رأتي تحت رحمة الدخان

مايعرفه الجميع

أنني مأخوذ من حياة مرسومة سلفا

غير أني قتلت أهلي

وانتظرت مكافأة الفراغ

ما أعرفه

أهوال صغيرة

وقمصان مقدودة من دبر

بينما أنا عاري الجذع

أقاوم بذاءة كوني أتألم

وأسخط على كل شيء

أنهب البهجة من أي فكرة

فتفسد

لقد رأيت ما لا أريد

ولم يبق لي

إلا أن أنتظر

سريان السم في عروقي

دون تفاصيل ملحمية

wpid-2013-03-2103.28.24-2013-03-20-17-55.jpg

في منتصف العمر تماما

يمر على عمره الجلادون

يحولون أشجاره إلى إسفلت وخيبات

تتبعه الأفواه

محدثة ضجيجا هائلا

-بالكاد يتلمس صوته-

يداه صفر

قروحه تتعاظم

-بالكاد يعرف نفسه-

رأى ذاته أمنية تتضاءل تدريجيا

كما يتضاءل البدر بعد منتصف الشهر

لم يعد قادرا أن يقترب

حتى استوطنه البعد

فاندمل عمره مشوها

والعلامات على قرب النهاية

تتبدى في تفسخ أعضائه

والجهامة التي رباها للجلادين

تكسرت عند أول آهة

يقولون له: هل جربت الطيران؟

-أجنحتي أضيق من السلامة وقدماي لا تتحملان الهبوط الاضطراري

-هل تسلقت جدارا يطل على ناس طيبة؟

-الأنفاس التي تتكاثر حولي تصيبني بالغثيان

-هل تقترب من الله أو اعدائه بحذر؟

-أنا لا أعرف أحدا

-هل تخاف من الليل؟

-بعدما غفوت نسيت أن الليل يناسبني

في منتصف العمر تماما

أراد أن يقتل جلاديه

لكنه اكتفى بالجلوس

wpid-2013-03-2103.28.06-2013-03-20-17-55.jpg

هروب

يقف قبالة حياته ويترقب أقل بادرة تأتي منها

غير أنه لا يمسكها ثم يختفي وراء ظله

-ربما خطفته النجوم أثناء سخطه على الليل

-ربما شرب خمرا فاسدة فأصابته بقرحة ودم متجلط على جدران القلب

-ربما استقبل النوائب دون جزع

-ربما تسرب من شقوق العيون دون بقايا ذاكرة

-ربما لم يشعل سيجارة لإكمال الكليشيه

-ربما كان فأرا أو بوذيا أو عابرا جانب أنهار متخيلة

المتواتر أنه مد خطا بينه وبين الانتحار

لكن حياته التي تقف قبالته

تعرفت على صوته

من مرارة قديمة تعتقت إثر تتابع الأيام

قبل أن يتكون ظله

ويهرب إلى العدم وحيدا

wpid-2013-03-2103.27.57-2013-03-20-17-55.jpg

مساء راكد

حين فشلت المهدئات في إقناعه بالعدول عن المضي، حزم قصائده ونصف ذراعه اليمنى، مر على منفضة رفسها ورأى وجهه يتشقق على مرآة كانت لفتاة، تركت -مع مرآتها- حبوب منع الحمل وتذكرة سينما..أمسك سكينا -اعتاد أن يرشقها في إطار الباب-وقطع أنفه، وضعها في جيبه مع روائح آخر عامين، حيث يحتفظ بسخريته تامة دون استعمال. شق جسده نصفين، وكوم نصفه الأيمن تحت سرير متداع مسوس الأخشاب، ترك رأسه كاملا ومضى إلى الشارع، حاذى الرصيف هروبا في أياد وحيدة قد تسرق أسنانه والباقي من شعره، اتجه إلى سوق القصائد مقايضا ما يملكه منها بعام جديد اشترط على البائع أن يكون طازجا دون روائح خراب أو بكاءات ليلية.. وبعين واحدة وذراع يسرى كاملة، جلس على قارعة الطريق يخترع القصائد المغشوشة ليقايض بها أعواما أكثر فخامة، لكن رداءة صنعته ألزمته المهدئات…

wpid-2013-03-2103.27.49-2013-03-20-17-55.jpg

متذرعا بكتابة القصائد

قال لي راكب المترو: إن ملامحي المتوترة تبعث على السخرية لا الرثاء

سمعته وأنا أقضم أظافري بانتقامية كآكل لحوم بشر

كنتُ واقفا أدهس حياتي بكذبات متلاحقة

متخيلا سعادة ستفاجئني غير مشوشة

وعندما تأتي سأحكي للجميع عنها

مع بعض الإضافات الحريفة

مباهيا بما لم أتعب فيه

.إلا بمقدار خيالات الانتظار في المواصلات العامة

مدمنٌ على التهيؤات مثلي

لابد أن يجبُن أمام الواثقين

ويتوه على بُعد خطوة من الثبات

ولولا حب راسخ في حياتي

لكنتُ الآن على مقربة من جنون لا يداوى

قال لي راكب المترو: بك قسوةٌ لا تليق بشاعر

فوددت لو أصفعه، وأعض أذنه التي تركت نفسها تتسلل في مكالمتي الهاتفية

لست قاسيا، بل ضائع كطفل لا يكبر

وددت لو قلت له: كس أمك

إلا أن نظراتي قامت بالواجب وزيادة

لا يكلمني أحدُ في المترو

هي كذبة أخرى أدبج بها مرثية جديدة

ولهذا لا أتذكر متى عرفتُ حياتي بلا إضافات صناعية

بصراحة أكثر

لا أعرف متى بدأت أزيف هذه الحياة

متذرعا بكتابة القصائد

wpid-2013-03-2103.27.31-2013-03-20-17-55.jpg

أوتاد

دقوا أوتاد شكوكهم في صدري

حين اعتبروني نوعا نادرا من المقاومة

فيما مضى

كنت المدعو الدائم على موائدهم

أو نديم سهراتهم المفلسة -إن شئنا الدقة-

سموني نجمة مطفأة

وأحيانا أحمد في لحظات الرضا

مع أني جديد في مسائل الصمت الطويل.

فشلت في جمع الثروات

حتى الافتراضية منها

كأني على سفر دائم

وقبل أن تأخذني سكك متفرقة

-لكل سكة جزء مني لا يرجع لأسباب تتعلق بالعطب-

هيأت صدري لدق الأوتاد

محافظا على جزء من رئتي

يأكله الإهمال..

أستعين بالمعجم

على مهام الخروج إلى الناس

وأطوع يدي على الانشغال

بالأفكار المجردة

للهروب من فخاخ الفضائح

الطيور أعقل مني على ما يبدو

لكن اعترافي بذلك

يحتم علي استقبال الأوتاد

باستسلام

من هنا بنيت كوابيسي

مرتبة أبجديا

حيث أنفرد بانعدام المفاجآت

خرقة من العبث استحالت إنسانا

في مزحة إلهية سمجة

ثم أعاتب بعد ذلك

على هبوطي إلى أسفل الدركات

كأنني من اخترت ذلك!

المضحك في الأمر

أن الأوتاد المغروسة في صدري

هي ما أملك أن أتحدث عنه

بمساعدة حبة مسكن قوية

وتجنب النظر إلى وجوه من أحدثهم

لست رقيقا مع الواقع

كي يكون رحيما بي

إذن فلأكف على الصراخ

wpid-2013-03-2103.27.18-2013-03-20-17-55.jpg

دعاء

جملوني بالستر يا أصحابي

الشبابيك التي فتحناها سوية

لا تطل على البحر

بل مفتوحة على وجوهنا القديمة

وقت أن كنا نتقاسم الألم

بحصص متساوية

خبئوني في قلوبكم

واجمعوني إن ضللت

هذه المدينة لن تعرفني أبدا

عددت أقمارها وبكائيها

وحاسري رؤوسهم عن الصبح

ينبغي لي حماية روحي من العطب

علموني الأسى كيف يكون موضوعيا

والشكوى كيف تصير ممنهجة

حتى لا أنهك أكثر

كل الكلام وشاية يا أصحابي

والجنون الذي يترفق بي لحد اللحظة

أصابني بالشلل

ألصقوني بالكلمات المناسبة

احكوا عني كحدوتة للعيال

أو انسوني

كما تنسون أسماء الشوارع

أنا واقف في آخر العالم

أتثاقل من كثرة الملائكة على كتفي

فمن يحملني سواي

صالحوني على ما سيبقى

أو عرفوني على العدم

حيث لا أخشى

مرارة تتابع الأيام

wpid-2013-03-2103.14.52-2013-03-20-17-55.jpg

Finale

كيف لي أن أصنع فرحا، وأنا عالق مع مضادات الاكتئاب

للتكيّف مع الأمور اليومية؟

محاولة الفهم كتعلم لغة جديدة

كالحب في بعض تفاصيله المعقدة

كرسم صورة بيد تتعافى من حادث عارض

أندمُ إذا رغبت في شيء

-أي شيء-

ثم أتشكك في كوني أقدر على الرغبة

وبسهولة أتعرّف على الذين سبقوني إلى هذه المعضلة

إذ أنهم صامتون وغاضبون

مثلي تماما

لا يطاوعني لساني كثيرا في انتقاد ما لا أحب

أتعثر في المصطلحات

والمظهر النخبوي لا يناسب جملي المتعثرة

أندهش ممن يتوهجون عندما يعرضون آراءهم

وأكتشف أنني آكل جيف ارتضى لنفسه الصيام

قبل خمس سنوات

كنت أقدر على الثرثرة لساعات دون توقف

وأنثر البهجة على من حولي

كساحر طيب في قصص الأطفال

اليوم

أكره الجميع دون تفرقة

حتى الحزن ابتذلته من تكرار استخدامه

وقبل كل هذا

صرت أخاف بلا سبب

متفاديا سؤال الناس عما يحرق روحي هكذا

*

أحمد ندا

بمناسبة ذكرى وفاته، صدور ترجمات سركون بولص عن الإنجليزية أخيراً

wpid-img_9251-2012-10-24-01-41.jpg
 

سركون عرّب
hippies
صوتياً
هيبيون؛
لكن كان عليه من ثَمّ أن يجد ترجمة مناسبة لـ
hipsters
وهي الأصل الذي انبثقت عنه الكلمة الأحدث، المرتبط بها والمختلف عنها في آن
وبعبقرية ملهَمة حقاً توصل إلى ترجمة مثالية جوهرها مفردة عربية معروفة
فأنتج كلمة على علاقة صوتية بكلمة هيبيين وبمعنى الكلمتين وإحالاتهما على حد سواء
هبائيون

 كتب عبد العظيم فنجان
أربعة مداخل إلى سركون بولص
2012-10-22
wpid-spacer-2012-10-24-01-41.gif
حامل الفانوس في ليل العراق

“شوهدت أرملة الشمّاس تغتابُ/زوجة َالكاهن في باب الكنسية من جديد/واستُدرج القمر الهائج من سمائه/إلى فخّه الآمن في كنف عباءةٍ سوداء/غطّى بها أبي/رأسَ الأبله الذي كفّ عن الارتجاف..” مقطع من نصّ “حامل الفانوس في ليل الذئاب” لـ سركون بولص (1944-2007).

تحلّ اليوم الذكرى الخامسة لرحيل صاحب كتب ” الوصول إلى مدينة أين”، و”الحياة قرب الأكروبول”، و” إذا كنت نائماً في مركب نوح”..شاعر بتجربة متفرّدة، الناظر إلى صوره “القديمة- الجديدة” يجد فيها الحضور المؤثّر والشخصيّة الودودة، ليس أدلّ على ذلك صداقاته المتعدّدة بشعراء ومثقفين أجانب وعرب وعراقيّين، ورحلاته المشتركة مع عدد غير قليل منهم إلى عواصـم ومـدن شتّـى فـي العالم، ومن ثـمّ ما تركه- بوفاته في برليـن- من أسى فـي نفوسهـم.

كلّما عدنا إلى دواوينه وعناوينها، نشعر فعلاً إنّه شاعر حلق خارج سرب الشعريّة العربيّة المعاصرة، بمسعى واضح لبلوغ قصائد مكتوبة بتأنٍ، مبتكرها عاش حقّاً “حياة كلّها شعر”. 

يخصّ الشاعر عبدالعظيم فنجان ثقافة “الصباح الجديد” بمادّة تضيء المناسبة التي احتفت  بها دار الجمل، عبر إصدار أربع ترجمات جديدة لنماذج من الشعر العالميّ قام بها الراحل سركون بولص، بعد الجهد الكبير الذي بذله الروائي والكاتب سنان انطون والشاعر والناشر خالد المعالي، حتّى تحقّق هذا المنجز…

wpid-img_9181-2012-10-24-01-41.jpg

المحرر الثقافيّ

أربعة كتب لـ «سركون بولص»: هذا ما أعلنت صدوره منشورات دار الجمل، بمناسبة الذكرى السنوية لرحيل هذا الشاعر العراقي الكبير، وهذا ما كان يؤرق الشاعر خالد المعالي صاحب الدار، الذي كان مصمماً على أن تكون السنة الحالية هي سنة سركون  بولص،  بعد أن أخفق ـ لحد الآن ـ  في تكريس جائزة سنوية باسم الشاعر الراحل بسبب عثرات مادية، وبسبب من المعايير التي يقترحها المعالي للمشاركة في الجائزة، التي من بينها السيرة الثقافية ـ الشعرية التي قد لا تتوافر إلا في نخبة نادرة من الشعراء العرب، وأعني: تحويل الحياة إلى مراس شعري وبالعكس، لكن من دون ضجيج، ولا بيانات طنانة بجميع الأشكال: تلك «البهلوانيات» التي لم يركب موجتها سركون منذ بدايته كشاعر له بصمته الخاصة في جماعة كركوك، حتى لحظة رحيله بعيداً عن أرضه الأولى: مسقط رأس أسد آشور.

الكتب الأربعة هي مختارات شعرية لأربعة شعراء ـ مروين، وغينسبيرغ، وتيد هيوز، وأودن ـ اختارها، وترجمها وكتب مقدماتها، الشاعر سركون بولص، وراجعها  ودقق مصادرها الروائي والكاتب سنان انطون.

إذا كان صحيحاً، وهو ما أعتقد، أن سركون بولص لم يكن يعبأ بعشبة الخلود، التي سلبت لب سلفه جلجامش، فإن جل ما كان يشغله، ويثر اهتمامه، هو الرحلة بحد ذاتها، فما العشبة السحرية إلا تلك الخطوات الشاقة من سفر طويل داخل الإنسان والحضارة الإنسانية، ومن تلك الخطوات تشكلت ملامح وخارطة سيرة لشاعر وصل إلى أقاصي الأرض لمقابلة اللا أحد، واللاجدوى شخصياً، لكنه في مروره على العالم، الذي هناك والذي هنا، توقف عند ينابيع معينة ليتزود بطاقة الهروب عن العشبة الوهم. هذا التوقف أسفر عن عدة كتب شعرية له، وعن أخرى تمثلت في الكتب الأربعة أعلاه، وهي مجموع ما ترجمه سركون بولص من شعر في حياته.

في العرض أدناه محاولة لرصد سركون الشاعر، لا المترجم، وأعني: رغبة شخصية في اجتراح مدخل إلى سركون بولص من خلال إيجاد علاقة ما بينه وبين كل من الشعراء الذين ترجمهم بحب وبحميمية، وهو جهد أولي ستتبعه جهود أخرى في الاتجاه نفسه.

wpid-img_9201-2012-10-24-01-41.jpg

الكتاب الأول: عواء قصائد أخرى

أول هذه الكتب ضم قصائد مختارة من الشاعر الأميركي (آلن غينسبيرغ)، وصلة سركون بولص بجيل البيت الأميركي، وقربه ومقابلته لغينسبيرغ، معروفة للجميع، لكن المهم ـ في تقديري ـ هو مدى ما يتيحه هذا الكتاب من مفاتيح لفهم تجربة سركون بولص في قصيدته: «حانة الكلب» المنشورة ضمن مجموعة (وأنت نائم في مركب نوح) حيث هناك الهجاء الضمر لأميركا، وهو هجاء سنعثر عليه أيضاً في مجموعة (عظمة أخرى لكلب القبيلة)، وما يهمنا حقاً ليس الهجاء كطريقة احتجاج وإنما جمالية هذا الهجاء التي تجلّت في النسيج اللغوي لقصيدة (عواء) الذي رفس البلاغة، وشائجها وحبالها الغليظة، وانحدر إلى قيعان الكلام اليومي حيث تتجلى الهوامش المنسية والعابرة لحياة الناس واضحة وعارية في بؤسها، ولا يمكن سترها. هذا العابر المنسي من الحياة اليومية العربية، هذا السباب لواقع الرأسمالية، وللقيم التي سيّدها الغرب على الواقع العربي، وصولا إلى الثقافة والشعر، سنجدها أيضاً، لكن بوشائج جمالية سركونية خاصة، في (حانة الكلب) وفي (السيد الأميركي).

ضم الكتاب أربع قصائد طويلة من بينها (عواء) و(أميركا)..

الكتاب الثاني : و. هـ . أودن 

قصائد مختارة

تكشف المقدمة التي كتبها سركون بولص لهذه المختارات عن ثوابته كشاعر، قناعاته في تحويل الشعر إلى موقف لقلب النظام المفاهيمي الذي يهيمن على العالم. كما أننا في تقديمه لأودن نقع على تقديمه لنفسه كواحد من هؤلاء الذين (يتطلعون نحو مستقبلٍ صعب لا يعترف بالتنازلات، ولا يمكن اقتحامه إلاّ بتفجير وسائل الكتابة من الداخل، أيّ في اصولها، عبر أشكال تعبيريّة جديدة مثقلة بالتحدّي في تعقيدها الذي لا يقف عند حدّ، وفي عنفها العاطفي الذي يحتقر «الاعتدال» ويطمح إلى اجتراح وجدٍ إنساني غير مقتصد في عناقه للمضامين والأشياء).

من المدهش أن نجد في قراءة سركون لأودن، وترجمته بالتالي، على الخط البياني

المتصاعد لقصيدة سركون بولص نفسه من انهماك بالمحلي واليومي إلى الصعود نحو العالمي، ومن استحضار الإنسان العراقي ـ عبر أساطيره وتاريخه المثقل بالدم ـ إلى التراث العالمي، ومن المفرح أن يكون «أودن» هنا حاضراً بلمسة شاعر يشاطره الهم نفسه واللوعة نفسها.

الكتاب الثالث : و . س.  ميروين قصائد مختارة

«إن إحدى مزاياه هي أنه الأكبر شهيّة، بين الشعراء الأميركان، في ممارسة التجريب وتقريب الحدود الفاصلة بين النثر والشعر» يقول سركون بولص عن مروين، الشاعر الأميركي شبه المجهول عربياً، والجملة أعلاه تعقد بينه وبين سركون صلة قربى متينة تتخلص في ذلك الدأب السركوني في تذويب الفواصل وبتقريب التناقض بين التفكيرين الشعري والنثري، هذا التقريب يتجلى واضحاً في عمل سركون منذ مجموعته الشعرية (الأول والتالي) حتى آخر مجموعة شعرية له.

ثمة صلة قربى أخرى، تكشف عنها ترجمة النصوص المختارة، تتلخص في تحويلهما ـ أي سركون ومروين ـ الأسطورة إلى مجال تجريب لموهبتهما الشعرية، وبالتالي إلى الغوص في تجربة المنفى، والموت والخلود، كما نلاحظ ذلك عند سركون في انصهاره البديع في الأسطورة الرافدينية: جلجامش خاصة، والطوفان والحروب التي اجتاحت المدن العراقية منذ قديم الزمان، والذي يقابله ـ أي الانصهار ـ العناية بالأساطير الاغريقة عند مروين (حيث وجد في موضوعة البحر، وأسطورة أوديسيوس مجالاً واسعاً لتجريب ملكاته الشعرية وتعريضه لمحنة التعبير عن تجربة تكاد تكون كونيّة في أبعادها، من ”أناباز“ إلى فكرة المنفى والمغامرة الأبدية بحثاً عن الأسرار في الأساطير المتعلقة بحياة البحارة، والصيادين، وقيعان الأوقيانوس، والطوفانات (كما يذكر سركون بولص في مقدمته لهذه المختارات).

الكتاب الرابع : تيد هيوز

رسائل عيد الميلاد وقصائد أخرى

ينقل سركون بولص في مقدمته الموجزة والكثيفة لهذا الكتاب رأي تيد هيوز في الشعر، التي يقول فيها: (ربما لم يكن الشعر بمطلقه، وذلك في قدرته على التأثير فينا والتواشج معنا، سوى كشف عن شيء لا يريد الكاتب أن يكشف عنه في الحقيقة، لكنه في يأسه يحتاج إلى التواصل عن طريقه، وإلى أن يتخلّص منه. لعلّ الحاجة إلى إخفائه هي التي تجعله شعريّاً، أي تجعل منه شعراً. الكاتب لا يريد أن يضعه في كلمات، لذلك فهو يرشح منه بنحو سرّي، هارباً منه عن طريق التوازيات الكنائيةّ. نعتقد أنّنا نكتب شيئاً نسلّي به، لكننا في الحق نقول شيئاً نحتاج أن نشاركه الآخرين بيأس. السرّ الحقيقيّ هو هذه الحاجة الغريبة. لماذا لا نستطيع أن نخفيه وحسب ثم نسكت؟ لماذا علينا أن نهذر؟ لماذا يحتاج البشر إلى الاعتراف؟ ربما، لأنك إن لم تقم بذلك الاعتراف السري، فلن تكون عندك قصيدة. لن تكون عندك حتى قصة. لن يكون هناك حتى كاتب). وهو رأي ربما يقودنا إلى محاولة العثور على «اعترافات» سركون نفسه، هذه الاعترافات التي لا تنطوي على التطهير، أو نيل الطهارة المسيحية، وإنما فقط كدعوة من الشاعر إلى الآخر: دعوة إلى المشاركة الحميمية، مشاركة الألم، ومباركة اليأس، والدخول في التجربة الشخصية: لا شيء مفضوح، لكن كل شيء مباح في القصيدة، وليس مطلوباً منك كقارئ إلا المشاركة لا غير.

بين قطبي «الاعتراف» و»المشاركة» كانت قصائد هيوز، الشاعر الانجليزي زوج الشاعرة الإشكالية المنتحرة سيلفيا بلاث في كتابه «رسائل عيد الميلاد» الذي ترجمه سركون بولص واصفاً إياه في مقدمته (عندما أصدر تيد هيوز (1930-1998)) كتابه الأخير «رسائل عيد الميلاد» لم يكن أحد يتوقّع حدثاً بهذه الجسامة، له هذا الوقع المثير، وبهذه الصراحة في كشف أسرار علاقته بسيلفيا بلاث، الشاعرة الأميركية التي تزوجها في 1956، والتي انتحرت في 1963. خصوصاً أنّ هيوز عاش سنواته الأخيرة في عزلة تكاد تكون شبه كاملة، مصرّاً على الصمت في كل ما يتعلّق بحياته، وتفاصيلها الحميمية. ولم يسبق لشاعر إنجليزي آخر أن هزّ عالم الأدب بهذه القوة وبهذا الحسّ الفضائحي منذ أن نشر اللورد بايرون ملحمته المشهورة «تشيل هارولد»، في سنة 1812. كما نشر قبله دراسة تصوّفية ضخمة تستقصي أسرار عالم شكسبير الشعري بعنوان «شكسبير وربّة الكينونة الكاملة».

وبين القطبين أنفسهما ـ الاعتراف والمشاركة ـ كانت هناك أيضاً قصائد سركون بولص التي غطّت مساحات شعورية وحياتية طويلة من مغامرته الإبداعية، وربما يحتاج منا هذا إلى وقفة أخرى نعد القارئ الكريم بها قريباً.

wpid-img_9173-2012-10-24-01-41.jpg

مختارات من الكتب الأربعة التي ترجمها الراحل:

قصائد من «رسائل عيد الميلاد»

تيد هيوز 

طالع

أردتِ أن تدرسي 

نجومك- حرّاس باحة

سجنك، طوالع الأبراج. الكواكب

تمتمت لغة سحرها البابليّة-

مثل عظْمات مشعوذ. كنت محقّةً

في خوفك من أن يعلو هدير العظام، من أن

تسمع الأذن بصفاء أكثر

ما همست به العظام

حتى وهي مبطّنة، كما هي، بالجسد الحارّ.

سوى انك لم تكوني

بحاجة إلى أن تحسبي الدرجات

لنذيرك الصاعد في برج الحمل. لم يكن شيءٌ

مؤكّداً- ليس أكثر، بحسب الكتب البابلية، 

من وحه تزركشه النُدَب. إلى أيّ عمقٍ

أزيدَ تحت الجلد، يمكن ليّ ساحرٍ

أن يختلس النظر؟

كان يكفيك أن تنظري

في أقرب وجهٍ لأية كنايةٍ

تلتقطينه من دولاب ثيابك، أو من صحنك

أو من الشمس أو القمر

أو من شجرة الطقّوس، لكي تري

أباك، أمك أو إيّاي أنا

نأتي بحتفك كاملاً إليكِ.

ومن نصوص و. س. ميروين

الصيّادون

عندما تفكّر كم كبيرة أقدامهم في أحذية

المطّاط الأسود، حيث الأرضية دائماً

زلقة تحتها، بأي ذكاء يتدبرون أن ينسلوا بين الشباك

المبسوطة، والخيوط، والصنانير في أقفاص عنكبوتيّة

ذات مداخل ضيّقة. لكنهم معتادون على هذا.

نحن لا نعرف أسماءهم.

وهم يعرفون حاجاتنا

ويعيشون على هديها، معيرين إيّاها

تهاويل وإغراءات لم يكن لنا، أن نضيفها

عليها أبداً.

إنهم يحملون نهايات جوعنا ليلقوا بها

كي تنتظر، متأرجحة، في مكان مظلم لما كنّا، نحن، اخترناه.

بحركات لم نتعلّمها أبداً، يؤمّنون لنا القوت.

وعندما يغرقهم، نلقي بالأكاليل إلى البحر.

أوديسيوس

دوماً كان الإقلاع هو نفسه، 

نفس البحر، نفس الأخطار بانتظاره

كأنه لم يبلغ مكاناً، سوى كونه أكبر سنّاً.

المشارف المتشابهة هي بعينيها، على الساحل المتراجع

من خلفه، وفي مكان ما

أمامه، ها هو ذا ينحلّ من ذاته

ذاك الصبر الذي زفّ إليه، كانت هناك الجزر

التي تنبغي الملاحة بينها، ولكل منها امرأة

وترحيب مزاوجة، ومن بينها واحدة تدعى «الوطن»

ها أنّ معرفته بكل ما خانه، قد تنامت

حتى لم يعد هناك فرق، سواء

بقي أم مضى.

ولذلك مضى.

وأيّ عجب

لو أُسقط، أحياناً، في يده فلم يعد يتذكّر

أيهما كانت تلك التي تمنّت له عند رحيله

مهالك لن تكتب له، أبداً، منها النجاة

وأيهما، غير ممكنة، نائية، ووفيّة

كانت تلك التي لم يكفّ عن الإبحار إليها؟ 

مختارات من و. هـ. أودن

المياه

الشاعر، والعرّاف، والألمعيّ

يجلسون كصيادي سمك خائبين

عند بركة الاستبطان

يستعملون المطلب الخاطئ طعماً

لينالوا مآربهم، ويروون،

عندما يهبط الليل، كذبة الصياد.

وطالما الزمان عاصف في كلّ مكان

يتشبّث كلّ من الأتقياء والمنافقين

بأطواف القناعة الضعيفة،

الظواهر الطبيعيّة في هياجها

تنقض بأمواج كاسحة لتغرق

كلاً من المعذّب والعذاب.

يحلو للمياه أن تسمع سؤالنا المطروح

فهو سيطلق الجواب الذي مكثت بانتظاره، لكن.

شاهدة على قبر طاغية

الكمال، من نوعٍ ما، كان ما يسعى إليه

ويسهل علينا أن نفهم ما لفّقه من الأشعار؛

كان خبيراً بسقطات البشريّة كما بظاهر يده

شديد الاهتمام بالجيوش والأساطيل؛

وكان إذا ضحك، قهقه أعضاء مبجّلون في مجلس الشيوخ

ومات الأطفال في الشوارع، إذا بكى.

شاعر القبيلة

كان خادماً لهم- هناك من يقول إنّه كان أعمى

يتنقّل بين وجوههم وأشيائهم

حتّى كانت عواطفهم جيّاشة فيه كالريح

وغنّت، ثم صاحوا- «ما هذا الذي يغنّي، سوى إله»

وتعبّدوا له، وضعوه في مصاف له وحده،

وأشبعوه غروراً حتى أنّ هنّات عقله وقلبه الصغيرة،

لدى أيّ مشكل منزليّ طارئ،

كان يحسبها غناء.

لم تعد تأتي الأغاني: كان عليه أن يصنعها.

بأيّة دقّة كانت كلّ عبارة مرتبّة.

لقد عانق أحزانه مثل قطعة أرض،

وسار في المدينة مثل سفاح،

وكان ينظر إلى البشر فلا يودّهم،

لكنه يرتعش إذا مرّ به أحدهم وهو عابس.

مقتطف من قصيدة عواء / آلن غينبيرغ

رأيتُ أفضلَ العقولِ في جيلي وقد دمرها الجنونُ، يتضوّرون عراةَ ومُهَسْترين

يجرجرون َ أنفسهم عبر شوارع زنجيةٍ في الفجر باحثينَ عن إبرةِ مخدّرِ ساخطة

هَبائيون برؤوس ملائكةٍ؛ يتحرقون للوصال السماويّ العتيق، بالدينمو النجوميّ في مكننة الليل،

الذين بفقْرٍ وفي خرقٍ وبعيون مجوّفةٍ ومسطولينّ جلسوا يدخنون في الظلام العجائبي لشققٍ بلا ماء حارّ يطفو في أعلى المدن يتأملون في الجاز.

مَنْ عرّوا للسماء أدمغتهم تحت سكة الـEL ورأوا ملائكة الإسلام المنيرة تترنح على سقوف الأحياء الفقيرة.

مَنْ مرّوا في الجامعات بعيونٍ ساطعةٍ وباردةٍ مهلوسينَ لأركانساس ومأساة نور – بليك بين أساتذة الحرب،

مَنْ طُردوا من الأكاديميات لجنونهم ولنشرهم أناشيدَ فاحشةً على نوافذ الجمجمة

مَنْ انزووا بملابسَ داخلية في غرف بلا حلاقةٍ، حارقين أموالهم في سلال مهملاتٍ ومن أصغوا الى الرعب عبر الجدار،

مَنْ قُبضَ عليهم في لحاهم العانية عائدينَ عبر لاريدور بحزامٍ من الماريوانا إلى نيويورك،

مَنْ أكلوا نارا في فنادق الحثالة أو شربوا التربنتين في زقاق الجنّة، في الموت، أو مَطْهروا صدورهم ليلةً بعد ليلة،

بأحلامٍ، بمخدراتٍ، بكوابيس يقظةٍ، كحولٍ وعضو ذكريّ- وخصي بلا نهاية،

شوارعُ عمياءُ لا تَضاهى من سحابٍ يرتعد وبرقٍ في البصيرةِ يثبُ نحو قطبي كندا وباترسون، منيراً عالم الزمن الساكن بينهما،

صلادات بايوتية* لأروقةٍ، أسحار باحةٍ خلفيةٍ شجرةٌ خضراءُ مقبرةٌ، سكرةُ خمرٍ على سطوحِ المباني، انساطلاتٌ على الشاي، دَسْكراتٌ بفتريناتها لسياقةِ متعةٍ في أضواء المواصلات الغامزة بنيونها، شمسٌ وقمرٌ واهتزازاتٌ شجريّةٌ في أغساق شتاء بركلين، قرقعاتُ براميل الزبالة والنورُ الرحيمُ ملكُ البصيرة،

مَن ربطوا أنفسهم بالسلاسل إلى «الصّبواي»* للركوب اللانهائي من باتيري إلى برونكس المقدسة مخدّرين بالبنزين حتى صحوا على ضجيج العجلات كالحةً أدمغتهم مفرغين من البريق والأطفالِ مرتجفينَ بأفواهٍ مخلوعةٍ ومهدودين في النور الكئيب لحديقة الحيوان*،

مَنْ غرقوا طوال الليل في الأنوار الغوّاصة بمقهى بكفورد وطفوا عالياً وجلسوا طوال مساء البيرة المتخمرة في محلّ فوغازي سامعينَ فرقعة المصير على جوكبوكس* الهيدروجين،

مَنْ تحدثوا بلا توقف لسبعينَ ساعةً من متنزهٍ إلى غرفةٍ إلى بارٍ إلى مصحةِ بيليفو إلى متحفٍ إلى جسر بروكلين، طابورٌ صانعٌ من حواريِّ إفلاطون يقفزون إلى الأدراج العَتَبيّة من سلالمِ الحريقِ من أفاريز النوافذِ من بنايةِ إمبايرستيت ومن القمر،

يطقّقونَ الحنكَ يصرخون يتقيأون ويهمسون بحقائقَ وذكرياتٍ ومُلّحٍ وركلاتٍ إلى البؤبؤ وصدماتٍ بالكهرباء في مستشفياتٍ وسجونٍ وحروب..

النص عن موقع

wpid-logo-print-2012-10-24-01-41.jpg

الصور ليوسف رخا

wpid-1____spacer-2012-10-24-01-41.gif

قصائد مسموعة

 

قصائد مسموعة-Video poems

Continue reading

قصيدة جديدة: تحية لسركون بولص

wpid-ysf18-2012-05-23-09-08.jpg

© Youssef Rakha         

نصائح ملك الموت إلى ثكلان

بالكاد دقيقة وأنت تخطو مغبّش العينين

هل نفد صبرك في دقيقة؟

اسمع

لا شيء في الكون كله يرحمك

لا شيء يوقف المنشار في عظام هيكلك

اجلس قليلاً

ولا تثقل علي

لا تجعل فجيعتك نداء إلي

وأنت تعلم

أنني عبد المأمور

أحمل على كتفي نحيب الكرة الأرضية

مضاعفاً ألف مرة

لا تظنني أملك معنى لشيء

فحيث تصبغ الأسفلت الدماء

لا أرى سوى بقعة داكنة

وإن شعرتُ بما تشعر به مضافاً إليه

كل من كان مثلك

أنا الذي أصاحبكم لحظة بلحظة

ولا أستطيع أن أفرح لفرحكم

لأنني أعرف وجعكم كاملاً

حتى في أشد اللحظات لذةً

كل ما أستطيع أن أعدك به الآن

أنك حين تنظر

لن تجد للفقيد أثراً في السرير

وكخدمة إضافية مني

لن تجد سريراً في الغرفة

بل لن تكون غرفة هناك

إلى أن تمسي بلا شيء أمامك

لا شيء مطلقاً

وكل ما أطلبه في المقابل

تذكّر

أن الحياة ليست سوى انتظاري

أنا الذي أطحن القلوب طحناً

ولا أستريح برهة

من سماع نبضها

سركون بصوته: جئت إليك من هناك


نهايةُ العام:

عام النهايات

الطقسُ والغربان، ضِِيقٌ في نفسي

من كثرة التدخين ، علّةٌ ما

(وحشةٌ ،

قلقٌ

ألَمٌ دفين)

أطاحتْ بي لأطوفَ في أنحاء البلدة المقفرة

و أقطعَ حول تلك الزاوية بالذات

حيثُ لاقاني وجهاً لوجه

قبلَ هبوط الليل:

صديقي

القَصّاصُ هوَ بعينهِ

لكنّ شيئاً أفرغَ عينيه من الضياء

صديقي القديمُ الفَكِهُ

هوَ بذاتهِ

لكنّ شيئاً قَلَبَ قَسَماتِهِ

من الداخل: الحواجبُ بيضاء

سوداءُ هي الأسنان

إذا أبتسم (لا فرَحاً ) بدا كأنّهُ يبكي

ما وراءَ الحزن

كما في صورة غير مُحَمَّضة

كما في صورة محترقة

بأقلّ نفخةٍ تنهار . . .

لاقاني وكنّا خارجَين من عاصفةٍ

بدأْت منذُ الأمس

تَجلدُ الجدران بلافتات المطاعم والحوانيت

وتجعلُ أسلاكَ التلغراف

تُوَلولُ حقاً في تلك الساحة الخالية

صرختُ : يا يوسف!

ماذا حدثَ لوجهكَ يا يوسف؟

ماذا فعلوا بعينيكَ يا يوسف

ماذا فعلوا بعينيك وحَقَّ الله؟

قال: لا تسألني ، أرجوك.

قال: إنّهُ الدمار.

قال جئتُ إليكَ من هناك.

قال : لا أنا . لا . لست أنا .

لا أنت.

لا ، لستَ أنت.

هُم، وآلهة الزَقّوم.

هُم ، صاحبُ الموت الواقفُ في الباب:

اللاجئونَ على الطُرُقات

الأطفال في التوابيت

النساءُ يَندُبنَ في الساحات

أهْلُكَ بخير

يُسَلّمونَ عليك من المقابر

بغدادُ سُنبُلةٌ تشبّثَ بها الجراد

جئت إليكَ من هُناك

إنّهُ الدَمار

قالَ لي

وسارَ مُبتعداً ، و اختفى

في كلّ مكان.

(في ذكرى يوسف الحيدري)

– - – - – - – - – - – - – - – - – - – - – - – -

*عظمة أخرى لكلب القبيلة

حوار بهيج وردة لمجلة “ارى” الإماراتية

wpid-00tamasih00-2012-01-25-19-15.jpg

ما هي خيوط الرواية الأبرز في التماسيح؟ وكيف بدأت فكرة الرواية تتبلور؟ وما دور الثورة المصرية وتداعياتها الحالية في الحالة الروائية التي تجسدها في “التماسيح“؟ الرواية خرجت، كعادة مشاريع الكتابة الطويلة، من خبرة شخصية مؤلمة جعلتني أعيد التفكير فيما يسمى بالوسط الثقافي بالقاهرة وبالأخص جيل التسعينات من الشعراء المصريين (وهي أشياء قاربتُ بعضها كذلك في مجموعة قصائد ”يظهر ملاك“-٢٠١٠ والتي لم أنشرها بعد إلا إلكترونياً عبر مدونتي، نتيجة الشعور بلا جدوى نشر الشعر في القاهرة خلال شهور من ثورة لم تكتمل. بدا لي أن شيئاً حدث سنة ٢٠٠١ (وهو أمر شخصي أيضاً لأن حياتي تغيرت في ذلك العام بعد موت أبي سنة ٢٠٠٠؛ أصابني ما يشبه الانهيار نتيجة الإفراط في الكيوف على خلفية اكتئاب وإحباط متزايد في الشأن العام وفي مسار الحياة العملية بالصحافة: بدت لحظة انهيار البرجين كأنها – كما يقول الراوية – ”ذروة ما، بداية أو نهاية“) وبعد عقد كامل، إثر قيام الثورة أو الانتفاضة خلال شهور من بدء كتابة التماسيح، خطر لي أن هذه اللحظة كانت مقدمة ما سيحدث بعد عشر سنين بالضبط، أنها كانت فعلاً بداية أو نهاية. في الرواية فكرتان أساسيتان إحداهما استعارة الأسد، وكانت هذه قد طاردتني منذ قرأت قصيدة ألن جينزبرج ”الأسد على حق“ في العام نفسه (٢٠٠١) لكن الفكرة الثانية – أن يكون الشعر شاهداً على انهيار الدولة الوطنية التي خلّفها الاستعمار في منتصف القرن العشرين أو أن تؤدي النزعة الفردية التي ظهرت في التسعينات إلى تحول اجتماعي يُعامل بوصفه حراكاً سياسياً – لم تتبلور هذه الفكرة حتى الشهور الأخيرة من ٢٠١٠. بوصفها تحركاً اجتماعياً، أعتقد أن الثورة كانت موضوع كتابة من قبل حتى أن تندلع: التماسيح بهذا المعنى هي حكاية الثورة، حكاية السنين العشر التي حملت إلينا يوم ٢٨ يناير ٢٠١١

  • أقتبس مقطعاً مما نشرت على موقعك: “موال لحكومة زين العابدين يسأل بنبرة استنكار: “هل أن الحل هو إحراق البلد؟ هل أن الحل هو إحراق البلد؟” الآن بعد سنة أو أكثر من اندلاع الاحتجاجات في مصر، أردد كلماته بشعور مختلف وصوته يرن في أذني بينما تصلني الأخبار: هل أن الحل هو إحراق البلد؟.” كيف يرى يوسف رخا الحراك العربي والثورة المصرية على وجه التحديد بعد مرور بضعة أشهر، أعلم أنها ليست بكافية لكن الحراك شديد الديناميكية ومن يده في النار ليس كمن يده في الماء؟

هذا السؤال شديد التعقيد يا صديقي، ولا أظنني أعرف له إجابة؛ سأقول لك ما أعرفه: إن الأزمة الكبرى لما سُمي بالثورة هي الصياغة السياسية للأحداث من جانب الجميع (حتى مفجريها أنفسهم) ومن أول لحظة، الأمر الذي حولها قسراً إلى صراع على السلطة، بينما أهميتها في اعتقادي هي أنها محاولة – مجهضة، للأسف الشديد – لتجاوز مفاهيم وأشكال السلطة السائدة بنية عبورها إلى كيانات تعكس ما تتطلبه الحياة التي نعيشها على الأرض من أجل أن تكون محتملة أو مجدية ومن أجل أن تيسّر الإبداع والتفاعل في شتى المجالات: أن لا يضطر أحد إلى تحمل بذاءات ومظالم الشرطة، مثلاً، من أجل أن يقوم بمهامه اليومية أو يستمتع بوقته قليلاً؛ وبالمنطق ذاته، أن لا يضطر الشرطي إلى ابتزاز الناس عوضاً عن دخل يضمن له عيشاً كريماً أو إهانتهم تعبيراً عن إحساس دفين بالدونية…

إن ما دفعني شخصياً إلى المشاركة والمخاطرة هو إيماني بضرورة تعميم الحقوق المدنية وتفعيل مفهوم المواطنة، فضلاً عن الأمل في تسريب آليات المساءلة والضمير إلى المؤسسات والعقول من أجل إنتاج محتمل – أنت تعلم أن الدول العربية لا تنتج شيئاً خلاف النفط الخام – وأكثر ما آلمني منذ ذلك الوقت هو أن أرى الحريات المنشودة تُنتهك من ناحية، ومن ناحية أخرى يتوارى سؤال ضرورتها الذي مات من أجله من مات وفقد بصره وأعضاءه من فقد خلف مهاترات عبثية، شأنها شأن كل جدل سياسي، ربما – هل يكون الحكم مدنياً أم إسلامياً، على سبيل المثال – إلى هامش ظل يضيق حتى اختفى أو كاد.

الصدق أن شيئاً مما يحدث في مصر الآن لا يعنيني كثيراً، ومثل هذه العزلة هي قدر الكاتب طالما أنه في مجتمع لا يقرأ، كما أنه قدر ”الناشط“ في مجتمع – وهو ما قد يجد الكثيرون صعوبة في الاعتراف به – لا يثور، أو ليس بوسعه الاستفادة من تضحيات أفراد قادرين على التضحية. أصبحت على يقين من أن الثورة حتى وإن قامت من جديد وتسلمت قرابين أخرى دامية، لن تكون كافية بحال. إنه مجتمع – أو ”شعب“، بخلاف ”ثواره“ – قادر على اختزال المشاركة السياسية في موالاة صاحب اللحية على حساب ”العميل الأمريكي“ حتى حين يكون الملتحي عميلاً و”العميل“ سياسياً مؤهلاً للقيام بدور، أو التنكر بتبجح لمن قُتل في وضح النهار لصالح قاتله الجالس على الكرسي، لا لشيء إلا لأنه – أقصد الشعب – غير مستعد لتحمل المسئولية الأخلاقية أو السياسية… لكنني أعود فأقول إن الذي يعنيني من الثورة هو محتواها الاجتماعي واعترافها الضمني بشروط العالم المعاصر ”الليبرالية“ من وسائل اتصال وحقوق إنسان وتعدد عقائد أو طوائف أو رؤى؛ أجنح إلى رؤية ما حدث باعتباره ليس نهاية الاستبداد ولكن بداية السقوط المدوي للوعي الخرافي الذي حكم حياتنا منذ الخمسينات – ليس بداية شيء حلو، أقصد، ولكن نهاية شيء قبيح – ويحزنني أن ذلك السقوط لم يكتمل ”بإحراق البلد“ على نحو أكثر جذرية. أحياناً – أصدقك القول – تبلغ بي خيبة الأمل حد تمني سقوط قنبلة نووية تأتي على البلد بما ومن فيها، لكنني أعود أتذكر أن ما يحدث هو خطوة على طريق أطول من أعمارنا، وأفرح بأن الكذب لم يعد ممكناً.

wpid-apossiblebarbaryliononcelivinginleipzigzoo_thumb3-2012-01-25-19-15.jpg

  • إلى أي حد يكون للثقافة مكان في زمن الثورة؟ وهل ترى أن الثورة المصرية تقدم كتابها الموالين، وتقصي معارضيها كما تفعل الأنظمة التي ثارت عليها؟

في ذلك استكمال لإجابة السؤال السابق: كان من شأن الثورة أن تكشف الخواء المفزع ”لدور المثقف“ بل وتَطابُق كثير من ”معارضي“ الوسط الثقافي مع رموز النظم المفترض أنهم يقاومونها؛ بالنسبة إلي كان بقاء وزارة الثقافة في حد ذاته إشارة واضحة إلى قصور الوعي وضعف الأخلاق عند الغالبية العظمى من المثقفين أو من يعرّفون أنفسهم بهذه الصفة: لم يكن باستطاعة أحد الاستغناء عن وصاية الدولة. كتبت في ذلك خلال الشهور السابقة أكثر من مقال ممتعض إجمالاً (هناك، على سبيل المثال، “مازالوا يدفعوننا على سلالم العمارات“). وتبقى الدولة مستلبة من جانب نظام فاسد… ”الثورة“ في مصر وتونس لم تستبتدل المؤسسات ولا حتى الأشخاص إلا على نحو إعلامي رمزي؛ لم يكن هناك مجال لتقديم كتاب بهذا المعنى.

في مصر كان أكثر ما اقترن بأحداث الثورة من أدب هو الشعاراتي الشعبوي والسطحي الجعجاع المنتشر من قبل اندلاعها؛ تعلق الكثيرون بالأحداث دون النظر إلى نتائجها حتى أن بعضهم ذهب إلى أن الأدب قد مات ولم يعد هناك مجال للكتابة عن شيء سوى ”المسار الثوري“ والتظاهرة التالية. تأسست جرائد وقنوات تلفيزيونية من أجل مشاهير ”المعارضين“ من متكلفي الإبداع على حس ”السياسة“، وهم لم يسكتوا لحظة منذ اندلاعها رغم أن كلامهم لم يؤثر في أحد أو شيء. من هذه الزاوية يمكنك أن ترى كيف فشلت الثورة فشلاً ذريعاً على الأرض بينما فتحت أو وسّعت مجالاً ”ثقافياً“ للاحتفال – الخرافي – بها. انتهى أو كاد الاهتمام بالكتب، وبدأ الكلام الرسمي يتضمن إشارات إلى ”الضغوط السلفية“ واستعداداً مجانياً للرضوخ لها وقد اكتسب ”الإسلاميون“ من أعلام الميديا مصداقية عبثية تماماً في ضوء أنهم لم يشاركوا في الثورة وكانوا أول من والى المجلس العسكري وبرر جرائم ”الطرف الثالث“ وتنازل عن حق الشهداء (لستُ من أنصار الإعدام ولا القصاص على أي نحو، لكن للشهداء حق معلّق).

هكذا لم يكن تعاطي ”الثقافة“ مع الثورة في نظري سوى امتداد بالغ الجلاء لحال ”النخب“ في العالم العربي منذ أواخر الستينيات وبمعنى آخر منذ ”الاستقلال الأول“: إنها خطابات لا تعكس الواقع أو تشتبك معه – ولا تؤثر فيه – بقدر ما تستغل جوانب منه للتربح ”الجماهيري“ الآمن، مادياً أكان أو معنوياً. ومع كل ذلك، كانت فورة ”الغرافيتي“ وفنون الشوارع وإيماءات التحرر في صورة ”علياء المهدي“ وغيرها أيضاً من توابع الثورة أو التعبيرات الإيجابية – المبشرة – عن محتواها الاجتماعي. أعتقد أن الثورة قد تساعد على المدى الطويل في فرز الأفراد وتحديد مواقع الثقافة الحقيقية حاصلة أكانت أو كامنة، وأن هذه المواقع باتت خارج الدولة والإعلام (حتى الإعلام غير الرسمي) وخارج الوسط الثقافي ”اليساري“ المتقاطع بطبيعته مع الدولة من ناحية ومن ناحية أخرى مع أعراف أو تقاليد لم يعد هناك شك في أنها – حتى بما أفرزته من تدين ”متشدد“ أو معاد لمنظومة العولمة – ضد التغيير.

  • هل ترى تسييس الثورات وإلحاقها بركب الغرب وتصوير هذه الحراكات كأنها من صناعة آخر، جزءاً من مصادرة الثورة وفرض التنميط الذي تحاولون كسره كشباب ومثقفين في المرحلة الحالية؟

من شأن هذا السؤال أن يجرجرنا إلى حديث سياسي أفضّل تحاشيه لأنني لا أجد له أي جدوى، إلا أن الاتهام بالعمالة هو تكتيك ريفي قديم وهو أقذر ما تفتقت عنه قريحة السلطة الاجتماعية قبل السياسية في الستراتيجية القومية أو الوطنية – الفاشستية – منذ قيام دولة عبد الناصر. ركب الغرب هو ركب الحضارة المعاصرة بكل ما فيه من عيوب، لا أظن هناك شكاً في أن ”الغرب“ في هذا السياق يعني الحضارة بغض النظر عن التفاصيل. ولا أظن عاقلاً يريد لشعبه أن يلتحق بركب الثيوقراطية الإسلامية، إذا كان هذا هو البديل المطروح. المشكل أن الحركات، بينما لم تكن من صناعة آخر، كانت من صناعة أقلية مجتمعية – كما اتضح – لا تعبر عن وعي الغالبية العظمى، بدليل أن الغالبية العظمى صوّتت للإسلام السياسي وضاقت بالاحتجاجات منذ الوهلة الأولى، ثم سعت إلى الحفاظ على الوضع القائم. لذلك لا أظن ”الثورة“ كافية، ولأنني لستُ مؤمناً بالقمع حتى وإن كان قمعاً ثورياً… لكن أؤكد لك أننا جميعاً – في خطابات الوضع القائم – عملاء ومدسوسون بل وخونة وصهاينة فضلاً عن كوننا كفرة ومنحلين وكل ما يخطر لك من شتائم. ولا يزال هذا المنطق واضحاً في تبرير إبادة المحتجين بقول إنهم بلطجية أو توريطهم في العنف ثم التذرع بأفعالهم التخريبية…

wpid-8062904-2012-01-25-19-15.jpg wpid-dsc0029-2012-01-25-19-15.jpg wpid-bourguibacover-2012-01-25-19-15.jpg

  • عرفت بأدب الرحلة الذي تمزج فيه الشعر بالنثر مع التقرير الصحفي، هل كان هذا النمط نوعاً من التدريب على كتابة الرواية؟ وهل كتابة الرواية بالنسبة إليك نوع من النظر بمجهر إلى المجتمع وإمكانية توثيق للحراك الحقيقي في الطبقات السفلية وشوارعه الخلفية؟

لم يكن المقصود بأدب الرحلة أو كتابة المكان تدريباً على شيء؛ كان هرباً من القاهرة إليها وكان – كما اتضح أيضاً – هرباً من الأشكال السردية على سبيل الرجوع إلى تلك الأشكال. عندما استسلمت أخيراً للرغبة في الكتابة عن القاهرة، وجدتني في حاجة إلى الاختلاق والاستعارة بمعناها الأوسع. هذا هو ما يعرّف الرواية بالنسبة إلي: أن هناك جانباً مختلقاً بالكامل في مقاربة مكان أو زمن ما، الأمر الذي يفتح الخيال على ما هو غير ”واقعي“ فضلاً عن الواقعي ويضعك في مواجهة مع هويتك الاجتماعية فلا تعود مجرد صوت أو وعي جمالي طاف ولكنك تتحول كذلك إلى طرف في المنظومة التاريخية التي تتحدث عنها. الرواية هي ”باستيش“ خطابات، وهي بهذا المعنى تشبه كتابات الرحلة وإن كانت الأخيرة أقرب إلى ”الكولاج“ من الباستيش. الرواية توثق للحراك المجتمعي في مختلف طبقاته بالطبع، لكن ما يميزها أساساً هو أنها صياغة مكتملة لحالة إنسانية لها أول وآخر في الفضاء؛ أي أنها – بالتحديد – ليست أو ليست فقط كتابة ”انطباعية“. هذا وحده ما يجذبني إلى الشكل الروائي فيما أظن: إمكانية أن يكون الشيء مكتملاً أو صحيحاً رغم أنف تعدد خطاباته، وأن يتضمن فانتازياه أيضاً بلا مبالغة وقد انفتح على مصادر متباينة في الحياة.

في كتابة المكان هناك قيد مادي إن أردت، ورغم أنه باستطاعتك أن تنوع الخطابات وتقارب الموضوع الواحد من عدة زوايا، عليك أيضاً أن لا تكون طرفاً في المعادلة الفضائية التي ينتج عنها النص. عليك أن تحافظ على منهجك الصحفي بشكل ما؛ أما في الرواية فلا ضرورة لذلك.

  • ما الانطباع عن هذا النوع من الكتابة (الرحلة الانطباعية) لدى القراء – في العادة انت متشائم من هذه الناحية؟

أعتقد أن كتابة المكان وجدت رواجاً نسبياً عند قراء الأدب لكن لا يعني هذا أنها وجدت رواجاً. حدثتك من قبل عن قرائي السبعة. ربما زاد العدد الآن – بعد رواية ”كتاب الطغرى“ – إلى خمسة عشر. قلت إننا في مجتمعات لا تقرأ، والأصوب ربما أننا في مجتمعات تهمّش قراءها. لكنني لا أبالغ إذا قلت إن ما يعنيني هو أن يكون لي عدد مهما كان صغيراً من القراء العرب؛ أن يكون ذلك الصديق الافتراضي الذي يعرف اللغة نفسها (وبالمعنى الأصلي للصديق) موجوداً في الحياة مهما كان بعيداً أو تائهاً وسط جموع لا تفهم أو لا تتعاطف أو لا توجد. لا يمكن أن تكتب بلا قارئ، لكنه ليس ضرورياً وربما ليس مستحباً أن يكون القارئ جمهوراً كما هو حال الفيلم التجاري أو المحطة التلفزيونية؛ وتحت الظروف الحالية، نتيجة خبرتي المتواضعة، هو بالتأكيد ليس مستحباً أن يتطابق القارئ مع سلطة أدبية كناقد أو مطبوعة أو لجنة تحكيم. لا أريد جمهوراً، لا أريد تكريساً. أريد قارئاً لوجه الله وأظن أن الله قد منحني ذلك القارئ… في السنين الأخيرة، بالمناسبة، باتت مدونتي هي المجس الرئيسي لشيوع ما أكتبه بالعربية والإنجليزية في الأدب والصحافة، والحقيقة أن عدد الزيارات في ازدياد مطمئن منذ ٢٠٠٩.

  • خلطك للتصنيفات الأدبية في كتب رحلاتك هل يعود إلى علاقة مفتقدة في الأدب العربي لهذا النوع، أم أن الأمر يعود لرغبة في دمج أنواع أدبية لم يعتد تناولها بهذه الطريقة قبلاً؟

يعود أولاً إلى قناعة عميقة بأن الكتابة كتابة بغض النظر عن الشكل الأدبي، وإلى سؤال صادق عما إذا كان منجز دوستويفسكي ليختلف لو أنه كتب شعراً أو منجز رامبو ليختلف لو أنه كتب روايات، وإلى أي حد. تتقاطع هذه القناعة مع بعض صفات تراث الكتابة العربي، حيث نادراً ما تجد نصاً لا يمزج الشعر بالنثر أو لا يقدم المعرفة باعتبارها وجوهاً غير متجانسة. في نص كطوق الحمامة مثلاً تجد الشعر والنثر والشخصي والعام والرسمي وغير الرسمي رغم وحدة الموضوع. وتجد تعدداً وتبايناً ييسره السياق ”الأدبي“ عن طريق التقسيم التقليدي إلى أبواب وفصول. إنها مساحات جمالية ومعرفية مفقودة في الأدب الأوروبي إجمالاً، وهي تطرح أسئلة تعنيني عن معنى الكتابة كسبيل إلى المعرفة…

wpid-img_1319-2012-01-25-19-15.jpg

  • كيف يمكن أن تتحدث عن علاقتك بمن أثر بك من شعراء وكتاب؟ هل من الممكن أن تعتبرهم آباء، وما سر العلاقة الخاصة مع سركون بولس؟

كلهم أبنائي، ليسوا آباء ولا إخوة! القائمة تطول ولكن – باستثناء التراث القديم – ستكون الأسماء العربية فيها قليلة جداً، للأسف. أخص بالذكر ابن الفارض والجبرتي، وسعد مكاوي الروائي المصري العظيم. سركون يعيد اختراع اللغة ليجعلها تعيش، وهو متنبي القرن العشرين بلا مجد أو وطن. سركون هو ”جيل التسعينات“ وهو أبو العلاء وهو كل ما أحببته في الشعر الإنجليزي ولكن باللغة العربية. مهاجر فقير يعبد الحياة ويحاول أن يتقرب إليها بالكلمات، لا يقع لحظة في فخ السكون ولا فخ الأفكار المسبقة.

  • كيف ينظر يوسف رخا الما بعد حداثوي بامتياز إلى “ألف ليلة وليلة”؟

لا أعرف معنى ”ما بعد الحداثة“ بدقة. أظنها طريقة في النظر إلى الأمور أو الاستفادة من أشياء متباينة وسابقة لصالح شيء متجانس وآني. المحزن في الثقافة العربية أن أهم نصوص التراث باستثناء القرآن الكريم وملحقاته الشرعية المدشنة – أقصد بأهم النصوص، على سبيل المثال، ابن عربي وابن خلدون وابن رشد، فضلاً عن ألف ليلة – رُدت إلينا من جانب المستعمر بعدما كنا فقدناها. وإذا كان ما بعد الحداثة يعتمد على التقاطع مع نصوص قديمة من عصور مختلفة، فإن ذلك يعني أن علاقتنا بهذه النصوص لا يمكن أن تكون فعالة إلا عبر الأدب الغربي بشكل أو آخر: إننا نقرأها بنظارات المستشرقين الذين نكره تطفلهم وتعاليهم أو تفوقهم علينا، ولذلك ربما لا نقرأها على الإطلاق (كان اكتشاف التراث بالنسبة إلي ”شغلانة“ صعبة فعلاً، لكنني أظن أنني تمكنت من البدء فيها بدرجة ما)؛ لذا أريد أن أتحدث عن ألف ليلة بشكل فردي كمتأدب أحياناً ما يصطحب بعض كشاكيلها إلى سريره ليقرأها قبل أن يخلد للنوم:

في ألف ليلة لغة وسطية (بين العامية والفصحى) دائماً ما تروق لي سلاستها، وفيها لبس خلاب بين المكان الحقيقي (القاهرة) والمكان المفترض (بغداد). في ألف ليلة كذلك مساحات للقراءة الفلسفية والنقدية العميقة والكلام الكبير بطبيعة الحال – الحكي بوصفه منجاة من موت محقق، مثلاً – لكن الأهم بالنسبة إلي أنها نموذج مبكر للأدب المستساغ: إنها نص ”مهضوم“ بكل المعاني المحتملة؛ وهي توظف الفانتازيا بسذاجة ”بيرختية“ إن أردت، الأمر الذي قد يجعلها مملة ولكنه يجعلها أيضاً مثل بيت متعدد الغرف ومليء بأشياء متوقعة ولكن مرتبة بأشكال مختلفة، تدخل من باب وتخرج من آخر كيفما اتفق لترى تنويعات على ما تعرف أنه هناك وربما تتعرف على جوانب من حقيقتك في الأثناء.

في ألف ليلة وليلة حشيش لا يشبه الحشيش وجنس لا يشبه الجنس وفيها ورع لا يشبه الورع أيضاً، وهي من هذه الزاوية مثل الكلام مع جدك الفلاح العجوز: إنها مخزون معرفي لم يمر بالمصفاة العقلانية ولا يختبر بمنطق المشاهدة والتدقيق، وهذا وإن كان من شأنه أن يحررك فهو أيضاً يفرض عليك نسقاً أفقر في التعاطي مع العالم. الجاحظ أصعب كثيراً لكنه أمتع في الكثير من الأحيان. وأنا لا أريد أن أطلق أحكاماً قطعية أو معقدة على نص يجب أن يكون – وهو فعلاً، بشكل أو آخر – كحليب الأمهات.

من أروع الجمل التي قرأتها في عمري بأي لغة جملة من ألف ليلة: ”وقد خطر ببالي السفر إلى بلاد الناس.“

wpid-387339_10151058911260473_805615472_22072982_949466011_n-2012-01-25-19-15.jpg

  • كيف ترى المشهد الروائي الزاخر في مصر​ ومن يلفتك من الروائيين حالياً؟

أي مشهد روائي زاخر؟ المشهد مشهد علاقات عامة وصفقات مصالح مادية أو معنوية لا علاقة لها بالكتابة والقراءة، والرواية بمعناها الذي أفهمه آخر ما ينتجه هذا المشهد؛ وقد خمد المشهد إلى حد بعيد منذ وصول ”الحاجّة ثورة“ قبل عام على كل حال. أقول لك بمنتهى الصدق إنني نادراً جداً ما أجد رواية عربية جديدة تستحق وقت قراءتها، دعك من تقييمها أدبياً، وعادة ما تكون تلك الرواية من خارج مصر. لذلك لن أذكر أسماء، وسأقول لك في الوقت نفسه، وبكل تواضع، إنني أحب أعمال يوسف رخا. خلاف ذلك الروائي، وباستثناءات تعد على أصابع اليد الواحدة، يبقى الأفق خالياً فيما أرى؛ ومع ذلك عندنا ”بيست سيليرز“ وعندنا روايات حائزة على جوائز ”عالمية“ وروايات مترجمة إلى ثلاثين لغة؛ أليس هذا مثيراً للفضول؟ هناك ”شعراء التسعينات“ – بعضهم يكتب روايات – وهناك جيل أو اثنان من الشباب، بينهم عدد صغير موهوب جداً ولكنهم بالكاد ينشرون أعمالهم وحين ينشرونها نادراً ما يلتفت إليها أحد. ليس هذا كلام الكاتب ذي القراء السبعة ولكنه كلام القارئ المحبط والمتابع الساخر للأحداث الثقافية. حقيقة المشهد فقيرة يا صديقي، ولا تصدق من يقول لك إن هناك شيئاً يحدث على صعيد الرواية.

  • هل من طقوس محددة تتبعها للكتابة؟ وهل تختلف بين كتابة الرواية والرحلة والشعر؟

لا تختلف الطقوس، ولا توجد طقوس. أكتب حين أكون وحدي أو بصحبة امرأتي وهي مشغولة عني في شيء. أحياناً أكتب في وجود زملائي في العمل. الحياة كلها طقس الكتابة.

  • إلى أي حد أثر عملك في الصحافة باللغة الانكليزية في طريقة كتابتك المختلفة؟

الصحافة بأي لغة تكسبك نوعاً من القابلية على الإنتاج والسرعة في الأداء وبالنسبة للأديب فإنها تعطيك آليات فعالة للبحث عن المعلومات واستقائها. علاقتي بالإنجليزية وتأثيرها على عربيتي قصة أخرى، لكن أعتقد أن اقتصار العمل الصحفي لسنين طويلة على لغة غير العربية حافظ عندي على طزاجة ما. أصبح ممكناً أن تستخدم مفردات شعرية في صياغة صحفية مثلاً، أو أن تترجم تعبيراً صحفياً إنجليزياً على نحو يجعل مدلوله واضحاً بالعربية فيتضح أنه أيضاً شعري

مجلة أرى

قصيدة سركون بولص: ملاحظات إلى السندباد من شيخ البحر

wpid-4686003352_1c56f95951-2012-01-10-04-57.jpg

هل تعبتَ اذاً

ونحن لم نكـد نبدأ المسيرة!

أنس الـبحر، لا تفكر بالـمراكب ، قـل وداعاً لـلتجارة.

أنا آخر رحلاتك وكـنت أنا أُولاها.

كـل طريق سرتَ عـليها

عبّدتها من أجلك بيديّ..

كلّ سبيلٍ

أوصلكَ

اليّ.

وها أنت ذا تشكو.

تقيلٌ على كتفيك يا سندباد؟

هذا لأنّ لي وزني

زائداً وزن الأبدية وأحتاجُ الى رجليك لتحملاني

في طوافي

بين الـليل والنهارـ

انا الـذي أعرف كـيف اقرأُ صمتكَ وأدري

انك تنوي ان تهربِ منّي

وتحلمُ في كل ليلة

بأنك تـلقي صخرةً على رأسي

وترقص سكرانَ على أشلائي . .

لـكنك اذا أدلـجتَ في الأجْمة من دوني

واستحْلكَ الليلُ حولك

وكنتَ وحدك

ستسمعُ في كلّ همسةٍ ،

هسّةَ أفعى

ترى العدوّ في عين الصديقِ

و لا تُلاقي أينما حللتَ

سوى السُمّ في شرابك

وتحت رجليك

المصيدة.

لا تـحاول ان تهرب منّي

وانس البحر ، قل وداعاً للتجارة.

لقد قطعتَ اليوم حبل انتظاري

ومنذ الآن يا سندبادُ

سوف تحملني على ظهرك القويّ كأننا واحدٌ

أنا وأنت ، أنتنا، أننْتَ

لـنستكشفَ هذه الجزيرة.

سركون بولص

من ديوان “حامل الفانوس في ليل الذئاب”

منشورات الجمل ١٩٩٦

البكاء على كوبري أكتوبر: فيديو

البكاء على كوبري أكتوبر

لا تظنني غافلاً عن ما ينهش رأسك

وأنت ساهم هكذا وسط العجلات

لا تظنني ناسيك لحظة

أنا الذي نحيّتُ عنك حزام الأمان

ودرّبتك على “الفرملة” المتكررة

زارعاً في صدرك بذرة الوهم

بأن آخِرة الأسفلت عتبة كالسرير

الصوت الذي يبقبق في أذنك الآن

بأنغام طفولة حفظتْ طزاجتها

وسط ألف أقنوم آخر يشبهون نقطة انطلاقك

حين تعلّمتَ أن تتحاشى المطبات

الصوت الآسر بموازاة احتياجك

الخارج على إطار ترى الدنيا خلاله

أنا الذي أغويتك بانفجاراته المسكرة

وبينما تتبوّل على حز الطريق في الظلام

دسستُ في “الدبرياج” أسطورتين

أن لكل نصف نصفه

وأن على الأرض تفاحة صحيحة

تكفيها قضمة واحدة منك

أنا الذي كنت أعلم

أنك ستمل تكسير الأقانيم

ولا تسأل بالاهتمام الكافي عن جراج

إلى أن تصبح الأسطورتان إثر مخابرة هاتفية

مجرد سبب للبكاء

بينما أنت هائم على واجهة سيارتك

فوق كوبري يشبه حياتك

بوحي قصيدة “ملاحظات إلى السندباد من شيخ البحر” لسركون بولص

لتحميل ديوان “يظهر ملاك” كاملاً

رسالة سركون بولص إلى وديع سعادة: 1971

wpid-t_7822d99c-0e35-486d-9472-aa9e580d8aa9-2011-08-9-05-182.jpg

أخي وديع

لم أنتظر الليل بل تقدمت نحوه وأنا أعرف عدوي وبلا درع أو شهادة أو تردد. ولكنني حين دخلتُ كثافته العدوّة كانت يداي ترتجفان وكان عناقي حلماً كهربائياً يعبر على المحيط. من حين الى حين، وجهي المعلق في مرآة محاكمة. وأنا دائماً قاضي هذا العالم. أريد أن أتكلّم مع أصدقائي، لا بل اليهم ولكنني أجدهم في صحراء أخرى. أحاول أن أركّز نظري لأرى الملامح ولكنها لا تستطيع أن تقتل قوانين البعد. القانون الوحيد الذي قتلته هو قانون الزمان، ولكن الفضاء ما زال عدواً. إنني الآن في المركز والأيام تدور من حولي ككواكب نارية من الاحتمالات والعبر والمغامرة. وبعد ذلك هذه هي القاعدة: الأيام ليست سوى أيام.

مجرد أن أستلم رسالتك يا وديع، مغامرة، حفلة، عاصفة غجرية. لو عرفت ماذا تعني رسالة ما بالنسبة لي في هذه القارة المطفأة، ومن صديق من وطني! ولكنك هناك أيضاً كالمنفيّ، كما يبدو لي. لا تكن. أقول لك بكل صوتي: لا تكن. أخرج. من هذه الطبقة الكثيفة من الجلد التي بنيت حولك دون أن تعرف: أخرج. لا تكن مثقفاً يجمع أقنعة ويقرأ المشهورين، ويفكر بنماذج كأنسي الحاج أو لست أعرف من، أو كامو أو بودلير أو الله أو بوذا أو الشيطان: ولا تكن حتى أنت! وابصق على المثقف الغبي الذي يحاضرك عن “معرفة النفس” والبحث عن الله وباقي الخرق الثقافية الاخرى. هل فكرت لحظة بأن من المضحك أن “نكون” شيئاً؟ إننا لا نكون شيئاً أو أحداً. لأننا هذا الشيء وهذا الأحد. ولأننا كل شيء وكل أحد، من قبل. أعتقد انك ستفهمني يا وديع لأنني أعرف ان لك عقلية نظيفة وان دماغك لم “يُغسل” بعد بالرايات الثقافية الشائعة هناك الآن. إن ما يجعلني أقول كل هذا هو غضبي الذي لا أستطيع أن أقاومه حتى هنا حين أفكر بجميع الأفكار الخاطئة التي تتسرب في وطننا وبين مثقفينا عن الفكر الاوربي وعن الثقافة الاوربية، وذلك عن طريق مجموعة معدودة من الكتّاب المسيطرين على المجلات والذين ليس لهم حق في ذلك. أما اذا كنت مخطئاً، فقل ذلك في وجهي ومباشرة. ولكن من المضحك أن أبذّر هذه الصفحة كلها في الكلام على “الثقافة”، الحلم الذي يتغذى عليه تلاميذ الجامعة ذوو النظارات الطبية والشعراء الذين يعالجون »مسائل العصر« بجبين مقطب. الشيء الوحيد الذي يستحق المعالجة هو أن تفتح فمك فجأة وأنت في الشارع ومن حولك طنين الخلية الانسانية وتقذف من أحشائك ذلك البركان الذي هو أنت. وبعد ذلك تستطيع ان تقف لمدة نصف ساعة مراقباً بدهشة أناك المحترقة وهي تتسلق أكتاف البشر وتدخل أنوفهم الضائعة. ربما كنت قد خطوت كثيراً في الليل، ولكن ذلك هو بالضبط وبدون لف أو دوران، واجب الكاتب: فإنك لم تولد ولن تولد في نهار العالم بمجرد أن تنتظر واقفاً. بل إن الليل هو الذي يخفي نهارنا الحقيقي. وعلينا أن نخترق هذا الدرع المميت؛ ثقب أو ثقبان ينبثق منهما الضوء ونعرف بيقين أن النهار هناك، إنه هناك! هذا ما حدث لي، ويمكنني القول انني قد رأيت عدة ثقوب في ذلك الدرع وعلى النور المتسرب منها أحيا الآن.

ساعد الشعر على إنقاذي كثيراً. منذ ان وطأت هذه الأرض الأجنبية والشعر يلتهب في باطني ليوازن بين البرد المسموم في الخارج واليقظة العنيفة في الداخل. أحياناً يدخل البرد رغم كل شيء، كما يحدث في قرية ما في شبطين مثلاً حين يحاول فلاح ذو عائلة من الأطفال أن يغلق النوافذ جيداً في وجه عاصفة من الثلج، وقبل أن ينجح يدخل بعض البرَد ولكنه ينجح دائماً. على انني حافظت على تلك العائلة من الأطفال التي تعيش فيّ. وسأفعل دائماً. وطيلة هذه المدة أيضاً لم أتوقف عن الكتابة. أحياناً فعلت، ولكنني لم أتوقف عن “الكتابة” في داخلي لحظة واحدة. وكل ما هناك، انني فعلت ما يجب أن يفعله كل كاتب حقيقي: القدرة على الصمت. قريباً جداً سأبعث الى لبنان بكتاب ليُنشر. لديّ الآن عدة كتب حاضرة للنشر. وأعمل على رواية إسمها “صحراء العالم” وهي كل ما أعيش من أجله الآن لانها ستكون معادلاً كاملاً لحياتي الداخلية. ولا يمكنني أن أقول لك أي شيء عنها. كما انني أعددت كتاباً آخر باسلوب ليس شعراً أو قصة أو أي شيء، بل هو كل هذه العناصر التي تقف في مواجهتنا من الداخل والخارج، أو الوجود في أشعة نظرة واحدة. والكتاب الذي أعده منذ مدة طويلة وأقرأ من أجله كل يوم منذ سنتين، هو دراسة في الرواية الحديثة، وأعني الحديثة! سأعطيك فكرة: عناوين بعض الفصول:

هيرمان هيسه: العين الثالثة.

سيزار بافيس: الجدار الخامس للسجن.

لو كليزيو: هالة حول العالم/ الرواية الكوسمولوجية.

كورتازار: تركيب المتاهة.

بيكيت: جلود العزلة السبعة.

وقد قرأت كل ما يمكن من مواضيع الدراسة، بالاضافة الى التآليف الاصلية. واخيراً، مجموعة جديدة من القصص. والآن لنتحدث عن شيء آخر.

جان دمو هناك، وهو في دير! لا استغرب ذلك من جان. ولكن يا عزيزي حاول بشدّة أن تتصل به وقل له أن يكتب لي واعطه عنواني. أحياناً هنا، أكلّم جان وكأنه معي حين أرى شيئاً او شخصاً معيناً أعرف اننا كنا سنعلّق عليه ونسبره حتى المركز. في كثير من الاحيان وحين أكون يائساً، مجرد محاورة من هذا النوع تعيدني الى حالتي السعيدة واضحك عالياً في الشوارع دون ان أستطيع السيطرة على نفسي. إن ما بيني وبين جان نادر وخالد، ويقف ما وراء جلد العلاقات وجدار البشرية. أعرف بعمق اننا سنلتقي. لذلك، دعه يكتب لي وبعد ذلك ربما أمكن أن ندبر طريقة لسفره الى هنا، وسأفعل كل ما أستطيع.

والأب يوسف سافر. اعطني عنوانه في رسالتك. وسأكتب اليه. ولكنني لم أفهم، هل سافر وحده أم انه أخذ عائلته معه؟ قريباً جداً سأبعث الى يوسف الخال برسالة ومواد للنشر، بعد هذا الغياب الطويل. هل يمكن أن تبعث إلي بعنوان أدونيس، وكذلك عنوان مجلة الآداب؟ سلّم على أدونيس بحرارة. سأكتب اليه قريباً. وأرجو ان أهيء رسالة طويلة عن السياسة والفكر في أميركا لتنشر في “مواقفه”. وكذلك مواد جديدة من كتاباتي. وربما بعثت اليه بكتاب كامل والمال اللازم لنشره. ولكن أولاِ، بلّغه حبي واعطه عنواني وأرجو أن يبعث الي بنسخة من مواقف حتى يتيسّر لي أن أبعث اليه ببدل اشتراك. وأفكر أيضاً بإعداد مقابلات طويلة مع شعراء هذه المنطقة. وقد قابلت عدداً منهم وتشاجرت معهم، وترجمت بعض قصائدي الى الانكليزية. وبدأت اكتب بالانكليزية منذ مدة. وفي المستقبل أنوي أن أكتب رواية واحدة ووحيدة بالانكليزية اضع فيها كل شيء. ولدي الآن مجموعة من الشعر بهذه اللغة، وكذلك قصة اسمها “الصحراء” وهي عن مهرب على الحدود العراقية، وربما ترجمتها عن الانكليزية إلى العربية.

عزيزي وديع. لقد تكلمت كثيراً، اليوم هو السبت، عطلة. ولديّ موعد مع إمرأة أميركية، ولكنني أعتقد انني متأخر الآن لانني قضيت هذه الساعة الاخيرة أكتب اليك. على انني سأذهب فالمرأة قد انتظرت أكثر من اللازم. وهي ستصاب بهستيريا اذا لم أذهب، لانها ظلت ثلاثة أسابيع تبعث اليّ برسالة مضمونة كل يوم وهدايا حتى وعدتها، وذلك منذ ان تركتها منذ شهر دون سابق إنذار أو سبب، يائساً من العلاقات والجنس عائداً الى الشعر. على كل حال، سأكتب لك قريباً. تحياتي الى والدتك، والى اخيك وزوجته اللطيفة، وقل لها أن تقرأ فألي واخبرني بالنتيجة.

اخوك

سركون بولص

27 / 3 / 1971

من أخذ النظرة التي تركتها أمام الباب؟

وديع سعادة

مجموعة شعرية جديدة لي بعنوان ” من أخذ النظرة التي تركتُها أمام الباب ” أرسلها لكم عبر الانترنت (مرفقة ربطاً مع هذا الايميل) ولا أصدرها عن دار نشر احتجاجاً على تعامل معظم دور النشر مع الشعر كسلعة تجارية وأتمنى أن تعتبروها ككتاب مطبوع

نص المجموعة كاملاً

wpid-t_b3a2f64b-2ca3-44ab-b522-e71929b5e9c1-2011-07-7-05-49.jpg

مع سركون بولص ونبيل مطر في بيروت عام 1968

الحكاية

الحكاية أَن لا حكاية

تلك التي قالها القبطان كانت خرافة

كي يسلِّي المسافرين في المحيط المديد

والحكايةُ الأخرى كانت خرافة أيضاً

كي يسلِّي الذين يغرقون.

الحكاية أنْ لا أحد في البستان

ولا أحد في الخيمة

ومن كان ينام ويزرع كان خيالاً

لا خيمة ولا بستان لكنْ قيل ذلك

كي يظنَّ الشجر أنَّ له ظلاً

ويظنّ التراب

أنَّه أُمّ.

الحكاية أَنْ لا أُمَّ

ولا قبطان ولا مركب ولا ظِلَّ

ولا حكاية.

يا جاك كيرواك

كثير من الأخطاء في الإشارات والأسماء على الطريق يا جاك كيرواك

الأسهم المشيرة إلى أمكنة

توصل إلى أمكنة أخرى

واليافطات المكتوب عليها ينابيع

صحارى.

ماذا جرى يا جاك كي أرى السهل حوتاً يريد أن يبتلعني

والفراشةَ جداراً؟

وهل السنونوة التي سقطت ميتةً أمامي

كانت تعبر كي ترسم الطريق أم كي

تمحو العبور؟

يا جاك، يا جاك، إنزعِ اليافطات عن الطريق

إلغِ الينابيع والغابات والأمكنة

دلَّني فقط إلى الممرِّ الذي بلا إشارات ولا أسماء

أريد أن أعبر.

إلى سركون بولص وبسَّام حجَّار

اعطني رداءك يا سركون

بردتُ

أَدفئني قليلاً بترابك

وأَنعشْ هذا التراب يا بسَّام

ادلقْ عليه

كأسك.

على المحطَّة قطارٌ بعد، اصعدا قبل أن يمضي

نذهب معاً في نزهة

نرى الغابات، نرى البطَّ في البحيرات، نرى البيوت وكيف

تطويها المسافات

وتطوي الساكنين فيها

لا يزال قطارٌ بعد

وبعده تقفل المحطَّة

اصعدا

فإنْ مضى هذا القطار

أين نقضي هذه الليلة؟

إنَّه القطار الأخير، اصعدا

قد نذهب في نزهة

قد نرى ذاك النبع الذي حلمنا به طويلاً

ينبثق من المياه الجوفيَّة لأحلامنا

اصعدْ يا سركون

قد يمرُّ هذا القطار في مدينتك

اصعدْ يا بسَّام

قد نرى مروة.

الذي عبَرَ اسمَهُ

كتبَ اسمَهُ على الحائط كي يتذكّر العابرون أنه مرَّ من هنا

كتبَ اسمَهُ وذهب

وحين عاد

حاول عبثاً أن يتذكَّر

من هو هذا الاسم المكتوب على الحائط.

الشعر غير الحر

ملحق النهار – السبت 11 حزيران 2011 – السنة 78 – العدد 24415

الشعر غير الحر في ذكرى دنقل / بقلم يوسف رخّا

هل أجازف بإجحاف حق شاعر عظيم إذ أقول إن أمل دنقل لم يترك شيئاً يذكر لصالح الثورة المصرية؟ أقصد ثورة يناير المستمرة حتى يونيو على الأقل، على الرغم من إمكان استدعاء كعكة دنقل الحجرية كمعادل سبعيني لما جرى أخيراً في ميدان التحرير! إن احتجاجات الطلبة ضد تأجيل الحرب مع إسرائيل عام  1972 – ضد “حالة اللاسلم واللاحرب” التي جسدت أولى مراحل انحراف الرئيس السادات عن المسار الناصري، وكتب دنقل في شأنها قصيدة “سفر الخروج أو أغنية “الكعكة الحجرية” – لم تكن سوى وجه من وجوه مشروع قومي صار واضحاً أن “الربيع العربي” يعني تجاوزه على نحو جذري، بل ان المشروع القومي ذاك، لم يكن سوى تكريس لوعي “عربي- إسلامي” أدى، قبل بداية المشروع نفسه بقرن أو أكثر، إلى الاستعمار.
¶¶¶

سيكون من قبيل الكليشيه المتواتر في خطاب الأدب المعاصر القول إن أشهر أعمال دنقل هي في الضرورة أسوأها: تلك “القصائد السياسية” التي، وإن التزم ظاهرها تعاليم تقضي بأن لا يتناغم الفن الرفيع مع “المباشرة” فتضمنت إشارات خاوية إلى التاريخ القديم والأساطير (حرب البسوس مثلاً)، لا يمكن أن تُقرأ إلا بوصفها دعاية للأحداث المزامنة لكتابتها. ولا غرو أن يشتبك الشعر مع الشأن العام بدرجة أو أخرى، في مساحة منه، إلا أن هذه القصائد تبدو كما لو أنها استبدلت حقائق الأدب المركبة بتصور ذرائعي عن الواقع – استبدلت الوعي الشعري بشيء يشبهه أو حقيقة الشعر بخرافة تجعل من الشعر دعاية سياسية وإن كانت “ثورية” أو هامشية – الأمر الذي يتفق إجمالاً مع نفعية الفكر العربي منذ عصر النهضة، وهي النفعية ذاتها التي ستسمح في ما بعد بالسعي إلى الثيوقراطية عبر صناديق الاقتراع في غياب شروط مبدئية للعملية الديموقراطية أو الدفاع عن النقاب بذريعة أنه ضمن حقوق “الحرية الشخصية” المفترضة ليس في الخلافة الإسلامية ولكن في الأنظمة الليبيرالية ذاتها التي يمثل رفضها دافع الدعوة إلى الخلافة.
لا شك في أن دنقل، مثله مثل محمود درويش، كصوت فريد في طليعة الشعر العربي زمن ذيوعه الأقرب، قادر على إنتاج خطاب مؤثر جمالياً؛ لكنه يمكن الذهاب، وباليقين ذاته، إلى أن جانباً من أعمال دنقل – كأعمال درويش – درج على تعهير الشعر لصالح السياسة. فإن “القصيدة السياسية” بوصفها شقاً أصيلاً من حركة الشعر الحر التي سادت الخطاب الشعري بلا منازع حتى تسعينات القرن الماضي، ساهمت في تكريس الاعتقاد الشائع بأن النشاط السياسي هو ساحة موازية للكتابة أو أن خطاباته البيداغوجية يمكن أن تتطابق مع خطابات الأدب. مع ذلك، فإن ما ينطبق جمالياً على قصيدة “لا تصالح”، ينطبق على أعمال أقل اشتباكاً مع الشأن العام مثل قصائد الحب المبكرة.
¶¶¶

يبدو السؤال الجذري، على عكس سؤال “أغراض” الكتابة، وثيق الصلة باختلال قواعد النهضة إثر حركات التحرر الوطني، في تصريفاتها “القومية” و”اليسارية”.
كان من شأن الرؤية التوفيقية السائدة منذ القرن التاسع عشر أن تقصر ما هو “شعر” على ما يتضمن امتداداً لعروض الخليل أو تنويعاً عليه، مكتفية بالمعيار التقني المتأكل ذاتياً أمام النموذج “الحديث” الذي كان طرحه المستعمر حتى قبل أن يتم استثمار ذلك النموذج على أي نطاق؛ وارتكنت تلك الرؤية فيما سوى التقني من اعتبارات – أسئلة المعنى والأسئلة الجمالية وأسئلة تراثية عن دور الشعر في مجتمع متجانس قسراً – إلى تصورات غير واقعية عن جذور الشعر الحر في تراث اللغة من ناحية وعن أهلية الشاعر لتغيير المجتمع من ناحية أخرى. هكذا انتهى الشعر – في معرض السعي النفعي، ومن ثم السطحي، إلى مزاوجة بين أفضل ما في الموروث “المحلي” وأفضل ما في الحداثة “المستوردة” – إلى خطاب، باطنه منزوع الصلة بالاثنين، وهو النموذج النهضوي السائد في شتى المجالات والسبب الأوقع لامتناع العرب عن المساهمة في إنتاج الحداثة عوض استهلاكها فحسب.
كان من تبعات تلك المزاوجة المؤلمة، أن تعتمد شرعية الشاعر كشاعر على التزامه الخطاب الشعري المشروع بوصفه خاضعاً لوصاية هامش أو متن استبدادي. فحتى في الشعر الحر غير المعني بالشأن العام (في أعمال صلاح عبد الصبور أو بدر شاكر السياب، مثلاً)، لا تدل الحركة في مجملها إلا على “أنصاف ثائرين” (بحسب عبارة يوسف إدريس) أقاموا نصباً أدبياً لمشروع وطني لم يتضح فشله بكامل جلائه حتى الشهور الأخيرة من 2010.
¶¶¶

بغض النظر عن كونه أثبت قدرة نسبية على حشد الجماهير، شأنه في ذلك شأن الخطاب الشعبوي ومن بعده الخطاب الإسلاموي، كان الشعر الحر جزءاً عضوياً من وعي خرافي هدفه ليس نهضة المواطن العربي ولا الوحدة العربية ولا دحض الرأسمالية العالمية ولا تحرير فلسطين، وإنما تعهير ذلك كله لصالح حكومات قادرة على إبادة شعوبها في الشوارع من أجل البقاء في الحكم.
¶¶¶

كان الشعر الحر جزءاً من وعي أنتجته نظم ومجتمعات تعسفية ستتعطل أدواتها بالكامل في مواجهة النظام العالمي الجديد، بما في ذلك الإسلام السياسي. على عكس ذلك الوعي الخرافي، فإن قصيدة النثر في مصر التسعينات، بوصفها رد فعل متطرفاً لتطورات حركة الشعر الحر ما بعد السادات، سواء حدث التطور من خلال النشاط السياسي أو استبدال “القصيدة السياسية” بقصيدة أدونيس المغرقة في استغلاقها وتعاليها على المجتمع، ساهمت في خلق وعي فردي وواقعي وحر في نفوره من الإيديولوجيا ومن ثم نجحت في ما أخفق فيه نجوم الستينات من أمثال دنقل ودرويش على طريق طرح نهضة محتملة ستكون أولى خطواتها التخلص من القمع وتبدية المواطن الفرد على مشروع مركزي لم يكن في مجمله سوى تكريس للواقع الاستعماري. لا مناص هنا من الإشارة إلى أن من أججوا الاحتجاجات التي أدت إلى تغيير لا يزال في مجمله رمزياً في تونس وفي مصر لم يكونوا من المثقفين التقليديين ولا المضطلعين بالنشاط السياسي.
لقد تجاوز الشعر العربي منذ السبعينات عثرات التفعيلة فعلاً ومجازاً، فأدرك أن المجتمع بتعريفه المبدئي كيان غير متجانس، وقبل بحتمية التاريخ في مقابل الحتمية التاريخية، كما كشف ضحالة الخطابات البيداغوجية بالمقارنة مع خطابات الأدب؛ وفي ذلك أثبت – بغض النظر عن ضعف الإقبال الجماهيري عليه – أن الحداثة الشعرية البديلة لمهاجرين من أمثال سركون بولص ووديع سعادة كانت، على رغم تفريطها في عروض الخليل، هي الأقرب إلى مشروع عربي نهضوي.
¶¶¶

لا يمكن وصف ما يجري في العالم العربي الآن بغير معركة الاستقلال الثاني التي ستناطح الهيمنة الأميركية بالضرورة، ليس من خلال الخطابات الحماسية للمقاومة، قومجية أكانت أم إسلاموية، إنما من خلال تعارض فعلي بين مصالح “الغرب” ما بعد الاستعماري ومصالح المواطن العربي وقد تخلص من وعيه الخرافي. ولا ضرورة في السياق الحالي لاستشراف احتمالات التصادم الناتج من ذلك، وآثاره، أو تحاشيه. يكفي القول إن الشعر لن يكون له أي دور.
في نص أشبه بالقصيدة السياسية تحت عنوان “أي ربيع عربي” للشاعر العراقي سعدي يوسف، أحد معلّمي الشعر الحر الباقين على قيد الحياة، ذهب الثوري العتيد إلى أن ما يحدث في العالم العربي الآن ليس سوى تمثيلية من تدبير واشنطن اعتمدت على آليات العصر الإلكتروني لخدمة أغراض استعمارية مناوئة للمقاومة. “قلب بطني” نص سعدي يوسف، لكنه بدا الأقرب إلى موقف الشعر الحر من الأحداث الحالية. ولم أستطع أن أمتنع عن التساؤل عما إذا كان دنقل سيوافقه الرأي.
المؤكد أنه لم يعد ممكناً غض النظر عن أن “الكعكة الحجرية” عائق على طريق الاستقلال الثاني أكثر منها تجلياً للثورة. ويوم نستقل، في ظني، لن نعود في حاجة لا للقضية ولا للزعيم حتى تراق دماؤنا وتكهرب أعضاؤنا التناسلية وبينما نمارس دعارات شتى من أجل نجاح منتهاه أن يمنحنا حق الوصاية، نصبح ممثلين خائبين في أفلام من نوع “رد قلبي”. يوم نستقل، لن يعود أحد يضطر إلى تمجيد لا صدام حسين ولا أسامة بن لادن… ولا حتى حسن نصر الله.

…………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..
جميع الحقوق محفوظة – © جريدة النهار 2011

 

ملاك الكمنجا

 

أريكة فيرونيكا الزرقاء
“كولونيا” باردة طقسها رماد:
اليوم ثلج، بالأمس ثلج، وغدا بالتأكيد..
لكن الثلج جميل على الراين، والرمادي لون لا بأس به
عندما تدلك فيرونيكا عازفة الفلوت
إلى غرفتها القريبة من الجسر
لتسعل شيئا من فيفالدي، شيئا
من باخ، وتفتح أريكتها الزرقاء
فإذا بها سرير


سركون بولص

حامل القانوس في ليل الذئاب، ص86


Enhanced by Zemanta

لا نابول، مارس 2011

 

بين حجر الشاتو والبيت الصقيل

مراكشي يقرأ أكثر مما يكتب

وامرأة-طفلة أنفها يحظر التدخين

حيث الزبد يتفجر بالهتاف

فلول المتظاهرين في مدينة كالكف

طافية بحذاء أذني

لماذا علي وسط ساحل اللازورد

أن أقتعد السلالم في المطر

خلف الجدار البمبي غابة صغيرة

في الغابة طيور آتية من البحر

وخلف الغابة طريق

نصان في السفير

الألـــم أعمــــق لكن التحليق أعلى

يوسف رخا

أخطاء الملاك
ماذا ظننتَه سيفعل بعد كل هذا الوقت، الملاك الذي ظهر لك وانتظر أن تتبعه… كيف لم تقدّر عمق ألمه السماوي وأنت تبتعد عن الجبل الملعون كل يوم خطوة، تجرجر حقائبك المثقلة بلحمه على ساعات تجري إلى ما لا نهاية بين ساقيه، وتهزأ إذا ما نهــاك تليفــونياً عن الكبرياء؟ الآن وقد أصبح الملاك بُخاراً، كسبتَ ما أراد أن يضيّعه عليك. لكن ما الذي فضّلتَه على الخــسارة؟ قرية هجرتْها نساؤها؟ خادم يسرق من البيــت؟ نجمة مدارها عقد سيصدأ حول رقــبتك؟ لعلــك ظنــنته يظهر من جديد، أو نســيت أن فــي بطــنه دَمَك. يا كــافرْ، كيف ستحلّق الآن؟
[[[
عن قصيدة سركون بولص من ديوان «حامل الفانوس في ليل الذئاب»:
«يظهر ملاك إذا تبعتَه خسرت كل شيء، إلا إذا تبعته حتى النهاية… حتى تلاقيه في كل طريق متلفعاً بأسماله المنسوجة من الأخطاء، يجثم الموت على كتفه مثل عُقاب غير عادي تنقاد فرائسه إليه محمولة على نهر من الساعات، في جبل نهاك عن صعوده كل من لاقيته، في جبل ذهبت تريد ارتقاءه! لكنك صحوت من نومك العميق في سفح من سفوحه، وكم أدهشك أنك ثانية عدت إلى وليمة الدنيا بمزيد من الشهية: الألم أعمق، لكن التحليق أعلى.»

القرينتان

كانت إحداهما تكبرني بعشر سنين والثانية أصغر بنفس القدر. ولولا تطابُق عبارات تستخدمانها في وصف أشياء هي الأخرى متطابقة، ربما ما انتبهت إلى أن منشأهما واحد. لي عام أبحث عن شيء لن أجده مع أولهما، ولا أعرف لماذا ظننتها تخبئه خلف نحولها أو في السنين التي وراءها والتي تقضي بأن لا ألحقها على الطريق. لذلك عندما التقيتُ بالثانية، وكانت على نفس درجة النحول، روّعني سماع «ما حصلتش» و«الوسط» و«ماسكات» ثم «أتفرج من فوق»، بالذات وأنا أعلم أنهما لم تلتقيا وربما لن يجمعهما سوى انعكاس شفاههما وهي ترسم الألفاظ نفسها على سطح عيني أنا في الفجر. التي تصغرني بعشر سنين كانت تتطلع إلى الشباك وهي تستعجل السكوت، تماماً مثل قرينتها الأكبر بنفس القدر. وخُيّل لي أنني أرى السنين التي أمامها بكل تفاصيلها الموجعة. «ما حصلتش»، «الوسط»، «ماسكات». «أتفرج من فوق». هي أيضاً لم تتحمل كلاماً حاولتُ أن أنزع منه أي نبرة نصيحة. وفي نقطة تتوسط عشرين عاماً بصدد الوصول إلى المدينة، كان علي أن أسترجع قصة تبدأ بفتاة ريفية متفوقة في المدرسة وتنتهي برجوعي وحيداً إلى البيت. لم أسأل نفسي أصلاً لماذا تتكرر الكارثة.

Enhanced by Zemanta

أخطاء الملاك-عن قصيدة سركون بولص

***

ماذا ظننتَه سيفعل بعد كل هذا الوقت، الملاك الذي ظهر لك وانتظر أن تتبعه… كيف لم تقدّر عمق ألمه السماوي وأنت تبتعد عن الجبل الملعون كل يوم خطوة، تجرجر حقائبك المثقلة بلحمه على ساعات تجري إلى ما لا نهاية بين ساقيه، وتهزأ إذا ما نهاك تليفونياً عن الكبرياء؟ الآن وقد أصبح الملاك بُخاراً، كسبتَ ما أراد أن يضيّعه عليك. لكن ما الذي فضّلتَه على الخسارة؟ قرية هجرتْها نساؤها؟ خادم يسرق من البيت؟ نجمة مدارها دبلة ستصدأ في إصبعك؟ لعلك ظننته يظهر من جديد، أو نسيت أن في بطنه دمك… يا كافر، كيف ستحلّق الآن؟

***

قصيدة سركون بولص من ديوان حامل الفانوس في ليل الذئاب

يظهر ملاك إذا تبعته خسرت كل شيء، إلا إذا تبعته حتى النهاية… حتى تلاقيه في كل طريق متلفعاً بأسماله المنسوجة من الأخطاء، يجثم الموت على كتفه مثل عُقاب غير عادي تنقاد فرائسه إليه محمولة على نهر من الساعات، في جبل نهاك عن صعوده كل من لاقيته، في جبل ذهبت تريد ارتقاءه! لكنك صحوت من نومك العميق في سفح من سفوحه، وكم أدهشك أنك ثانية عدت إلى وليمة الدنيا بمزيد من الشهية: الألم أعمق، لكن التحليق أعلى

Enhanced by Zemanta

سر المكان

معنى أن تغادر…

موضوع قد يستغرق الأبد.

أن تغادر المكان الذي ألفتَ زواياه كأنها في

خبايا فكرك انعطافات الحلم الذي لا يلوي على شيء –

المكان الذي سره أبداً لم يُستكشف، لأنه صار أليفاً وأنت

لن تقبل إلا بما لا تعرفه، قابلاً لما تعرف لكن عارفاً أن هناك

شيئاً خبيئاً وراء بابك، شيئاً لن تطاله الأضواء التي

لن تعرف سرها ولن تراها…

أن تغادر المكان الذي يلتف سره بالأحاجي

لأنه صار أليفاً، والأليف حين يُستكشف يُطرح جانباً في العادة؛

قد يحدث هذا، ذات يوم، عندما تركب قطاراً

إلى الريف أو المنفى:

أن تجد كل طريق، كل حقل، كل بيت

مغتسلاً برونق بهاء ليس سوى بعضاً من ترنّقه

في مرآة الترف: اللون، والشكل، زوايا التظليل، إطار المتعة

الباذخة في العين – حصان يرعى في المخيلة.

جسر يتجسد فوق ضفتين، ما وراء النظر

لكنك ترى في غفلة

ظله العابر.

وإذ تعبر بالبركة (في أية قرية!)

وتحجز في نظرتك الماء الساكن، وباحات البيوت

والقارب المقيّد بالحبل

إلى رصيف المرفأ، وتفكر، ولا تدري أنك فكرت إلا فيما بعد:

«كم ساكن هذا الظل وأسود في الماء»

فإنك تدرك، في الحال، أن المرأة الملفعة بعباءة

سوداء في الحديقة، تبكي لأن أحدهم أجبرها

على أن تقبل بالحقيقة.

ولستَ متأكداً إن كان هذا جزءً من الحلم، أو شهادة

سمعت تفاصيلها ذات مرة

لكنك تدري أن ما جاهدتَ أن تدريه في تلك اللحظة

شيء يمكن لك الآن، في عمرك هذا، أن تعرفه أكثر

لأن الخليقة وضعتك في هذا الموضع بالذات

حيث ترى، وتمتلك الرؤية.

إنك آنذاك، حين يتقمصك الوضوح، وتكون في

حال من فرط انجلائها، أنك لا تفكر حتى بأن تفكر:

آنذاك قد يحدث أن تحدس السر الذي لم تستكشف طواياه

في المكان الذي غادرته، ذلك الشيء الخبيء ما وراء أستار وأبواب

ذلك الشيء الذي لن تطاله الأنوار التي رأيتها في منامك.

تلك التي لم ترها سوى في منامك.

(نص قصيدة سركون بولص من «عظمة أخرى لكلب القبيلة»)

Obituary, The Guardian

Sargon Boulus

Iraqi poet who joined the Beat generation

In 1967 a penniless 23-year-old Iraqi, with no documentation, applied to the American embassy in Beirut for a visa to enter the US. A writer, he claimed an intimate knowledge of American poetry. He was called to meet the ambassador, who asked him about poetry. He started with Walt Whitman and referred to many contemporary Beat poets, of whom the ambassador had not heard. But he was impressed. “Enough!” he said, “you’ve got it.” The young man went to New York, and on to San Francisco, which became his home for the next 40 years.The young man was Sargon Boulus, who has died in Berlin aged 63, after some months of poor health.

Sargon was born in al-Habbaniyah, on the Euphrates in Iraq, to an Assyrian family. The British had provided the Assyrians, an ancient but threatened Christian sect, speaking its own Semitic language, with a safe haven near a military base. His family moved to Kirkuk, where Sargon had his secondary education. He started writing poetry aged 12. His first published poem came a year or two later since when, as he wrote, “I haven’t stopped. It just grabbed me, this magic of words, of music.”

It was an exciting time for Arabic poetry, with a rejection of classical forms that had held sway for a millennium and more. Beirut was the centre of experimental poetry, especially the magazine Shi’r (Poetry), edited by Yusuf al-Khal. When he was 17, Sargon sent some poems to Yusuf al-Khal that were immediately published. He was encouraged to go to Beirut and made the journey from Baghdad with no identification papers, avoiding public transport and official border posts. He was warmly welcomed by the innovative poets based in Beirut and lived a hand-to-mouth existence, gathering at the Horseshoe cafe with other writers, and writing for the newspaper al-Nahar. He was picked up by police as an illegal immigrant and jailed. Friends intervened and he applied, successfully, for entry to the US.

In San Francisco, he became part of the Beat generation. Sargon lived on the edge, running a Middle Eastern restaurant, writing and translating, demonstrating for native American rights and against the Vietnam war. He introduced Arab readers to Allen Ginsberg, Carl Snyder and Lawrence Ferlinghetti. He became intoxicated by the classical English poets and translated Shakespeare’s sonnets, as well as Shelley, Ezra Pound, Ted Hughes and Sylvia Plath. At his death, he left uncompleted a major study and translation of the writings of WH Auden.

He wrote his own poetry, feeling savage about the limitations of Arabic and the upholders of formal classical traditions. He talked about “linguistic fundamentalists”. Arabic, thought Sargon, “is always too full of decoration, unnecessary words and fat – linguistic fat. I’m cutting it like a butcher and I’m trying to show the bones behind the flesh and I think that’s something worth doing.” He wrote poetry in Assyrian, Arabic and English.

He spent time in Athens and Germany, where Iraqi publisher Khalid al-Maaly helped promote his work. He was also a journalist and translated romantic novels into Arabic. From 1998 he was a consultant editor of Banipal, a London-based magazine of Arab literature, and a prolific contributor, translating a range of contemporary Arab poetry into clear and concise English.

Sargon worked hard, played hard and travelled hard. His last years were dogged by ill-health, but he was working and writing to the end. He is survived by his partner of several decades; she shares a name with film star Elke Sommer.

· Sargon Boulus, poet, born 1944; died October 22 2007

Reblog this post [with Zemanta]

The Letter Arrived سركون بولص

قُلتَ

أنك تكتب والقنابل تتساقط، تُزيلُ تاريخَ السقوف

تَمحقُ وجهَ البيوت.

قلت

أكتبُ إليك بينما اللّه

يسمحُ لهؤلاء أن يكتبوا مصيري. هذا ما يجعلني أشكُّ في أنه الله.

كتبتَ تقول:

كلماتي، هذه المخلوقات المهدَّدة بالنار.

لولاها، لما كنتُ أحيا.

بعد أن يذهبوا، سأستعيدها

بكلّ بَهائها كأنها سريري الأبيض في ليل البرابرة.

أسهرُ في قصيدتي حتى الفجر، كلَّ ليلة.

قلتَ: أحتاجُ إلى جبَلٍ، إلى محطّة. أحتاجُ إلى بشَرٍ آخرين.

وبعثتَ بالرسالة.



You said
that you write while the bombs
rain down, erase the history of the roofs,
eradicate the faces of the houses.

You said:
I write to you while God
allows them to write my destiny;
this is what makes me doubt He is God.

You wrote to say:
My words, these creatures threatened
with fire. Without them, I wouldn’t be able to live.

After “they” are gone, I will regain them
with all their purity like my white bed
in the barbarians’ dark night.

I keep vigil in my poem until dawn, every night.

Then you said:
I need a mountain, a sanctuary. I need other humans.

And you sent the letter.



الشرق شرق

arabic-world-map3.jpg

        العالم كما تصوره الإدريسي

…«والغرب غرب» – هكذا كتب المرحوم سرگون بولص، لكنه عاد وأردف بلبَس موحٍ – «نحن واحد/هذان عالمانا.» لبس موح، بغض النظر عن أن بولص عراقي مقيم في أميركا، أو سرياني يكتب بالعربية، أو بدوي – ينطق الضاد ظاداً – بالتبني. هناك زواج بين الكلمتين يتأرجح على حد سكين ثلم، ظل الشرقيون يتمثلونه على مر القرون. كان العثمانيون منذ أيام سليمان القانوني الذي ورث القسطنطينية ومصر ودعوى الخلافة، مثلاً، يحتفلون على نحو خاص بجزء من الآية الخامسة عشر بعد المئة من سورة البقرة: «ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله». باعتبار السلطان/الخليفة ظل الله على الأرض، كان للعبارة القرآنية ترجيع إيجابي. شيء سخيف أن يكون التمثل المعاصر لعلاقة الشرق بالغرب – مقار نةً – أقل ندية بقدر ما هو أكثر علمانية (وليس فقط لأن ميزان العلم والثراء لم يعد يرجّح كفة الشرق المفترض، الأمر الذي يجعلنا نزايد على بعضنا البعض في كراهية الذات). اليوم ما تكاد تنعقد جلسات المتعلمين، في بلادنا، حتى يدور الحديث عن فضل الغرب على الشرق. وأنت لا تقوى على زحزحة السياق المفروض مسبقاً على عملية التوصيف. أكثرنا على يقين لا يتردد لحظة في تأكيده ونعت من ينفيه بالسفه. لدرجة أنهم ينبذونك إذا ما تباطأت بإعلان رغبتك في الهجرة. أي شبهة انتماء أو لامبالاة تستحضر، في أذهانهم، خطاب القومية وحب الوطن. ولا خلاف على أنه خطاب خائب ومكرور، شأنه شأن مبررات القهر والتراجع بامتداد البلاد المستعمرة ما بعد الاستقلال. لكن شكاً ضرورياً لا يطرأ بأن المسألة قد تتخطى دائرة الانحياز الكاذب للشرق إلى احتمال أن تنطوي الخبرة الشرقية بالغرب على نقد أو نفور. خاصة عندما تكون الخبرة المقصودة شخصية: خبرة الأماكن، والبشر؛ الأدمغة المحشوة بالقطن الملوث؛ الأجواء الأخلاقية المضطربة؛ والمسخ الذي ينجبه جماع ثقافتين عادة ما يستتبع افتراضهما، مجرد افتراض أنهما هناك وبالذات أنهما اثنتان، تفضيلاً أوتوماتيكياً لإحداهما. هناك ظاهرة المهاجر المرتاب، المؤمن بالـ«التقدم» في حدود ما لا يمس منظومته الفكرية القاصرة عادة وخرافاته الأخلاقية التي لا يدري، لو سألته، سر تعلقه بها (كما لا يدري سر إقامته بعيداً عن أرض أجداده، في النهاية). يقطع الإنسان نصف الكرة الأرضية ليصل إلى حيث كان حين أقدم على الفرار، وهناك يشغل مساحة أضيق من الحبس الذي فر منه وسط اختلاف يتبدى له تدريجياً مثل جلاد مصمم على إزالته. كلنا، للأسف، أصبحنا ذلك المهاجر. فهل عسانا نتمكن من قتله بأيدينا قبل أن يقتله الجلاد؟

screen-capture3.png