سركون بولص

حسين بن حمزة: لا عزاء للتماسيح

سعادتي برواية التماسيح قد تفهم خطأ. أعتقد أن الفترة التي كتبت فيها – وخلالها توطدت علاقتي بيوسف رخا – كانت من أغنى الفترات في وقت بدا قاحلا ومربكا … الحوارات الشاقة مكسِرة الرأس على موجة الثورة العالية والهابطة إلى القاع هي التي حولت مشاعر كان من الممكن أن تبقى مجانية تماما إلى كلام. من منا لا يدين لشخص دفعه الى الكلام؟ – مهاب نصر يوم ٢٠١٢/٩/١٩

.

على خلفية إسقاط النظام المصري، تعيد رواية «التماسيح» (الساقي) كتابة محطات أساسية لـجيل التسعينيات الذي انتهت أحلامه بتغيير العالم إلى انهيارات شخصية حاولت أن تجد سلواها في الثورة المغدورة

«أحياناً وأنا أستعيد حواراتنا ومشاجراتنا وكل السُّبل المعقدة التي ربطتنا ثم حلّت الرّباط، يبدو لي أنّ الفشل كان القيمة الوحيدة المحرِّكة في الدائرة»، بهذا الاعتراف الذي سيتكرر في صفحات وسطور أخرى، يُنهي يوسف رَخَا (1976) روايته «التماسيح» (دار الساقي). الفشل لا يُقدم هنا كنتيجة نهائية، بل كاستعارة كبرى تختزل السياقات السردية للرواية التي تتحدث عن تجربة جيل التسعينيات في الشعر والكتابة، والعلاقة مع الجيل السابق ومع المؤسسات الثقافية.

Continue reading

نساء يلبسن أكفاناً سوداء: نصوص لصلاح فائق مسروقة من فيسبوك

وصيتي للعميان

إلى علي عبد الصمد

.

أكتب وصيتي الأخيرة ليقرأها العميان باللمس

أنا محبط منذ أيام: جامعت في مخيالي

حسناء من فيلم قديم.

اليوم رأيتها في مرآتي الكبيرة كئيبة، غاضبة

تتهمني بالاغتصاب، وكانت تحمل قطة من خزف.

هل يكفي أن أصرخ، أو أدعو عباقرة في تنظيم الموصلات

لينصحوني في هذا الشأن؟

كل هذا في رأسي وأنا أفحص صورا بالمجهر

أرى في إحداها عناق سحاقيات وأسمع، من ثانية،

خفاشا ينتحب في كهف.

أنا أيضا في إحدى الصور، حاملا مظلة مفتوحة،

أجول في مدينة مهدمة تماما، وليس هناك مطر.

wpid-photocopy-2013-06-1-21-56.jpg

Continue reading

حوار مينا ناجي: الصياغة الأخيرة

٦ نوفمبر ٢٠١٠

هل لابد أن ترتبط هوية الكاتب بمكان جغرافى وتاريخ محدد؟

أرى أنها على العكس لابد أن لا ترتبط، لا يصح أن تكون الكتابة مكبلة بفكرة انتماء لمكان معين أو حتى زمن معين. الانتماء لمكان وزمان يكون حاصلا رغماً عنك. سهل جداً أن تقع فى فخ سياسى أو غير أدبى، غير أدبى بأى معنى، ليس من الضرورى أن يكون سياسياً، لو أنك ربطت بين كونك تنتج أدباً وفكرة أن هذا الأدب له مكان أو له زمن أو له أى نوع من أنواع الانتماء.

Continue reading

ماذا ظننته سيفعل

أخطاء الملاك†

ماذا ظننتَه سيفعل بعد كل هذا الوقت، الملاك الذي ظهر لك وانتظر أن تتبعه… كيف لم تقدّر عمق ألمه السماوي وأنت تبتعد عن الجبل الملعون كل يوم خطوة، تجرجر حقائبك المثقلة بلحمه على ساعات تجري إلى ما لا نهاية بين ساقيه، وتهزأ إذا ما نهاك تليفونياً عن الكبرياء؟ الآن وقد أصبح الملاك بُخاراً، كسبتَ ما أراد أن يضيّعه عليك. لكنْ ما الذي فضّلتَه على الخسارة؟ قرية هجرتْها نساؤها؟ خادم يسرق من البيت؟ نجمة مدارها عقد سيصدأ حول رقبتك؟ لعلك ظننته يظهر من جديد، أو نسيت أن في بطنه دَمَك. يا كافرْ، كيف ستحلّق الآن؟

 .

عن قصيدة سركون بولص من ديوان حامل الفانوس في ليل الذئاب“:

يظهر ملاك إذا تبعتَه خسرت كل شيء، إلا إذا تبعته حتى النهايةحتى تلاقيه في كل طريق متلفعاً بأسماله المنسوجة من الأخطاء، يجثم الموت على كتفه مثل عُقاب غير عادي تنقاد فرائسه إليه محمولة على نهر من الساعات، في جبل نهاك عن صعوده كل من لاقيته، في جبل ذهبت تريد ارتقاءه! لكنك صحوت من نومك العميق في سفح من سفوحه، وكم أدهشك أنك ثانية عدت إلى وليمة الدنيا بمزيد من الشهية: الألم أعمق، لكن التحليق أعلى.”

(من مجموعة يظهر ملاك“)

.‬

أحمد ندا: حبس انفرادي مع اكتئاب مزمن

أفان تتر:

تدريب خاص على إتقان الخسائر

خاصة فيما يتعلق بالأنا العليا

دورات مكثفة في تحمل المرارة

wpid-2013-03-2103.31.30-2013-03-20-17-55.jpg

Continue reading

بمناسبة ذكرى وفاته، صدور ترجمات سركون بولص عن الإنجليزية أخيراً

wpid-img_9251-2012-10-24-01-41.jpg
 

سركون عرّب
hippies
صوتياً
هيبيون؛
لكن كان عليه من ثَمّ أن يجد ترجمة مناسبة لـ
hipsters
وهي الأصل الذي انبثقت عنه الكلمة الأحدث، المرتبط بها والمختلف عنها في آن
وبعبقرية ملهَمة حقاً توصل إلى ترجمة مثالية جوهرها مفردة عربية معروفة
فأنتج كلمة على علاقة صوتية بكلمة هيبيين وبمعنى الكلمتين وإحالاتهما على حد سواء
هبائيون

 كتب عبد العظيم فنجان
أربعة مداخل إلى سركون بولص
2012-10-22
wpid-spacer-2012-10-24-01-41.gif
حامل الفانوس في ليل العراق

“شوهدت أرملة الشمّاس تغتابُ/زوجة َالكاهن في باب الكنسية من جديد/واستُدرج القمر الهائج من سمائه/إلى فخّه الآمن في كنف عباءةٍ سوداء/غطّى بها أبي/رأسَ الأبله الذي كفّ عن الارتجاف..” مقطع من نصّ “حامل الفانوس في ليل الذئاب” لـ سركون بولص (1944-2007).

تحلّ اليوم الذكرى الخامسة لرحيل صاحب كتب ” الوصول إلى مدينة أين”، و”الحياة قرب الأكروبول”، و” إذا كنت نائماً في مركب نوح”..شاعر بتجربة متفرّدة، الناظر إلى صوره “القديمة- الجديدة” يجد فيها الحضور المؤثّر والشخصيّة الودودة، ليس أدلّ على ذلك صداقاته المتعدّدة بشعراء ومثقفين أجانب وعرب وعراقيّين، ورحلاته المشتركة مع عدد غير قليل منهم إلى عواصـم ومـدن شتّـى فـي العالم، ومن ثـمّ ما تركه- بوفاته في برليـن- من أسى فـي نفوسهـم.

كلّما عدنا إلى دواوينه وعناوينها، نشعر فعلاً إنّه شاعر حلق خارج سرب الشعريّة العربيّة المعاصرة، بمسعى واضح لبلوغ قصائد مكتوبة بتأنٍ، مبتكرها عاش حقّاً “حياة كلّها شعر”. 

يخصّ الشاعر عبدالعظيم فنجان ثقافة “الصباح الجديد” بمادّة تضيء المناسبة التي احتفت  بها دار الجمل، عبر إصدار أربع ترجمات جديدة لنماذج من الشعر العالميّ قام بها الراحل سركون بولص، بعد الجهد الكبير الذي بذله الروائي والكاتب سنان انطون والشاعر والناشر خالد المعالي، حتّى تحقّق هذا المنجز…

wpid-img_9181-2012-10-24-01-41.jpg

المحرر الثقافيّ

أربعة كتب لـ «سركون بولص»: هذا ما أعلنت صدوره منشورات دار الجمل، بمناسبة الذكرى السنوية لرحيل هذا الشاعر العراقي الكبير، وهذا ما كان يؤرق الشاعر خالد المعالي صاحب الدار، الذي كان مصمماً على أن تكون السنة الحالية هي سنة سركون  بولص،  بعد أن أخفق ـ لحد الآن ـ  في تكريس جائزة سنوية باسم الشاعر الراحل بسبب عثرات مادية، وبسبب من المعايير التي يقترحها المعالي للمشاركة في الجائزة، التي من بينها السيرة الثقافية ـ الشعرية التي قد لا تتوافر إلا في نخبة نادرة من الشعراء العرب، وأعني: تحويل الحياة إلى مراس شعري وبالعكس، لكن من دون ضجيج، ولا بيانات طنانة بجميع الأشكال: تلك «البهلوانيات» التي لم يركب موجتها سركون منذ بدايته كشاعر له بصمته الخاصة في جماعة كركوك، حتى لحظة رحيله بعيداً عن أرضه الأولى: مسقط رأس أسد آشور.

الكتب الأربعة هي مختارات شعرية لأربعة شعراء ـ مروين، وغينسبيرغ، وتيد هيوز، وأودن ـ اختارها، وترجمها وكتب مقدماتها، الشاعر سركون بولص، وراجعها  ودقق مصادرها الروائي والكاتب سنان انطون.

إذا كان صحيحاً، وهو ما أعتقد، أن سركون بولص لم يكن يعبأ بعشبة الخلود، التي سلبت لب سلفه جلجامش، فإن جل ما كان يشغله، ويثر اهتمامه، هو الرحلة بحد ذاتها، فما العشبة السحرية إلا تلك الخطوات الشاقة من سفر طويل داخل الإنسان والحضارة الإنسانية، ومن تلك الخطوات تشكلت ملامح وخارطة سيرة لشاعر وصل إلى أقاصي الأرض لمقابلة اللا أحد، واللاجدوى شخصياً، لكنه في مروره على العالم، الذي هناك والذي هنا، توقف عند ينابيع معينة ليتزود بطاقة الهروب عن العشبة الوهم. هذا التوقف أسفر عن عدة كتب شعرية له، وعن أخرى تمثلت في الكتب الأربعة أعلاه، وهي مجموع ما ترجمه سركون بولص من شعر في حياته.

في العرض أدناه محاولة لرصد سركون الشاعر، لا المترجم، وأعني: رغبة شخصية في اجتراح مدخل إلى سركون بولص من خلال إيجاد علاقة ما بينه وبين كل من الشعراء الذين ترجمهم بحب وبحميمية، وهو جهد أولي ستتبعه جهود أخرى في الاتجاه نفسه.

wpid-img_9201-2012-10-24-01-41.jpg

الكتاب الأول: عواء قصائد أخرى

أول هذه الكتب ضم قصائد مختارة من الشاعر الأميركي (آلن غينسبيرغ)، وصلة سركون بولص بجيل البيت الأميركي، وقربه ومقابلته لغينسبيرغ، معروفة للجميع، لكن المهم ـ في تقديري ـ هو مدى ما يتيحه هذا الكتاب من مفاتيح لفهم تجربة سركون بولص في قصيدته: «حانة الكلب» المنشورة ضمن مجموعة (وأنت نائم في مركب نوح) حيث هناك الهجاء الضمر لأميركا، وهو هجاء سنعثر عليه أيضاً في مجموعة (عظمة أخرى لكلب القبيلة)، وما يهمنا حقاً ليس الهجاء كطريقة احتجاج وإنما جمالية هذا الهجاء التي تجلّت في النسيج اللغوي لقصيدة (عواء) الذي رفس البلاغة، وشائجها وحبالها الغليظة، وانحدر إلى قيعان الكلام اليومي حيث تتجلى الهوامش المنسية والعابرة لحياة الناس واضحة وعارية في بؤسها، ولا يمكن سترها. هذا العابر المنسي من الحياة اليومية العربية، هذا السباب لواقع الرأسمالية، وللقيم التي سيّدها الغرب على الواقع العربي، وصولا إلى الثقافة والشعر، سنجدها أيضاً، لكن بوشائج جمالية سركونية خاصة، في (حانة الكلب) وفي (السيد الأميركي).

ضم الكتاب أربع قصائد طويلة من بينها (عواء) و(أميركا)..

الكتاب الثاني : و. هـ . أودن 

قصائد مختارة

تكشف المقدمة التي كتبها سركون بولص لهذه المختارات عن ثوابته كشاعر، قناعاته في تحويل الشعر إلى موقف لقلب النظام المفاهيمي الذي يهيمن على العالم. كما أننا في تقديمه لأودن نقع على تقديمه لنفسه كواحد من هؤلاء الذين (يتطلعون نحو مستقبلٍ صعب لا يعترف بالتنازلات، ولا يمكن اقتحامه إلاّ بتفجير وسائل الكتابة من الداخل، أيّ في اصولها، عبر أشكال تعبيريّة جديدة مثقلة بالتحدّي في تعقيدها الذي لا يقف عند حدّ، وفي عنفها العاطفي الذي يحتقر «الاعتدال» ويطمح إلى اجتراح وجدٍ إنساني غير مقتصد في عناقه للمضامين والأشياء).

من المدهش أن نجد في قراءة سركون لأودن، وترجمته بالتالي، على الخط البياني

المتصاعد لقصيدة سركون بولص نفسه من انهماك بالمحلي واليومي إلى الصعود نحو العالمي، ومن استحضار الإنسان العراقي ـ عبر أساطيره وتاريخه المثقل بالدم ـ إلى التراث العالمي، ومن المفرح أن يكون «أودن» هنا حاضراً بلمسة شاعر يشاطره الهم نفسه واللوعة نفسها.

الكتاب الثالث : و . س.  ميروين قصائد مختارة

«إن إحدى مزاياه هي أنه الأكبر شهيّة، بين الشعراء الأميركان، في ممارسة التجريب وتقريب الحدود الفاصلة بين النثر والشعر» يقول سركون بولص عن مروين، الشاعر الأميركي شبه المجهول عربياً، والجملة أعلاه تعقد بينه وبين سركون صلة قربى متينة تتخلص في ذلك الدأب السركوني في تذويب الفواصل وبتقريب التناقض بين التفكيرين الشعري والنثري، هذا التقريب يتجلى واضحاً في عمل سركون منذ مجموعته الشعرية (الأول والتالي) حتى آخر مجموعة شعرية له.

ثمة صلة قربى أخرى، تكشف عنها ترجمة النصوص المختارة، تتلخص في تحويلهما ـ أي سركون ومروين ـ الأسطورة إلى مجال تجريب لموهبتهما الشعرية، وبالتالي إلى الغوص في تجربة المنفى، والموت والخلود، كما نلاحظ ذلك عند سركون في انصهاره البديع في الأسطورة الرافدينية: جلجامش خاصة، والطوفان والحروب التي اجتاحت المدن العراقية منذ قديم الزمان، والذي يقابله ـ أي الانصهار ـ العناية بالأساطير الاغريقة عند مروين (حيث وجد في موضوعة البحر، وأسطورة أوديسيوس مجالاً واسعاً لتجريب ملكاته الشعرية وتعريضه لمحنة التعبير عن تجربة تكاد تكون كونيّة في أبعادها، من ”أناباز“ إلى فكرة المنفى والمغامرة الأبدية بحثاً عن الأسرار في الأساطير المتعلقة بحياة البحارة، والصيادين، وقيعان الأوقيانوس، والطوفانات (كما يذكر سركون بولص في مقدمته لهذه المختارات).

الكتاب الرابع : تيد هيوز

رسائل عيد الميلاد وقصائد أخرى

ينقل سركون بولص في مقدمته الموجزة والكثيفة لهذا الكتاب رأي تيد هيوز في الشعر، التي يقول فيها: (ربما لم يكن الشعر بمطلقه، وذلك في قدرته على التأثير فينا والتواشج معنا، سوى كشف عن شيء لا يريد الكاتب أن يكشف عنه في الحقيقة، لكنه في يأسه يحتاج إلى التواصل عن طريقه، وإلى أن يتخلّص منه. لعلّ الحاجة إلى إخفائه هي التي تجعله شعريّاً، أي تجعل منه شعراً. الكاتب لا يريد أن يضعه في كلمات، لذلك فهو يرشح منه بنحو سرّي، هارباً منه عن طريق التوازيات الكنائيةّ. نعتقد أنّنا نكتب شيئاً نسلّي به، لكننا في الحق نقول شيئاً نحتاج أن نشاركه الآخرين بيأس. السرّ الحقيقيّ هو هذه الحاجة الغريبة. لماذا لا نستطيع أن نخفيه وحسب ثم نسكت؟ لماذا علينا أن نهذر؟ لماذا يحتاج البشر إلى الاعتراف؟ ربما، لأنك إن لم تقم بذلك الاعتراف السري، فلن تكون عندك قصيدة. لن تكون عندك حتى قصة. لن يكون هناك حتى كاتب). وهو رأي ربما يقودنا إلى محاولة العثور على «اعترافات» سركون نفسه، هذه الاعترافات التي لا تنطوي على التطهير، أو نيل الطهارة المسيحية، وإنما فقط كدعوة من الشاعر إلى الآخر: دعوة إلى المشاركة الحميمية، مشاركة الألم، ومباركة اليأس، والدخول في التجربة الشخصية: لا شيء مفضوح، لكن كل شيء مباح في القصيدة، وليس مطلوباً منك كقارئ إلا المشاركة لا غير.

بين قطبي «الاعتراف» و»المشاركة» كانت قصائد هيوز، الشاعر الانجليزي زوج الشاعرة الإشكالية المنتحرة سيلفيا بلاث في كتابه «رسائل عيد الميلاد» الذي ترجمه سركون بولص واصفاً إياه في مقدمته (عندما أصدر تيد هيوز (1930-1998)) كتابه الأخير «رسائل عيد الميلاد» لم يكن أحد يتوقّع حدثاً بهذه الجسامة، له هذا الوقع المثير، وبهذه الصراحة في كشف أسرار علاقته بسيلفيا بلاث، الشاعرة الأميركية التي تزوجها في 1956، والتي انتحرت في 1963. خصوصاً أنّ هيوز عاش سنواته الأخيرة في عزلة تكاد تكون شبه كاملة، مصرّاً على الصمت في كل ما يتعلّق بحياته، وتفاصيلها الحميمية. ولم يسبق لشاعر إنجليزي آخر أن هزّ عالم الأدب بهذه القوة وبهذا الحسّ الفضائحي منذ أن نشر اللورد بايرون ملحمته المشهورة «تشيل هارولد»، في سنة 1812. كما نشر قبله دراسة تصوّفية ضخمة تستقصي أسرار عالم شكسبير الشعري بعنوان «شكسبير وربّة الكينونة الكاملة».

وبين القطبين أنفسهما ـ الاعتراف والمشاركة ـ كانت هناك أيضاً قصائد سركون بولص التي غطّت مساحات شعورية وحياتية طويلة من مغامرته الإبداعية، وربما يحتاج منا هذا إلى وقفة أخرى نعد القارئ الكريم بها قريباً.

wpid-img_9173-2012-10-24-01-41.jpg

مختارات من الكتب الأربعة التي ترجمها الراحل:

قصائد من «رسائل عيد الميلاد»

تيد هيوز 

طالع

أردتِ أن تدرسي 

نجومك- حرّاس باحة

سجنك، طوالع الأبراج. الكواكب

تمتمت لغة سحرها البابليّة-

مثل عظْمات مشعوذ. كنت محقّةً

في خوفك من أن يعلو هدير العظام، من أن

تسمع الأذن بصفاء أكثر

ما همست به العظام

حتى وهي مبطّنة، كما هي، بالجسد الحارّ.

سوى انك لم تكوني

بحاجة إلى أن تحسبي الدرجات

لنذيرك الصاعد في برج الحمل. لم يكن شيءٌ

مؤكّداً- ليس أكثر، بحسب الكتب البابلية، 

من وحه تزركشه النُدَب. إلى أيّ عمقٍ

أزيدَ تحت الجلد، يمكن ليّ ساحرٍ

أن يختلس النظر؟

كان يكفيك أن تنظري

في أقرب وجهٍ لأية كنايةٍ

تلتقطينه من دولاب ثيابك، أو من صحنك

أو من الشمس أو القمر

أو من شجرة الطقّوس، لكي تري

أباك، أمك أو إيّاي أنا

نأتي بحتفك كاملاً إليكِ.

ومن نصوص و. س. ميروين

الصيّادون

عندما تفكّر كم كبيرة أقدامهم في أحذية

المطّاط الأسود، حيث الأرضية دائماً

زلقة تحتها، بأي ذكاء يتدبرون أن ينسلوا بين الشباك

المبسوطة، والخيوط، والصنانير في أقفاص عنكبوتيّة

ذات مداخل ضيّقة. لكنهم معتادون على هذا.

نحن لا نعرف أسماءهم.

وهم يعرفون حاجاتنا

ويعيشون على هديها، معيرين إيّاها

تهاويل وإغراءات لم يكن لنا، أن نضيفها

عليها أبداً.

إنهم يحملون نهايات جوعنا ليلقوا بها

كي تنتظر، متأرجحة، في مكان مظلم لما كنّا، نحن، اخترناه.

بحركات لم نتعلّمها أبداً، يؤمّنون لنا القوت.

وعندما يغرقهم، نلقي بالأكاليل إلى البحر.

أوديسيوس

دوماً كان الإقلاع هو نفسه، 

نفس البحر، نفس الأخطار بانتظاره

كأنه لم يبلغ مكاناً، سوى كونه أكبر سنّاً.

المشارف المتشابهة هي بعينيها، على الساحل المتراجع

من خلفه، وفي مكان ما

أمامه، ها هو ذا ينحلّ من ذاته

ذاك الصبر الذي زفّ إليه، كانت هناك الجزر

التي تنبغي الملاحة بينها، ولكل منها امرأة

وترحيب مزاوجة، ومن بينها واحدة تدعى «الوطن»

ها أنّ معرفته بكل ما خانه، قد تنامت

حتى لم يعد هناك فرق، سواء

بقي أم مضى.

ولذلك مضى.

وأيّ عجب

لو أُسقط، أحياناً، في يده فلم يعد يتذكّر

أيهما كانت تلك التي تمنّت له عند رحيله

مهالك لن تكتب له، أبداً، منها النجاة

وأيهما، غير ممكنة، نائية، ووفيّة

كانت تلك التي لم يكفّ عن الإبحار إليها؟ 

مختارات من و. هـ. أودن

المياه

الشاعر، والعرّاف، والألمعيّ

يجلسون كصيادي سمك خائبين

عند بركة الاستبطان

يستعملون المطلب الخاطئ طعماً

لينالوا مآربهم، ويروون،

عندما يهبط الليل، كذبة الصياد.

وطالما الزمان عاصف في كلّ مكان

يتشبّث كلّ من الأتقياء والمنافقين

بأطواف القناعة الضعيفة،

الظواهر الطبيعيّة في هياجها

تنقض بأمواج كاسحة لتغرق

كلاً من المعذّب والعذاب.

يحلو للمياه أن تسمع سؤالنا المطروح

فهو سيطلق الجواب الذي مكثت بانتظاره، لكن.

شاهدة على قبر طاغية

الكمال، من نوعٍ ما، كان ما يسعى إليه

ويسهل علينا أن نفهم ما لفّقه من الأشعار؛

كان خبيراً بسقطات البشريّة كما بظاهر يده

شديد الاهتمام بالجيوش والأساطيل؛

وكان إذا ضحك، قهقه أعضاء مبجّلون في مجلس الشيوخ

ومات الأطفال في الشوارع، إذا بكى.

شاعر القبيلة

كان خادماً لهم- هناك من يقول إنّه كان أعمى

يتنقّل بين وجوههم وأشيائهم

حتّى كانت عواطفهم جيّاشة فيه كالريح

وغنّت، ثم صاحوا- «ما هذا الذي يغنّي، سوى إله»

وتعبّدوا له، وضعوه في مصاف له وحده،

وأشبعوه غروراً حتى أنّ هنّات عقله وقلبه الصغيرة،

لدى أيّ مشكل منزليّ طارئ،

كان يحسبها غناء.

لم تعد تأتي الأغاني: كان عليه أن يصنعها.

بأيّة دقّة كانت كلّ عبارة مرتبّة.

لقد عانق أحزانه مثل قطعة أرض،

وسار في المدينة مثل سفاح،

وكان ينظر إلى البشر فلا يودّهم،

لكنه يرتعش إذا مرّ به أحدهم وهو عابس.

مقتطف من قصيدة عواء / آلن غينبيرغ

رأيتُ أفضلَ العقولِ في جيلي وقد دمرها الجنونُ، يتضوّرون عراةَ ومُهَسْترين

يجرجرون َ أنفسهم عبر شوارع زنجيةٍ في الفجر باحثينَ عن إبرةِ مخدّرِ ساخطة

هَبائيون برؤوس ملائكةٍ؛ يتحرقون للوصال السماويّ العتيق، بالدينمو النجوميّ في مكننة الليل،

الذين بفقْرٍ وفي خرقٍ وبعيون مجوّفةٍ ومسطولينّ جلسوا يدخنون في الظلام العجائبي لشققٍ بلا ماء حارّ يطفو في أعلى المدن يتأملون في الجاز.

مَنْ عرّوا للسماء أدمغتهم تحت سكة الـEL ورأوا ملائكة الإسلام المنيرة تترنح على سقوف الأحياء الفقيرة.

مَنْ مرّوا في الجامعات بعيونٍ ساطعةٍ وباردةٍ مهلوسينَ لأركانساس ومأساة نور – بليك بين أساتذة الحرب،

مَنْ طُردوا من الأكاديميات لجنونهم ولنشرهم أناشيدَ فاحشةً على نوافذ الجمجمة

مَنْ انزووا بملابسَ داخلية في غرف بلا حلاقةٍ، حارقين أموالهم في سلال مهملاتٍ ومن أصغوا الى الرعب عبر الجدار،

مَنْ قُبضَ عليهم في لحاهم العانية عائدينَ عبر لاريدور بحزامٍ من الماريوانا إلى نيويورك،

مَنْ أكلوا نارا في فنادق الحثالة أو شربوا التربنتين في زقاق الجنّة، في الموت، أو مَطْهروا صدورهم ليلةً بعد ليلة،

بأحلامٍ، بمخدراتٍ، بكوابيس يقظةٍ، كحولٍ وعضو ذكريّ- وخصي بلا نهاية،

شوارعُ عمياءُ لا تَضاهى من سحابٍ يرتعد وبرقٍ في البصيرةِ يثبُ نحو قطبي كندا وباترسون، منيراً عالم الزمن الساكن بينهما،

صلادات بايوتية* لأروقةٍ، أسحار باحةٍ خلفيةٍ شجرةٌ خضراءُ مقبرةٌ، سكرةُ خمرٍ على سطوحِ المباني، انساطلاتٌ على الشاي، دَسْكراتٌ بفتريناتها لسياقةِ متعةٍ في أضواء المواصلات الغامزة بنيونها، شمسٌ وقمرٌ واهتزازاتٌ شجريّةٌ في أغساق شتاء بركلين، قرقعاتُ براميل الزبالة والنورُ الرحيمُ ملكُ البصيرة،

مَن ربطوا أنفسهم بالسلاسل إلى «الصّبواي»* للركوب اللانهائي من باتيري إلى برونكس المقدسة مخدّرين بالبنزين حتى صحوا على ضجيج العجلات كالحةً أدمغتهم مفرغين من البريق والأطفالِ مرتجفينَ بأفواهٍ مخلوعةٍ ومهدودين في النور الكئيب لحديقة الحيوان*،

مَنْ غرقوا طوال الليل في الأنوار الغوّاصة بمقهى بكفورد وطفوا عالياً وجلسوا طوال مساء البيرة المتخمرة في محلّ فوغازي سامعينَ فرقعة المصير على جوكبوكس* الهيدروجين،

مَنْ تحدثوا بلا توقف لسبعينَ ساعةً من متنزهٍ إلى غرفةٍ إلى بارٍ إلى مصحةِ بيليفو إلى متحفٍ إلى جسر بروكلين، طابورٌ صانعٌ من حواريِّ إفلاطون يقفزون إلى الأدراج العَتَبيّة من سلالمِ الحريقِ من أفاريز النوافذِ من بنايةِ إمبايرستيت ومن القمر،

يطقّقونَ الحنكَ يصرخون يتقيأون ويهمسون بحقائقَ وذكرياتٍ ومُلّحٍ وركلاتٍ إلى البؤبؤ وصدماتٍ بالكهرباء في مستشفياتٍ وسجونٍ وحروب..

النص عن موقع

wpid-logo-print-2012-10-24-01-41.jpg

الصور ليوسف رخا

wpid-1____spacer-2012-10-24-01-41.gif

قصائد مسموعة

 

قصائد مسموعة-Video poems

Continue reading

سركون بصوته: جئت إليك من هناك

نهايةُ العام:

عام النهايات

الطقسُ والغربان، ضِِيقٌ في نفسي

من كثرة التدخين ، علّةٌ ما

(وحشةٌ ،

قلقٌ

ألَمٌ دفين)

أطاحتْ بي لأطوفَ في أنحاء البلدة المقفرة

و أقطعَ حول تلك الزاوية بالذات

حيثُ لاقاني وجهاً لوجه

قبلَ هبوط الليل:

صديقي

القَصّاصُ هوَ بعينهِ

لكنّ شيئاً أفرغَ عينيه من الضياء

صديقي القديمُ الفَكِهُ

هوَ بذاتهِ

لكنّ شيئاً قَلَبَ قَسَماتِهِ

من الداخل: الحواجبُ بيضاء

سوداءُ هي الأسنان

إذا أبتسم (لا فرَحاً ) بدا كأنّهُ يبكي

ما وراءَ الحزن

كما في صورة غير مُحَمَّضة

كما في صورة محترقة

بأقلّ نفخةٍ تنهار . . .

لاقاني وكنّا خارجَين من عاصفةٍ

بدأْت منذُ الأمس

تَجلدُ الجدران بلافتات المطاعم والحوانيت

وتجعلُ أسلاكَ التلغراف

تُوَلولُ حقاً في تلك الساحة الخالية

صرختُ : يا يوسف!

ماذا حدثَ لوجهكَ يا يوسف؟

ماذا فعلوا بعينيكَ يا يوسف

ماذا فعلوا بعينيك وحَقَّ الله؟

قال: لا تسألني ، أرجوك.

قال: إنّهُ الدمار.

قال جئتُ إليكَ من هناك.

قال : لا أنا . لا . لست أنا .

لا أنت.

لا ، لستَ أنت.

هُم، وآلهة الزَقّوم.

هُم ، صاحبُ الموت الواقفُ في الباب:

اللاجئونَ على الطُرُقات

الأطفال في التوابيت

النساءُ يَندُبنَ في الساحات

أهْلُكَ بخير

يُسَلّمونَ عليك من المقابر

بغدادُ سُنبُلةٌ تشبّثَ بها الجراد

جئت إليكَ من هُناك

إنّهُ الدَمار

قالَ لي

وسارَ مُبتعداً ، و اختفى

في كلّ مكان.

(في ذكرى يوسف الحيدري)

– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – -

*عظمة أخرى لكلب القبيلة

حوار بهيج وردة لمجلة “ارى” الإماراتية


ما هي خيوط الرواية الأبرز في التماسيح؟ وكيف بدأت فكرة الرواية تتبلور؟ وما دور الثورة المصرية وتداعياتها الحالية في الحالة الروائية التي تجسدها في “التماسيح“؟ الرواية خرجت، كعادة مشاريع الكتابة الطويلة، من خبرة شخصية مؤلمة جعلتني أعيد التفكير فيما يسمى بالوسط الثقافي بالقاهرة وبالأخص جيل التسعينات من الشعراء المصريين (وهي أشياء قاربتُ بعضها كذلك في مجموعة قصائد ”يظهر ملاك“-٢٠١٠ والتي لم أنشرها بعد إلا إلكترونياً عبر مدونتي، نتيجة الشعور بلا جدوى نشر الشعر في القاهرة خلال شهور من ثورة لم تكتمل. بدا لي أن شيئاً حدث سنة ٢٠٠١ (وهو أمر شخصي أيضاً لأن حياتي تغيرت في ذلك العام بعد موت أبي سنة ٢٠٠٠؛ أصابني ما يشبه الانهيار نتيجة الإفراط في الكيوف على خلفية اكتئاب وإحباط متزايد في الشأن العام وفي مسار الحياة العملية بالصحافة: بدت لحظة انهيار البرجين كأنها – كما يقول الراوية – ”ذروة ما، بداية أو نهاية“) وبعد عقد كامل، إثر قيام الثورة أو الانتفاضة خلال شهور من بدء كتابة التماسيح، خطر لي أن هذه اللحظة كانت مقدمة ما سيحدث بعد عشر سنين بالضبط، أنها كانت فعلاً بداية أو نهاية. في الرواية فكرتان أساسيتان إحداهما استعارة الأسد، وكانت هذه قد طاردتني منذ قرأت قصيدة ألن جينزبرج ”الأسد على حق“ في العام نفسه (٢٠٠١) لكن الفكرة الثانية – أن يكون الشعر شاهداً على انهيار الدولة الوطنية التي خلّفها الاستعمار في منتصف القرن العشرين أو أن تؤدي النزعة الفردية التي ظهرت في التسعينات إلى تحول اجتماعي يُعامل بوصفه حراكاً سياسياً – لم تتبلور هذه الفكرة حتى الشهور الأخيرة من ٢٠١٠. بوصفها تحركاً اجتماعياً، أعتقد أن الثورة كانت موضوع كتابة من قبل حتى أن تندلع: التماسيح بهذا المعنى هي حكاية الثورة، حكاية السنين العشر التي حملت إلينا يوم ٢٨ يناير ٢٠١١

Continue reading

رسالة سركون بولص إلى وديع سعادة: 1971

wpid-t_7822d99c-0e35-486d-9472-aa9e580d8aa9-2011-08-9-05-182.jpg

أخي وديع

لم أنتظر الليل بل تقدمت نحوه وأنا أعرف عدوي وبلا درع أو شهادة أو تردد. ولكنني حين دخلتُ كثافته العدوّة كانت يداي ترتجفان وكان عناقي حلماً كهربائياً يعبر على المحيط. من حين الى حين، وجهي المعلق في مرآة محاكمة. وأنا دائماً قاضي هذا العالم. أريد أن أتكلّم مع أصدقائي، لا بل اليهم ولكنني أجدهم في صحراء أخرى. أحاول أن أركّز نظري لأرى الملامح ولكنها لا تستطيع أن تقتل قوانين البعد. القانون الوحيد الذي قتلته هو قانون الزمان، ولكن الفضاء ما زال عدواً. إنني الآن في المركز والأيام تدور من حولي ككواكب نارية من الاحتمالات والعبر والمغامرة. وبعد ذلك هذه هي القاعدة: الأيام ليست سوى أيام.

مجرد أن أستلم رسالتك يا وديع، مغامرة، حفلة، عاصفة غجرية. لو عرفت ماذا تعني رسالة ما بالنسبة لي في هذه القارة المطفأة، ومن صديق من وطني! ولكنك هناك أيضاً كالمنفيّ، كما يبدو لي. لا تكن. أقول لك بكل صوتي: لا تكن. أخرج. من هذه الطبقة الكثيفة من الجلد التي بنيت حولك دون أن تعرف: أخرج. لا تكن مثقفاً يجمع أقنعة ويقرأ المشهورين، ويفكر بنماذج كأنسي الحاج أو لست أعرف من، أو كامو أو بودلير أو الله أو بوذا أو الشيطان: ولا تكن حتى أنت! وابصق على المثقف الغبي الذي يحاضرك عن “معرفة النفس” والبحث عن الله وباقي الخرق الثقافية الاخرى. هل فكرت لحظة بأن من المضحك أن “نكون” شيئاً؟ إننا لا نكون شيئاً أو أحداً. لأننا هذا الشيء وهذا الأحد. ولأننا كل شيء وكل أحد، من قبل. أعتقد انك ستفهمني يا وديع لأنني أعرف ان لك عقلية نظيفة وان دماغك لم “يُغسل” بعد بالرايات الثقافية الشائعة هناك الآن. إن ما يجعلني أقول كل هذا هو غضبي الذي لا أستطيع أن أقاومه حتى هنا حين أفكر بجميع الأفكار الخاطئة التي تتسرب في وطننا وبين مثقفينا عن الفكر الاوربي وعن الثقافة الاوربية، وذلك عن طريق مجموعة معدودة من الكتّاب المسيطرين على المجلات والذين ليس لهم حق في ذلك. أما اذا كنت مخطئاً، فقل ذلك في وجهي ومباشرة. ولكن من المضحك أن أبذّر هذه الصفحة كلها في الكلام على “الثقافة”، الحلم الذي يتغذى عليه تلاميذ الجامعة ذوو النظارات الطبية والشعراء الذين يعالجون »مسائل العصر« بجبين مقطب. الشيء الوحيد الذي يستحق المعالجة هو أن تفتح فمك فجأة وأنت في الشارع ومن حولك طنين الخلية الانسانية وتقذف من أحشائك ذلك البركان الذي هو أنت. وبعد ذلك تستطيع ان تقف لمدة نصف ساعة مراقباً بدهشة أناك المحترقة وهي تتسلق أكتاف البشر وتدخل أنوفهم الضائعة. ربما كنت قد خطوت كثيراً في الليل، ولكن ذلك هو بالضبط وبدون لف أو دوران، واجب الكاتب: فإنك لم تولد ولن تولد في نهار العالم بمجرد أن تنتظر واقفاً. بل إن الليل هو الذي يخفي نهارنا الحقيقي. وعلينا أن نخترق هذا الدرع المميت؛ ثقب أو ثقبان ينبثق منهما الضوء ونعرف بيقين أن النهار هناك، إنه هناك! هذا ما حدث لي، ويمكنني القول انني قد رأيت عدة ثقوب في ذلك الدرع وعلى النور المتسرب منها أحيا الآن.

ساعد الشعر على إنقاذي كثيراً. منذ ان وطأت هذه الأرض الأجنبية والشعر يلتهب في باطني ليوازن بين البرد المسموم في الخارج واليقظة العنيفة في الداخل. أحياناً يدخل البرد رغم كل شيء، كما يحدث في قرية ما في شبطين مثلاً حين يحاول فلاح ذو عائلة من الأطفال أن يغلق النوافذ جيداً في وجه عاصفة من الثلج، وقبل أن ينجح يدخل بعض البرَد ولكنه ينجح دائماً. على انني حافظت على تلك العائلة من الأطفال التي تعيش فيّ. وسأفعل دائماً. وطيلة هذه المدة أيضاً لم أتوقف عن الكتابة. أحياناً فعلت، ولكنني لم أتوقف عن “الكتابة” في داخلي لحظة واحدة. وكل ما هناك، انني فعلت ما يجب أن يفعله كل كاتب حقيقي: القدرة على الصمت. قريباً جداً سأبعث الى لبنان بكتاب ليُنشر. لديّ الآن عدة كتب حاضرة للنشر. وأعمل على رواية إسمها “صحراء العالم” وهي كل ما أعيش من أجله الآن لانها ستكون معادلاً كاملاً لحياتي الداخلية. ولا يمكنني أن أقول لك أي شيء عنها. كما انني أعددت كتاباً آخر باسلوب ليس شعراً أو قصة أو أي شيء، بل هو كل هذه العناصر التي تقف في مواجهتنا من الداخل والخارج، أو الوجود في أشعة نظرة واحدة. والكتاب الذي أعده منذ مدة طويلة وأقرأ من أجله كل يوم منذ سنتين، هو دراسة في الرواية الحديثة، وأعني الحديثة! سأعطيك فكرة: عناوين بعض الفصول:

هيرمان هيسه: العين الثالثة.

سيزار بافيس: الجدار الخامس للسجن.

لو كليزيو: هالة حول العالم/ الرواية الكوسمولوجية.

كورتازار: تركيب المتاهة.

بيكيت: جلود العزلة السبعة.

وقد قرأت كل ما يمكن من مواضيع الدراسة، بالاضافة الى التآليف الاصلية. واخيراً، مجموعة جديدة من القصص. والآن لنتحدث عن شيء آخر.

جان دمو هناك، وهو في دير! لا استغرب ذلك من جان. ولكن يا عزيزي حاول بشدّة أن تتصل به وقل له أن يكتب لي واعطه عنواني. أحياناً هنا، أكلّم جان وكأنه معي حين أرى شيئاً او شخصاً معيناً أعرف اننا كنا سنعلّق عليه ونسبره حتى المركز. في كثير من الاحيان وحين أكون يائساً، مجرد محاورة من هذا النوع تعيدني الى حالتي السعيدة واضحك عالياً في الشوارع دون ان أستطيع السيطرة على نفسي. إن ما بيني وبين جان نادر وخالد، ويقف ما وراء جلد العلاقات وجدار البشرية. أعرف بعمق اننا سنلتقي. لذلك، دعه يكتب لي وبعد ذلك ربما أمكن أن ندبر طريقة لسفره الى هنا، وسأفعل كل ما أستطيع.

والأب يوسف سافر. اعطني عنوانه في رسالتك. وسأكتب اليه. ولكنني لم أفهم، هل سافر وحده أم انه أخذ عائلته معه؟ قريباً جداً سأبعث الى يوسف الخال برسالة ومواد للنشر، بعد هذا الغياب الطويل. هل يمكن أن تبعث إلي بعنوان أدونيس، وكذلك عنوان مجلة الآداب؟ سلّم على أدونيس بحرارة. سأكتب اليه قريباً. وأرجو ان أهيء رسالة طويلة عن السياسة والفكر في أميركا لتنشر في “مواقفه”. وكذلك مواد جديدة من كتاباتي. وربما بعثت اليه بكتاب كامل والمال اللازم لنشره. ولكن أولاِ، بلّغه حبي واعطه عنواني وأرجو أن يبعث الي بنسخة من مواقف حتى يتيسّر لي أن أبعث اليه ببدل اشتراك. وأفكر أيضاً بإعداد مقابلات طويلة مع شعراء هذه المنطقة. وقد قابلت عدداً منهم وتشاجرت معهم، وترجمت بعض قصائدي الى الانكليزية. وبدأت اكتب بالانكليزية منذ مدة. وفي المستقبل أنوي أن أكتب رواية واحدة ووحيدة بالانكليزية اضع فيها كل شيء. ولدي الآن مجموعة من الشعر بهذه اللغة، وكذلك قصة اسمها “الصحراء” وهي عن مهرب على الحدود العراقية، وربما ترجمتها عن الانكليزية إلى العربية.

عزيزي وديع. لقد تكلمت كثيراً، اليوم هو السبت، عطلة. ولديّ موعد مع إمرأة أميركية، ولكنني أعتقد انني متأخر الآن لانني قضيت هذه الساعة الاخيرة أكتب اليك. على انني سأذهب فالمرأة قد انتظرت أكثر من اللازم. وهي ستصاب بهستيريا اذا لم أذهب، لانها ظلت ثلاثة أسابيع تبعث اليّ برسالة مضمونة كل يوم وهدايا حتى وعدتها، وذلك منذ ان تركتها منذ شهر دون سابق إنذار أو سبب، يائساً من العلاقات والجنس عائداً الى الشعر. على كل حال، سأكتب لك قريباً. تحياتي الى والدتك، والى اخيك وزوجته اللطيفة، وقل لها أن تقرأ فألي واخبرني بالنتيجة.

اخوك

سركون بولص

27 / 3 / 1971

الشعر غير الحر

في ذكرى دنقل


هل أجازف بإجحاف حق شاعر عظيم إذ أقول إن أمل دنقل لم يترك شيئاً يذكر لصالح الثورة المصرية؟ أقصد ثورة يناير المستمرة حتى يونيو على الأقل، على الرغم من إمكان استدعاء كعكة دنقل الحجرية كمعادل سبعيني لما جرى أخيراً في ميدان التحرير! إن احتجاجات الطلبة ضد تأجيل الحرب مع إسرائيل عام  1972 – ضد “حالة اللاسلم واللاحرب” التي جسدت أولى مراحل انحراف الرئيس السادات عن المسار الناصري، وكتب دنقل في شأنها قصيدة “سفر الخروج أو أغنية “الكعكة الحجرية” – لم تكن سوى وجه من وجوه مشروع قومي صار واضحاً أن “الربيع العربي” يعني تجاوزه على نحو جذري، بل ان المشروع القومي ذاك، لم يكن سوى تكريس لوعي “عربي- إسلامي” أدى، قبل بداية المشروع نفسه بقرن أو أكثر، إلى الاستعمار.
¶¶¶

Continue reading

لا نابول، مارس 2011

 

بين حجر الشاتو والبيت الصقيل

مراكشي يقرأ أكثر مما يكتب

وامرأة-طفلة أنفها يحظر التدخين

حيث الزبد يتفجر بالهتاف

فلول المتظاهرين في مدينة كالكف

طافية بحذاء أذني

لماذا علي وسط ساحل اللازورد

أن أقتعد السلالم في المطر

خلف الجدار البمبي غابة صغيرة

في الغابة طيور آتية من البحر

وخلف الغابة طريق

نصان في السفير

الألـــم أعمــــق لكن التحليق أعلى

يوسف رخا

أخطاء الملاك
ماذا ظننتَه سيفعل بعد كل هذا الوقت، الملاك الذي ظهر لك وانتظر أن تتبعه… كيف لم تقدّر عمق ألمه السماوي وأنت تبتعد عن الجبل الملعون كل يوم خطوة، تجرجر حقائبك المثقلة بلحمه على ساعات تجري إلى ما لا نهاية بين ساقيه، وتهزأ إذا ما نهــاك تليفــونياً عن الكبرياء؟ الآن وقد أصبح الملاك بُخاراً، كسبتَ ما أراد أن يضيّعه عليك. لكن ما الذي فضّلتَه على الخــسارة؟ قرية هجرتْها نساؤها؟ خادم يسرق من البيــت؟ نجمة مدارها عقد سيصدأ حول رقــبتك؟ لعلــك ظنــنته يظهر من جديد، أو نســيت أن فــي بطــنه دَمَك. يا كــافرْ، كيف ستحلّق الآن؟
[[[
عن قصيدة سركون بولص من ديوان «حامل الفانوس في ليل الذئاب»:
«يظهر ملاك إذا تبعتَه خسرت كل شيء، إلا إذا تبعته حتى النهاية… حتى تلاقيه في كل طريق متلفعاً بأسماله المنسوجة من الأخطاء، يجثم الموت على كتفه مثل عُقاب غير عادي تنقاد فرائسه إليه محمولة على نهر من الساعات، في جبل نهاك عن صعوده كل من لاقيته، في جبل ذهبت تريد ارتقاءه! لكنك صحوت من نومك العميق في سفح من سفوحه، وكم أدهشك أنك ثانية عدت إلى وليمة الدنيا بمزيد من الشهية: الألم أعمق، لكن التحليق أعلى.»

القرينتان

كانت إحداهما تكبرني بعشر سنين والثانية أصغر بنفس القدر. ولولا تطابُق عبارات تستخدمانها في وصف أشياء هي الأخرى متطابقة، ربما ما انتبهت إلى أن منشأهما واحد. لي عام أبحث عن شيء لن أجده مع أولهما، ولا أعرف لماذا ظننتها تخبئه خلف نحولها أو في السنين التي وراءها والتي تقضي بأن لا ألحقها على الطريق. لذلك عندما التقيتُ بالثانية، وكانت على نفس درجة النحول، روّعني سماع «ما حصلتش» و«الوسط» و«ماسكات» ثم «أتفرج من فوق»، بالذات وأنا أعلم أنهما لم تلتقيا وربما لن يجمعهما سوى انعكاس شفاههما وهي ترسم الألفاظ نفسها على سطح عيني أنا في الفجر. التي تصغرني بعشر سنين كانت تتطلع إلى الشباك وهي تستعجل السكوت، تماماً مثل قرينتها الأكبر بنفس القدر. وخُيّل لي أنني أرى السنين التي أمامها بكل تفاصيلها الموجعة. «ما حصلتش»، «الوسط»، «ماسكات». «أتفرج من فوق». هي أيضاً لم تتحمل كلاماً حاولتُ أن أنزع منه أي نبرة نصيحة. وفي نقطة تتوسط عشرين عاماً بصدد الوصول إلى المدينة، كان علي أن أسترجع قصة تبدأ بفتاة ريفية متفوقة في المدرسة وتنتهي برجوعي وحيداً إلى البيت. لم أسأل نفسي أصلاً لماذا تتكرر الكارثة.

Enhanced by Zemanta

أخطاء الملاك-عن قصيدة سركون بولص

***

ماذا ظننتَه سيفعل بعد كل هذا الوقت، الملاك الذي ظهر لك وانتظر أن تتبعه… كيف لم تقدّر عمق ألمه السماوي وأنت تبتعد عن الجبل الملعون كل يوم خطوة، تجرجر حقائبك المثقلة بلحمه على ساعات تجري إلى ما لا نهاية بين ساقيه، وتهزأ إذا ما نهاك تليفونياً عن الكبرياء؟ الآن وقد أصبح الملاك بُخاراً، كسبتَ ما أراد أن يضيّعه عليك. لكن ما الذي فضّلتَه على الخسارة؟ قرية هجرتْها نساؤها؟ خادم يسرق من البيت؟ نجمة مدارها دبلة ستصدأ في إصبعك؟ لعلك ظننته يظهر من جديد، أو نسيت أن في بطنه دمك… يا كافر، كيف ستحلّق الآن؟

***

قصيدة سركون بولص من ديوان حامل الفانوس في ليل الذئاب

يظهر ملاك إذا تبعته خسرت كل شيء، إلا إذا تبعته حتى النهاية… حتى تلاقيه في كل طريق متلفعاً بأسماله المنسوجة من الأخطاء، يجثم الموت على كتفه مثل عُقاب غير عادي تنقاد فرائسه إليه محمولة على نهر من الساعات، في جبل نهاك عن صعوده كل من لاقيته، في جبل ذهبت تريد ارتقاءه! لكنك صحوت من نومك العميق في سفح من سفوحه، وكم أدهشك أنك ثانية عدت إلى وليمة الدنيا بمزيد من الشهية: الألم أعمق، لكن التحليق أعلى

Enhanced by Zemanta

الشرق شرق


والغرب غرب» – هكذا كتب المرحوم سرگون بولص، لكنه عاد وأردف بلبَس موحٍ – «نحن واحد/هذان عالمانا.»


لبس موح، بغض النظر عن أن بولص عراقي مقيم في أميركا، أو سرياني يكتب بالعربية، أو بدوي – ينطق الضاد ظاداً – بالتبني. هناك زواج بين الكلمتين يتأرجح على حد سكين ثلم، ظل الشرقيون يتمثلونه على مر القرون. كان العثمانيون منذ أيام سليمان القانوني الذي ورث القسطنطينية ومصر ودعوى الخلافة، مثلاً، يحتفلون على نحو خاص بجزء من الآية الخامسة عشر بعد المئة من سورة البقرة: «ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله». باعتبار السلطان/الخليفة ظل الله على الأرض، كان للعبارة القرآنية ترجيع إيجابي. شيء سخيف أن يكون التمثل المعاصر لعلاقة الشرق بالغرب – مقار نةً – أقل ندية بقدر ما هو أكثر علمانية (وليس فقط لأن ميزان العلم والثراء لم يعد يرجّح كفة الشرق المفترض، الأمر الذي يجعلنا نزايد على بعضنا البعض في كراهية الذات). اليوم ما تكاد تنعقد جلسات المتعلمين، في بلادنا، حتى يدور الحديث عن فضل الغرب على الشرق. وأنت لا تقوى على زحزحة السياق المفروض مسبقاً على عملية التوصيف. أكثرنا على يقين لا يتردد لحظة في تأكيده ونعت من ينفيه بالسفه. لدرجة أنهم ينبذونك إذا ما تباطأت بإعلان رغبتك في الهجرة. أي شبهة انتماء أو لامبالاة تستحضر، في أذهانهم، خطاب القومية وحب الوطن. ولا خلاف على أنه خطاب خائب ومكرور، شأنه شأن مبررات القهر والتراجع بامتداد البلاد المستعمرة ما بعد الاستقلال. لكن شكاً ضرورياً لا يطرأ بأن المسألة قد تتخطى دائرة الانحياز الكاذب للشرق إلى احتمال أن تنطوي الخبرة الشرقية بالغرب على نقد أو نفور. خاصة عندما تكون الخبرة المقصودة شخصية: خبرة الأماكن، والبشر؛ الأدمغة المحشوة بالقطن الملوث؛ الأجواء الأخلاقية المضطربة؛ والمسخ الذي ينجبه جماع ثقافتين عادة ما يستتبع افتراضهما، مجرد افتراض أنهما هناك وبالذات أنهما اثنتان، تفضيلاً أوتوماتيكياً لإحداهما. هناك ظاهرة المهاجر المرتاب، المؤمن بالـ«التقدم» في حدود ما لا يمس منظومته الفكرية القاصرة عادة وخرافاته الأخلاقية التي لا يدري، لو سألته، سر تعلقه بها (كما لا يدري سر إقامته بعيداً عن أرض أجداده، في النهاية). يقطع الإنسان نصف الكرة الأرضية ليصل إلى حيث كان حين أقدم على الفرار، وهناك يشغل مساحة أضيق من الحبس الذي فر منه وسط اختلاف يتبدى له تدريجياً مثل جلاد مصمم على إزالته. كلنا، للأسف، أصبحنا ذلك المهاجر. فهل عسانا نتمكن من قتله بأيدينا قبل أن يقتله الجلاد؟