حامل الفانوس في ليل العراق
“شوهدت أرملة الشمّاس تغتابُ/زوجة َالكاهن في باب الكنسية من جديد/واستُدرج القمر الهائج من سمائه/إلى فخّه الآمن في كنف عباءةٍ سوداء/غطّى بها أبي/رأسَ الأبله الذي كفّ عن الارتجاف..” مقطع من نصّ “حامل الفانوس في ليل الذئاب” لـ سركون بولص (1944-2007).
تحلّ اليوم الذكرى الخامسة لرحيل صاحب كتب ” الوصول إلى مدينة أين”، و”الحياة قرب الأكروبول”، و” إذا كنت نائماً في مركب نوح”..شاعر بتجربة متفرّدة، الناظر إلى صوره “القديمة- الجديدة” يجد فيها الحضور المؤثّر والشخصيّة الودودة، ليس أدلّ على ذلك صداقاته المتعدّدة بشعراء ومثقفين أجانب وعرب وعراقيّين، ورحلاته المشتركة مع عدد غير قليل منهم إلى عواصـم ومـدن شتّـى فـي العالم، ومن ثـمّ ما تركه- بوفاته في برليـن- من أسى فـي نفوسهـم.
كلّما عدنا إلى دواوينه وعناوينها، نشعر فعلاً إنّه شاعر حلق خارج سرب الشعريّة العربيّة المعاصرة، بمسعى واضح لبلوغ قصائد مكتوبة بتأنٍ، مبتكرها عاش حقّاً “حياة كلّها شعر”.
يخصّ الشاعر عبدالعظيم فنجان ثقافة “الصباح الجديد” بمادّة تضيء المناسبة التي احتفت بها دار الجمل، عبر إصدار أربع ترجمات جديدة لنماذج من الشعر العالميّ قام بها الراحل سركون بولص، بعد الجهد الكبير الذي بذله الروائي والكاتب سنان انطون والشاعر والناشر خالد المعالي، حتّى تحقّق هذا المنجز…

المحرر الثقافيّ
أربعة كتب لـ «سركون بولص»: هذا ما أعلنت صدوره منشورات دار الجمل، بمناسبة الذكرى السنوية لرحيل هذا الشاعر العراقي الكبير، وهذا ما كان يؤرق الشاعر خالد المعالي صاحب الدار، الذي كان مصمماً على أن تكون السنة الحالية هي سنة سركون بولص، بعد أن أخفق ـ لحد الآن ـ في تكريس جائزة سنوية باسم الشاعر الراحل بسبب عثرات مادية، وبسبب من المعايير التي يقترحها المعالي للمشاركة في الجائزة، التي من بينها السيرة الثقافية ـ الشعرية التي قد لا تتوافر إلا في نخبة نادرة من الشعراء العرب، وأعني: تحويل الحياة إلى مراس شعري وبالعكس، لكن من دون ضجيج، ولا بيانات طنانة بجميع الأشكال: تلك «البهلوانيات» التي لم يركب موجتها سركون منذ بدايته كشاعر له بصمته الخاصة في جماعة كركوك، حتى لحظة رحيله بعيداً عن أرضه الأولى: مسقط رأس أسد آشور.
الكتب الأربعة هي مختارات شعرية لأربعة شعراء ـ مروين، وغينسبيرغ، وتيد هيوز، وأودن ـ اختارها، وترجمها وكتب مقدماتها، الشاعر سركون بولص، وراجعها ودقق مصادرها الروائي والكاتب سنان انطون.
إذا كان صحيحاً، وهو ما أعتقد، أن سركون بولص لم يكن يعبأ بعشبة الخلود، التي سلبت لب سلفه جلجامش، فإن جل ما كان يشغله، ويثر اهتمامه، هو الرحلة بحد ذاتها، فما العشبة السحرية إلا تلك الخطوات الشاقة من سفر طويل داخل الإنسان والحضارة الإنسانية، ومن تلك الخطوات تشكلت ملامح وخارطة سيرة لشاعر وصل إلى أقاصي الأرض لمقابلة اللا أحد، واللاجدوى شخصياً، لكنه في مروره على العالم، الذي هناك والذي هنا، توقف عند ينابيع معينة ليتزود بطاقة الهروب عن العشبة الوهم. هذا التوقف أسفر عن عدة كتب شعرية له، وعن أخرى تمثلت في الكتب الأربعة أعلاه، وهي مجموع ما ترجمه سركون بولص من شعر في حياته.
في العرض أدناه محاولة لرصد سركون الشاعر، لا المترجم، وأعني: رغبة شخصية في اجتراح مدخل إلى سركون بولص من خلال إيجاد علاقة ما بينه وبين كل من الشعراء الذين ترجمهم بحب وبحميمية، وهو جهد أولي ستتبعه جهود أخرى في الاتجاه نفسه.

الكتاب الأول: عواء قصائد أخرى
أول هذه الكتب ضم قصائد مختارة من الشاعر الأميركي (آلن غينسبيرغ)، وصلة سركون بولص بجيل البيت الأميركي، وقربه ومقابلته لغينسبيرغ، معروفة للجميع، لكن المهم ـ في تقديري ـ هو مدى ما يتيحه هذا الكتاب من مفاتيح لفهم تجربة سركون بولص في قصيدته: «حانة الكلب» المنشورة ضمن مجموعة (وأنت نائم في مركب نوح) حيث هناك الهجاء الضمر لأميركا، وهو هجاء سنعثر عليه أيضاً في مجموعة (عظمة أخرى لكلب القبيلة)، وما يهمنا حقاً ليس الهجاء كطريقة احتجاج وإنما جمالية هذا الهجاء التي تجلّت في النسيج اللغوي لقصيدة (عواء) الذي رفس البلاغة، وشائجها وحبالها الغليظة، وانحدر إلى قيعان الكلام اليومي حيث تتجلى الهوامش المنسية والعابرة لحياة الناس واضحة وعارية في بؤسها، ولا يمكن سترها. هذا العابر المنسي من الحياة اليومية العربية، هذا السباب لواقع الرأسمالية، وللقيم التي سيّدها الغرب على الواقع العربي، وصولا إلى الثقافة والشعر، سنجدها أيضاً، لكن بوشائج جمالية سركونية خاصة، في (حانة الكلب) وفي (السيد الأميركي).
ضم الكتاب أربع قصائد طويلة من بينها (عواء) و(أميركا)..
الكتاب الثاني : و. هـ . أودن
قصائد مختارة
تكشف المقدمة التي كتبها سركون بولص لهذه المختارات عن ثوابته كشاعر، قناعاته في تحويل الشعر إلى موقف لقلب النظام المفاهيمي الذي يهيمن على العالم. كما أننا في تقديمه لأودن نقع على تقديمه لنفسه كواحد من هؤلاء الذين (يتطلعون نحو مستقبلٍ صعب لا يعترف بالتنازلات، ولا يمكن اقتحامه إلاّ بتفجير وسائل الكتابة من الداخل، أيّ في اصولها، عبر أشكال تعبيريّة جديدة مثقلة بالتحدّي في تعقيدها الذي لا يقف عند حدّ، وفي عنفها العاطفي الذي يحتقر «الاعتدال» ويطمح إلى اجتراح وجدٍ إنساني غير مقتصد في عناقه للمضامين والأشياء).
من المدهش أن نجد في قراءة سركون لأودن، وترجمته بالتالي، على الخط البياني
المتصاعد لقصيدة سركون بولص نفسه من انهماك بالمحلي واليومي إلى الصعود نحو العالمي، ومن استحضار الإنسان العراقي ـ عبر أساطيره وتاريخه المثقل بالدم ـ إلى التراث العالمي، ومن المفرح أن يكون «أودن» هنا حاضراً بلمسة شاعر يشاطره الهم نفسه واللوعة نفسها.
الكتاب الثالث : و . س. ميروين قصائد مختارة
«إن إحدى مزاياه هي أنه الأكبر شهيّة، بين الشعراء الأميركان، في ممارسة التجريب وتقريب الحدود الفاصلة بين النثر والشعر» يقول سركون بولص عن مروين، الشاعر الأميركي شبه المجهول عربياً، والجملة أعلاه تعقد بينه وبين سركون صلة قربى متينة تتخلص في ذلك الدأب السركوني في تذويب الفواصل وبتقريب التناقض بين التفكيرين الشعري والنثري، هذا التقريب يتجلى واضحاً في عمل سركون منذ مجموعته الشعرية (الأول والتالي) حتى آخر مجموعة شعرية له.
ثمة صلة قربى أخرى، تكشف عنها ترجمة النصوص المختارة، تتلخص في تحويلهما ـ أي سركون ومروين ـ الأسطورة إلى مجال تجريب لموهبتهما الشعرية، وبالتالي إلى الغوص في تجربة المنفى، والموت والخلود، كما نلاحظ ذلك عند سركون في انصهاره البديع في الأسطورة الرافدينية: جلجامش خاصة، والطوفان والحروب التي اجتاحت المدن العراقية منذ قديم الزمان، والذي يقابله ـ أي الانصهار ـ العناية بالأساطير الاغريقة عند مروين (حيث وجد في موضوعة البحر، وأسطورة أوديسيوس مجالاً واسعاً لتجريب ملكاته الشعرية وتعريضه لمحنة التعبير عن تجربة تكاد تكون كونيّة في أبعادها، من ”أناباز“ إلى فكرة المنفى والمغامرة الأبدية بحثاً عن الأسرار في الأساطير المتعلقة بحياة البحارة، والصيادين، وقيعان الأوقيانوس، والطوفانات (كما يذكر سركون بولص في مقدمته لهذه المختارات).
الكتاب الرابع : تيد هيوز
رسائل عيد الميلاد وقصائد أخرى
ينقل سركون بولص في مقدمته الموجزة والكثيفة لهذا الكتاب رأي تيد هيوز في الشعر، التي يقول فيها: (ربما لم يكن الشعر بمطلقه، وذلك في قدرته على التأثير فينا والتواشج معنا، سوى كشف عن شيء لا يريد الكاتب أن يكشف عنه في الحقيقة، لكنه في يأسه يحتاج إلى التواصل عن طريقه، وإلى أن يتخلّص منه. لعلّ الحاجة إلى إخفائه هي التي تجعله شعريّاً، أي تجعل منه شعراً. الكاتب لا يريد أن يضعه في كلمات، لذلك فهو يرشح منه بنحو سرّي، هارباً منه عن طريق التوازيات الكنائيةّ. نعتقد أنّنا نكتب شيئاً نسلّي به، لكننا في الحق نقول شيئاً نحتاج أن نشاركه الآخرين بيأس. السرّ الحقيقيّ هو هذه الحاجة الغريبة. لماذا لا نستطيع أن نخفيه وحسب ثم نسكت؟ لماذا علينا أن نهذر؟ لماذا يحتاج البشر إلى الاعتراف؟ ربما، لأنك إن لم تقم بذلك الاعتراف السري، فلن تكون عندك قصيدة. لن تكون عندك حتى قصة. لن يكون هناك حتى كاتب). وهو رأي ربما يقودنا إلى محاولة العثور على «اعترافات» سركون نفسه، هذه الاعترافات التي لا تنطوي على التطهير، أو نيل الطهارة المسيحية، وإنما فقط كدعوة من الشاعر إلى الآخر: دعوة إلى المشاركة الحميمية، مشاركة الألم، ومباركة اليأس، والدخول في التجربة الشخصية: لا شيء مفضوح، لكن كل شيء مباح في القصيدة، وليس مطلوباً منك كقارئ إلا المشاركة لا غير.
بين قطبي «الاعتراف» و»المشاركة» كانت قصائد هيوز، الشاعر الانجليزي زوج الشاعرة الإشكالية المنتحرة سيلفيا بلاث في كتابه «رسائل عيد الميلاد» الذي ترجمه سركون بولص واصفاً إياه في مقدمته (عندما أصدر تيد هيوز (1930-1998)) كتابه الأخير «رسائل عيد الميلاد» لم يكن أحد يتوقّع حدثاً بهذه الجسامة، له هذا الوقع المثير، وبهذه الصراحة في كشف أسرار علاقته بسيلفيا بلاث، الشاعرة الأميركية التي تزوجها في 1956، والتي انتحرت في 1963. خصوصاً أنّ هيوز عاش سنواته الأخيرة في عزلة تكاد تكون شبه كاملة، مصرّاً على الصمت في كل ما يتعلّق بحياته، وتفاصيلها الحميمية. ولم يسبق لشاعر إنجليزي آخر أن هزّ عالم الأدب بهذه القوة وبهذا الحسّ الفضائحي منذ أن نشر اللورد بايرون ملحمته المشهورة «تشيل هارولد»، في سنة 1812. كما نشر قبله دراسة تصوّفية ضخمة تستقصي أسرار عالم شكسبير الشعري بعنوان «شكسبير وربّة الكينونة الكاملة».
وبين القطبين أنفسهما ـ الاعتراف والمشاركة ـ كانت هناك أيضاً قصائد سركون بولص التي غطّت مساحات شعورية وحياتية طويلة من مغامرته الإبداعية، وربما يحتاج منا هذا إلى وقفة أخرى نعد القارئ الكريم بها قريباً.

مختارات من الكتب الأربعة التي ترجمها الراحل:
قصائد من «رسائل عيد الميلاد»
تيد هيوز
طالع
أردتِ أن تدرسي
نجومك- حرّاس باحة
سجنك، طوالع الأبراج. الكواكب
تمتمت لغة سحرها البابليّة-
مثل عظْمات مشعوذ. كنت محقّةً
في خوفك من أن يعلو هدير العظام، من أن
تسمع الأذن بصفاء أكثر
ما همست به العظام
حتى وهي مبطّنة، كما هي، بالجسد الحارّ.
سوى انك لم تكوني
بحاجة إلى أن تحسبي الدرجات
لنذيرك الصاعد في برج الحمل. لم يكن شيءٌ
مؤكّداً- ليس أكثر، بحسب الكتب البابلية،
من وحه تزركشه النُدَب. إلى أيّ عمقٍ
أزيدَ تحت الجلد، يمكن ليّ ساحرٍ
أن يختلس النظر؟
كان يكفيك أن تنظري
في أقرب وجهٍ لأية كنايةٍ
تلتقطينه من دولاب ثيابك، أو من صحنك
أو من الشمس أو القمر
أو من شجرة الطقّوس، لكي تري
أباك، أمك أو إيّاي أنا
نأتي بحتفك كاملاً إليكِ.
ومن نصوص و. س. ميروين
الصيّادون
عندما تفكّر كم كبيرة أقدامهم في أحذية
المطّاط الأسود، حيث الأرضية دائماً
زلقة تحتها، بأي ذكاء يتدبرون أن ينسلوا بين الشباك
المبسوطة، والخيوط، والصنانير في أقفاص عنكبوتيّة
ذات مداخل ضيّقة. لكنهم معتادون على هذا.
نحن لا نعرف أسماءهم.
وهم يعرفون حاجاتنا
ويعيشون على هديها، معيرين إيّاها
تهاويل وإغراءات لم يكن لنا، أن نضيفها
عليها أبداً.
إنهم يحملون نهايات جوعنا ليلقوا بها
كي تنتظر، متأرجحة، في مكان مظلم لما كنّا، نحن، اخترناه.
بحركات لم نتعلّمها أبداً، يؤمّنون لنا القوت.
وعندما يغرقهم، نلقي بالأكاليل إلى البحر.
أوديسيوس
دوماً كان الإقلاع هو نفسه،
نفس البحر، نفس الأخطار بانتظاره
كأنه لم يبلغ مكاناً، سوى كونه أكبر سنّاً.
المشارف المتشابهة هي بعينيها، على الساحل المتراجع
من خلفه، وفي مكان ما
أمامه، ها هو ذا ينحلّ من ذاته
ذاك الصبر الذي زفّ إليه، كانت هناك الجزر
التي تنبغي الملاحة بينها، ولكل منها امرأة
وترحيب مزاوجة، ومن بينها واحدة تدعى «الوطن»
ها أنّ معرفته بكل ما خانه، قد تنامت
حتى لم يعد هناك فرق، سواء
بقي أم مضى.
ولذلك مضى.
وأيّ عجب
لو أُسقط، أحياناً، في يده فلم يعد يتذكّر
أيهما كانت تلك التي تمنّت له عند رحيله
مهالك لن تكتب له، أبداً، منها النجاة
وأيهما، غير ممكنة، نائية، ووفيّة
كانت تلك التي لم يكفّ عن الإبحار إليها؟
مختارات من و. هـ. أودن
المياه
الشاعر، والعرّاف، والألمعيّ
يجلسون كصيادي سمك خائبين
عند بركة الاستبطان
يستعملون المطلب الخاطئ طعماً
لينالوا مآربهم، ويروون،
عندما يهبط الليل، كذبة الصياد.
وطالما الزمان عاصف في كلّ مكان
يتشبّث كلّ من الأتقياء والمنافقين
بأطواف القناعة الضعيفة،
الظواهر الطبيعيّة في هياجها
تنقض بأمواج كاسحة لتغرق
كلاً من المعذّب والعذاب.
يحلو للمياه أن تسمع سؤالنا المطروح
فهو سيطلق الجواب الذي مكثت بانتظاره، لكن.
شاهدة على قبر طاغية
الكمال، من نوعٍ ما، كان ما يسعى إليه
ويسهل علينا أن نفهم ما لفّقه من الأشعار؛
كان خبيراً بسقطات البشريّة كما بظاهر يده
شديد الاهتمام بالجيوش والأساطيل؛
وكان إذا ضحك، قهقه أعضاء مبجّلون في مجلس الشيوخ
ومات الأطفال في الشوارع، إذا بكى.
شاعر القبيلة
كان خادماً لهم- هناك من يقول إنّه كان أعمى
يتنقّل بين وجوههم وأشيائهم
حتّى كانت عواطفهم جيّاشة فيه كالريح
وغنّت، ثم صاحوا- «ما هذا الذي يغنّي، سوى إله»
وتعبّدوا له، وضعوه في مصاف له وحده،
وأشبعوه غروراً حتى أنّ هنّات عقله وقلبه الصغيرة،
لدى أيّ مشكل منزليّ طارئ،
كان يحسبها غناء.
لم تعد تأتي الأغاني: كان عليه أن يصنعها.
بأيّة دقّة كانت كلّ عبارة مرتبّة.
لقد عانق أحزانه مثل قطعة أرض،
وسار في المدينة مثل سفاح،
وكان ينظر إلى البشر فلا يودّهم،
لكنه يرتعش إذا مرّ به أحدهم وهو عابس.
مقتطف من قصيدة عواء / آلن غينبيرغ
رأيتُ أفضلَ العقولِ في جيلي وقد دمرها الجنونُ، يتضوّرون عراةَ ومُهَسْترين
يجرجرون َ أنفسهم عبر شوارع زنجيةٍ في الفجر باحثينَ عن إبرةِ مخدّرِ ساخطة
هَبائيون برؤوس ملائكةٍ؛ يتحرقون للوصال السماويّ العتيق، بالدينمو النجوميّ في مكننة الليل،
الذين بفقْرٍ وفي خرقٍ وبعيون مجوّفةٍ ومسطولينّ جلسوا يدخنون في الظلام العجائبي لشققٍ بلا ماء حارّ يطفو في أعلى المدن يتأملون في الجاز.
مَنْ عرّوا للسماء أدمغتهم تحت سكة الـEL ورأوا ملائكة الإسلام المنيرة تترنح على سقوف الأحياء الفقيرة.
مَنْ مرّوا في الجامعات بعيونٍ ساطعةٍ وباردةٍ مهلوسينَ لأركانساس ومأساة نور – بليك بين أساتذة الحرب،
مَنْ طُردوا من الأكاديميات لجنونهم ولنشرهم أناشيدَ فاحشةً على نوافذ الجمجمة
مَنْ انزووا بملابسَ داخلية في غرف بلا حلاقةٍ، حارقين أموالهم في سلال مهملاتٍ ومن أصغوا الى الرعب عبر الجدار،
مَنْ قُبضَ عليهم في لحاهم العانية عائدينَ عبر لاريدور بحزامٍ من الماريوانا إلى نيويورك،
مَنْ أكلوا نارا في فنادق الحثالة أو شربوا التربنتين في زقاق الجنّة، في الموت، أو مَطْهروا صدورهم ليلةً بعد ليلة،
بأحلامٍ، بمخدراتٍ، بكوابيس يقظةٍ، كحولٍ وعضو ذكريّ- وخصي بلا نهاية،
شوارعُ عمياءُ لا تَضاهى من سحابٍ يرتعد وبرقٍ في البصيرةِ يثبُ نحو قطبي كندا وباترسون، منيراً عالم الزمن الساكن بينهما،
صلادات بايوتية* لأروقةٍ، أسحار باحةٍ خلفيةٍ شجرةٌ خضراءُ مقبرةٌ، سكرةُ خمرٍ على سطوحِ المباني، انساطلاتٌ على الشاي، دَسْكراتٌ بفتريناتها لسياقةِ متعةٍ في أضواء المواصلات الغامزة بنيونها، شمسٌ وقمرٌ واهتزازاتٌ شجريّةٌ في أغساق شتاء بركلين، قرقعاتُ براميل الزبالة والنورُ الرحيمُ ملكُ البصيرة،
مَن ربطوا أنفسهم بالسلاسل إلى «الصّبواي»* للركوب اللانهائي من باتيري إلى برونكس المقدسة مخدّرين بالبنزين حتى صحوا على ضجيج العجلات كالحةً أدمغتهم مفرغين من البريق والأطفالِ مرتجفينَ بأفواهٍ مخلوعةٍ ومهدودين في النور الكئيب لحديقة الحيوان*،
مَنْ غرقوا طوال الليل في الأنوار الغوّاصة بمقهى بكفورد وطفوا عالياً وجلسوا طوال مساء البيرة المتخمرة في محلّ فوغازي سامعينَ فرقعة المصير على جوكبوكس* الهيدروجين،
مَنْ تحدثوا بلا توقف لسبعينَ ساعةً من متنزهٍ إلى غرفةٍ إلى بارٍ إلى مصحةِ بيليفو إلى متحفٍ إلى جسر بروكلين، طابورٌ صانعٌ من حواريِّ إفلاطون يقفزون إلى الأدراج العَتَبيّة من سلالمِ الحريقِ من أفاريز النوافذِ من بنايةِ إمبايرستيت ومن القمر،
يطقّقونَ الحنكَ يصرخون يتقيأون ويهمسون بحقائقَ وذكرياتٍ ومُلّحٍ وركلاتٍ إلى البؤبؤ وصدماتٍ بالكهرباء في مستشفياتٍ وسجونٍ وحروب..
النص عن موقع

الصور ليوسف رخا
|