
بعد تمحيص وتقلب، أعتقد أن هذا هو السؤال الوحيد الحقيقي الذي يطرحه “الاستقلال الثاني” (وهي التسمية الأوقع من “الربيع العربي” إذا ما أردنا أن نحافظ على نظرتنا الإيجابية إلى “الثورات”):

بعد تمحيص وتقلب، أعتقد أن هذا هو السؤال الوحيد الحقيقي الذي يطرحه “الاستقلال الثاني” (وهي التسمية الأوقع من “الربيع العربي” إذا ما أردنا أن نحافظ على نظرتنا الإيجابية إلى “الثورات”):
(١)
عندما أقرأ مقالات معارفي الذين يواظبون على النشر في الصحف المصرية ينتابني الشعور بأن بيني وبين الواقع الذي يتكلمون عنه فيلتر تلت مراحل، كأن المسافة من عندي إلى المجتمع عبارة عن “نو مانز لاند” بثلاث نقاط تفتيش.
وأحس أن معارفي من كتاب الرأي الشباب هؤلاء على تفاوت مهاراتهم ورؤاهم معلقون في نقطة التفتيش الثانية أو طافون في المرحلة المتوسطة من الفيلتر – يعني حتى هم بينهم وبين الواقع مرحلة – لكن يكون بيني وبينهم أيضاً نفس المسافة، الأمر الذي يضاعف من إحساسي بأني في المكان/الزمن الخطأ.
دائماً يبدو الكلام أكثر بديهية من أن تُكتب عنه مقالات في الجرايد، فيكون هناك إحساس بأن الكتاب مضطرون إلى تضييع وقتهم من أجل الاشتباك مع واقع وسخ. ويكون هناك شك في أنهم إذا وُجدوا في واقع أنظف لن يجدوا ما يقولونه.

لكن بغض النظر عن ذلك أحس أن كتابتهم حاجة من اتنين:
إما دروس في الأخلاق نبرتها عقلانية و”وسطية” مصرقويتية مما يساعد بشكل أو بآخر على تأكيد “الثوابت” الإخوانية نفسها التي جعلت المجتمع شكله كده؛
أو تمرينات استعراضية تبالغ في الحركات بما يوحي أن كتابها بعد ما مضّوا طفولتهم بين مدن سكاندينافيا وأحياء لوس أنجيليس المثلية ذهبوا في بعثات طويلة إلى مدن الفضاء الخارجي ولم يجيئوا مصر إلى أن قامت الثورة.

باختصار:
أرى درجات عبث ولاجدوى كفيلة بجعلي أكف عن قراءة المقالات بعد أن كففت فعلاً عن متابعة التلفزيون والأخبار. ولا يعني هذا أي انتقاد للمقالات أو كتابها بالضرورة، فقط لجدوى الاشتباك بهذا الشكل مع القضايا المطروحة والمحسومة في ذهني وأذهانهم كما حُسمت منذ عقود أو قرون في العالم النظيف؛ اللهم إلا التربح من ورائها وهو ما أربأ بالحبايب عنه. أربأ أربأ يعني…
حتى لو السبب الوحيد في ذلك أني لا أرى كيف يمكن أن يتربحوا منه بدرجة مجدية.

(٢)
من الموتيفات المسيطرة على خطاب الصيبر العربي ما بعد “الثورات” فكرة العدمية، وفكرة الأناركية. أنا لن أخش في التفاصيل التاريخية والمعرفية لكل من الفكرتين ولن أسأل مجرد سؤال عن الهرتلة المعتادة في الكلام عن الفروق بين النظرية والتطبيق، أكثر من قول إني حقيقي اتخنقت.

اتخنقت ليس لأن كلاً من الفكرتين عبارة عن كليشيه ميّت يقدّم باعتباره مخرجاً من أزمة حياة، ولا لأنهما ينقصهما الحد الأدني “التنويري” من الموضوعية (فكل فكرة بهذا المعنى تشبه المنطلق الديني/الأخلاقي للإخوان المسلمين، لا يهم أنها قد تبدو على طرف النقيض لفظياً من “جماعة إصلاحية محافظة”)، ولا حتى لأنهما فكرتان بلا أفق… ولكن لأسباب، في الوقت نفسه، أبسط وأكثر جذرية.
فما معنى أن تتكلم عن العدمية وأنت غرقان في سبوبة وراء سبوبة وبصدد استبدال سيارتك التويوتا بواحدة بي إم الآن، أو أن يكون هذا – للدقة – هو الطريق الذي تتطلع إلى السير عليه (إلا أن تكون العدمية جانباً من الديكور اللاحق على عملية تسلق اجتماعي ناجحة)؟
وما معنى أن تتكلم عن العدمية كمبرر لاشتراكك في اشتباكات خرقاء مع الشرطة أو غير الشرطة تحدث تحت عنوان القصاص (وهو مفهوم ليس فقط غير متوائم مع “الفكر العدمي” ولكن أيضاً أقدم بكثير – تاريخياً – من المنظومة الحداثية التي أنتجت وضعاً يمكن أن تكون العدمية رد فعل عليه)؟

أما بالنسبة للأناركية، مع شديد احترامي يعني، أناركية مين يا بني اللي إنت جاي تمارسها هنا؟ وإنت عندك دولة أصلاً عشان تثور عليها بالأناركية؟ ولما تلغي بواقي السلطة الموجودة – بافتراض إنك تقدر تعمل كده في شارعكو حتى – إيه اللي حيفرّقك عن لبنان قبل ١٩٩٠ أو العراق بعد ٢٠٠٣؟
لما يبقى عندك حد أدنى من الخصوصية أو رفيقات نضال ما هماش متبشنقين، لما تبقى إنت شخصياً قادر تتخلص من الإحساس بالذنب إنك ما بتقومش تصلي الفجر بالليل… والأهم من ده كله طبعاً لما تبقى شايف حواليك خدمات أساسية أو منظومة رأسمالية شغالة أو أي أمارة تانية على وجود مؤسسات ليها سطوة بأي معنى عملي أو إيجابي – مش مجرد عصابات بتطلّع ميتين ناس هما سامحينلها بكده – ساعتها ابقى فكر في الأناركية.
غير ده ما فيش أي مانع طبعاً تجري في الشارع بس ما تبقاش ترجع تعيط لما يحصل المفترض إن الأناركي متوقعه، ماشي؟

(٣)
قد يكون مأخذي الأساسي على كل ذلك غير مرتبط لا بالعالم العربي ولا باللحظة الراهنة فيه – قد يكون كلامي فعلاً منفصلاً عن أي مكان/زمن، وهو ما يفسّره ويؤّكده بعدي عن الواقع أو إدراكي لذلك البعد الأعمق ربما، فقط ربما، من إدراك معارفي كتاب الرأي – لكن المهم في الموضوع، غير إني اتخنقت يعني، هو أني باستثناءات نادرة معظمها تائه على طريق التفاهة الممنهجة لا أرى في الكلام الدائر أفق حياة.
قصدي أن كل أو معظم ما يقال باتجاه النظافة في مجتمع يتضح كل يوم أنه أوسخ من فكرتي الوسخة عنه يساهم بلا قصد في الوساخة، ذلك أنه سواء كان “أخلاقياً” أو “جامد كيك” دائماً ما يتضح أنه مطابق للفكرة الدينية/الأخلاقية القديمة، حتى في موقفه الجمالي، ولذلك ينتهي إلى الهزيمة أمام الفكرة التلمودية في صورتها الخام وينتهي إلى الموت أو ما بعده بديلاً أوحد عن اللامسئولية أو استمرار الوضع على ما هو عليه: العدم المزعوم. ينتهي من قبل أن يبدأ.
لاحظ – أرجوك – أني لم أذكر أياً من القضايا المطروحة والدائر النقاش حولها. أنت تعرف رأيي فيها كما أعرف أنا رأيك، ولا أرى أي ضرورة من ثم لذكرها.
.
كيف كانت بدايتك مع الكتابة الأدبية؟
الأدق ربما الحديث عن بداياتي، لأنك كلما بدأت كتابة أدبية – وأنا أعلم أن هذا كليشيه لكنه فعلاً ما يحدث – يكون الأمر كما لو أنك تكتبين للمرة الأولى؛ لا أذكر متى أول مرة كتبت فيها شيئاً أدبياً لكنني كنت أكتب قبل أن تكتمل قصة “أزهار الشمس” التي سُميت مجموعتي الأولى باسمها سنة ١٩٩٤، وكان معلمي الذي تابع كتابتها وعاصر صدور المجموعة دون أن يتمكن من مساعدتي على نشرها هو علاء الديب. كان عمري حينها ثمانية عشر عاماً وكانت حياتي الحالية – أقصد حياتي كشخص مستقل يدخل في علاقات ويكتب – قد بدأت بالفعل في مرحلة كما ترين مبكرة. أعتقد أن الكتابة، فضلاً عن أن فيها جرثومة الكلام التي أحسبني ولدت بها، كانت منذ اللحظة الأولى محاولة للتعامل مع الحياة بفهمها أو تحويرها بهدف الفهم – ولعل كلمة “فهم” ليست تعبيراً دقيقاً عما أقصده، وهو غاية الكتابة والسبب في أن كل كتابة جديدة تكون بداية – الأمر الذي اتضح فيما بعد أنه مسار معرفي قبل أن يكون علاجاً نفسياً وقبل أن يكون مهنة أو أسلوب حياة.
.
ما الذي مثلته لك مجموعتك القصصية الأولى ”أزهار الشمس”؟
مثّلت لي كتابتها إحساساً عميقاً بالتحقق – ليس بداية مشروع روائي أو شعري كما قد يُفترض، ولكن تحققاً – ومع ذلك، في الوقت نفسه، مثّل لي نشرها إحباطاً شديداً في قابلية العالم المحيط بما فيه الوسط الأدبي على احترام تحققي هذا: استخدامه أو الاحتفاء به على أي نحو. ليس من عادتي أن أجتر كتاباتي القديمة أو أعيد قراءتها ما لم تقتض ذلك ضرورة ما، لكن أستطيع أن أقول إن القسم الأكبر من “أزهار الشمس” هو كتابة جيدة وإن السبب في أن أحداً لم يلتفت إلى الكتاب هو أنني كنت صغير السن وغير معروف حين صدر؛ لم أكن من رواد مقاهي وسط البلد ولا درت على مكاتب النقاد بنسخ مجانية عليها إهداءات. وأدى الصمت المطبق حيال الكتاب عملياً إلى انقطاعي عن الكتابة الأدبية ست سنوات، وإن كان الأدق أنني انقطعت عن النشر. ولم أرجع إليه إلا إثر زيارتي لبيروت سنة ٢٠٠٥ في ظرف مختلف تماماً. هناك حقيقة مؤلمة حقاً عن دوائر الأدب العربي مازالت قائمة وإن كشفتها الثورة فهزت دعائمها، هي أن الاحتفاء بالأدب وتداوله قائم بالأساس على العلاقات والمجاملات الشخصية؛ وبينما يقتصر السوق على نصوص تباع ويحتفى بها لأسباب غير أدبية ولأنها تكرّس المكرّس، فإن الدوائر الأدبية المعزولة عن مجتمع أوسع لا أبالغ إذا قلت إنه أمي ومتخلف تقوم على صداقات وزمالات ومصالح مشتركة لا تستند إلى أي قاعدة تجارية أو مقاييس جودة ولا حركة ثقافية تنطوي على الحد الأدنى من النقدية أو النزاهة أو المهنية أو حتى التماسك الأخلاقي.
.
في كتابك بورقيبة على مضض: عشرة أيام في تونس تعرضت بالنقض لسياسات بعض الأنظمة العربية وبعض الحكام العرب فهل واجهتك محاولات لمنع الكتاب؟
لم يبلغني خبر بمنع أي من كتبي، غير أنني سعدت كثيراً حين أخبرني كمال الرياحي العام الماضي أن “بورقيبة على مضض” والذي يبدو أنه كان ممنوعاً في تونس قبل الثورة قد ظهر على أرفف المكتبات في شارع الحبيب بورقيبة. الملفت أن الرقابة السياسية والدينية نادراً ما تستهدف الكتابة الأدبية رغم أن الأدب المعاصر يهدد الكيانات السلطوية الفاعلة في الدين والسياسة إلى حد أبعد بكثير من نوعية الكتب والأعمال الفنية (الفضائحية) التي تستهدفها هذه الكيانات. والسبب في اعتقادي أن الأدب جمهوره محدود جداً وقوة تأثيره على نطاق واسع، كما ثبت على أكثر من صعيد في مجتمع ما بعد الثورة، تكاد تكون معدومة. النصوص التي تلاقي رواجاً والتي يمكن أن يكون لها تأثير – وعادة ما يكون تأثيرها هو تكريس المكرس (الفاسد أو، على أحسن الفروض، الممل الذي عفا عليه الزمن) أو تأكيد القيم والعقائد السائدة والشعارات غير المختبرة نفياً أو إثباتاً – هذه وحدها هي النصوص التي يلتفت إليها الرقيب العربي وهي غير أدبية إجمالاً وإن قُدّمت على أنها أدب.
.
.
هناك عدة أعمال أدبية صدرت فى أعقاب الثورة وتتناول ثورة ٢٥ يناير… فإلى أي مدى اختلفت عنها رواية التماسيح؟
.
لم أقرأ أعمالاً أدبية عن الثورة سوى ديوان شعر واحد لشاعر نثر معروف صدر في أعقابها مباشرة وكان سيئاً إلى درجة لا تصدق. صدرت شهادات وتحليلات كثيرة اطلعتُ على بعضها بحكم عملي ويمكن رؤيتها إجمالاً في سياق الصحافة. “التماسيح” لم تكن عن الثورة في البداية – بدأتُ في الرواية وأكملت جزء كبيراً منها قبل الأحداث، ثم انقطعتُ عنها أثناء الأحداث قبل أن أعود إليها في وقت لاحق – إلا أنني ضمّنتها تلك اللحظة التاريخية التي بدا وكأنها محطة إياب للرحلة التي تطرحها الرواية – والتي تدور أحداثها الرئيسية من ١٩٩٧ إلى ٢٠٠١ – وتدَاخَل من ثم التأريخ لانتهاء مرحلة التسعينيات (الثقافية) بهجمة ١١ سبتمبر مع التعليق على واقع الربيع العربي. في “التماسيح” مقاطع كالشهادات والتحليلات التي عالجت الثورة بالفعل لكن فيها نقداً لمعسكر الثورة نفسه وأسلافه المباشرين في الثقافة والمعارضة. ومن الأشياء التي تريحني نفسياً اليوم – بغض النظر عن الرواية – أنني لم أتوانَ عن نقد الثورة التي شاركت فيها بحماس بالغ في البداية ثم الارتداد عنها صراحة حين أدركتُ ما آلت إليه؛ أظن هناك شجاعة في الاعتراف بالفشل وأظن النقد وظيفة الثقافة وليس الترويج للشعارات وتزييف الوعي. ولا أريد أن أدخل هنا في محاججات سياسية أو مجتمعية لكن أظن هذا من جوانب تفرد “التماسيح”: إنها، مثلها في ذلك مثل كل كتابة أدبية، تهتم بحقيقة الخبرة الإنسانية في عمقها واتساعها أكثر مما تهتم بالتكريس لفكرة جاهزة عن صراع الخير والشر أو عن تفوق العنصر أو الطائفة. وهي قراءة للثورة ستنتشر عاجلاً أو آجلاً رغم أنف المتفائلين.
.
إلى أي مدى أثرت دراستك للفلسفة على كتاباتك؟
من حظي أنني تمكنت من دراسة الفلسفة في إنجلترا حيث كان التركيز على الممارسة الفلسفية نفسها والمهارات الذهنية المرتبطة بـ”التفلسف” وليس على تاريخ الفلسفة كوقائع أو محفوظات تروى من خارجها؛ كان من شأن ذلك أن أتعلم صياغة جملة منطقية وحجة مكونة من بضع جمل ثم مقاربة سؤال عبر بضع حجج قد تكون متعارضة وترجيح رأي بناء على ذلك، وهي كلها أمور تساعد في السرد الأدبي… كما فتحت لي الفلسفة مجالات واسعة للنظر إلى الواقع ومراجعة المسلمات أو القطع معها. ليس في الفلسفة ما يعين على الكتابة الأدبية خلاف قواعد الصياغة والدقة والعقلانية، ولا أظن المعرفة التي تنتج عن ممارسة الفلسفة هي نفسها المعرفة الأدبية؛ لكن الفلسفة تدفعك إلى إعادة النظر في القواعد العقلية والتجريبية لما تكتبين عنه وتدربك على التعامل مع وجهات النظر المختلفة ونظريات العلوم الإنسانية، فضلاً عن أنها تفسر التطورات التاريخية وتمنحك أدوات ذهنية لرؤية وتقييم مختلف الخطابات التي يتقاطع معها الأدب بطبيعة الحال.
.
يرى البعض أن العمل الصحفي يضر أحيانا بالأديب… فهل تتفق مع هذا الطرح؟
للعمل الصحفي جوانب عديدة متنوعة ولا يمكن التعميم على هذا النحو. المؤكد أن في الصحافة مناهج عمل وخبرات وتمرينات يمكن أن تفيد، وفي حالتي شخصياً أظن أنها أفادت أكثر مما أضرت.
.
وأخيرا كيف ترى المشهد الإبداعي العربي المعاصر؟
التغير الكبير الذي طرأ على المشهد العام في العامين الأخيرين يجعل إجابة هذا السؤال شديدة الصعوبة. كل ما أستطيع أن أقوله بوضوح في هذا الصدد هو أن القطاع الثقافي في مصر – والقطاع الأدبي كجزء أساسي منه – ليس له ظهير اجتماعي حقيقي أو قاعدة “جماهيرية” يعوّل عليها؛ الأمر الذي اتضح بصورة غير مسبوقة في أعقاب الثورة. وبالتالي لم يعد من الممكن الحديث عن مشهد فاعل أو حتى متكامل خارج الدوائر المغلقة التي يتحرك فيها الأدب والموبوءة، كما سبق وأشرت، بالمحاباة والترهل. قبل ٢٠١١ ومنذ ٢٠٠٥ ربما كان هناك مجال متنام في الترويج للأدب وتقريب النشاط الأدبي العربي من جمهور قراء لا يقرأ إلا بالإنجليزية والفرنسية غير أن الثورة أحبطت مثل هذه الجهود بتوجيه الاهتمام إلى الشأن العام والأسئلة السياسية ثم الضغوط الإسلاموية على المجتمع. وهنا رأيت ربما لأول مرة في عمري إلى أي حد نحن مجتمع بلا “ثقافة”، وإلى أي حد “ثقافتنا” بما فيها الإبداع الأدبي ظاهرة أقلاوية محصورة في مساحة شديدة الضيق ومتورطة في فساد ولا أخلاقية هياكل السلطة بدرجات متفاوتة. ومع ذلك، لا شك أن هناك كتابة جيدة تنتج من حين إلى آخر، هنا وهناك. لكن المؤسف أنها نادراً ما تكون هي المحتفى بها.
.
ولماذا لا أكون جارا لك
يعيش في الشارع الخلفي
في عمارة ظهرها لعمارتكم
وذات يوم
تقوم ثورة في مكان من المدينة
ويلغون العمل بضعة أيام
وتنزلين لتتجولي في الحي
.
الشارع الخلفي هادئ
مجرد سيارات متربة في كل مكان
ورائحة دافئة من مخبز لا ترينه
وموسيقى والعمل ألغوه
ويمكن أن تبحثي الآن من أين هذه الموسيقى
.
إنما زواج!!
وطفل يوقظك ليلا
ليريك أسراه المريخيين
وطفلة تخوض في ماء على الرصيف
وننهرها لأنها وسخت قدميها
فتقول “اغسلوها لي”
.
بالكثير ستسألينني عن الموسيقى
ـ “فيفالدي”
.
وأن تجربي الكمنجة
ـ “طبعا”
.
والعمل ألغوه
والحكاية كلها عشر دقائق في شرفتي
أو قولي ما يكفي لكوب شاي
مع بسكويت بالبلح لا يزال ساخنا
أو حتى يا ستي ساعة جنس
في هذا الصباح الشتوي الدافئ
تذهبين بعدها لحال سبيلك
.
جميلةً
خفيفةً
متوردة الخدين
ولست أرملة؟

الناس لما بتقول ثورة بتقصد حاجة من اتنين واضح إن ما لهمش أي علاقة ببعض:
(١) المظاهرات والاعتصامات والمسيرات في حد ذاتها، وهنا التعاطف مع المحتجين ضد السلطة الغاشمة وعامة الشعب المحافظ شيء جميل ومطلوب طالما إن المحتجين دول ما هماش أنفار مشحونين في أتوبيسات ومفروض عليهم اللي بيعملوه سواء بالفلوس أو بأي طريقة تانية منظمة.
(٢) إن المظاهرات والاعتصامات والمسيرات يبقى معناها أو هدفها أو نتيجتها إن المجتمع ينتقل من حاجة وحشة لحاجة كويسة، مثلاً من الجهل للمعرفة أو من الفقر للغنى؛ وهنا بقى التعاطف لا جميل ولا مطلوب، لإنك حتى في أحسن الأحوال أول ما تبعد شوية بتشوف قد إيه المعنى أو الهدف أو النتيجة ما هماش حاصلين في الواقع وإن ضحايا الاحتجاجات بيروحوا فطيس وفي أسوأ الأحوال بتبقى شايف ده من أول لحظة وممكن كمان تبقى شايف إن الضحايا يستاهلوا يروحوا فطيس أو يعني يروحوا في أي داهية (لإن الحاجة الكويسة اللي المفروض إن الاحتجاج ده يحققها – “شرع الله” مثلاً – ما بتبقاش كويسة خالص من وجهة نظرك).
وبالتالي سهل قوي إن نظرية “هيييه مظاهرة” اللي هي ماشية باعتبارها الموقف الثوري الصحيح تساهم في إن المجتمع ينتقل للأوحش مش للأحسن – إنك تبص تلاقي اللي بيمثل المرأة في مجلس الشعب أم أيمن مثلاً، أو إن السؤال بدل ما يبقى “ازاي نحجّم مدى ومركزية السلطة السياسية في الدستور” يبقى “ننتخب مين فرعون جديد من غير ما يبقى عندنا دستور” – وده طبعاً ممكن يحصل من غير ما يأثر لا على تعاطفك مع المحتجين ضد السلطة الغاشمة وعامة الشعب المحافظ ولا على كون التعاطف ده في حد ذاته شيء فعلاً جميل ومطلوب.
“إلى كل رافض للنزول: أيام محمد محمود كنا بنقول للرافضين انزلوا احموا اخواتكم حتى لو مختلفين معاهم، إنت مش شايف العساكر اللي قدام إخواتك دلوقتي قد إيه؟ لو مانزلتش تحميهم واتعاملت بمنطقهم تبقى أوسخ منهم”.
الكلام ده لـ”محمد نور الدين” على الفيسبوك وأنا مش فاهم كلمة “إخواتكم” في السياق (يعني السلفي ومشجع الألتراس والمسيحي المتعصب التلاتة ممكن يكونوا بيتظاهروا في أوقات وأماكن مختلفة، فهل ده معناه إن التلاتة إخوات بعض عادي؟) ومع ذلك أنا متفق معاه تماماً. هو بيتكلم عن التضامن ودي قيمة واضحة وبريئة من “مكتسبات الثورة” وضروري تبقى موجودة. لكن أنا سؤالي – وبنفس الوضوح والبراءة برده – عن علاقة مظاهرة زي اللي حاصلة دلوقتي قدام وزارة الدفاع بالثورة لما يبقى المقصود بكلمة ثورة رقم (٢) أعلاه: لما نبقى شايفين “القوى الإسلامية” قد إيه ممكن تنقل المجتمع لحاجة أوحش من الحاجة الوحشة اللي كانت موجودة من سنة ونص لما “قامت الثورة”، ولما يبقى اللي بيحرك المحتجين ضد المجلس العسكري هو تعلقهم الهستيري بشخص أو بانتماء طائفي للقوى الإسلامية دي، مش بأي قيمة هما بيدافعوا عنها غير قيمة التضامن في سياق “هيييه مظاهرة” أو يعني “هيييه ثورة”، يبقى إيه الجميل أو المطلوب في التعاطف مع اللي بيحصل هناك؟



———————————————————————————-
