بيت أروى: مهاب نصر عن الصدق والثورة

ليس أخطر ما أنتجته ثورة يوليو (أو انقلاب يوليو) هو ما يسمى بـ”حكم العسكر”، بل في كونها مثلت أو تسببت بوضوح في إحداث شرخ واسع في الضمير المصري. لأنها أولا أول سلطة “مصرية” تحتكر الحكم بلا منازع (فلا ملك ولا إنجليز)، ومن ثم فقد كانت تمهيدا لمواجهة الشعب لذاته وإن استغرقت هذه المواجهة عقودا خصيلتها ما يحدث الآن. ولأن هذه السلطة لم تحتكر الحكم باعتبارها سلطة منتخبة بل استثنائية، وهو ما جعل فكرة “الاستثناء” تتحول إلى قاعدة سياسية بشكل متناقض تماما مع طبيعتها. وهي ثالثا احتكرت تمثيل الضمير العام (المبرر  لهذه الاستثنائية) وبالتالي وضعت نفسها أمام شرط مستحيل وزائف.

Continue reading

ملاحظات “بناءة” على مقالة عمرو عزت إلى “شريف عبد الشفيق”

wpid-561104_259415454151833_172612324_n-2012-06-11-06-41.jpg

شكراً يا عمرو على هذا “الجواب”، شكراً على الوضوح وعلى “البذاءة”، وشكراً على دقتك في الكلام.

كنت أنوي كتابة شيء طويل في نقد (وربما نقض) الخطاب الثوري، ليس دفاعاً عن الشرمطة ولا انحيازاً للأراجوز المخرّم المطروح بديلاً وحيداً عن الإخوان المسلمين، ولكن تعبيراً عن إحباطي الشديد في عثرات “الموقف الثوري” أو أخطائه، أو فيما أراه قد أدى إليه وأحمّله مسئوليته بكل قسوة. ولعلك قرأت بعض تعليقاتي (البذيئة أيضاً) في قدح “اليسار” الموالي للإخوان والإخوان أنفسهم وربما – وربما هذا هو الأهم الآن – في قدح جوانب من الموقف الثوري ذاته.

أتذكر أنك قلت لهذا المخاطب ذاته، في المرة الأولى التي كتبت له فيها، إن الثورة كانت أكبر منا جميعاً ولكن ذلك لا يبرر الوقوف مع شفيق. أنا سعيد لأن صوتك ليس للإخوان وإن كنت لا أتفق معك في الأسباب ومطمئن لأنك تعرف أن صوتي ليس لشفيق وإن كنت لا تتفق معي في الأسباب. الذي أريد أن أقوله هو أن نظرية “يا عزيزي كلنا شراميط” يمكن تطبيقها على الموقف الثوري بشكل مختلف تماماً سآتي إليه حالما أقول لك إني لست شرموطاً أو أحاول أن لا أكون وإن التضحية – أي تضحية في سياق يجعلها تضحية حقيقية – أثمن ما أراه فيما يحدث حولي.

كلنا شراميط يا عمرو ليس لأن بين معسكر الموقف الثوري (كأي جماعة إنسانية) وصوليين ومعرصين. كلنا شراميط لأننا – واسمح لي أن أستخدم نون الانتماء على رغم أنني لم أعد أشعر أن هذه “الثورة” تمثلني – لأننا فضّلنا المظاهرة والاعتصام على كل قنوات العمل المدني السلمي المفتوحة أمام طاقتنا لإحداث تغيير حقيقي في الحياة التي نعيشها (بما فيها السياسي منها)، لأننا لا تسامحنا مع حدود الغالبية العظمى من الناس الذين نعيش بينهم بما يجعلنا قوة مؤثرة في اختياراتهم ولا رفضنا التماهي مع عملية سياسية أقل ما يقال فيها أنها دعارة برخصة، عملية شارك فيها كل زعماء الشوم واللوم الذين قبلوا بشروطها ليعودوا يتنصلوا منها بمجرد انهزامهم. كلنا شراميط أيضاً لأننا استهترنا بحيوات الشباب أمام آلة القمع متعددة الوظائف، وركضنا وراء الشعار الأجوف حتى في حال صدوره عن مناصري الشرموط الأكبر في معسكرنا حازم صلاح أبو إسماعيل. وكلنا شراميط لأننا – فيما ظللنا من العمى والغباء بحيث لم نلاحظ أن “الميدان” لم يعد له تأثير على العملية السياسية وأن مرحلة التظاهر مرت منذ زمن طويل وصار علينا إما أن نقبل فشلنا السياسي ونسعى للتغيير من خلال قنوات أخرى (وهو ما اخترته شخصياً) أو أن نتكتل ونجتهد سياسياً (من خلال تكوين كتلة مقاطعة صلبة قبل أو بعد استفتاء مارس ٢٠١١ مثلاً) وإن بقينا على الهامش. كلنا شراميط لأننا أكثر من مرة – وبأسمى النوايا – فعلنا ما يفعله الشراميط الذين تقصدهم بالتعريص على الشهداء من أجل الأصوات والمشاركة في عمليات تصويت تديرها العصابة نفسها التي تطلق الرصاص على محتجين من أمثالنا أثناء ذات نفس عملية التصويت. وكلنا شراميط في النهاية لأننا – كما لم نفرّق بين المظاهرة والثورة – لم نفرق بين قوى المعارضة وقوى التغيير، فالمعارضة متمثلة في الإخوان المسلمين في ظني أثبتت أن لها من القدرات التعريصية ما لشراميط مبارك بل وأكثر، وأنها لا تعرّص لمصلحتها فقط وإنما تعرص لمصلحتها وتتحالف مع المعرصين لمصلحتها أيضاً، تغني على الدين كما تغني على الثورة وتستعمل الضحايا وقوداً لـ”نهضتها” التي لا تنتطوي على أكثر من تأكيد كل ما هو طائفي ومتخلف في مجتمعنا (واعذر “برجوازيتي” و”إسلاموفوبيتي الليبرالية” حين أقول إن التقنين لصالح ختان الإناث والتحرش الجنسي مثلاً تخلف). كلنا شراميط لأننا لم نتعظ بموت من ماتوا ولا بحماس في غزة ولا بأن تأكيدنا المتكرر لأن “الميدان موجود” جعل الميدان زي قلته تماماً، ولم نفهم – في السياق ذاته – أن الإسلاميين قد يتعرضون إلى ما تعرضنا إليه من قمع وتضييق ولكن ذلك لا يجعلهم في الموقف الثوري أبداً، لا وهم قريبون من الحكم ولا وهم بعيدون عنه، ليس فقط لأنهم شراميط مثل شراميط مبارك ولكن لأنهم شموليون ومحافظون في تفكيرهم بما يناقض أي فكرة محتملة عن الثورة، ولأن علاقتهم بثورتنا عملياً لم تتعد استغلالها للحصول على مزيد من الحكم الذي يمارسونه بالطريقة ذاتها التي مارسه بها شراميط مبارك (قارن بين الكتاتني وسرور – قارن بين حازم شومان وتوفيق عكاشة) ولا يعنيني على الإطلاق في هذا الصدد أن بعض الإسلاميين قد تكون لهم بعض النوايا الحسنة بينما كل المباركيين كل نواياهم سيئة. هل مات من مات يا عمرو، وهل عملنا ثورة لكي تحجب المواقع الإباحية؟ وبماذا كان يفكر علاء عبد الفتاح مثلاً حين أعلن خلال دقائق من نتائج الجولة الأولى أن صوته لمرسي؟ هل هو مقتنع حقاً بأن داخلية الإخوان ستكون أكثر احتراماً للحقوق والحريات من داخلية مبارك؟ وهل تقتصر الحقوق والحريات على ما هو مادي وجسدي أم أن بيننا – في هذا المجتمع، في الموقف الثوري وخارج الموقف الثوري – من يمكنه المساهمة في الحضارة الإنسانية بالعلم والفن والإدارة وسوف يعيقه عن ذلك حكم الإخوان المسلمين؟

الأهم من كل ذلك – أيضاً في السياق – هو سؤال القيم التي عبرت عنها الثورة، والتي كي يصح لنا أن نسميها ثورة أصلاً لابد من أن تعبر عن قيم، وهي كما رأيتُها أو فهمتها ولعلني مخطئ قيم التعدد والتداول والسلام، يعني الأشياء نفسها التي يناقضها استدعاء ثورات العصور الماضية (والتي لا تشبه ثورتنا من قريب أو بعيد) وتحدوها دوافع كالرجولة والاستبدادية والقصاص. فأنت تتحدث في معرض كلامك عن أن الموقف الثوري ينقي نفسه من الشوائب المترددة، وتضع الثورة في مواجهة مع الإصلاح، بينما الحقيقة هي أن القيمة الوحيدة لهذه الثورة كانت تعدديتها ومرونتها واستعدادها لاستيعاب الجميع في سياق الصالح العام (وهو الإصلاح بتعريفه العلمي، في مقابل الاجتثاث والإقصاء “الثوريين”). فهل من يعترض على كلامك الآن – من يقرر أنه لن يقاطع أو يفسد صوته وأنه سينتخب شفيق لأنه يراه الحل الأفضل مرحلياً – يفقد أهلية الوجود في الموقف الثوري؟ ومن يقرر هذه الأهلية؟ وهل ترى حقاً أن أياً من النشطاء النجوم أو المعارضين المعروفين أهل للحكم على أحد؟ أعتقد يا عمرو – واغفر لي إن كنت مخطئاً – أن هذه هي نقطة التلاقي الحقيقية بين الإخوان والثورة: القابلية على الاستبداد بدعوى أن الحق واحد وهو معي. وبالنسبة إلي، بمنتهى الصراحة يعني، قد يكون هذا أسوأ حتى من التعريص…

أريد أن أطرح – على سبيل الختام – أسئلة أظنها على القدر نفسه من الأهمية التي للاسئلة الأخلاقية العاطفية التي يطرحها النفور من الشرمطة هي الكفاءة والعقلانية والفعالية السياسية. وربما من الطبيعي أن لا يكون في ثورة مثل ثورتنا ما يكفي من هذه الأشياء لكن المفترض أننا حين نخطئ نتعلم من أخطائنا. لقد عدنا إلى حيث كنا يا عمرو، ليس أمامنا سوى التعبير عن أنفسنا وشتم بعضنا البعض على المدونات، مع أنه في ظني كان بإمكاننا حقاً أن “ندرك اللحظة الفارقة”… الكفاءة والعقلانية والفعالية، وضرورة التخلص من رواسب شرمطة أعمق كثيراً من الشرمطة المباركية وهي شرمطة الحنجرة والنضال والزعامة والكرامة وكل تلك المجردات التي أوصلتنا – منذ “الثورة” الأولى – إلى خيار سياسي بين استمرار الانهيار التام أو القبول بالشمولية المتناكة… وأظن أنه سيكون علينا أن نتخلص من النوازع الإقصائية والعدوانية داخل قرائحنا نحن قبل أن نكون مؤهلين لخوض ثورة ديمقراطية تسمح لنا بالعيش حقاً كما نريد. سوف يكون علينا أن نتخلص من فحولتنا ومثاليتنا وإحساسنا “الواقع” بأننا على حق لأننا على استعداد للتضحية بغض النظر عن ما نضحي من أجله. أليس كذلك؟

ملحوظة: إذا قررتم البدء في الثورة المسلحة أو الحرب الأهلية فأنا معكم بشرط أن تكون كتائبنا علمانية وأن نستهدف شراميط الإخوان فضلاً عن استهداف الشراميط

***

عمرو عزت: عزيزي شريف عبد الشفيق .. حدثني أكثر عن الأصول الفقهية للشرمطة

تلقى أبى ذات يوم دعوة إلى اجتماع  يضم بعضا ممن يطلق عليهم “القيادات المحلية” في امبابة، وعندما سأل عن الحضور وجد أن هذا الاجتماع يضم  بعض أصحاب المناصب في الدولة وممثلي كبار العائلات بالإضافة لأعضاء سابقين في الحزب الوطني وبعضا من رجال الأعمال الذي كانت تربطهم علاقة عاطفية متقلبة بالحزب الوطني وعددا من المعرّصين المعروفين بكونهم “سماسرة انتخابات”،

وعندما قيل له أن هذا الاجتماع من أجل دعم حملة أحمد شفيق في امبابة سكت كثيرا ولم يجد ما يرد به علي من يدعونه سوى أن يسألهم: “هو إنتم ناويين تبطلوا شرمطة إمتى ؟”

بالأمس تذكرت ذلك الموقف الذي حدث قبل مؤتمر شفيق في امبابة الذي شرفت بمحاولة إفساده وكتبت لك بعده أطلب منك الرجوع إلى صوابك لأني لا أتخيلك بين هؤلاء المعرصين من بقايا الحزب الوطني الذين كانوا حوله يومها. اليوم أكتب إليك ثانية وأغلب ظني أنك قد تركت حملة شفيق وأن ذلك المنعطف الأخير من الشرمطة التي يقوم بها الفريق لم يترك لك هامشا للاختيار. 

صدقني، رغم أنك التففت حول كل ما حدثتك بشأنه عن شفيق، إلا أن ردك كان مهما جدا، سجلت منه نقاطا عديدا لأعود وأكتب عنها لاحقا، فلدي مشروع للكتابة عن كيف يبرر ولاد الوسخة مقاومتهم للثورات. نقاطك كانت ذكية حقا، تليق بذكي ضائع يعمل في خدمة ولاد الوسخة. نقاطك كانت نقدية وملهمة فعلا، ومن الضروري أن يقرأها جيدا كل من هو في الموقف الثوري لتساعده على ان يتخذ موقفا ثوريا أكثر اتساقا.

مثلا حديثك عن هؤلاء الإعلاميين الذين كانوا مقربين من النظام ومؤدبين معه ويقفون الآن وسط “الثوار”، حديثك عن كيف استبطن بعض “الثوار” اخلاق مبارك الذين عارضوه.  سخريتك من اختيار “الثوار” لعصام شرف بديلا عن شفيق، وهو ما كان بديلا فاشلا غير ثوري ولا إصلاحي ولا أي شيء. إشارتك حتى لألفاظي البذيئة باعتبارها من ميراث “بكابورت مبارك” الذي ورثه معارضوه. لانه في رأيك، أفسد مبارك النظام والمعارضة معا. إلا أنه لم يستطع إفساد جناح النظام الذي كان فيه شفيق، ولذلك اختار، مبارك، ذلك المفسد، شفيق، ذلك النظيف، ليكون رئيس وزراؤه بعد اندلاع الثورة ليكفر عن خطاياه بحق هذا الشعب ويأتي بالجناح النظيف في النظام لعل الله يغفر له خطاياه. 

أنا لن أناقشك في طهارة ذلك الجناح في السلطة ولا في طهارة قرار مبارك والمجلس العسكري بالإتيان به كرئيس للوزراء من أجل التغيير فعلا، فأنا لا أناقش الشرمطة.  

ولكني ساعترف لك فعلا أن صف “الثوار” به الكثير من المهرجين والمنافقين والمتسلقين والمتلبسين بكل الموبقات، ليس فقط لانهم جماعة بشرية عادية، ولكن تحديدا لأن “الموقف الثوري” أصبح ذا جاذبية في بعض الأوقات. وأصبح له بريق وقدر من “السلطة” تبرر للكثيرين التظاهر بالتواجد فيه. ولكن بالنسبة لي الموقف الثوري ليس مجسدا في تلك الجماعة التي تقف في الموقف الثوري إلا أن ظلت بشكل ما تنقد نفسها وتطهرها وتتساءل كل لحظة عن الموقف الثوري فعلا.

الجماعة التي تقف أو تحاول أن تقف في “الموقف الثوري”، وبينها بالطبع الطامع والمتسلق، ليست جماعة منزهة بل هي بالأساس ثورية لأنها تحاول بناء طريق جديد، وفي محاولتها هذه تخطيء وتتعثر كثيرا. وقد تضل أصلا عن “الموقف الثوري” وتعود وتبحث عنه. الثورة ليست من يحاولون أن يتحدثون باسمها دائما، ولكن من يحاولون أن يقفوا في موقفها ويتحروه.

هذه الجماعة التي يصفونها بـ”الثوار” وهم ليسوا كذلك “حصريا” لو تابعتها لوجدتها أشد عنفا في نقد سلوك بعضها عندما يكون ضد “الموقف الثوري” أو بخلافه أو يضعفه. وعندما يكون السلوك ضد “الموقف الثوري” تماما يحدث استبعاد ما ولو معنوي. تماما كما يطهر النظام نفسه من جيوب “الإصلاحيين” المترددين في حسم انحيازهم للنظام أو ممن يحاولون الإصلاح من داخل النظام. في اللحظة الحادة التي تصنعها الثورة داعية إلى طريق جديد، بعضهم يحسم أمره معها أو ضدها، كذلك فعل عصام شرف، الذي انحاز للثورة وسار في مسيراتها يوم 25 يناير بينما ظل شفيق آمنا مطمئنا تحت الجناح النظيف للنظام الفاسد، يمكنني أن أعترف بلا مشكلة أن عصام شرف فشل في أن يكون رئيس وزراء في موقف ثوري تحت حكم المجلس العسكري، ولأننا نجرب لاول مرة شخصية كانت تمثل حلا وسطا، قالت أنها من “الجناح الإصلاحي داخل النظام” قبل أن تنحاز للموقف الثوري، فإننا عرفنا الآن أن ذلك الحل كان خاطئا. هكذا ببساطة يا  عزيزي شريف. أما شفيق فقد كان خيارا من ولاد الوسخة الذي يحاولون إنقاذ النظام فبصقنا في وجوههم وبصقنا عليه وقلنا له خلي عندك دم يا ابن الوسخة وارحل مع اللي جابك. ولكن للشرمطة رجالها.

لماذا هذه الألفاظ البذيئة طيب؟ هناك مواقف بذيئة يا عزيزي شريف يصعب التعبير عنها بالألفاظ المهذبة، وهناك انفعال لا يمكن وصفه بألفاظ فصحى. هناك أمور يجب أن تصور كما هي في بذاءتها ويتم نقلها بأمانة، تماما كما نقل البلتاجي عن اللواء الرويني أنه قال يوم “موقعة الجمل” لمبارك: “لم الشراميط بتوعك”.  

لقد أبلى الفريق شفيق حسنا في “لم شراميط مبارك” من كل ركن وكل صفيحة زبالة بعد ما تفرقوا بعد حل الحزب الوطني. وهذه الحملة التي جمعت شراميط مبارك من كل مكان ليس غريبا أن يكون سلوكها على هذه الدرجة من الشرمطة.

عندما حدثتك عن شفيق وعلاقته بمبارك كان معظم ردك عن هؤلاء الذي كانوا يتملقون مبارك ثم الآن يتملقون الثورة ، كان ردك هذا يحاول أن يقول “لسنا وحدنا شراميط مبارك، كل المجتمع شراميط نظام مبارك، هناك آخرون كثيرون كانوا أيضا شراميط لمبارك”. 

منطق “يا عزيزي كلنا شراميط” في كلامك كان مبهرا، واستخدمته بذكاء ودرامية ويتسق مع خطاب شفيق بتاع “عاوزين ناكل عيش” أو “الإخوان كمان كانوا من النظام السابق”، هذا المستوى من الشرمطة كان عاديا بالنسبة لي ولكن كان المستوى الفائق هو أن ينتقل شفيق مع حملته إلى مستوى “تكلم القحبة تلهيك واللي فيها تجيبه فيك”.

وصل يا شريف إن شفيق وحملته يحاولوا بمساعدة شراميط الأمن والمخابرات وشراميط الإعلام اللي لمهم شفيق مرة تانية إنهم يتهموا الإخوان بالتورط في مهاجمة الثوار يوم “موقعة الجمل”؟   

أنا طبعا لن أناقش ذلك لأني كما قلت لا أناقش الشرمطة ولكني فقط أحاول أن أجعل الشرمطة واضحة وأن أسميها شرمطة.

صوتي لن أعطيه للإخوان،  الإخوان الذين يقفون أحيانا في الموقف الثوري ولكنى أراهم أبعد عن أن يكونوا في الموقف الثوري وهم في السلطة أو قريب منها. والثورة التي أردتها حرية وتحرر ومساواة  لا أقبل أن أجعلها خيارا يهدد حريات الناس وشعورهم بالمساواة والعدل إلى الدرجة التي تدفعهم لانتخاب ابن وسخة زي شفيق.

ولكن الأمر هنا مرة ثانية لا علاقة له بالثورة ولا بالموقف ولا بالإخوان الذي كنت أنت واحد منهم في يوم ما. الإخوان هم الذين هاجموا الثوار في التحرير يا شريف؟ 

لقد كنت أنوي أن أكتب إليك مهنئا إياك ومن معك في حملة شفيق وأقول لكم أنكم فعلا تبلون بلاء يناسب مقامكم، وأنكم في السلطة إن شاء الله ستتمكنون من ارتقاء مستويات أخرى من الشرمطة. ولكني الآن أظنك لا تحتمل الوصول لهذا الحد، صعب. أظنك الآن خارج الحملة تراجع كل لحظة قضيتها بداخلها. 

ولكن إن كنت ما زلت في الحملة، ومشارك في الوصول لهذا المستوى أو ساكت عنه،  فلا أملك إلا إن أقول لك يا شريف  يا عبد الشفيق: إنت هاتبطل شرمطة إمتى؟ 

آباء من الفضاء الخارجي

ثلاثة جُمَع ولا يبدو أن مبارك قد أدرك ما يحدث من حوله، لا هو ولا العاملون معه ولا قطاع آخذ في التضاؤل من المصريين الذين يفضّلون وهم اﻷمان على فرصة أن يكون لهم ولبلدهم معنى أو يحصلوا أخيراً على حقوق اكتسبوها بانقطاع أحبالهم السُرية. إما هذا أو أن التبجح والتنطّع قد جاوز حد العماء. والخسة  طبعاً، الخسة التي تُحوّل النَفَس، بين شهقة وزفرة، إلى كذبة سافرة. مجرد كذبة مكرورة مفترض من الناس أن يبتلعوها حتى بعد أن ذاقوا طعم الحقيقة وسجدوا على اﻷسفلت. أنا أعدك بذلك. منذ 1967 ونحن لا نصدق اﻷكاذيب بقدر ما نبتلعها خوفاً وبحثاً عن المصلحة المباشرة. في كل جهاز إداري وفي كل المجالات مبارك صغير يفعل ما يفعله مبارك، تحكمه الاعتبارات العائلية واعتبارات تحالف النصابين أكثر ألف مرة من الرغبة في التنمية أو الإنتاج. ومن قبل حتى أن يولد مَن أطلق شرارة اﻷحداث الجارية، كانت الرؤى القومية/ اليسارية قد ذهبت وبقيت، بلا مبرر، الدولة البوليسية. ذهب  الزعيم (على كل ما في فكرة الزعامة من قيد) وبقي الديكتاتور. الحرامي. مجرد صنم أجوف، صدقني. وليس من يمنعه من التصرف وكأنه سلطان يورّث عزبته لابنه بينما تقبّل الوزيرة يدَ امرأته أمام الكاميرات. لكن الدم الذي يجري في عروق مبارك ليس أزرق. ونحن نعلم. لا يمكن أن يظل الناس يصلون لإله عجوة إلى اﻷبد، خاصة وأن نعيمه لم يعد مواتياً. ومنذ سنين وسنين وقد تحولت اﻷشغال والمآرب إلى تمثيليات نبحث ﻷنفسنا بين طياتها عن مساحة مسروقة يمكن أن نكون فيها بشراً: الكتب التي لا يقرأها أحد ﻷن أكثر من نصفنا أمي؛ العمل الذي لا يأتي على أكثرنا بالربح الكافي للعيش ويتلخص إجمالاً في تملق الرؤساء؛ العشق الذي يخصَّص قسم كامل من أحد أقبح أجهزة اﻷمن في العالم لمنعنا من ممارسته؛ الفنون ومباهج الحياة التي يضيّق عليها مشروع سلفي اتضح منذ 25 يناير أنه (وبخلاف مشروع الإخوان المسلمين ) متواطئ بالكامل مع السلطة ويساهم في تحجيم الجماهير لتسهيل استبدادها بالقرار. ولا قرار. التعليم والصحة والزراعة والمواصلات وحتى السياحة، فضلاً عن تجاوزاتالشرطة: كل شيء فاسد وغبي ومزيف. خلاف ضخ اﻷموال العامة في الحسابات الخاصة وتنفيذ ما تأمر به أمريكا حرفياً بلا اعتبار لا للهوية العربية ولا للضمير الإنساني، بالذمة، ماذا فعل نظام مبارك في الثلاثين سنة الماضية؟ ثم لحظة من فضلك. بأي حق يخاطبني اﻵن شخص أثبت لي بالقنابل المسيلة للدموع والذخيرة الحية والتضليل الإعلامي والمسيرات المدبرة والبلطجية المسلحين بل وبالجمال والحمير أنه ليس سوى رئيس عصابة؟ ثم بأي حق يكلمني بوصفه أباً أو حتى جداً مخرّفاً؟ بأي منطق يظنني سأصدق أن الشهداء أوجعوا قلبه أو أنه لن يقبل إملاءات من الخارج؟ ولا يفتأ نائبه الجديد، مهندس عملية السلامالعربي/ﻹسرائيلي  اﻷول – رافعاً المجرور وناصباً المرفوع – يحدثنا بكل هدوء عن اﻷجندات“! إلى مبارك وعمر سليمان وأحمد شفيق وأنس الفقي وسائر المخلوقات الفضائية: بحق  ما يجعلنا نتنفس ويخرج الصوت من حلوقنا، لن يعود أحد إلى بيته حتى تصبح لنا بيوت؛ لن نعود إلى الحياة حتى نشعر أننا أحياء. وأنتم  لستم آباءنا، يا قحابْ

صباح 11 فبراير قبل التنحي

Enhanced by Zemanta