أصابع خفيفة

wpid-screen-capture-2011-10-8-12-091.png

شيء في زاوية التقاطع يعيد وجهك إلي – وكما قال مولانا إليوت، عن سيدنا بودلير – “يا شبيهي، يا أخي”. شيء يعيد رقصة عجيبة أنت أطلقتَها، بين القتال والعناق. لكنها ألهتني فعلاً عن يدك المدربة، وهي تخرج من جيبي ما يعوزها تماماً. الآن كأنني أرى عينيك – للكوميديان وجه ساخط لو التقيته خارج العمل، لأن مهنته أن يمسح السخط عن الوجوه بالضحكات – فكأنك أنت الفريسة يا أخي، يا شبيهي… كأنك أنت الفريسة، وأنا الطير الجارح.

أنور براهم

لكي تكون لحظةٌ كهذه

برغم كل أوجاعنا المستلبة

واللعاب دهان سحري

من قارورة الفم إلى تجويف الأذن

على طرف إصبع واثق

كأنه يُداوي جرحاً نابضاً هناك

كان على سيدة البئر أن تأتي

حدباء في ردائها

تجر جوال الموسيقى

ضحكتها شق من صديد

والبرد مخبوء في شَعرها

بينما الأشياء منفلتة

مثل فوانيس السيارات

هي التي لم تستطع أن تكون أُماً

بعد أن أنجبت شعباً كثيراً

كما يفعل أنبياء اليهود

في الكتاب المقدس

بعد أن دسّت الآذان في الجوال

وأدمت الأسفلت رقصاً

مَن كان يظنها ستضربنا بيأس

يسع كل هذا الجمال؟

لنكن في اللحظة وحدها

بكل ما بقي في جوفنا

ولتكن مضاجعاتنا حزينة

على أقصى ما يكون الحزن

لتكن شهوتنا فجيعةً يا حبيبتي

كالحرب وأبناء السِفاح

Enhanced by Zemanta

النهار 28 نوفمبر

اعتذار

سألتَني ماذا أريد أن أكون في عينيك

قلتُ الله

لبعض الوقت أنعمتُ عليك وعاقبتُك

فهل كنتَ تهرب من حسرتي حين لم تخبرني

بأن لك رباً ديوثاً يمنّ عليك هذا الوقت

كيف لم تقبل باسمي على قورتك

إذا ما كنتَ مصمماً على العبادة

وهل ظننتَ خلقك هيناً إلى هذا الحد

يا ابن الغانية

لماذا تركتني أحرث وأنت ستحرق الغيطان

السيرك

شخص ما سيعلّمني كيف أجعل كرهك محبة، ويذكّرني بأن ما دفعنا على التقليب في براميل الحياة فرحتنا أو أنني مخطئ بنفس القدر. وحتى مضارب اللوعة والمَسبّات التي أنستني لحظة التلاقي، ستحفر سكّة إلى غفران ربما لا يناسبكَ لكنه كلُ شيء. يا من تحوّطك البهلوانات في سيرك نصبتَه بيديك: أنا صفوتُ حين كففتُ عن سماع صوتك؛ صرت أرجو لك الخير. ولعله يصلك وأنت تتنصل للأذى أو تناضل، رجائي. وحين تعوي وحدتُك وسط جلبة القرود والكلاب ذات الفرو المنمق، تَرَى كيف صرتُ أسكن إليك: بلا أي رغبة أو إرادة، بلا إشارة إلى أنك هناك أو أننا كنا معاً والتأمنا أو حلمنا بإفراغ البراميل في المحيط وأنت باختيارك انتهيت. يا من تجلس وحيداً ومقتنعاً بعد جولة أخرى أمام “بلياتشو” يقودك بأنك انتصرت، تعتصم ضد كل أكروبات فضائي وتحرّض النمور على العصيان، وأنت تدس منشورات ثورتك الخرافية في خرطوم فيل بارك في الممر، وباسم الممكن الذي لا يمكن تُضرِب عن الطعام، أنت: شخص ما سيعلّمني كيف أرجو لك الخير

.

أنتِ والتنين

بينما تزقزقين في “رُبع غير معلوم الحال” (هكذا تُعَنوَن الأماكن المجهولة على الخرائط القديمة)، صارت كلمة “التنين” تُستخدم بغرض المبالغة، كأن يُقالَ – بدلَ “حزن شديد”، مثلاً – “حزن التنين”. وخطر لي لأول مرة إثر سماعها أنه لابد من طريقة أخرى لخرق المتاريس. كنتُ على بوابة مرقص غادرتُه جرياً منذ خمسة عشر عاماً. وبعد خمسة عشر عاماً، والموسيقى نفسها تسحبني – مع أنني لست راقصاً ولا أحب الرقص – كانت عيني تنسل إلى الأضواء اللفّافة بالداخل. هذه المرة أيضاً لن يذهب اللقاء أبعد من عتبةٍ “كعبلتني” وأنا أخطو إلى الوراء مذعوراً بينما الراقص الوحيد الباقي ينفث في وجهي النار. وفكّرتُ أنه على الأرجح من طول احتمائي ضد عوامل التعرية والتعرض أنْ صار يسحرني الجلد الأخضر لزواحف الشوارع، تلك المخلوقات المفرّغة: أخالني في الدنيا لأملأها. عليك أن تدركي أنني لم أنس زقزقتك لحظة وإن قبلت بلغة تجعل من المخلوق الخرافي أداة توكيد. والآن أيضاً سأجري بعيداً عن بوابة المرقص، وستغفرين لي شرودي إلى هناك بأن تبصقي حزناً لا يركب على بهجة شفتيك. هل تعرفين كم كنتُ أبكي ابتسامتك وأنا أصارع التنين؟

البكاء على كوبري أكتوبر ∞

لا تظنني غافلاً عن ما ينهش رأسك

وأنت ساهم هكذا وسط العجلات

لا تظنني ناسيك لحظة

أنا الذي نحيّتُ عنك حزام الأمان

ودرّبتك على “الفرملة” المتكررة

زارعاً في صدرك بذرة الوهم

بأن آخِرة الأسفلت عتبة كالسرير

الصوت الذي يبقبق في أذنك الآن

بأنغام طفولة حفظتْ طزاجتها

وسط ألف أقنوم آخر يشبهون نقطة انطلاقك

حين تعلّمتَ أن تتحاشى المطبات

الصوت الآسر بموازاة احتياجك

الخارج على إطار ترى الدنيا خلاله

أنا الذي أغويتك بانفجاراته المسكرة

وبينما تتبوّل على حز الطريق في الظلام

دسستُ في “الدبرياج” أسطورتين

أن لكل نصف نصفه

وأن على الأرض تفاحة صحيحة

تكفيها قضمة واحدة منك

أنا الذي كنت أعلم

أنك ستمل تكسير الأقانيم

ولا تسأل بالاهتمام الكافي عن جراج

إلى أن تصبح الأسطورتان إثر مخابرة هاتفية

مجرد سبب للبكاء

بينما أنت هائم على واجهة سيارتك

فوق كوبري يشبه حياتك.

∞ بوحي قصيدة “ملاحظات إلى السندباد من شيخ البحر” لسركون بولص

الثورة

لولا أعراف الكتابة التي تحكمني لبدأتُ بقول إن لبشرتينا لونين يعكسان تفضيلنا لليل والنهار. أنا وجه الغّمر وأنت رفة المياه في الخراب. ومستبدلاً “نحن وهم” كذلك بـ”أنا وأنت”، ربما تماديتُ على طريقة “محمد الماغوط” وأغنية “الشيخ إمام” الشهيرة، لا لأمجّد الفقر ولكن لأتذكر أن الشبه أكذوبة والتوحد ليس ذروة شاردة في بيت المرايا حيث انعكاسات مشوّهة لأشياء تحكمني. أنت الورق وأنا الحبر أنت الشمس وأنا الزرع أنت الهواء وأنا الغبار أنت الفراشة وأنا دودة القز أتغوط حريراً لا يشبه الشَعر النابت بين إليتيك. لولا الأعراف لكتبتُ أن موالاة تجسدينها أقرب إلى اليوتوبيا من معارضة ناضلتُ في صفوفها سنين، أن الثورة سمكة والفجر غصن والحب قط ضائع في متاهة التماثيل

.

جامع الفنا بدونكِ

حين هجم شابان على فضلة عشائنا

فوق طاولة مستطيلة من صفيح

وقبل أن يصرفهما الطهاة

إلى برتقالات مشتعلة وطائرة

وخوف خطوات رفيقتي عبر الساحة

لا يدرأ وجهك عن الظهور دامعاً

في هذه اللحظة بالذات

كانت تنهاني عن تدوير المشهد

لأنها نوت أن تكتب قصيدة

حول الشابين وشيء آخر نسيتُه

وقد تتأخر قصيدتها أعواماً

لكنها ستكون الكلمة الحاسمة

وكان الشابان بعزم ميكانيكي

يغيّبان ما تركناه في بطنيهما

ووجهاهما خاليان من الشعور

كأنهما إنسان آلي مبرمج

على إفراغ الدنيا من الطعام