ناهد نصر: أربعة نصوص عن الموت

بدرجات الأسود

wpid-img_8896-2013-04-7-14-05.jpg

Continue reading

قصيدتان لمحمود المنيراوي

wpid-img_0459-2012-05-27-08-07.jpg

.

يقولُ شابٌ مسّهُ قربها:

ليتني قرطٌ إذا ما مرتْ بكِ شمسٌ لمعتُ.

ليتني كُنتُكِ، لأرضى وأكمل رحلتِي

لكنَّ ستارة على نافذةٍ بلا زجاجٍ

لا تصدّ سعير الريح

ولا مردّ لريحٍ

تمشي إلى اللامستقر،

يسابقُ خطوها خطوها،

والريحُ فرصتي السريعة

يوقظني عقربُ ساعتي،

كلّما غفوتُ عنها يلسعني

يقول: قد فاتك لُقاح الريحِ

أيّها الكسول، عد لنومك جائعاً

تقلّب بتختك وانتظر

فأبكِي، لأنّ أبي وأد الأحلام في جاهليةٍ أولى ثم تاب

لكن التوبة لا تعيد الميتين

أُصاب بدوارِ البحثِ عن قشّة

أنام

كغريقٍ أحاول اصطيادَ القشّة

أصحو

لا حصادَ في الأحلام

أنفخُ ما تكوّم عليَّ من غبارٍ

نُسخة كربونية، يكررني الأمل

بأسمائِيَ الحسنى، أنادِيني

لأني فشلتُ

أقفُ بشرفتي

أخطبُ فيَّ إذ يصطفُ جنبي وخلفي تحتَ الشرفة

جنود مُجندة

أخاف أن يسمع المجندون تحت شرفتي كلامي

ويتركوني وحيداً

فأوبخني:

لا توسوس لكَ فتهرب منك

الناسُ تُحب السماع

وأنتَ تحب الحديث

ولا أحد تحت شرفتكَ

وحدكَ تستمع

لا تُلقِ همّك بك

أنتَ نهركَ والطريقُ طويلةٌ

و”كل شيءٍ من الماءِ حي”

.

.

.

.

wpid-img_0630-2012-05-27-08-07.jpg

.

يا الغريب الراضِي، بما قسّمتهُ لكَ الصدفة

فكّر بالبَعدِ

تتحرر من يأسِ اللحظة

كُن طيراً مثلي

لئلا نقع في مصيدةِ الفصول

اهرب

النجاةُ يا حبيبي

آيةُ الآلهةِ وغايةُ الناس

انثرْ همّك في الفضاءِ المتسع للكائنات جميعها

سِر. لا تخدشْ حلق الأماني بجفافِ الوسيلةِ

تلوَّ، قبل أن تُصابَ بالتخمة

فأنتَ على غيرِ عادة الآلهة تكبرسِر

وقُل لأثركَ لن أعود

يكفيكَ جندك للرحيلِ، فارحل

أنتَ قُوْتك والحصان لسانك، فامتطهِ

لا تكن خليفةً

وافتح بلاداً

واسبِ نساءً بأمرهن

لا تُقيّد اصبعكَ بخاتمٍ ليس على هواك

لكَ صورة الأنثى وهذا المدى لكَ

ارحل فاتحاً، لكَ لا عليك. لكن تذكر:

قد يبلل الشتاء ريشكَ، فتثقُل خطاكَ، ولا تنجو

فليسَ “كُل شيءٍ من الماءِ حي”

نص وصور: محمود المنيراوي

هأسأل عليك إزاي



كنت أذهب إليه في مرسمه بمصر الجديدة فيطردني. لم يكن يطردني بالضبط، وليس كل مرة طبعاً، لكنه لم يكن يتساهل في أي هفوة تنظيمية من جانبي وكان يتعمد معاملتي كصبي معلم بدلاً من زبون. ضخامة جثته واتزانه الوقور يصدّران إحساساً بأنني أقف منه موقف الابن العاق، وهو ما أحسسته على وجه الدقة حين بلغني الخبر بينما أنا على سفر. في المخابرة الهاتفية الأخيرة كان قد قال لي “ابقى اسأل عليَّ”. وكأي شخص مزاجي حقير لم أفعل، تماماً كما تجاهلتُ أبي في أيامه الأخيرة دون أن أعلم أنها الأخيرة أو أسأل نفسي إن كان باقياً لي هذا الأب أو إن كان يمكن أن يعوّض. الآن وقد وصلت إلى حيث كنت ذاهباً، أفكر في كل آبائنا الراحلين، كيف أنهم آجلاً أو عاجلاً يرحلون، وأننا نكون تقاعسنا في السؤال… كل هذه المخابرات المؤجلة وتجاهلي لمن أحب خجلاً أو شوقاً أو خوفاً من وزن لحظات محتملة…تذكرتُ أيضاً يوم قلت له مازحاً إنني لن أتعبه بنفس القدر في مشروعنا التالي المشترك، وكان قد شكا وشكا من ويلات التعامل مع شخص مستهتر ومدلل مثلي حيث اقترح ثم رفض ثم قبل أن يصمم كتاباً عن بيروت يحتوي على نصوصي وصوري التي أرسلتها إليه فور الانتهاء منها بلا توقعات سنة 2005.كان قد عمل في كتابي بلا مقابل، أعطاني اسمه فضلاً عن جهد يديه، ما ساهم ولابد في أنني واصلت الكتابة عن المدن وتمكنت من نشر ما كتبته وربما حتى إثارة شيء من الاهتمام. كان يتحرك من واقع إعجابه بالنص مجرداً من أي اعتبار ولأنه – كما قال لي – تعرّف في الصور على بيروت التي عاش فيها قبل عقود أو سنين. يومها قلت له “عقبال الكتاب اللي جاي يا أستاذ محيي”، وكان رد فعله عكس ما توقعت تماماً، حيث ظننته سيقول شيئاً من قبيل “بعينك”! كان رد فعله فقط أن تنهد تنهيدة قصيرة وابتسم ثم قال ما معناه أنه قد لا يبقى على قيد الحياة ما يكفي من الزمن لإنجاز كتاب. كانت لحظة محيرة. أردت أن أحتضنه أو على الأقل أبكي في حضوره، أن أعبر عن الامتنان والغضب وشيء ثالث يحسه الأبناء حيال هؤلاء الذين يجعلونهم أشخاصاً بحيوات وأسماء. لم أفعل شيئاً بالطبع.وأتذكر أنه كان ينفيني إلى البلكونة كلما أردت أن أشعل سيجارة وقد سد خرماً في صدره كما صار يقول حين أجبره الطبيب على الكف عن التدخين. هناك شيء آسر في أدائه على كل حال، وعندما يأخذه سحر الحكي يتبدى الحنان في صوته بما ينفي آثار ذلك العنف المقطّر. حكاياته شيقة ومتعددة وإن كانت مريرة، في الكثير من الأحيان يتملكه اليأس من هذه البلاد وهؤلاء الناس لكن نبرة التأمل المتفكه لا تبرح صوته. كنت أسترد في حضوره إيماناً بجدوى الثقافة والمثقفين زايلني طوال سنوات كففت أثناءها عن الكتابة بالعربية. والآن أعرف أنه لولا محيي اللباد لما أصدرت كتاباً بعد ذلك الانقطاع.بأحلى المعاني كان مثقفاً مشتبكاً مع الواقع، كان قد تعلم كيف يجنب نفسه ليس فقط الأدلجة والادعاء ولكن أيضاً كل تلك الأشياء المؤسفة والمجهدة التي قد يعاني منها فنان عنده من الشجاعة وحب الغير ما يكفي لاختيار مسار مصمم الجرافيك في زمن لم يكن يعني فيه ذلك سوى شح الموارد والتصادم مع الغباء.أفكر فيه وأقول في عقلي: طيب هأسأل عليك إزاي دلوقتي أنا يا أستاذ محيي؟

———————————————————————————-





Enhanced by Zemanta