أحمد ندا: حبس انفرادي مع اكتئاب مزمن

أفان تتر:

تدريب خاص على إتقان الخسائر

خاصة فيما يتعلق بالأنا العليا

دورات مكثفة في تحمل المرارة

wpid-2013-03-2103.31.30-2013-03-20-17-55.jpg

علب غير قابلة للاستخدام

هذه العلب البشرية التي تحتل الشوارع مدارية شهواتها في شجارات لا تنتهي إلى شيء..صوت الثواني وهو يتكتك في دوائر جوفاء..الكلاكسات تستخدم سبابها المنغم بينما تتكسر الأضواء مرتجفة من كلهذا الصخب

لست قادرا على الاحتجاج إذ تتوارى بلاغتي وراء فكرة غير محددة يسميها العرف “غشاوة” أنا أحدث حينما يهدأ الإسفلت وتخرج الموسيقى من وقع الخطى

الأرواح الثاقبة لا تختبر جنونها كثيرا لكنها تنتشر في أضلاعي لأقص على الغرباء مايبقي علي.. فأحدث في كل مرة يراني سافكو الدماء وبسخرون مني

إنني أبدأ بالغناء عندما أجد الرقص الذي يعرف أغنيتي..يحدث هذا فور دخولي في ثلث الليل الأخير بكأس ويسكي ووحدة مسالمة

عندها أقول للعلب البشرية التي تحتل الشوارع: هذه نفسي خالصة لي..فاتركوها

wpid-2013-03-2103.31.13-2013-03-20-17-55.jpg

حطابون

فقدت الطريق إلى عزاء عائلي

لأقابل ناقدا يتحدث عن الدلالات المتوارية في نصوص سركون

وصديقا يثرثر في فضل السرد على الشعر

ومحنطا يبحث عن ستالين في وجوه محايدة

علي أن أجوب الشوارع الآن

أخلص نفسي من وساخة الأفكار

وأفكر في قوانين أخرى

غير العدالة

التي جرجرها الفلاسفة كجاموسة الذبح

الحطابون أيضا يفكرون في قوانين جديدة

مسالمون لأنهم غير حقيقيين

هل رأى أحد حطابا إلا في القصص المصورة؟

يبتسمون دائما ويقابلون الجنية الطيبة

ويقطعون الأشجار للتوابيت

حيث حفنة من الموتى

يفترشون العزاءات

فيما أنا عالق في الفراغ

wpid-2013-03-2103.28.58-2013-03-20-17-55.jpg

بذاءة

أخذت نصف شرائط الحبوب من صيدلية البيت

ربما أحصل على موت هادئ

خال من التفاصيل الملحمية

إلا أنني نمت ليومين متتالين

رأيت جنودا وأوركسترا

يعزفون بداخلي

وأنا أشد وثاقي بالصياح

لأربك المشهد

لا أتحكم في المارشات

والرصاصات تتحول إلى طين يلطخ الجو

كنت بعيدا عني

وثمة رؤوس مهشمة تتطاير

حاجبة عني الشمس

كنت عرقانا أتهالك من أوكتافة تصم أذني

لن أتكلم

لن تضربني الزلازل وإن تداعت الأرض

أنا الذي أتداعى

غير مستمسك بالبقاء

أمشي على رأسي

والسواعد تتراص من حولي

تساعدني على الاتزان..

رأيت ماء البحر يغلي

كأنها القيامة كما حدثوني عنها

ربما حانت الساعة التي أقيء ما أكتمه…

لم يعد لدي ما أخسره

أتجرع الترامادول بانتظام لم أفعله مع الصلوات الخمس

اليوم أجرب أدوية القلب والسكر والاكتئاب معا

وأترك رأتي تحت رحمة الدخان

مايعرفه الجميع

أنني مأخوذ من حياة مرسومة سلفا

غير أني قتلت أهلي

وانتظرت مكافأة الفراغ

ما أعرفه

أهوال صغيرة

وقمصان مقدودة من دبر

بينما أنا عاري الجذع

أقاوم بذاءة كوني أتألم

وأسخط على كل شيء

أنهب البهجة من أي فكرة

فتفسد

لقد رأيت ما لا أريد

ولم يبق لي

إلا أن أنتظر

سريان السم في عروقي

دون تفاصيل ملحمية

wpid-2013-03-2103.28.24-2013-03-20-17-55.jpg

في منتصف العمر تماما

يمر على عمره الجلادون

يحولون أشجاره إلى إسفلت وخيبات

تتبعه الأفواه

محدثة ضجيجا هائلا

-بالكاد يتلمس صوته-

يداه صفر

قروحه تتعاظم

-بالكاد يعرف نفسه-

رأى ذاته أمنية تتضاءل تدريجيا

كما يتضاءل البدر بعد منتصف الشهر

لم يعد قادرا أن يقترب

حتى استوطنه البعد

فاندمل عمره مشوها

والعلامات على قرب النهاية

تتبدى في تفسخ أعضائه

والجهامة التي رباها للجلادين

تكسرت عند أول آهة

يقولون له: هل جربت الطيران؟

-أجنحتي أضيق من السلامة وقدماي لا تتحملان الهبوط الاضطراري

-هل تسلقت جدارا يطل على ناس طيبة؟

-الأنفاس التي تتكاثر حولي تصيبني بالغثيان

-هل تقترب من الله أو اعدائه بحذر؟

-أنا لا أعرف أحدا

-هل تخاف من الليل؟

-بعدما غفوت نسيت أن الليل يناسبني

في منتصف العمر تماما

أراد أن يقتل جلاديه

لكنه اكتفى بالجلوس

wpid-2013-03-2103.28.06-2013-03-20-17-55.jpg

هروب

يقف قبالة حياته ويترقب أقل بادرة تأتي منها

غير أنه لا يمسكها ثم يختفي وراء ظله

-ربما خطفته النجوم أثناء سخطه على الليل

-ربما شرب خمرا فاسدة فأصابته بقرحة ودم متجلط على جدران القلب

-ربما استقبل النوائب دون جزع

-ربما تسرب من شقوق العيون دون بقايا ذاكرة

-ربما لم يشعل سيجارة لإكمال الكليشيه

-ربما كان فأرا أو بوذيا أو عابرا جانب أنهار متخيلة

المتواتر أنه مد خطا بينه وبين الانتحار

لكن حياته التي تقف قبالته

تعرفت على صوته

من مرارة قديمة تعتقت إثر تتابع الأيام

قبل أن يتكون ظله

ويهرب إلى العدم وحيدا

wpid-2013-03-2103.27.57-2013-03-20-17-55.jpg

مساء راكد

حين فشلت المهدئات في إقناعه بالعدول عن المضي، حزم قصائده ونصف ذراعه اليمنى، مر على منفضة رفسها ورأى وجهه يتشقق على مرآة كانت لفتاة، تركت -مع مرآتها- حبوب منع الحمل وتذكرة سينما..أمسك سكينا -اعتاد أن يرشقها في إطار الباب-وقطع أنفه، وضعها في جيبه مع روائح آخر عامين، حيث يحتفظ بسخريته تامة دون استعمال. شق جسده نصفين، وكوم نصفه الأيمن تحت سرير متداع مسوس الأخشاب، ترك رأسه كاملا ومضى إلى الشارع، حاذى الرصيف هروبا في أياد وحيدة قد تسرق أسنانه والباقي من شعره، اتجه إلى سوق القصائد مقايضا ما يملكه منها بعام جديد اشترط على البائع أن يكون طازجا دون روائح خراب أو بكاءات ليلية.. وبعين واحدة وذراع يسرى كاملة، جلس على قارعة الطريق يخترع القصائد المغشوشة ليقايض بها أعواما أكثر فخامة، لكن رداءة صنعته ألزمته المهدئات…

wpid-2013-03-2103.27.49-2013-03-20-17-55.jpg

متذرعا بكتابة القصائد

قال لي راكب المترو: إن ملامحي المتوترة تبعث على السخرية لا الرثاء

سمعته وأنا أقضم أظافري بانتقامية كآكل لحوم بشر

كنتُ واقفا أدهس حياتي بكذبات متلاحقة

متخيلا سعادة ستفاجئني غير مشوشة

وعندما تأتي سأحكي للجميع عنها

مع بعض الإضافات الحريفة

مباهيا بما لم أتعب فيه

.إلا بمقدار خيالات الانتظار في المواصلات العامة

مدمنٌ على التهيؤات مثلي

لابد أن يجبُن أمام الواثقين

ويتوه على بُعد خطوة من الثبات

ولولا حب راسخ في حياتي

لكنتُ الآن على مقربة من جنون لا يداوى

قال لي راكب المترو: بك قسوةٌ لا تليق بشاعر

فوددت لو أصفعه، وأعض أذنه التي تركت نفسها تتسلل في مكالمتي الهاتفية

لست قاسيا، بل ضائع كطفل لا يكبر

وددت لو قلت له: كس أمك

إلا أن نظراتي قامت بالواجب وزيادة

لا يكلمني أحدُ في المترو

هي كذبة أخرى أدبج بها مرثية جديدة

ولهذا لا أتذكر متى عرفتُ حياتي بلا إضافات صناعية

بصراحة أكثر

لا أعرف متى بدأت أزيف هذه الحياة

متذرعا بكتابة القصائد

wpid-2013-03-2103.27.31-2013-03-20-17-55.jpg

أوتاد

دقوا أوتاد شكوكهم في صدري

حين اعتبروني نوعا نادرا من المقاومة

فيما مضى

كنت المدعو الدائم على موائدهم

أو نديم سهراتهم المفلسة -إن شئنا الدقة-

سموني نجمة مطفأة

وأحيانا أحمد في لحظات الرضا

مع أني جديد في مسائل الصمت الطويل.

فشلت في جمع الثروات

حتى الافتراضية منها

كأني على سفر دائم

وقبل أن تأخذني سكك متفرقة

-لكل سكة جزء مني لا يرجع لأسباب تتعلق بالعطب-

هيأت صدري لدق الأوتاد

محافظا على جزء من رئتي

يأكله الإهمال..

أستعين بالمعجم

على مهام الخروج إلى الناس

وأطوع يدي على الانشغال

بالأفكار المجردة

للهروب من فخاخ الفضائح

الطيور أعقل مني على ما يبدو

لكن اعترافي بذلك

يحتم علي استقبال الأوتاد

باستسلام

من هنا بنيت كوابيسي

مرتبة أبجديا

حيث أنفرد بانعدام المفاجآت

خرقة من العبث استحالت إنسانا

في مزحة إلهية سمجة

ثم أعاتب بعد ذلك

على هبوطي إلى أسفل الدركات

كأنني من اخترت ذلك!

المضحك في الأمر

أن الأوتاد المغروسة في صدري

هي ما أملك أن أتحدث عنه

بمساعدة حبة مسكن قوية

وتجنب النظر إلى وجوه من أحدثهم

لست رقيقا مع الواقع

كي يكون رحيما بي

إذن فلأكف على الصراخ

wpid-2013-03-2103.27.18-2013-03-20-17-55.jpg

دعاء

جملوني بالستر يا أصحابي

الشبابيك التي فتحناها سوية

لا تطل على البحر

بل مفتوحة على وجوهنا القديمة

وقت أن كنا نتقاسم الألم

بحصص متساوية

خبئوني في قلوبكم

واجمعوني إن ضللت

هذه المدينة لن تعرفني أبدا

عددت أقمارها وبكائيها

وحاسري رؤوسهم عن الصبح

ينبغي لي حماية روحي من العطب

علموني الأسى كيف يكون موضوعيا

والشكوى كيف تصير ممنهجة

حتى لا أنهك أكثر

كل الكلام وشاية يا أصحابي

والجنون الذي يترفق بي لحد اللحظة

أصابني بالشلل

ألصقوني بالكلمات المناسبة

احكوا عني كحدوتة للعيال

أو انسوني

كما تنسون أسماء الشوارع

أنا واقف في آخر العالم

أتثاقل من كثرة الملائكة على كتفي

فمن يحملني سواي

صالحوني على ما سيبقى

أو عرفوني على العدم

حيث لا أخشى

مرارة تتابع الأيام

wpid-2013-03-2103.14.52-2013-03-20-17-55.jpg

Finale

كيف لي أن أصنع فرحا، وأنا عالق مع مضادات الاكتئاب

للتكيّف مع الأمور اليومية؟

محاولة الفهم كتعلم لغة جديدة

كالحب في بعض تفاصيله المعقدة

كرسم صورة بيد تتعافى من حادث عارض

أندمُ إذا رغبت في شيء

-أي شيء-

ثم أتشكك في كوني أقدر على الرغبة

وبسهولة أتعرّف على الذين سبقوني إلى هذه المعضلة

إذ أنهم صامتون وغاضبون

مثلي تماما

لا يطاوعني لساني كثيرا في انتقاد ما لا أحب

أتعثر في المصطلحات

والمظهر النخبوي لا يناسب جملي المتعثرة

أندهش ممن يتوهجون عندما يعرضون آراءهم

وأكتشف أنني آكل جيف ارتضى لنفسه الصيام

قبل خمس سنوات

كنت أقدر على الثرثرة لساعات دون توقف

وأنثر البهجة على من حولي

كساحر طيب في قصص الأطفال

اليوم

أكره الجميع دون تفرقة

حتى الحزن ابتذلته من تكرار استخدامه

وقبل كل هذا

صرت أخاف بلا سبب

متفاديا سؤال الناس عما يحرق روحي هكذا

*

أحمد ندا

التصوير والجنس يا باشا: فقرة من “الأسد على حق”، الجزء الثاني من رواية التماسيح

IMG_5164

أريد أن أحكي لك عن الصلة بين التصوير والجنس يا باشا، عن غواية امتلاك قد تؤدي حقاً إلى القتل قبل أن تؤدي إلى ميتة صغيرة مثلما يقول الفرنسيون. وقد تؤدي إلى القتل لا سيما في مكان كهذا، حيث فرقاء المجتمع – كما ترى – يزايدون ليس على الحريات والحقوق بل على نفيها والتبرؤ من ورطة الدفاع عنها؛ والمتورطون يراكمون عنفاً قد ينبثق كشلال في أية لحظة؛ فما فشل ثورتنا إلا أنها لم تنفث فيكم وأمثالكم عنفاً كافياً في الحقيقة، أليس كذلك؟ ونحن المتورطون رغماً عن بيوضنا في الحقوق والحريات – نحن الشعراء العشاق الثوار المصورون المجبولون على التخفي والتحايل أو مصير مأساوي (هو ذا ما يقوله الفتيس لو لم أخطئ) – فينا عنف خرافي برغم إيماننا بالتحضر. عنف ربما أبشع من عنف الإسلاميين لكن لا شيط فيه وهو إذ ينبثق لا يتفجر؛ يكون رقراقاً ورقيقاً رقة حبيبين، كشلال. والآن وأنت صاحب اليد الطولى وفي كامل أبهتك، دعني أعلّمك العنف على أصوله سعادتك. وأنت تملك سلطة غير محدودة علي، اسمع ممن روحه في يدك كلمتين عن السلطة: إنك إذ تُصوّر جسداً فأنت تمتلكه على نحو أعمق مما يحدث عندما تقضي داخله وطرك وقد رأيته يتلوى بالشهوة فيما تُعمل فيه أعضاءك مثل مُغيّب أو مدفوع بالغيب؛ إنك بتصويره إنما تُركّبه كما تشاء وأنت واثق عبر بقاء الصورة من بقاء تركيبك. ولا مناص من إثبات التهمة على نفسي بمثل هذا الكلام – بل في كثيرٍ مما تجده على المدونة دليل إدانة ضدي، فثمة علمي بأدق تفاصيل ما حصل لمون ليلة قتلها مثلاً – غير أن تعويلي على أن تصدّقني؛ لئن لم تصدقني فلآخذ حكم إعدام… وما الذي يحقّقه موتي لك أو لغيرك بعد أن تنجلي جميع ملابسات الجريمة؟ صورة الجسد العاري، أقول لك: امتلاك. أريد أن أحكي لك عن غواية مون كموديل وليس كامرأة جذابة صارت صديقة – وهي الغواية التي تعبر عن شخص قلبه فوتوغرافي أكثر من أية غواية سواها – فأفنّد لك، على مدى الأحداث وتفاقمها خلال عشرة أسابيع تقريباً، كيف درّبتُ مون وأنا لا أدري على أن تُصَوَّر فتُمتَلَك بما يتيح ذبحها: كيف حوّلتُها إلى جسد عار بلا وجع يتلوى، فنقلتها إلى حيث يكون عمل الرجل الأسد بروحها امتداداً رقراقاً للغرام.