أفان تتر:
تدريب خاص على إتقان الخسائر
خاصة فيما يتعلق بالأنا العليا
دورات مكثفة في تحمل المرارة
علب غير قابلة للاستخدام
هذه العلب البشرية التي تحتل الشوارع مدارية شهواتها في شجارات لا تنتهي إلى شيء..صوت الثواني وهو يتكتك في دوائر جوفاء..الكلاكسات تستخدم سبابها المنغم بينما تتكسر الأضواء مرتجفة من كلهذا الصخب
لست قادرا على الاحتجاج إذ تتوارى بلاغتي وراء فكرة غير محددة يسميها العرف “غشاوة” أنا أحدث حينما يهدأ الإسفلت وتخرج الموسيقى من وقع الخطى
الأرواح الثاقبة لا تختبر جنونها كثيرا لكنها تنتشر في أضلاعي لأقص على الغرباء مايبقي علي.. فأحدث في كل مرة يراني سافكو الدماء وبسخرون مني
إنني أبدأ بالغناء عندما أجد الرقص الذي يعرف أغنيتي..يحدث هذا فور دخولي في ثلث الليل الأخير بكأس ويسكي ووحدة مسالمة
عندها أقول للعلب البشرية التي تحتل الشوارع: هذه نفسي خالصة لي..فاتركوها
حطابون
فقدت الطريق إلى عزاء عائلي
لأقابل ناقدا يتحدث عن الدلالات المتوارية في نصوص سركون
وصديقا يثرثر في فضل السرد على الشعر
ومحنطا يبحث عن ستالين في وجوه محايدة
علي أن أجوب الشوارع الآن
أخلص نفسي من وساخة الأفكار
وأفكر في قوانين أخرى
غير العدالة
التي جرجرها الفلاسفة كجاموسة الذبح
الحطابون أيضا يفكرون في قوانين جديدة
مسالمون لأنهم غير حقيقيين
هل رأى أحد حطابا إلا في القصص المصورة؟
يبتسمون دائما ويقابلون الجنية الطيبة
ويقطعون الأشجار للتوابيت
حيث حفنة من الموتى
يفترشون العزاءات
فيما أنا عالق في الفراغ
بذاءة
أخذت نصف شرائط الحبوب من صيدلية البيت
ربما أحصل على موت هادئ
خال من التفاصيل الملحمية
إلا أنني نمت ليومين متتالين
رأيت جنودا وأوركسترا
يعزفون بداخلي
وأنا أشد وثاقي بالصياح
لأربك المشهد
لا أتحكم في المارشات
والرصاصات تتحول إلى طين يلطخ الجو
كنت بعيدا عني
وثمة رؤوس مهشمة تتطاير
حاجبة عني الشمس
كنت عرقانا أتهالك من أوكتافة تصم أذني
لن أتكلم
لن تضربني الزلازل وإن تداعت الأرض
أنا الذي أتداعى
غير مستمسك بالبقاء
أمشي على رأسي
والسواعد تتراص من حولي
تساعدني على الاتزان..
رأيت ماء البحر يغلي
كأنها القيامة كما حدثوني عنها
ربما حانت الساعة التي أقيء ما أكتمه…
لم يعد لدي ما أخسره
أتجرع الترامادول بانتظام لم أفعله مع الصلوات الخمس
اليوم أجرب أدوية القلب والسكر والاكتئاب معا
وأترك رأتي تحت رحمة الدخان
مايعرفه الجميع
أنني مأخوذ من حياة مرسومة سلفا
غير أني قتلت أهلي
وانتظرت مكافأة الفراغ
ما أعرفه
أهوال صغيرة
وقمصان مقدودة من دبر
بينما أنا عاري الجذع
أقاوم بذاءة كوني أتألم
وأسخط على كل شيء
أنهب البهجة من أي فكرة
فتفسد
لقد رأيت ما لا أريد
ولم يبق لي
إلا أن أنتظر
سريان السم في عروقي
دون تفاصيل ملحمية
في منتصف العمر تماما
يمر على عمره الجلادون
يحولون أشجاره إلى إسفلت وخيبات
تتبعه الأفواه
محدثة ضجيجا هائلا
-بالكاد يتلمس صوته-
يداه صفر
قروحه تتعاظم
-بالكاد يعرف نفسه-
رأى ذاته أمنية تتضاءل تدريجيا
كما يتضاءل البدر بعد منتصف الشهر
لم يعد قادرا أن يقترب
حتى استوطنه البعد
فاندمل عمره مشوها
والعلامات على قرب النهاية
تتبدى في تفسخ أعضائه
والجهامة التي رباها للجلادين
تكسرت عند أول آهة
يقولون له: هل جربت الطيران؟
-أجنحتي أضيق من السلامة وقدماي لا تتحملان الهبوط الاضطراري
-هل تسلقت جدارا يطل على ناس طيبة؟
-الأنفاس التي تتكاثر حولي تصيبني بالغثيان
-هل تقترب من الله أو اعدائه بحذر؟
-أنا لا أعرف أحدا
-هل تخاف من الليل؟
-بعدما غفوت نسيت أن الليل يناسبني
في منتصف العمر تماما
أراد أن يقتل جلاديه
لكنه اكتفى بالجلوس
هروب
يقف قبالة حياته ويترقب أقل بادرة تأتي منها
غير أنه لا يمسكها ثم يختفي وراء ظله
-ربما خطفته النجوم أثناء سخطه على الليل
-ربما شرب خمرا فاسدة فأصابته بقرحة ودم متجلط على جدران القلب
-ربما استقبل النوائب دون جزع
-ربما تسرب من شقوق العيون دون بقايا ذاكرة
-ربما لم يشعل سيجارة لإكمال الكليشيه
-ربما كان فأرا أو بوذيا أو عابرا جانب أنهار متخيلة
المتواتر أنه مد خطا بينه وبين الانتحار
لكن حياته التي تقف قبالته
تعرفت على صوته
من مرارة قديمة تعتقت إثر تتابع الأيام
قبل أن يتكون ظله
ويهرب إلى العدم وحيدا
مساء راكد
حين فشلت المهدئات في إقناعه بالعدول عن المضي، حزم قصائده ونصف ذراعه اليمنى، مر على منفضة رفسها ورأى وجهه يتشقق على مرآة كانت لفتاة، تركت -مع مرآتها- حبوب منع الحمل وتذكرة سينما..أمسك سكينا -اعتاد أن يرشقها في إطار الباب-وقطع أنفه، وضعها في جيبه مع روائح آخر عامين، حيث يحتفظ بسخريته تامة دون استعمال. شق جسده نصفين، وكوم نصفه الأيمن تحت سرير متداع مسوس الأخشاب، ترك رأسه كاملا ومضى إلى الشارع، حاذى الرصيف هروبا في أياد وحيدة قد تسرق أسنانه والباقي من شعره، اتجه إلى سوق القصائد مقايضا ما يملكه منها بعام جديد اشترط على البائع أن يكون طازجا دون روائح خراب أو بكاءات ليلية.. وبعين واحدة وذراع يسرى كاملة، جلس على قارعة الطريق يخترع القصائد المغشوشة ليقايض بها أعواما أكثر فخامة، لكن رداءة صنعته ألزمته المهدئات…
متذرعا بكتابة القصائد
قال لي راكب المترو: إن ملامحي المتوترة تبعث على السخرية لا الرثاء
سمعته وأنا أقضم أظافري بانتقامية كآكل لحوم بشر
كنتُ واقفا أدهس حياتي بكذبات متلاحقة
متخيلا سعادة ستفاجئني غير مشوشة
وعندما تأتي سأحكي للجميع عنها
مع بعض الإضافات الحريفة
مباهيا بما لم أتعب فيه
.إلا بمقدار خيالات الانتظار في المواصلات العامة
مدمنٌ على التهيؤات مثلي
لابد أن يجبُن أمام الواثقين
ويتوه على بُعد خطوة من الثبات
ولولا حب راسخ في حياتي
لكنتُ الآن على مقربة من جنون لا يداوى
قال لي راكب المترو: بك قسوةٌ لا تليق بشاعر
فوددت لو أصفعه، وأعض أذنه التي تركت نفسها تتسلل في مكالمتي الهاتفية
لست قاسيا، بل ضائع كطفل لا يكبر
وددت لو قلت له: كس أمك
إلا أن نظراتي قامت بالواجب وزيادة
لا يكلمني أحدُ في المترو
هي كذبة أخرى أدبج بها مرثية جديدة
ولهذا لا أتذكر متى عرفتُ حياتي بلا إضافات صناعية
بصراحة أكثر
لا أعرف متى بدأت أزيف هذه الحياة
متذرعا بكتابة القصائد
أوتاد
دقوا أوتاد شكوكهم في صدري
حين اعتبروني نوعا نادرا من المقاومة
فيما مضى
كنت المدعو الدائم على موائدهم
أو نديم سهراتهم المفلسة -إن شئنا الدقة-
سموني نجمة مطفأة
وأحيانا أحمد في لحظات الرضا
مع أني جديد في مسائل الصمت الطويل.
فشلت في جمع الثروات
حتى الافتراضية منها
كأني على سفر دائم
وقبل أن تأخذني سكك متفرقة
-لكل سكة جزء مني لا يرجع لأسباب تتعلق بالعطب-
هيأت صدري لدق الأوتاد
محافظا على جزء من رئتي
يأكله الإهمال..
أستعين بالمعجم
على مهام الخروج إلى الناس
وأطوع يدي على الانشغال
بالأفكار المجردة
للهروب من فخاخ الفضائح
الطيور أعقل مني على ما يبدو
لكن اعترافي بذلك
يحتم علي استقبال الأوتاد
باستسلام
من هنا بنيت كوابيسي
مرتبة أبجديا
حيث أنفرد بانعدام المفاجآت
خرقة من العبث استحالت إنسانا
في مزحة إلهية سمجة
ثم أعاتب بعد ذلك
على هبوطي إلى أسفل الدركات
كأنني من اخترت ذلك!
المضحك في الأمر
أن الأوتاد المغروسة في صدري
هي ما أملك أن أتحدث عنه
بمساعدة حبة مسكن قوية
وتجنب النظر إلى وجوه من أحدثهم
لست رقيقا مع الواقع
كي يكون رحيما بي
إذن فلأكف على الصراخ
دعاء
جملوني بالستر يا أصحابي
الشبابيك التي فتحناها سوية
لا تطل على البحر
بل مفتوحة على وجوهنا القديمة
وقت أن كنا نتقاسم الألم
بحصص متساوية
خبئوني في قلوبكم
واجمعوني إن ضللت
هذه المدينة لن تعرفني أبدا
عددت أقمارها وبكائيها
وحاسري رؤوسهم عن الصبح
ينبغي لي حماية روحي من العطب
علموني الأسى كيف يكون موضوعيا
والشكوى كيف تصير ممنهجة
حتى لا أنهك أكثر
كل الكلام وشاية يا أصحابي
والجنون الذي يترفق بي لحد اللحظة
أصابني بالشلل
ألصقوني بالكلمات المناسبة
احكوا عني كحدوتة للعيال
أو انسوني
كما تنسون أسماء الشوارع
أنا واقف في آخر العالم
أتثاقل من كثرة الملائكة على كتفي
فمن يحملني سواي
صالحوني على ما سيبقى
أو عرفوني على العدم
حيث لا أخشى
مرارة تتابع الأيام
Finale
كيف لي أن أصنع فرحا، وأنا عالق مع مضادات الاكتئاب
للتكيّف مع الأمور اليومية؟
محاولة الفهم كتعلم لغة جديدة
كالحب في بعض تفاصيله المعقدة
كرسم صورة بيد تتعافى من حادث عارض
أندمُ إذا رغبت في شيء
-أي شيء-
ثم أتشكك في كوني أقدر على الرغبة
وبسهولة أتعرّف على الذين سبقوني إلى هذه المعضلة
إذ أنهم صامتون وغاضبون
مثلي تماما
لا يطاوعني لساني كثيرا في انتقاد ما لا أحب
أتعثر في المصطلحات
والمظهر النخبوي لا يناسب جملي المتعثرة
أندهش ممن يتوهجون عندما يعرضون آراءهم
وأكتشف أنني آكل جيف ارتضى لنفسه الصيام
قبل خمس سنوات
كنت أقدر على الثرثرة لساعات دون توقف
وأنثر البهجة على من حولي
كساحر طيب في قصص الأطفال
اليوم
أكره الجميع دون تفرقة
حتى الحزن ابتذلته من تكرار استخدامه
وقبل كل هذا
صرت أخاف بلا سبب
متفاديا سؤال الناس عما يحرق روحي هكذا










