مهاب نصر: آباؤنا .. حزب الكنبة الفاسد

كتب مهاب نصر في ٢٥ نوفمبر ٢٠١١:

لا يعرض فيلم في بيتنا رجل، الا وتقفز صورة الأب الموظف، الذي ربى ابنه على الخضوع، والأدب المتمثل في انحناءة الرأس، انحناءة تبقى طول العمر، لأرواح تتحسب أن تأتي يد فتصفعها، أهم ما يعنيها أن تسير الحياة بلا مشاكل مع أن الحياة شنفسها مشكلة، وأن تمر دون مواجهات، وهو ما يعني أن تستبدلها بمواجهة طويلة مع نفسك تخرج منها مهزوما مسلما بالأقدار

Continue reading

أهمية أن تكون طائفياً: تحديثات الحالة

wpid-img_6785-2012-09-21-06-38.jpg

.

أنا بيتهيألي في الوضع اللي إحنا فيه، الواحد أحسن حاجة يعملها إنه ينسى إن فيه دستور بيتكتب – على أمل إنه بعد كده يقدر ينسى الكلام الفظيع المكتوب في الدستور – وده لإنه من يومين وحكاية الصحوة الإسلامية راجعة تراودني تاني. يعني الحرس الثوري الإيراني من ناحية والقاعدة من ناحية، مع ملحقات كل جهة منهم في المنطقة وفي العالم: أكبر مشروع صراع طائفي وانتحار وجداني في تاريخ الإنسانية؛ والحاجة اللي تضمن إن المسلمين يفضلوا متخلفين قرنين تلاتة كمان. اللي ما عدتش بألاقي صعوبة في إني أصدقه إن إحنا عملنا ثورة عشان نبقى طرف في المشروع ده، وعشان دستورنا يعكس مكاننا منه مش عشان يخلينا بنيآدمين في بلدنا. المؤسف مش إن ده الواقع، المؤسف إنه ما عادش عامللي أي صدمة.

الخلفاء الراشدين آه، وآل البيت والأئمة لأ. السلف الصالح آه، وأولياء الله الصالحين لأ… (المادة التاسعة من الفرح البلدي قصدي الدستور الجديد)

.

معليش في كلمة حازقاني في وسط الأخبار والتعليقات المتلاحقة: عمرنا ما حنخلص من تسييس الدين من غير ما نخلص من الدين.

الدين في زمن تاني أو مكان تاني أو بـ”فهمه الصحيح” ممكن يبقى حاجة كويسة، كلام جميل بس ما لوش أي تلاتة لازمة.

الدين هنا دلوقتي عبارة عن طائفية وقمع حريات وإنكار حقوق وعدوان وتعريص وسفالة. بس. ده اللي بيتغذى عليه الإسلام السياسي (والرأسمالية العالمية برضك، بالمناسبة يعني)، مش أي حاجة تانية. وده ما لوش أي مبرر أو تفسير غير إن الدين بيشجع عليه أو بيسمح بيه أو بيخلي اللي يعترض عليه وحش عشان بيعترض ع الدين.

كفاية بقى، كفاية بجد يعني…

.

على فكرة حضرتك كده ما دافعتش عن الرسول، إنت خليت منظره وحش ونفخت إخواتك في الإسلام زيادة عن ما هما منفوخين. وبعدين لما الرسول “سيد الخلق” أساساً – و”باعتراف الغرب” برضك يعني مش أي كلام – تفتكر هو ممكن يتأثر بالهجوم عليه أو يبقى محتاج واحد شبهك كده يدافع عنه؟

.

بعد الاستماع إلى “تعليق الشيخ وجدي غنيم على فيلم خنازير المهجر”، أنا كواحد من الناس لا أشعر إلا بتعاطف شديد مع صانعي الفيلم الذي لم أره وخوف شديد من أن يتمكن أمثال هؤلاء من أحد أو شيء في أي مكان أو تحت أي مسمى وغيظ شديد من أن هناك أي شيء على الإطلاق – الجنسية، أو الديانة – تربطني “بالشيخ وجدي”. فما بالك بشعور واحد مسيحي أو واحد من مجتمع حر؟ إذا كان هذا الخطاب يمثل المسلمين، فالمسلمون فعلاً يستحقون الإبادة. والعزاء من قلبي لمن ستقع على كاهله تكلفة إبادتهم.

.

من تصريحات المتظاهرين عند السفارة الأمريكية بيقول لك “دلوقتي إحنا حاسين إن الدولة إسلامية ففي ردود كتيرة والشعب أصلاً الحمد لله يرفض الإساءة للنبي عليه الصلاة والسلام” و”اللي نزلوا في الفن عشان إلهام شاهين، ما شفناهمش دلوقتي عشان نصرة النبي صلى الله عليه وسلم” و”كرامة الرسول من كرامتنا”…

ويُذكر في السياق نفسه إني لما ضربت صورة مسيئة لعبد الناصر يوم ٢٣ يوليو اللي فات كان فيه مظاهرة غضب عندي هنا ع الصفحة بس على صغير. وفيه ناس نطت فوق سور الصفحة وحرقت الكافر فوتو وعملتلي آنفريند أو عملت بلوك للعلاقات الدبلوماسية وكانت عايزة تعمل ديليت لصورة البروفايل اللي هي السفير، وفيه ناس أعقل فكّرتني بفضل الإصلاح الزراعي ومجانية التعليم على الأمة والخلق أجمعين.

.

وبغض النظر عن ضعف أو سفاهة فيلم بعينه (أو النوايا الوضيعة لرواية ناجحة على سبيل المثال)، وبغض النظر عن وجوب مبادرة المنتمين إلى الأديان والرموز والمقدسات بازدرائها والإساءة إليها بأنفسهم تجنباً لتحويل الموضوع إلى صراع طائفي أوسخ من أي شيء، تبقى حقيقة أن الإساءة والازدراء لكل ما هو ثابت ومتحجر وقمعي من علامات القوة والحرية والشجاعة… ليس العكس

.

ويوماً عن يوم، تزداد حدة المزايدة على التخلف… كما توقعنا تماماً. ويوماً عن يوم، تتحول “الثورة” التي بررت صعود الإخوان إلى حجة مثالية لممارسة التخلف نفسه بلا ضوابط، وشيطنة من يشير إلى التخلف ليقول إنه تخلف، وتوريط “الآخر” المتقدم في تسييد التخلف بعيداً عنه. الذي يبرر ما يحدث بأن عند “هذه الشعوب” حساسية دينية أعلى أو أن لهم “خصوصية” في طريقة تعاملهم مع المقدسات هو جزء من الكارثة الحضارية التي نعيشها وهو يساهم ربما أكثر من المتخلفين أنفسهم في الأوضاع المنحطة للشعوب المعنية.

بالفيديو: فتوى تدين العصور الوسطى

اقرأ هذه الفتوى نفعك الله بها: أنا الشيخ أبو نصر السكندري، أفتي بأن الإخوان والسفليين ومن سار على شاكلتهم واستن بسنتهم وانتهج نهجهم هم كفار هذا الزمان وملاحدته.

كانت الناس على قلب فمزقوهم شيعا “كل حزب بما لديهم فرحون”، نهض الناس على اقصاء الفساد، وهبوا هم الى نجدته، وعدوا الناس بجنة ما أعطاهم الله مفاتيحها فكذبوا عليه وعليهم، ومن أضل ممن كذب على الله، ونافقوا أهل القوة، والمؤمن ناصر الضعيف، واحتالوا لكسب عرض زائل فباعوا دينهم بدنياهم، وخاضوا في أعراض الناس بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، وادعوا علم ما لاعلم لهم به فضلوا وأضلوا، وصدروا أنفسهم لأمانة الحكم، والمؤمن الحق لا يعطاها الا كارها لها، وما كيد الكافرين الا في ضلال، تمسحوا بكل سلطان، وداهنوا كل ظالم والساكت عن الحق شيطان أخرس، فما الحال اذا روّج للبهتان واستغل ايمان الناس، ومن تواقح على الله أنّى له أن يقيم لخلقه حسابا. أفسدوا في الأرض وما جزاء المفدسين في الأرض الا أن يحرقوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض. وصيانة من الفتنة نقول بعون الله: ان على الناس استتابتهم، فان تابوا وأصلحوا “فهم اخوانكم في الدين” وإن كابروا واستكبروا، فتلك حدود الله، وعلى الباغي تدور الدوائر.. والله أعلم

wpid-sheikhmohab-2011-12-22-01-37.jpg

CAFE-مختارات من ديوان “علية عبد السلام”: موت من أحبوني

مختارات من قصائد علية عبد السلام

(download if you like)

صديقي

كان كهؤلاء المطعونين

هادئاً كالطاولات بعد أن غادرها العشاق

وحشياً كسكين فرغت تواً من مهمتها

يفض الرسائل

يجرح عشبها النامي في البلاد التي طردته

طوى الصور القديمة وغنى:

“نورما” كنت قاسية في الفراغ كهياجي وحيداً

لافظة كتأشيرة تمنح للمهاجرين نهائياً

تفضلين أن تنمو الحشائش فوق الجسور الخاصة بالسيارات

تتشابك آراء الصيادين حول الانتظار

“نورما ” لماذا أخرج للمقهى

وأصاحب النساء المختلفات عنك تماماً

“نورما” لن تقول أبداً إنها حامل منه

وإن الجنين قد يكون أنثى

وإنها تأكل الخبز الجاف فقط

وتشرب القهوة المرة

وكعادة الصغيرات تخشى بلل الأمطار

لكنها ستؤلم الجسد قليلاً

لتطبع وشمه المفضل

فى المكان المفضل

وتخرج لجمع الزهور

وشراء الآيس كريم.

بل كأني أعنفها فقط

أثير في النفوس الضعيفة

خيبة أمل في إصلاحي

كأني تلك الوردات التي تخرج من الفساتين وتمضي كسرب نمل تحت أقدامي

فأدهسها – غير نادمة -

بل كأني أعنفها فقط

الرجل الوحيد على عتبة بيته

جالس يكشط عوداً من الحطب

الغريب فى الأمر:

كان يبحث عن (طراوة) !

لا يجوز

عنوة ألعب؟

لا

لن ألعب معك أيها العالم

لتحترق القدس

ليفنى الفلسطينيون

ليكذب الزعماء العرب

لتنام مصر في العسل

ليخدعني حبيبي

ليبتزني العسكر

يرهبني رجال المخابرات

يراودني أنصاف الرجال عن نفسي

عنوة أؤمن بما تؤمنون

يا علماء الأرض

لا يجوز للجمال أن يدخل دورة المياه

كل صباح

لا يجوز حرق الشرق للتدفئة

لا يجوز

الغردقة

10/11/2002

موت من أحبوني في قصائد

من القبح أن أكون تحت أقدام أمي

القسوة والأقنعة البريئة يتبادلان قيادتي

أجد راحة ما حين أبتكر حكايات عن موت أبى.

كبرت من الكراهية النقية حيث لم أتعلمها

ولدت منها فحرصت على مص الدماء

إنها قوة إنسانية عظيمة تمنحنى السعادة

بسبب ذلك كل سعادتى موت من أحبوني ميتة شنعاء.

لسبب غامض حين أغرز في الباب مفتاحى أتعلم الوحدة

أتخيل صديقاً

يطعم أسماكي

يغير ماء الورد

ينتبه لغلق الباب في الشتاء

حيث الريح الشديدة

توهن النبات

بالطبع لا أحد في الداخل

فأبغض حماقتي وأصرخ :

بالتأكيد كنت قاسية للغاية.

أغلق الباب

أبتسم للأسماك المشرفة على الموت

والنبات البائس

للملصقات على الحائط

أتشمم رائحة جسمي

قد يأتى أحد كالهواء

أكثر زرقة من الليل

يشبه هذا العفريت الذي أحببت.

وجدت طريقي

حيث لن يتشبه بي أحد

سأكون طائراً يحلق بالقرب من بيت مهجور

وفى خيبتي

سأقلد فتاة صغيرة تتوهم أنها صخرة

وأحراش وحيوانات مفترسة

وأنها خوف لن يبلغ منتهاه

وأنها ظلمة خالصة من أي توجس

وأن السخونة التى تعتلي ركبتيها

دم

وأنها فتاة صغيرة تحب أن تلعب.

هذا كنزي الذي أخفيته

بحكمة إنسانية معقولة

وحده يدير شئوناً أجهلها عن روحى

يصنع لى الفطائر بالعسل

ألتهمها متسلية بمراقبة جموع الذباب

التي تحلق بالقرب من ركبتي

لديّ ما يغري

فم واسع

شفتان غليظتان

مخضبتان بالعسل

سيدنو الذباب متردداَ

في خبث مفضوح

لكني يا صديقي

سينشق فمي فجأة.

قراصنة العصر (2)

يسقط المطر ولا تكبر أشجاري

أحزن وأنام

في الليل

أرى قدراً فيه ماء يغلي

بسهولة ويسر أقطع أصابعي

ألقي بها في القدر

لا أجزع

أتابع تقلصها نشوانة

أقرب وجهي من فوهة القدر

( لينظف البخار وجهي وليظل جميلاً )

لا أكترث أن نبحت الكلاب

أو اشتعلت النار في دولابي

فماذا أصنع للعبيد المقيدين

أسأل الشمس التي تسكن أرضي لماذا أنت هنا

أقول وداعاً لمن يهمني أمره

أما الناس

فأعد لهم إناء كبيراً من دمي

بعد أن أقطع يدي أجمع الزهور ثم أجففها وأخلطها بالدم

سأرسلها بالبريد أو في زجاجات خمر فارغة عندما أكون في أعالي البحار

قرصاناً من القراصنة.

توائم (3)

هذه الأرض مسكني

بيتي قريب من قسم الشرطة أطلس العالم تحت يدي

طوابع بريد

ورق أبيض

مقص صغير

ماذا ينقصني للاتصال بأصحاب روحي المنتشرين في الأرض

أخترع توائم لي قادمين إلي بحنو الأنبياء أو الآباء الطاعنين في السن

لا أود أن أضل أحدكم فليس لدي هلع من المتطرفين ولست من دعاة تخفيف الأعباء عن كاهل المواطن

بل لا أرى الفقر عيباً

أضجر من الشباب

لا أصدق إذاعة لندن

أتابع باريس عبر مونت كارلو

كل يوم موتى جدد

ماذا ينقصني للاتصال بأصحاب روحي المنتشرين في الأرض

الأكيد أن موتي غداً حيث لا أسمع أعدائي الفرحين

وهم يمجدون سيرتي

سأختفي أيها الأغبياء ولن تقدرون غيابي.

خمس قصائد ( للنيو يير )

1999

(1)

تشتاق روحي لعالم لا أدركه

بعض الألوان المبهجة أزين بها وجهي

يصبح لي قناعا أواجه العامة

أرضي الشعب

البشرية أستهلكت/ الحياة موت يعاند

تشتاق روحي لعالم لا أدركه

أنت طيب أيها الشيطان

بجانبك

مومياء بجوار جسد نابض يجري فيه الدم

كلاكما وجود ينقصه الخلو من كل عيب

انتهى عصر الجماهير

لا تصفيق بعد اليوم

دعونى أولاً أبول كأي كلب أو قطة

هل تصدقون

يحارب الشيطان الإنسان

ويغفر الله الذنوب.

(2)

سأحط من قدر المسيطر

وأقف على وهن المعذب

لفافة من التعاسة

تطالعني كل صباح

سأحط من قدر المسيطر

أواجه الله بحريتي

أعبر عن براءتي

العالم غابة وسط الصحراء

الإنسان حيوان يكذب على التاريخ

يمارس الشر

الطبيعة عار حقيقي علق بالزمن

براءتى ليست كاملة

تنقصني زهرة مجففة بين طيات كتاب مقدس

وصلاة القلب بوجدان طاهر

ينقصني قبر

لتكتمل حريتي.

(3)

ها أنت تشرق في جسمي

كمنتظر للنبؤة أو صاحب رسالة

ها أنت تتوقف عن الطيران

إلا أن خطواتك كطائر جريح

لا تخفى خفتك

ها أنت عنيد كشيطان

ساخن كالجحيم

بارد كالفضاء

لك الموت أو البقاء

لتبقى كإله صغير

أو ملاك لنبي

أو حتى تلميذ

لتبقى تلميذ لأنك لن تطير مرة أخرى

تلك الجبال الرهيبة التي اعتلت جناح روحك لن تزول بدوني

لأنى لإلهة الغد طائعة

ولشريعة الروح خاضعة

دعني أزيح عنك الوهن برحمتي

أخاف الله فيك

فيك الله.

(4)

يا الله

ها أنا أقدم روحي على جسدي

ولا أكترث بالمال

ها أنا من أجلك أنت وحدك

أخسر كل شيء

إذن لماذا تلقى بالشيطان فى طريقي

ولماذا ينتحر ملاكي

يتملكني الخوف

لا أخافك يا الله

لأنك مارست شرورك جميعاً

وأصبحت عجوزاً

أخاف الشيطان الذى اختار جسمي

لى إله بعيد يحميني:

يبارك الشحاذين

يركع للأطفال المشردين في الشوارع

يسجد لمن قالوا لا

يقف إلى جوار الثائرين

يرفع السلاح ضد من داسوا على حرية العبادة ضد الأفكار الخبيثة

إلهي لا يقبل التزييف

ليس لديه ميزان

لكنه عادل

لأنه لم يخلق شيطاناً ليسكنني

يا الله

خذ شيطانك

واعطني روحي التى تحبك

وتخافك.

(5)

لا دهشة في الصباح

خسارة مسائك

لن تعوض

هزيل أنت في الصحراء

وحيد في الزحام

انفضني عنك لأنك ستقتلني كما فعل السابقون

اخلص لوهم ينتابك في عزلتك

افعل كما يفعل العارفون

وطن روحك في الفراغ

اشهد أنك قادر على الخروج

اليوم تثار حروب

بين السماء والسماء

نفس واحدة ستموت

ولن يولد إلا هو

هذا الذي سلم نفسه

وقال:

لتكن المشيئة للمجهول.

**********

علية عبد السلام

أحدث فتاوى فضيلة الشيخ أبو نصر السكندري

wpid-sheikhmohab-2011-12-22-01-37.jpg

اقرأ هذه الفتوى نفعك الله بها: أنا الشيخ أبو نصر السكندري، أفتي بأن الإخوان والسفليين ومن سار على شاكلتهم واستن بسنتهم وانتهج نهجهم هم كفار هذا الزمان وملاحدته.

كانت الناس على قلب فمزقوهم شيعا “كل حزب بما لديهم فرحون”، نهض الناس على اقصاء الفساد، وهبوا هم الى نجدته، وعدوا الناس بجنة ما أعطاهم الله مفاتيحها فكذبوا عليه وعليهم، ومن أضل ممن كذب على الله، ونافقوا أهل القوة، والمؤمن ناصر الضعيف، واحتالوا لكسب عرض زائل فباعوا دينهم بدنياهم، وخاضوا في أعراض الناس بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، وادعوا علم ما لاعلم لهم به فضلوا وأضلوا، وصدروا أنفسهم لأمانة الحكم، والمؤمن الحق لا يعطاها الا كارها لها، وما كيد الكافرين الا في ضلال، تمسحوا بكل سلطان، وداهنوا كل ظالم والساكت عن الحق شيطان أخرس، فما الحال اذا روّج للبهتان واستغل ايمان الناس، ومن تواقح على الله أنّى له أن يقيم لخلقه حسابا. أفسدوا في الأرض وما جزاء المفدسين في الأرض الا أن يحرقوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض. وصيانة من الفتنة نقول بعون الله: ان على الناس استتابتهم، فان تابوا وأصلحوا “فهم اخوانكم في الدين” وإن كابروا واستكبروا، فتلك حدود الله، وعلى الباغي تدور الدوائر.. والله أعلم

مهاب نصر: أدب الاعتراف ثورة لم تكتمل

This slideshow requires JavaScript.

في استجداء لحالة من الاعتراف الإعلامي يسأل مقدم البرنامج الفنان أو الفنانة «س»: ما هي عيوبك، متطلعا بابتسامة حانية، بعين على الضيف وأخرى على الكاميرا: يجيب الفنان أو الفنانة: الحقيقة عيبي الوحيد هو الصراحة.. عيبي الوحيد أنني وفيّ للصداقات..إلخ، وهي صيغة يعرفها البلاغيون بالـ «مدح في صيغة الذم»؛ أي أن الفنان بدلا من أن يدخل بجدية في حالة الاعتراف، بعد ان اتخذ هيأته وطقسه، يفرغ الاعتراف من مضمونه، ويحوله إلى تملق عكسي للذات.

يفعل الأدب الاعترافي في المحيط العربي شيئا شبيها، حينما يقدم لنا روايات على هيئة سير ذاتية، أو اجتماعية ذات نكهة فضائحية؛ لأنه يستخدم بالذات نوع الفضائح المتوقع لدى جمهوره.

يكتب الشاعر أنه ضائع، أو منتهك للـ«محرمات» التي يعرفها أصدقاؤه سلفا، أو أنه بسيط وعادي، فظ ومتناقض، مسحوق وقاس، وفق جدول رومانسي يتخذ سمة ما بعد حداثية زائفة، ويكتب الروائي عن الجنس والفساد والسلطة والدين، ما يتداول على المقهى الثقافي نفسه الذي يشكل المسودة الحقيقية لروايته، ويخرج لنا السينمائي صورة البطولة الشعبية الفولكلورية للـ«صايع» أو الـ«هلفوت» البريء باعتباره شخصا يُسقط عَرَضا سروال مجتمع الأقوياء فتظهر عورة الاثنين معا.

كذا تخرج عناوين الصحف المعارضة لتجذب هذا السروال إلى القدمين.

لكن لاشيء يحدث رغم ذلك، لأن السروال الذي كان في حاجة إلى الإسقاط ربما كان سروال المجتمع كله بشعرائه وروائييه ومخرجيه كما ببسطائه وأقويائه.

يضحي الاعتراف الزائف بجزء من فضيحة معروفة سلفا أو متوقعة، مبددا طاقة الاعتراف الحقيقية التي هي مواجهة بالذات مع ما لا يرى، ليس مع ما لم يُقَل، بل ما لم يفكر فيه، ليس من أجل الفضيحة وتكسير العظم والسعادة الطفولية بالتمثيل بالحياة كجثة، ليس للعيش داخل نسيج الحالة الاعترافية والتلذذ بها كمقر بديل عن الحقيقة، بل لتجاوز التناقض الذي تمثله.

أكاد أشعر أن الأدب الأوروبي الحديث نشأ أساسا في حضن الاعتراف، ولكنه خرج من ذلك بانجاز يضاهي الانجاز الفلسفي ويفوقه أحيانا. وليس هذا مجال التحقيق في مصادر «الاعترافية» العربية، ولكن في طبيعتها المعقدة والخجولة بل المصطنعة والمجانية.

لكن لهذا الموضوع صلة ما بالثورات العربية الآن، ثورات بلا عمق، زلزال لم يصب إلا قشرة الأرض، بينما ما نحتاجه ليس أقل من بركان. لقد أسهمت الحالة الاعترافية الفضائحية في تحطيم مقدسات، في تمزيق المركز، لدرجة أن هذه الثورات ربما كانت شكلا من أشكال التحلل أكثر مما هي الشكل الايجابي لتقديم بديل للحياة، ثورة تعيش باكتشاف أعدائها، وبوضعهم وراء قضبان الاعتراف، لكنها هي نفسها لا تعترف. وهذا هو مكمن ضعفها.

فالاعتراف الزائف علّمها تملق الذات، وطهارتها الثورية، علمها أن الخطأ دائما هناك، وأن محصلته هي الفضيحة وليس اعادة الاكتشاف.

تحمل الكتاب والمثقفون عقودا طويلة مهمة الاعتراف نيابة عن مجتمع يحترم التظاهر، ويدافع عن القيم التي ينتهكها هو بالذات، ولا يحترم الخطأ ولا يفهمه، ولم ينتبهوا إلى أنهم اتخذوا هيئة النقيض الزائف لهذا المجتمع.

وحين خلت الساحة فعلا للجميع من تشبهوا بالاعتراف ومن استنكفوا عنه، وجدوا أنفسهم في ساحة خالية، يضربون كفا بكف: ماذا يحدث؟ يا إلهي! انهم يسرقون الثورة. وغدا سيقولون بتهكم: هل وقعت الثورة فعلا؟! ليفتحوا دفتر اعتراف آخر.

لماذا لم يعترف الكتاب بنقص مواردهم الثقافية؟ ولا الثوار بأنهم في حاجة الى امتلاك رؤية واضحة عن مجتمعاتهم، ولا المجتمع بضعف تأهيله العلمي والمهني والثقافي وحتى الأخلاقي. نحن «تمام» الآخرون هم المشكلة.

وغدا ربما نكتشف أننا لم نضيع ثورة فقط، بل اضعنا لحظة استثنائية للاعتراف النبيل.

مهاب نصر في القبس

عن الإخوان وغيرهم أيضا: مهاب نصر

هذا التعليق هو إجابة عن سؤال لصديق ماهو السيناريو الأسوأ بنظرك لو تولى الإخوان الحكم؟ والإجابة هي محاولة شخصية لفهم السؤال أكثر من الإجابة عنه. هناك أفكار تحتاج للمراجعة ومعلومات تتقبل التصويب والمسألة متروكة لمن يريد.. والأجر على الله

مهاب نصر

wpid-screen-capture-2011-09-13-23-02.png

السؤال عن الإخوان، وعن سيناريو وصولهم للسلطة شائك للغاية. لعدة أسباب

أولا أن الغالبية العظمى من الناس لاتزال غير متفهمة للطبيعة القانونية للحكومات المعاصرة حتى وهي تطالبها بالتزامتها، ففكرة الحكومة لدى الكثيرين مازالت مستمدة من فكرة شخصية عن الحكم تجسده في زعماء، قادة، أهل ثقة إلخ، ومن ثم تفترض أن الحكومة الصالحة هي تلك التي تضم أشخاصا صالحين، أو موثوقا بهم بالنسبة للمواطن. وصحيح أن هذا شرط طبيعي في أي حكومة. لكن الحكومة بمعناها القانوني لا شخصية وإنما تمثل أمرين: أولهما التفويض المؤقت من قبل أغلبية تؤيد تلك الحكومة، وثانيهما تعبير هذه الحكومة عن برنامج سياسي واجتماعي واقتصادي واضح المعالم وغالبا ما يتجسد ذلك في الأحزاب، وهي تختار إذن بناء على هذا الشرط لا الشرط الشخصي: البرنامج.. لا الشخص.

لكن في ظل الفساد العام في مصر والدول العربية جميعها، صارت الفكرة المقابلة هي التخلص من الفساد باختيار عناصر مأمونة النزاهة، ليسوا على الأقل لصوصا أو متورطين في قضايا فساد. ولأن معظم المواطنين المصريين لم تتكون لهم خلال المائتي عام السابقة منظومة أخلاقية ذات مرجعية اجتماعية واضحة، فما زالت فكرة الأخلاق مبعثرة بين الدين ومرجعيته والتقاليد المكتسبة والموروثة، والتي يتضارب بعضها معه بعض في مزيج فريد من أخلاق غير قادرة على احداث التوافق. والأمران مختلطان أشد الاختلاط لدرجة أن كثيرا من الأفكار الأخلاقية تسند إلى الدين عنوة رغم أن مرجعيتها تاريخية واجتماعية أصلا.

المهم أنه في اطار هذا الاضطراب في المراجع الأخلاقية يبدو الدين على الأقل (باعتبار كونه إلى الآن الوثيقة الأخلاقية الوحيدة المكتوبة وليست العرفية) هو المرجع رغم الاختلاف في حدود هذه المرجعية. ومن ثم فكل من يرفع شعار الدين يُشعر الآخرين باطمئنان أكثر، ويكتسب شعبية لا علاقة لها ببرنامجه وبقدرته على تمثيل هذه الأخلاق، ناهيك عن السؤال ما إذا كان الفساد فيما يتعلق بالدول أمرا خلقيا فرديا أم آلية تحلل وتضارب نتيجة سياسات منحازة ومتناقضة؟

ثانيا: أن معظم الناس لا تفهم حتى الآن ما الذي حدث لمجتمعاتها ولا في العالم المحيط بها خلال المائتي عام السابقة، أي مع بداية العلاقة المحتدمة مع الرأسمال العالمي الذي تمثل غالبا في الدول الغربية وان كان أبدا غير مقصور عليها ، وهذا سبب التباسا كبيرا استثمرته فئات تحت مزاعم دينية ووطنية في إحكام سيطرتها على البلاد بزعم حمايتها من آخر ذي هوية محددة ثابتة وجغرافية، وتحويلها للفكرة السياسية إلى فكرة “صراع هويات” لا بناء مجتمعات، لا يختلف في ذلك عبد الناصر عن حسن البنا.

الاستقلال غير التام

حتى قبل مجيء الفرنسيين إلى مصر كان النظام الرأسمالي قد تغلغل في الكيانات القديمة التي كانت خاضعة للدولة العثمانية، كما حدث مع مناطق أخرى في العالم، بإرث دولة شبه اقطاعية، يتفرد فيها الحاكم أو اسرته بالحكم على خلفية مرجعية دينية غير ملزمة على الإطلاق.

ولتوضيح هذه النقطة لأنها غاية في الأهمية حول تمثل بعض الناس للحكومة الإسلامية القديمة نشير مثلا إلى أن الحكومات العثمانية وقبلها المملوكية كانت تشرعن البغاء، ويتراوح تعاملها معه بحسب الظروف الاقتصادية.

وقد قام علي بك الكبير بعد ازدياد ثقته في امكانات التعاون التجاري مع الغرب بأول محاولة انفصال عن الدولة العثمانية مع شريكه الفلسطيني ضاهر العمر، وهو ما كرره من بعده بنصف قرن بنجاح أكبر محمد علي، الذي نسميه الآن باني الدولة الحديثة.

وتجربتا محمد علي وعلي بك الكبير يبينان درجة التأثر المتدرج بنظام عالمي أصبح أقوى من نفوذ أي دولة على حدة. فالقوى الرأسمالية أفشلت مشروع علي بك الكبير حتى لا تضعف الدولة العثمانية أكثر (انظر إلى تناقض المصالح) لأنها كانت تقف أمام الامبراطورية الروسية الوليدة ونفوذها على الشرق الأوروبي. وشيء من هذا القبيل مع الاختلاف حدث مع محمد علي حين امتد نفوذه إلى السودان والحجاز والشام وبدأ يهدد الدولة العثمانية ذاتها.

ان اهم التغييرات التي قام بها محمد علي ليست في السياسة بل في نمط الزراعة المصرية والاعتماد على المحصول الواحد، واحتكار الدولة (الممثلة فيه) للملكية، وتقوية مركزية الدولة الاقتصادية بحزم. لدرجة أن قيل إن بائع البطيخ في عهده كان ينادي : بطيخ الباشا بكذا..

ثالثا: لماذا كل هذه التفاصيل؟ لأن بنيان الدولة بشكلها القانوني المتعارف عليه دوليا الآن نشأ أساسا على قاعدة اقتصادية ومن ثم شكل من التعاقد مختلف جذريا عن الدول القديمة. كانت الدولة الشرق أوسطية شبه ريعية تعتمد على الخراج والغزو، وبالتالي كان الأساس فيها الكيان السياسي الذي تمثله أسرة أو قبيلة ذات قوة عسكرية ضاربة تحتل (أو تفتح) البلدان وتسيطر على انتاجها. لم تكن الدولة تفعّل بنية الاقتصاد ولا كان هذا المصطلح معروفا أصلا (حتى في الغرب) إلا بقدر ما يسمح بمدها بالموارد عن طريق اجراء بعض الإصلاحات. والعبارة الأثيرة التي يرددها بعض الإخوان أحيانا على لسان هارون الرشيد (امطري يا سحابة حيث شئت فسوف يأتيني خراجك) تعبر عن هذا النوع من الاقتصاد القهري الذي كانت تدفع ثمنه الشعوب المغلوبة والفلاحون الذين عزلوا عن ابسط حقوقهم فيما ينتجونه. وكلما كانت تضعف خزينة الدولة كان يتم البحث عن أرض جديدة لغزوها (أو فتحها)، أو فرض ضرائب جديدة تستنزف مع الوقت البنية الاقتصادية ذاتها. وهذا هو السبب في الأزمات الدورية التي كانت تتعرض لها هذه الدول بنفاد الموارد التي لم يتم تطوريها بل فقط جمعها بالقوة.

ومن المعلوم مثلا أن الجزية المتحصلة من رعايا الدولة غير المسلمين كانت جزءا من الموارد، ولهذا كان بعض الحكام يعيقن أو يحجمون عدد الداخلين في الإسلام حتى لا تقل الجزية. ولا يهمنا هنا الجانب الأخلاقي من الموضوع. بل طبيعة الاقتصاد التي كانت تدفع الدولة إلى التناقض الأخلاقي مع ذاتها، أو مبأها المعلن.

لم يكن التجار ولا الملاك قادرين على المنافسة السياسية التي تمثلت في نخب تعزل نفسها بشعارات النسب إلى آل البيت أو النسب النبوي. حتى المراجع الدينية كانت خاضعة لسلطة الحاكم يختار من يشاء ويعزل من يشاء ويوعز بالفتاوى التي تمكن سلطانه. ولم يكن للقوى التي نسميها الآن مدنية أو دينية هياكل تنظيمية أو موارد كافية ولا قدرة شعبية أو عسكرية للوقوف بازاء الحكام، ولهذا تمثلت الشورى المزعومة في مجرد نصائح غير ملزمة، بل ان الفقهاء في معظمهم برروا الخضوع لولاية الفاسق خوفا من ما أسموه (الفتنة) واعتبروا الحكم نوعا من الغلبة، أي بحكم الأمر الواقع.

الدولة الحديثة نشأت على تراكم دائم لرأس المال وانتاجه وليس على جنيه وتحصيله، بدأت بالتجارة في الذهب والفضة خاصة بعد اكتشاف الامريكيتين، وبانتاج المحصول الواحد على مساحات شاسعة والتجارة الاحتكارية فيه كما حدث مع القطن والقمح والشاي والبن والمطاط وقصب السكر وغيرها. حدث هذا في أسبانيا والبرتغال ثم دخلت سائر الدول على الخط. هذه المرحلة المسماة بالرأسمالية المركانتلية ساهمت بنسب متفاوتة في نشوء طبقة متوسطة تملك موارد واسعة، في الوقت الذي كانت تتسم به الدولة في الغرب بنوع من الضعف مكن فيما بعد وإثر صراعات طويلة من قيام نوع دولة التوافق المعتمدة أساسا على الاعتراف بالاختلاف، وتمثيل المصالح المتباينة. وظهر علة السياسة المدني رافعا عنها هالة القداسة الزائفة، ومعترفا بكونها صراعا على مصالح.

وحين اكتشفت الميكنة أو الثورة الصناعية كان انقلابا مخيفا، لعدة أسباب:

كانت التجارة القديمة تعتمد على ملكية أراضي شاسعة ولو خارج حدود الدولة (مستعمرات)، وكان بإمكانها تسخير عمالة مستعبدة بكثافة عالية. لكن الثورة الصناعية تركزت في المدن واحتاجت إلى منظومة إدارية صارمة، وانتاج واسع منظم، وتعليم نظامي لتأهيل الكوادر العاملة في كل مجال، والأهم فلسفة حياة تعتمد على: تقديس العمل، العقلنة اعتمادا على القوانين العلمية والتجريبية،نظم مالية وضريبية، حرية فردية تسمح بالإبداع والتفكير المنطلق واحترام المجتمع وكفالته لهذه الحرية، والتعبئة للقوى العاملة ومن هنا جاءت فكرة القومية. كانت القومية هي الشكل أو الإطار الثقافي لتركز قوى الانتاج تحت شعار أخلاقي لم يكن موجودا بهذا المعنى.

هكذا بزغت الدولة القومية التي تعتمد على: حدود واضحة، نظام قانوني، حقوق مواطنة متساوية لا تعتمد على الأصل الديني أو العقائدي انما من تجمعهم هذه المساحة من الأرض. ومن ثم عزل الدين عن فكرتها. ورغم أن اللغة والثقافة الخاصة هي إحدى المقومات التي دعمت القومية لكنها لم تستخدم إلا عند الضرورة أو كغطاء ثقافي للولاء للمشروع الكبير، فكرة المواطنة كانت الحاكم الفعلي للنظام، الذي تمثل في وحدة انتاجية كبرى، يتعايش أفرادها بناء على قوانين لا تقررها الأغلبية فحسب بل تمنع هذه الأغلبية من إقرار أي مبدأ مسبق لا يشكل جامعا مشتركا ولا يكفل حق الفرد والأقلية. والديموقراطية الغربية بهذا المعنى ليست كما يفهم خطأ حكم الأغلبية، بل هو أيضا كفالة حق الأقلية على أساس عقلاني.

أصبحت الدولة “القومية”، مع شيوع النمط الرأسمالي وتحوله الى النمط الوحيد مع الوقت، هي النموذج العالمي الذي على أساسه تتم المعاهدات، والاعترافات الدولية بالكيانات السياسية وعمليات التبادل التجاري والاقتصادي.

ومن ثم بدأت الكيانات السياسية القديمة في كل أنحاء العالم تحذو هذا الحذو بداية من الدولة العثمانية ذاتها، والحقيقة التاريخية أن نموذج محمد علي كان منقولا عن التطورات في النموذج العثماني. انتهت دولة الخلافة وصارت الدولة قومية.

المشكلة لدينا أن أهل النظم القديمة وممثلوها وكل أصحاب المصالح في بقائها، والذين كانوا مضطرين تحت ضغط التحولات الكبرى إلى تعديل المنظومة، أقاموا عملية تحديث هجين؛ فرضوا بحدود الدولة القومية وبتعبئة البشر والتعامل معهم كمنتجين، بنيت المدارس وأعد الجيش وظهرت كوادر نظامية من الموظفين، لكن بخلاف النمط الرأسمالي قامت السلطة باحتكار النشاط الاقتصادي ومن ثم قبضت على السلطة كلها في يدها، بدلا من أن تقيم التحديث بتشجيع ظهور طبقة وطنية واعية حرة ومنفتحة، قامت بتوسيع دائرة حكمها عن طريق بيروقراطية واسعة تلتهم المجتمع بحيث يدخل المجتمع كله في الجسم الوظيفي للدولة، دون أن يكون له أي استقلال حقيقي عنها، ودون أن يتمكن من التعرف على ذاته إلا من خلالها. دخلت الدولة كوسيط في كل العلاقات الاجتماعية. مع العلم أنها لم تمثل مصالح هؤلاء بل مصالحها التي جندتهم لأجلها، مع بقاء بنائها الأساسي شخصانيا متمثلا في حاكم أو زعيم أو حتى نخبة من المستفيدين.

وهذا أحد أسباب الارتباك الشديد بعد الثورة. فلا مفاجأة إطلاقا في أن الغالبية من الناس رغم اجماعها على الثورة وفساد النظام لا يعرف أفرادها بعضهم بعضا، ولم تكتشف بعد لغة مشتركة تعطلت طويلا، لقد كانت الدولة أباهم (ولو كان فاسدا ومستغلا). والآن يبدون كأبناء ساقطين من السماء بلا أجنحة.

الثقافة والسياسة

تلاعبت هذه الدولة منذ محمد علي ومن تلاه بالثقافة التعبوية للمجتمع بحسب الحاجة. فهي ترفع شعارات التحديث على نسق أوربي حينا، وتستنهض القيم الاجتماعية ما قبل المدنية كالعائلة والعشيرة. ويقدم السادات نموذجا فريدا وكاشفا للجمع بين احياء فكرة الدين والتقاليد الريفية (دولة العلم والإيمان وأخلاق القرية) وهو جمع له دلالته الحاسمة التي تحتاج لتفصيل في غير هذا المكان.

ظهرت فكرة “الوطنية” لا فكرة المواطنة كوسيلة تعبئة للناس، بل يشير البعض إلى أنها ظهرت بداية من حملة نابليون، فمن المدهش أن نابوليون كان يخاطب “المصريين” باعتبارهم شعبا يملك مقومات أمة خاصة ذات تاريخ وأن يرتبط هذا باستقلالها، بالطبع عن الدولة العثمانية في ذلك الوقت.

وهو ما تكرر بكيفيات أخرى في عهد محمد علي ومن بعده. نشأت الوطنية كشعار لصالح تشغيل الناس في مشروع كبير تحتكره الدولة، والدولة نفسها تتجسد في شخص. نموذج فريد من التهجين بين الأنظمة أثبت فشلا مروعا.

فحين تعرض محمد علي للتآمر لم تكن وراءه طبقة قوية من مصريين المدافعين عن اقتصاداتهم، ويملكون تعبئة القوى لمواجهة النفوذ الرأسمالي الذي يفرض عليهم دور التبعية. ومن ثم خضع محمد علي للشروط. والأسوأ انه مثله مثل كل الحكام العرب الذين أتوا بعده فانه حين يتعرض مشروعه للانهيار يظهر جانبه الشخصي، متمثلا في اشتراطه أن يحتفظ هو واسرته بحكم مصر. وتدريجيا سمح خلفاؤه ببدايات التدخل الاقتصادي عن طريق الامتيازات ثم الديون وبدأت السلسلة التي لا تنتهي.

من الفئات المستفيدة بالأوضاع القديمة كان رجال الدين الذين مثل صعودهم وارتقاؤهم في الأزهر فرصة للحصول على اقطاعات واسعة ومن ثم كانوا مستفيدين من بقاء السلطة الدينية، وكانوا دائما في حالة تعاون مع الحكام في تبادل اسباغ كل منهم الشرعية على الآخر، وكانت مواقفه الوطنية تتعلق بمصالح نخبته في الغالب. وبإعادة انتاج منظومته والثقافة التي يمثلها والتي تكرس له دورا ونوعا من الوصاية. فكما ثار على الاستعمار أحيانا خوفا من ثقافة جديدة ونظام يلغيان دوره، فقد تواطأ معه أحيانا حين آنس امكانية بقاء مصالحه وهذا يحتاج إلى تفصيل.

كان الأزهر فرصة صعود طبقي بالنسبة للريفيين الذين عزلهم الحكم منذ دخول الاسلام مصر عن المشاركة في الحكم وحتى في الجيش. وأغلق عليهم كل فرص الترقي الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. ومن ثم كان دفاعهم عن الثقافة الدينية الممزوجة بتقاليد ريفية هو دفاع عن وجودهم ومكانتهم الروحية والاجتماعية ومكتسباتهم أيضا.

نسخة غير أصلية

لم ينقل النظام الرأسمالي للدول التابعة نسخته الأصلية، لتكون تكرارا أو امتدادا له، بل لقد تمكن بمرونته من التعايش مع انظمة قبل رأسمالية وأنماط من الثقافة التقليدية، بل لقد دعمها وكرس لها باسم “الحفاظ على الخصوصية” أحيانا، أو عدم أهلية المجتمعات للتحديث الكامل أحيانا أخرى.

وفكرة “الخصوصية” بالذات والتي تأكدت وشاعت في نهايات القرن الماضي. وجدت فيها كل التيارات الرجعية لقيتها الثمينة للدفاع عن وجودها. وكان الدين بطبيعة الحال أحد عناصر هذه الخصوصية.

وماذا الآن؟

.

الآن حين نتحدث عن الإخوان نتساءل قبل ان نعرف مدى صلاحيتهم: ما هو نوع الدولة التي يمكن أن تعيش وسط التجمع العالمي وتتمكن من العمل والتبادل؟

إذا كنا نعترف مثلا بالدولة القومية فكما قلت أن الدولة القومية أساسها اقتصادي بغطاء قانوني وتأتي الثقافة كسمة اجتماعية لا تؤثر على طبيعة البنيان القانوني أو الاقتصادي. ومن ثنم يمكننا الكلام على الثقافة في فرنسا أو أميركا أو اليابان أو استراليا دون أن يعني ذلك التأثير على مجموعة من الأسس الثابتة: المصدر النهائي للتشريع هو الشعب، المواطنة، الديموقراطية، حقوق الفرد التي يحميها القانون ولا تتدخل فيها الثقافة الشائعة أو العرفية أو أي مبادئ مسبقة، حرية التملك والتجارة، حقوق التعليم والتعبير والرأي والممارسة السياسية إلى آخر القائمة. وتبقى الاختلافات الطفيفة داخل هذا الاطار العام.

أما انشاء دولة على أساس ديني فانه لا يقوم على أن أصحاب هذه المساحة من الأرض شركاء متساويين، فالعقيدة الدينية لا أرض لها أصلا، و لاتتعلق بلغة ولا بمكان، وأساس بنيانها ليس على المنافع اليومية التي تشكل القاسم المشترك بين البشر، بل على مبادئ أخلاقية بنظر أصحابها. ومن ثم فهو يقلب مفهوم الدولة رأسا على عقب. ولهذا فشل لا الإخوان وحدهم بل كافة الجماعات الأصولية في اعداد مشروع واضح لدولة تستنجيب للشرط العالمي لأنه يناقضها من الأساس

وهو يقوم على نص مقدس بنظر أصحابه غير خاضع للنقاش بينما المبادئ الدولية القانونية خاضعة للنقاش والرد والتعديل والاعتراض.

ما سيحدث حين يتولى الإخوان الحكم هو انهم سيسيرون قدما في حالة التلفيق التي نسميها التوفيق، سيكونون رأسماليين دون أن يملكوا معايير الرأسمالية السابق ذكرها، وسيحاولون اظهار اختلافهم بتشجيع بعض الشعائر والمظاهر الدينية كالحجاب وخلافه، لكن هذا سيمح لجماعات أخرى ذات مصدر ديني أن تتهمهم بالتقصير والخضوع للشروط الدولية للكفار، وستنتهز فرصة أن الأساس الديني هو المعلن للدولة لتقدم تفسيرها الخاص للدين. وهو ما حدث في أفغانستان والصومال والباكستان وهو نماذج لا حاجة إلى الكلام عنها ولا عن فشلها.

ستكون هناك فرصة للمجتمع الدولي للضغط على مصر أو غيرها بزعم حقوق الأقليات أوعدم احترام الحقوق الفردية أو حقوق المرأة.

سيجد الإخوان أنفسهم مثلا في مأزق أمام السياحة كمصدر اقتصادي اساسي. وأمام التعامل مع اسرائيل التي لن يسمح المجتمع الدولي بتجاوز حدود معينة في التعاطي معها.

ان مشروع اي دولة دينية لا يمكن أن يتقبل الأساس الرأسمالي الذي يعتبر أن الحياة هنا والآن، وأن مقياس الإنسان هو ما ينتج أو يملك أو يستهلك، بينما العقيدة لا تشترط ذلك بل السلامة الأخلاقية من منطلق عقائدي. وأن هدف الحياة هو الآخرة لا الدنيا، النظام الرأسمالي موضوعي مادي لا علاقة له بعقائد الأشخاص، بينما المنظومة الدينية قائمة على الفصل الحاد بين البشر على أساس الإيمان وعلى ثنائية الكافر والمؤمن.

أفكار غير واقعية

نتيجة غياب الممارسة والتربية السياسية الفعلية والتعليم الناضج والاعتماد على نوع من الثقافة البدائية الشفوية تنتشر أفكار يتم تناقلها أو الترويج لها كحلول سياسية منذ فترات طويلة ليس من الإخوان فحسب بل أحيانا قوى سياسية أخرى وأشخاص عاديين.

الدولة: ان أهم ما شهده العصر الحديث في فكرة الدولة هو تحولها إلى كيان متجرد لا شخصي، فهي مجموعة من المؤسسات والقوانين التي تمثل مصالح الكل، بغض النظر عن من يتولى مسؤليتها من الأشخاص. فالدستور والقانون من جهة، وانتخاب الأشخاص على أساس حزبي وبرنامج سياسي من جهة أخرى يعني أن الحكم للفكرة وليس للشخص.

وهو تماما عكس ما شهده التاريخ العالمي كله قبل التطورات الحدثية. فامتلاك شخص أو أسرة للحكم وانفرادها به على خلفية القوة كما سبق، كان يعني ارتهان السياسة بمصالح ورؤى شخصية. ولهذا كانت الممالك القديمة تتعرض دائما لاهتزازات قوية ما تلبث أن تصعد حتى تنهار . ومن المفارقات أن كلمة “دولة” في تراثنا العربي تحمل معنى التقلب، بأكثر مما تحمل من معاني الاستقرار. فنقول الأيام دول، ودالت دولته أي زالت.

الخطورة أنه مازال في تصورات الناس بصفة عامة وليس مؤيدو الإخوان فحسب أن الحكم يتوقف على نزاهة شخصية. وهذا خطأ فادح. يترتب عله خطأ أكثر فداحة وهو اجتزاء مواقف من سير حكام أو خلفاء لإبراز شكل من العدالة النموذجي مع الادعاء بان هذه الفئة أو الجماعة أو تلك تتبنى المسلك نفسه.

وهذا بالإضافة إلى أنه تدليس تاريخي لأن الأحداث التاريخية لا يمكن التدليل عليها باخراجها من سياقها الكلي إلا إنه يبرز من جهة أخرى المسافة المرعبة بين الوعي الشعبي والديني من جهة تصوراتهما السياسية، وبين ما يدور في العالم وحتى في كواليس السياسة في بلادنا المرتبطة باتفاقات ومعاهدات لا علاقة لها بتبدل الأشخاص. وبطبيعة النظام الذي تخضع له وتدعي كل يوم مواجته ثقافيا بينما هي مرتهنة به وجوديا. بل تجهل أيضا مصدر الثقافة التي تحدرت إليها وكيف تلونت واختزلت ليعاد استخدامها سياسيا بطريقة أفسدت السياسة والفكر معا.

“احنا مشكلتنا”!

إذا ركبت مع سائق تاكسي وبدأ معك حوارا حول “البلد” وأحوالها سيقول لك بعد قليل “احنا مشكلتنا يا استاذ..” ثم يكمل.

في هذه الجملة القصيرة خطآن كبيران: الأول في ضمير الجمع “احنا”. لأن المجتمع الذي هو موضوع السياسة ليس واحدا ابدا، ولا في أي مكان من العالم رغم القوانين المتجردة التي تحدثنا عنها. فعمليا هناك دائما قوى متنازعة أو مختلفة في المجتمع بحسب تأويلها للقانون وتفسيرها للسياسة الحاكمة ومصالحها أيضا.

تعترف الديموقراطية الغربية بفكرة تنازع الرغبات والمصالح. وهي وان كانت تضع اطارا عاما لها يضمن عدم وصول التنازع إلى العنف، لكنها أيضا تتيح تداول السلطة من خلال التنافس والجدل السياسي، الذي يقرب بين هذه المصالح مع الوقت ولذلك نرى الأحزاب الغربية شبه مستقرة، وتبدلها لا يعني تغيرا جذريا في السياسة العامة. كلمة “احنا” تختزل المجتمع كأن كل شخص يتصور أنه الممثل الحقيقي له. ومن ثم يصبح السؤال أكبر من حدوده، والإجابة عنه مستحيلة.

وليس معنى ذلك عدم استخدام الكلمة فهو طبيعي لكن استخدامها كاقتراح مع الوعي بمن تمثله وقابلية تعديل تصورنا عن من يمثلهم هذا الضمير الجمعي.

الخطأ الثاني في الجملة هو كلمة “مشكلتنا” وكأن الدولة أسرة تعاني من ضائقة. دون ادراك للمعنى المركب للدولة والمجتمع على السواء، وهو يؤكد أننا نعيش في مجتمع ما قبل التخصص. لقد تورط الكثيرين جريا وراء سهولة التشبيه، إلى تشبيه الدولة بالجسم الإنساني الذي يلعب كل عضو فيه دوره. ولا يؤدي هذا التشبيه أي نتيجة في فهم طبيعة الدولة على الإطلاق، بل قد يؤدي إلى فهم تراتبي جامد ومزيف. كما لا يكشف الطبيعة المركبة والمرنة في تداخل المصالح الدولية مع فئات داخل الدولة نفسها. فالتصور الزائف عن الاستقلال استسهل مثل هذه التشبيهات بل جعلها قاعدة للفهم، يسهل ترويجها وتحويلها إلى شعار مفرغ من المعنى.

حياة التخصص

بدأ من “تقسيم العمل” شديد الدقة والضبط بدا وكأن التخصص لازمة من لوازم مجتمع حديث.

والحديث الفضفاض الذي يمكن تلمسه في سجالاتنا التي تشهدها الصحف والندوات والفضائيات.

يستهين تماما بهذه الفكرة، ويعود إلى نظام “المصطبة”، متراجعا عن الصياغة والتعرف الدقيق للموضوعات والمشكلات، ومتخبطا بالتالي في عدد لا يحصى من المغالطات، وموحيا أنه من حق الجميع الإدلاء بالرأي في أي موضوع يملكون انطباعا عنه، في غياب أرضة من المعلومات والأداء المنهجي.

الأسوأ اعتبار ملخص الأزمة التي نمر بها “أخلاقيا” لا بنيويا، لأن الأخلاق تفترض ارادة الفرد الكاملة وسيطرته على ما ينتجه وما يمارسه، بينما حقيقة الأمر أن الفرد في كل مكان الآن جزء من عجلة لا تخضمه تماما. هكذا تسبب هذه النصائح الأخلاقية وقوع الأشخاص في أزمات تناقض. دون أن يدركوا لها حلا، ودون أن يتفهموا أن المشكلة ليست في الأخلاق ولكن في منظومة العمل المركبة التي يمكن أن تكون معطوبة، أي أنها مجموعة مشاكل لا تحلها كلمة ولا سماع خطبة أو برنامجج تلفزيوني، أو عبارة على مقهى.

الإسلام هو الحل:

تأتي عبارة “الإسلام هو الحل” ترتيبا على الوعي الشائع السابق الذي يفترض أن لنا مشكلة واحدة أو موحدة، وأن حلها يكمن في كلمة مثل مفتاح الباب: الإسلام.

وتتضمن هذه الجملة عددا من المغالطات تبدأ من كلمة الإسلام. يبني مطلق الجملة هذه الكلمة على اعتبارها أمرا مفهوما وواحدا بالنسبة للجميع وهي ليست كذلك أبدا لا تاريخيا ولا علميا ولا عند التطبيق العملي. فلم تكن كلمة الإسلام في أي وقت من التاريخ تعني الشيء نفسه بالنسبة للمؤمنين بها. فأي إسلام نقصد؟ اسلام السنة أم الشيعة؟ وأي سنة نعني الإخوان أم السلفيين أم تنظيم الجهاد أم القاعدة؟ هل نخرج المتصوفة من الحساب؟ وماذا نفعل لو ظهر لك تيار اعتزالي مثلا؟

وهنا نعود إلى فكرة التيارات الأصولية المعاصرة كلها إخوان وغير إخوان وطريقة تعاملها المتعسفة والكاذبة مع فكرة الإسلام. فهي تقفز فوق تراث عمره 1400 سنة لتنتقى منه على هواها بلا وازع من ضمير علمي أو ديني.

وتحاول أن تقدم للناس هذا “الإسلام” كما لو كان تاريخا متماسكا واحدا موحدا. متجاهلة المعارك الفكرية والعقائدية. وأن الانشقاقات في فهم الإسلام كعقيدة وسياسة، بدأت مع حروب الردة، وتبعتها مآسي لا حصر لها. وأن من يسمون بالصحابة العدول وقف أحدهم ازاء الآخر في مواقع مشهودة. وأن التكريس لما يسمى “السنة والجماعة” انما جاء قسرا ليس لأمر ديني بل لأمر قومي عشائري، حيث أراد العرب الحاكمين أن يحصروا تفسير الدين وفق بيئتهم ولغتهم، بحيث يمتلكون مفتاح تفسيره الوحيد. ومن هنا جعلوا مرجعية الدين كالنسب بالراوية عن السابق فالسابق، وليس بمسؤولية الإنسان عن علاقته مع الله التي سيسأل عنها وحده أمامه. عقيدة أهل السنة عقيدة قومية مغلفة برداء ديني. كما أن عقيدة الشيعة كانت يوما ما عقيدة فارسية برداء ديني آخر. وكلاهما تحتشد كتبه بالأكاذيب عن الآخر. باختصار كيف سيعامل الأخوان أهل التفسيرات الأخرى للإسلام نفسه؟.

المصيبة الكبرى أنه مع تحدد منازل اهل السنة والشيعة وتصفية معظم التيارات الأخرى بالاضطهاد والقتل والتشريد وحرق الكتب والمنع من المعايش والتضييق على أصحابها. انتهى الجدل العقائدي “الذي يسمى أحيانا التوحيد” والذي هو أصل الدين ومبدأه. انتهى الى خلاصلات محفوظة ساذجة قضت على الجدل الغني الذي شهدته الحضارة الإسلامية في ازدهارها. وتعين الإسلام في “الفقه” وحده الذي هو في النهاية مجموعة طقوس شكلية لا تميز مؤمنا عن غير مؤمن الا بالحركات والسكنات والتعليمات الأخلاقية السطحية.

ومن المدهش أنه رغم الصخب العالي لحركات الإسلام السياسي بجميع طوائفها لم تحاول أبدا وضع تصور وتفسير متكامل ينطلق من اعادة النظر في الأفكار العقائدية وينتهي بالتشريعات. والأدعى للدهشة أنها تجاهلت التخصص الذي كان عليه الأقدمون منذ ألف سنة؛ هذا محدّث، وهذا فقيه، وهذا أصولي، إلخ لتصبح كلمة “داعية” هي البديل المائع للدرس الديني. البديل الريفي لثقافة المصاطب.

كان المفترض أنتنمو التخصصات لا أن تنكمش مع تعقد الجدل ازاء نظريات كبرى ظهرت في العالم منذ خمسمائة عام وهي تعمل وتطور ضمن حياتنا دون أن ندرك حتى كنهها، ولا أننا في الحقيقة جزء منها بما في ذلك التيارات الإسلامية نفسها.

وهكذا تعمل هذه التيارات، بل والوعي الشعبي كله وكثير من تياراته السياسية الأخرى التي تدعي تمثيله، تماما كالمغفل بالمعنى الحرفي للكلمة.

لكن ثالثة الأثافي كما يقولون هي أن التيارات الدينية وهي تروج لشعارها تمني الناس بالحياة الغنية للحضارة الإسلامية القديمة غافلة عن أن غنى هذ الحضارة انما كان نابعا من هذا التنوع الثقافي، والصراع العقائدي، والاختلاط المكثف وغير الموتور بالحضارات الأخرى. والسؤال: إذا كان الإخوان قد أثاروا ضجة كبرى على “ألف ليلة وليلة”، وكانوا يقيمون مظاهرات على كلمة أو عبارة في رواية لم يقرأوها. فماذا سيصنعون، مع التراث الحضاري؟ ماذا سيصنعون مع أبي نواس وأبي العتاهية وكتاب الأغاني؟ ماذا سيصنعون مع كتابات السهروردي والحلاج وابن الفارض؟ ماذا سيصنعون مع مؤلفات ابن سينا وابن رشد واخوان الصفا؟ ماذا سيصنعون اذا جاءت جماعة لتزايد عليهم بأن تماثيل الفراعنة شرك عظيم واوثان جاهلية؟ ماذا سيصنعون مع تراث نجيب محفوظ، وماذا لو اتى روائي في قامته أو شاعر أو فنان بأفكار لا يقبلونها هذا اذا كانوا يفهمونها أصلا؟ كيف يواجهون العالم حين يصادرون الكتب أو يمنعون معارض أو احتفالات؟ هل سيفتتح وزير الثقافة الإخواني مهرجان السينما والمسرح التجريبي؟

ما تصورهم عن الحضارة الإنسانية؟ عن الفن؟ عن الأدب والثقافة؟ عن النظريات العلمية التي لن يتمكنوا من التوفيق بينها وبين العقيدة إلا على حساب إحداهما.

الإسلام والسياسة:

رغم غنى التراث الإسلامي القديم بالسجالات العقائدية والتفسيرية واللغوية والبلاغية إلخ. لم تظهر، نتيجة طبيعة الحكم الاستبدادي، نظرية سياسية في الإسلام. وحين نقول “نظرية” سياسية نعني بناء محكما متماسكا من الأفكار التي تبدأ بتعريف الإنسان نفسه وعلاقة الفرد بالمجتمع، ومعنى المجتمع وحدوده، وطبيعة المسؤولية السياسية، مصدر الأحكام والتشريعات، وتنتهي بكيفية إدارة هذا المجتمع، وبالتالي يخرج عن هذا تلك الشذرات المتناثرة على ألسنة التيارات الدينية بشاهد من هنا وشاهد من هناك. كما يخرج عنه أيضا ما كتبه عدد من العلماء المسلمين القدامى الذين كانت تآليفهم في السياسة غير مكتملة، ومتعلقة بما يمكن تسميته “الآداب السلطانية” وهي مجموعة نصائح وارشادات للحاكم، لكن معظمها موجه إلى الوزراء والحاشية مثلما هو الحال في كتب الماوردي.

واللافت أن أبواب الفقه رغم أنها تتناول عددا من التشريعات اليومية وبعض الأمور الخاصة بما سمي “المعاملات” لم تسخر مجالا خاصا للسياسة، وكأنها اعتبرتها شيئا يحدده الحاكم وحده. أما مبدأ الشورى فكما قلنا انه إضافة إلى أنه يترك للحاكم تحديد من هم أهل المشورة، أي أنه ينتقيهم على هواه، فانه في النهاية غير ملزم له بأي حال. وعلى خلاف المسيحية الكاثوليكية مثلا، لم توجد في تاريخ الإسلام هيئة دينية مستقلة تقوم بتحديد صلاحيات الحكم والحاكم وتكون أعلى منه وذات سلطة عليه. ولو عدنا إلى أسباب زوال الدول في الإسلام فلن نجد مثلا أنها زالت بسبب ثورة على حاكم قادها علماء أو صفوة، وانما تنازع على الحكم والثورة بدعاوى أحقية الوراثة.

والحقيقة أن الارث الاسلامي السياسي في مجال الحكم يتلخص في مناخ المؤامرات والدسائس، وتميكن الحكم بالحيلة مرة والقوة مرات وهو لا يختلف في ذلك عن أسلوب الحكم في بقاع أخرى كثيرة في هذا التاريخ.

موضع الشاهد أنه لا التاريخ الإسلامي يقدم نموذجا جديرا بالالتفات، ولا التراث الفكري يقدم نظرية في السياسة يمكن البناء عليها.

ولم تظهر النظريات السياسية المتكاملة البناء والصياغة إلا تدريجيا، وكان أهم ركن فيها فصل مجالها عن غيره من المجالات العقائدية، مثلما حدث في سائر العلوم. على أي أساس مثلا ستقيم معاهداتك الدولية، اذا كنت تعترف بالديموقراطية فأصلها له جانب فلسفي أيضا. اذ توصلت الفلسفة الغربية إلى الإقرار بأن الإنسان يستطيع اعتمادا على عقله الوصول للحقيقة، التي يتم تصويبها باستمرار باستخدام وسائل لا تخرج عن حدود العقل والتجربة والوسائل العلمية. ومن ثم كان الاعتراف بأهلية الإنسان لأن يحكم نفسه ويقرر طبيعة الحكم الذي يقبله. من هنا يأتي اتساق الفكرة المتكاملة من النظرة للإنسان إلى شكل الحكم.

أما أن نؤمن بديموقراطية ذات مرجع ديني فهو كلام مفرغ من أي مضمون ومتناقض مع ذاته. اذ بينما نعترف بحقيقية قبلية خارج العقل وادراكه تحدد الصواب والخطأ نعود فتقول ان من حق هذا الإنسان أن بقرر مصيره وحياته وفق عقله هو. وتكون النتيجة أن تصل إلى حل مشوه مثل المسخ. واذا كنا سنتستطيع انفاذ هذه المرجعية الدينية محليا ماذا سنصنع مع العالم واتفاقياته، هل سنقول في مستهلها أيضا قال الله وقال الرسول؟ أو سننطق بهما في سرنا؟ أم سنصبح مزدوجين متواطئين مع أنفسنا ؟

ومن ثم فان كلمة الاسلام هو الحل تتضمن استهتارا واعيا أو غير واع بمفهوم النظرية السياسية وكسل معن انجاز مثل هذه النظرية والجدل الواسع والمفتوح بشأنها، وتدليس لا يغتفر على الناس البسطاء باستغلال احتياجهم إلى حل سهل لمشكلاتهم، بتقديمه في جملة فارغة من أي محتوى محدد، فلا الإسلام كلمة تحدد مجالا من الأفكار لا خلاف عليه كما أوضحنا سابقا، ولا السياسة كانت ضمن اطاره النظري والبحثي في يوم من الأيام.

خلاصة:

ان التيارات الدينية الحالية رغم أنها تتصور نفسها امتدادا للحضارة الإسلامية إلا انها لا تفطن إلى أنها في الواقع لا صلة لها بها لا من جهة تنظيمها الاجتماعي ولا السياسي ولا الثقافي. لقد انتهت تلك الحقبة إلى الأبد. وكل ما يحدث هو أن الفئات المهضومة نتيجة الصراعات الدولية والوطنية الحديثة، ونتيجة تحديث غير مكتمل دفعت هذه الفئات ثمنه دون أن تنال مكاسبه، ودون أن يكون لديها اطار قانوني أو سياسي للمطالبة بحقوقها وازالة شعورها العميق بازدواج الولاء والضمير بحثت عن حل سهل مختصر، يتلاءم مع ما تبقى من ثقافة دينية مختزلة وسطحية إلى أبعد حد ، ووعي يكاد يكون منعدما بطبيعة العالم الي تعيش فيه، ومستوى تعليمي لا يؤهل الا لتخريج مجموعة من الكتبة الموظفين لا الاختصاصيين ولا الباحثين ناهيك عن المبدعين. وجدت هذه الفئة نفسها قادرة من خلال هذا الشعار الديني، المختلط بوعيها الريفي وعدائها وخوفها من المختلف، وشكها الدائم فيه، وجدت نفسها من خلال هذا الشعار قادرة على تعبئة شعورية ووجدانية، لكن الفشل هو مصيرها المؤكد، والأصعب لن يكون ذلك بل صدمتها في نفسها عند الاختبار الفعلي وحجم الأكاذيب الذي ستضطر إلى ابتلاعه كالإهانة المرة.