الهوية الجامعة بتاعت النوايا الحسنة

wpid-img_4912-2013-07-27-03-13.jpg

من المفارقات المربكة فعلاً – ومن الحاجات اللي علّمت الواحد إنه يكون متواضع ومتمهل في محاولة فهم الأوضاع السياسية بعيداً عن الافتراضات الثقافية والأخلاقية – إنه لما حصلت أحداث ماسبيرو، وتبعاً للتصور الموروث عن اضطلاع الغرب بـ”حماية حقوق الأقليات”، كان المتوقع إن الغرب ده حيهب لنصرة الأقباط (والفكرة دي كانت متسلطة لدرجة إنه الواحد اتهيأ له إن المجلس العسكري كده بيغامر باستجلاب قوى غربية) لكن في الواقع طبعاً ما حصلش أي ردة فعل خالص بل على العكس حصل تجديد لمبايعة المجلس العسكري كوسيط التحول الديمقراطي المخلص مع إن المجلس العسكري وقتها كان بيمارس حكم عسكري مباشر وغاشم فعلاً… بينما لما حصلت أحداث الحرس الجمهوري، وخلاف التصور التقليدي برضه عن عداء الغرب للإسلام السياسي أو قلقه منه، الدنيا قامت على انتهاكات حقوق المدنيين واغتيال الديمقراطية بالانقلاب العسكري وما إليه، مع إنه المجلس العسكري دلوقتي بيتحرك بغطاء شعبي حقيقي ومن خلال المحكمة الدستورية. ولسه لحد النهارده بيتقال إنه ما ينفعش إقصاء الإخوان والسلفيين وإنه ما يصحش يكون فيه اعتقالات سياسية وإن القيادات المقبوض عليها لازم يفرج عنها إلى آخره.

Continue reading

الإسلام السياسي مش قدر ولا خطوة ضرورية على الطريق مع تحديثات أخرى

wpid-img_8559-2013-04-2-10-26.jpg

Elevator

فيه فكرة يكاد يكون متفق عليها داخل الخطاب السياسي “المدني” (واليساري بالذات) هي إن الإسلام السياسي مرحلة لم يكن من الممكن تخطيها على طريق الديمقراطية (أو يعني “تحرير الأمة”) وإن قمع وإلغاء الإسلاميين ما هواش حل حيث إنه بيرتد على المجتمعات بعنف ومشاكل أكبر على المدى الطويل.

Continue reading

هاني درويش: ميكانيزمات التفليل اليساري

wpid-img_8242-2012-12-14-20-50.jpg

للثورة خيارات أخري

بيان صاغه مجموعة من الناشطين والمسيسين في اللحظة التي تحتدم فيها معركة واسعة المجال ضد سلطة الاسلام السياسي الفاشي واليمين بامتياز

فماذا يقدم هذا البيان من خيارات او منطلقات لنحت موقف مختلف عما يجري في الشارع؟

الحقيقة ان المقدمة الرافضة لمجمل انفراد التيار الاسلامي واستبداده الوحشي تنطلق من نفس المقدمات التي ترفعها “جبهة الانقاذ الوطني” لكن محاولة القفز خارج مركبها ونحت مسار مختلق تبدو جلية

فالنتأمل سويا الفقرة الثالثة التي تقفز قفزا فوق الواقع ونصها كالتالي

“ورغم رفضنا لديكتاتورية جديدة في مصر إلا أننا نرى أن معركتنا لا ينبغي أن تصب أبدا في مصلحة قوى النظام السابق الذين يعارضون الرئاسة الحالية من مواقع معادية للثورة والثوريين. كذلك فإننا نرفض رفضا باتا تدخل المؤسسة العسكرية، في الشؤون السياسية بأي وسيلة من الوسائل.”

السؤال هنا من هي القوي المجيشة للثورة المضادة التي اخترقتنا (اخترقت جبهة الانقاذ في ضمير الكلمة) لتعارض الاخوان من موقع اعادة النظام السابق

 بسؤال بعض موقعي البيان كشفوا عن اسماء هي كالتالي: عمرو موسي ، سامح عاشور، السيد البدوي

ولمراجعة موقع هذه الاسماء او مايمثلنوها من تيارات سياسية لها الفعل الحقيقي في المشهد السياسي سنجد التالي

عمرو موسي ومحاولة تفليله هو ميكانيزم اخترعه منذ البداية الاخوان في لحظة التمهيد للرئاسة، وكانت اللحظة ايضا تراهن علي منافسته لسيئ الذكر ابو الفتوح

المدهش هو استسلامنا لتفليل شخص كان موظفا كبيرا في النظام السابق دون أي سند اقتصادي او اجتماعي آو سياسي مباشر، الا شخصه ودوره في ملفات خارجية لم يكن فيها هو المتحكم الحقيقي، فعمرو موسي لم يعرف عنه فسادا ماليا او ترابطا مصالحيا بشبكة النظام السابق المعروفة والمستقرة

كما لم يعرف عنه ظهير عميق كالمخابرات التي لو شاءت لآنجحته كما تخيل المخيال الثوري البكر في تلك اللحظة

الفلول الحقيقيون مولوا منذ اللحظة الاولي وساندوا بفجاجة احمد شفيق ، يمكن مراجعة تاريخ حملته التمويلية وصفحاته الداعمة، فتفليل عمرو موسي في الوعي الثوري كان موازيا لخدعة تثوير ابو الفتوح ، او افتراض عقلانية لشرائح الطبقة الوسطي الاسلامية ستدفعهم لما يمثله الاخير من كجولة اسلامية

الاخوان بالفعل هندسوا المخيلة الاولي ودفعونا دفعا لتفليل موسي وتحكيم برجماتية ابو الفتوح الافتراضية

المدهش أن الخيازات الجذرية للشعب المصري والتي وجهت صفعة لمنظري الاستقطاب الاولي لم تدفع هؤلاء لمراجعة نفسهم قيد انملة

بقي ابو الفتوح بملايين السلفية الثلاثة ثوريا وعمرو موسي بمليونه فلوليا

من اللحظة التي خرج فيها موسي من السباق السياسي ، هل يملك من يفللونه قرينة علي علاقته بالنظام السابق او فلوله؟

موقف سالف الذكر من الجمعية التأسيسية للدستور مسجل في ورقة من ١٥ نقطة باعتراضاته علي مسودة الدستور ، ومنها تركز السلطات الرئاسية وعدم استقلال السلطات ، وميل الدستور إلي فقدان مدنية الدولة بشكلها لديني والعسكري

لست هنا في مجال الدفاع عن عمرو موسي ، لكن السؤال سيبقي بأي معيار يمكن احتساب حزبه المسمي بالمؤتمر جزءا حقيقيا من حالة الاحتشاد العملية لقوي وتيارات كبري داخل جبهة الانقاذ؟ هل هو في حجم مساهمة التيار الشعبي أو الدستور أو الحزب الديمقراطي أو التحالف؟

هل يمكن تلويث جبهة وطنية واسعة ذات برنامج ديمقراطي مقاوم للاستبداد الديني السياسي بالوجود السياسي لعمرو موسي ؟

المستفز في هذا الموقف فعلا هو تحويل التفليل إلي تهمة لا زمنية ووصمة غير قابلة للتصحيح عبر المسار السياسي المضطرم بتحولات أكثر دراماتيكية لقوي أخري

الملفت أن يتم تبرير بلادة ولا حدية أو قطعية موقف مثل موقف حزب مصر القوية في حين يجري الصاق وصمة الفلولية المعلبة لموسي

الفلولي الحق في اعتبار هذا النوت نوعان:

الاول كل من مارس تدخلا سياسيا بالقرار أو بالعلاقات المباشرة او غير المباشرة لحماية نظام مبارك، هناك من دافع عنه مثلا حتي الرمق الاخير وهو رابض في احضان جماعته كآبو الفتوح حين قبل في تسجيل مصور مع الجزيرة وكان الناس لازالوا في الميدان بتقصير المواجهات عبر أختياز ملك الفلول أحمد شفيق رئيسا للوزراء

هناك من نقل ولاءاته بالازاحة من مبارك إلي مجلسه العسكري إلي اخوانه في دفاع عن موقع التسلط اينما كان ولحساب من كان

في هذا الاطار لعبت شخصيات عدت منتمية للجسد السياسي القديم والذي لايمكن وصمه فقط بالمدنية أو العلمانية بل بالرجعي الخادم للسلطة أدوارا في تبريرالتسلط

هذه الشخصيات لا تعبر عن تيار سياسي واضح، لو تحدثنا عن وفد السلمي والبدوي فلايمكن ان نتحدث عن خيانة تمت للثورة من قبلهم، هم اكسسوار تاريخي للتسلط غير مرتبط بطبقات اجتماعية او جماهير او شرائح مجتمعية، وحتي في اطار تأمل هذا الغثاء السياسي هل يمكن تفليل هؤلاء وترك فلولية الاخوان المتأصلة في كل مفاصل الثورة

دعم مبارك ببيان النصحية يوم ٢٤ يناير

الجري للقاء عمر سليمان والانسحاب من الميدان

الموافقة يوما بيوم علي تراجعات النظام كسقف آعلي

اختراع الاستقطاب يوم ١٢ مارس في تصريح العريان الاول السارق للثورة بوصفها ثورة اسلامية

المساهمة في انتاج التعديلات الدستورية واعادة تسميم خيال الثورة بالشعارات الطائفية

ثم > ثم > ثم

هل يمكن مسح الفلولية الاخوانية الاصيلة عبر الخطاب والممارسة الواضحة وتحميل فشل الثورة أو ضياع خياراتها علي تهاني الجبالي واحمد الزند وسامح عاشور؟

المصيبة الكبري أن دعم هذا التصور يأتي في مفارقة صادمة مع مسحه بفرشاة الخوف من تدخل الجيش

هنا يتحول الكذب إلي صنو عبادة في التحليل السياسي؟ أي جيش هذا الذي يتحدث البيان عن عودته أو عن اشواق سياسية مضمرة نحوه، الجيش الذي صفي الثورة بتحالفه مع الاخوان؟ الجيش المعينة كل قياداته الجديدة علي قسم بالمصحف في مكتب الارشاد؟ الجيش الذي حمي التأسيسية بالحضور ومكاسب مجلس امن قومي وسرية الحسابات وتأبيد عسكرة وزير دفاعه؟ أم الجيش المحتفي بمنحة مرسي في الضبطية القضائية؟

الكذب الفارغ من المضمون هو اعتبار تقبيل بعض متظاهري الاتحادية لضباط علي دبابات الحرس الجمهوري معيارا لشوق الجماهير أو استعداد الجيش للتدخل ضد الاخوان

الكلبية السياسية التي تنبح بإختراع خلاف بين العسكر والاخوان لمصلحة ضرب التحالف السياسي ضد الاخوان الان، لا تتجاوز حدود العقل السياسي بل تتتعدي تصورات جنونه

ان التهويم الفارغ بالعسكر للجري واحتضان الاخوان يبين كيف استطاع الاخوان تنويم قطاع يساري محترم تنويما مغناطيسيا لدرجة تصديق الدعاية الرخيصة التي يصدرها الاخوان عن مؤامرات تحاك ضدهم

مندهشون انتم من حجم الجماهير الكنباوية في مظاهرات الاتحادية، علموهم وارفعوا وعيهم بالقضية من منطقة كره الاخوان إلي منطقة العداء للتسلط، لكن ان تجروا من أمام الجماهير وتتحرروا من عبء مناقشتهم بتسكينهم هم الاخرون مسكن الفلولية لهو جبن اصيل

أن تعيدوا أختراع الاستقطاب لتفتيت حراك جماهيري جبهوي واسع يدخل شهره الاول> فيما آعدائكم يقتلون من الجميع ويبتزون الجميع ويحتقرون الجميع  لهو سلوك طابور خامس منظم ، يكاد ان يصيبه الفزع كلما شاهد جماهيرا، مدمنا وضعه الاقلوي النقاوي الكاذب

اعزائي : لدي اعلان مهم

الثورة بمنطق ٢٥ يناير وحساباتها انتهت

الثورة المشكلة الان هي المسار الطبيعي لاعادة الفرز العنيف في مواقع كل القوي السياسية

النضال والحراك الجماهيري هو جولة لآبطاء الانقضاض السريع الذي يمثله الاسلام السياسي علي ثورتكم التي لم تفهموا منها حرفا واحدا

ثورة لا طبقية . ثورة حقوق مدنية واجتماعية، ثورة حساسيتها الغالبة هي مقاومة الاستبداد

انتظروا عمالكم وفقراءكم المتوهمين في نهاية الطابور

لكن ارحمونا من تضليل الخيارات الاخري

لانها خيارات رخيصة لا تعترف بتاريخ الثورة القريب ، ولا تحمل من اليسارية حتي قيمتها الاهم:تحرر البشر من ربقة الاكاذيب

هاني درويش

لنسم الأشياء بأسمائها

IMG_1896

.

هنا القاهرة؟ نعم. وهنا شخص بلغ به الضجر حد الشماتة.

اليوم سأسمي الأشياء بأسمائها. قد لا يعترف “التيار المدني” الذي أنتمي إليه للوهلة الأولى بأن هذا ما نحن بصدده، وقد لا تصيغه “الثورة” التي شاركتُ فيها بالألفاظ ذاتها. لكن، ومنذ استتب أمر الإخوان المسلمين في السلطة بمعاونة “ثوار” مازالوا عمياناً عن كل ما سوى المناهضة المستبدة لـ”فلول” نظام يبقى أفضل بأي مقياس من الديكتاتورية الإسلاموية، باتت الحوارات/الشجارات في فضاء الجدل السياسي داخل هذين المعسكرين تتمحور حول سؤالين:

هل من “توافق وطني” محتمل في السياق الراهن؟

وهل قامت “ثورة يناير” من أجل معادل سني لولاية الفقيه (وهو ما يكرس له الدستور الطائفي المزمع تمريره رغم كل شيء ورغم أنف “التخين”)؟

هنا “مصر الثورة”؛ ولأن الإجابة عن السؤالين هي بالضرورة لا، هذا ما أجدني أتحدث فيه مغالباً فجيعتي بعد عامين على بدء التحول.

***

تقول الشعارات الإسلامية: “ماذا رأيتم من الله حتى تكرهوا شريعته؟” ولنفرض أننا لم نكن قد رأينا. أمس، يوم ٥ ديسمبر في مصر الجديدة، رأينا “شريعة الله” على الأسفلت. رأينا الإخوان المسلمين والسلفيين والجهادين – تحت أعين الشرطة – يقتلون المتظاهرين المناهضين للرئيس “الشرعي” محمد مرسي والمحسوبين على الثورة بدم بارد.

رأيناهم يأسرون ويسبون ثم يحتجزون ويعذبون سباياهم وأسراهم ضرباً وخنقاً وطعناً وصعقاً بالكهرباء بل وتعليقاً على أسوار قصر الاتحادية حيث كان المحتجون قد كتبوا تنويعات مختلفة على رسالة القطاع الأوسع من المصريين المدينيين إلى مرسي: “ارحل يا ابن الجزمة”. وإذا أطلقوا سراحهم فليسلموهم إلى الشرطة بتهمة البلطجة، حيث يصبح قرابة مئتي مجني عليه متهماً وماثلاً أمام نيابة باتت – بعد الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس يوم ٢٢ نوفمبر وانطلقت في إثره الاحتجاجات، محصناً قرارته ضد الطعن القضائي – في خدمة الجماعة وتحت أمرها.

ليس هذا وحسب: إن قوادي “الحرية والعدالة” (كما صرت، عن نفسي، أعرّف “قيادات الإخوان”) بلغ بهم التبجح حد التلاعب الإعلامي والطائفي بهوية القتلى لكي ينسبوا الضحايا إلى أنفسهم… هكذا رأينا شعب الريف الكادح يزحف على المدافعين عن أبسط حقوقه باسم الله ليمارس عليهم أقسى أنواع القمع الرسمي بصفة غير رسمية، ورأينا دعاة “شرع الله” من المتنطعين على الثورة، بلا خجل، يسبغون على سياسي حنث اليمين وثبت عليه الكذب على نحو قاطع عصمة الأنبياء إن لم يكن القداسة الإلهية. هذا ما رأيناه أيها “الفصيل السياسي” الشريك…

***

قبل شهور كان واضحاً أن ثنائية الثوار والفلول السائدة إذاك – تحت “حكم العسكر” – ليست سوى إيماءة شعاراتية طارئة سرعان ما سوف تنهار أمام صراع أكثر جذرية بين الإسلام السياسي وما سواه من توجهات، لأن الإسلام السياسي من الشمولية والعنف والرياء بحيث لا يستوي وجوده متجاوراً مع “فصائل” أخرى.

واليوم، بينما يُحشد الرعاع والإرهابيون من الأقاليم المظلمة في “تظاهرات تأييد” قاهرية لا يميّزها عن تظاهرات بلطجية مبارك سوى وساختها الريفية وتبجحها الوقح بإرادة السماء، يتهم قوادو الحرية والعدالة ميدان التحرير المحتشد تلقائياً ضد الأخونة والتخليج، ضد تقويض القضاء والتمهيد للسيطرة على الإعلام، بأنه صار قبلة الفلول (علماً بأن الحكومة الإخوانية، ووزارة الداخلية بالذات، قائمة بالأساس على من كانوا يتقلدون مناصب في “العهد البائد”؛ علماً بأن الإخوان كانوا أول من تفاوض مع نظام مبارك وفي تاريخهم السابق على الثورة أكثر من واقعة تحالف مع الحزب الوطني المنحل). لقد بلغ جهل وغباء الإسلاميين في مصر حد التهديد بالعصيان المدني “تأييداً لقرارات الرئيس”؛ ومتى كان التأييد من وظائف الحراك الاحتجاجي؟ ومتى…

عشية الاعتصام عند الاتحادية، وإثر هروب الرئيس من باب خلفي للقصر المحاصر ثم التناقص التدريجي لأعداد المعتصمين هناك، أرسل الإخوان مسلحيهم المنظمين لفض اعتصام الاتحادية وعقاب “الثوار”… وبعد أن دفعوا لآخرين مقابل التحرش بالنساء وافتعال العنف سواء أفي التحرير دار الثورة أو في ماسبيرو مركز الحراك القبطي.

***

ثم إننا رأينا “مؤيداً” على “يوتيوب” يسب المعتصمين أنفسهم بِغِلٍ غير مفهوم بعد فض اعتصامهم، رأيناه يستدل بعلبة “جبنة نستو” وجدها في إحدى الخيام على أن “بتوع حمدين والبرادعي” اللذين يكرههما (لأسباب هي الأخرى غير مفهومة) ليسوا سوى خونة ممولين من الخارج (ومن ثم، أو إلى ثمة، “ضالين” ممن تذكرهم فاتحة القرآن).

إن ما يثبته مثل هذا المشهد هو أن الإسلامي المتحمس ليس في حاجة إلى حقائق/معلومات مطابقة للواقع التجريبي ولا إلى أي منطق نظري مهما كان بسيطاً ولا حتى إلى الحد الأدنى من أدنى حد لإعمال القوى الذهنية العادية لكي يقيم حجة تبرر له غضباً ينفث من خلاله كراهيته لذاته والتي يعبر عنها من خلال التشبث بالغواغائية الشعبوية وسواها من أشكال التخلف من جهة، وعبر رفض كل ما يمكن أن يذكّره بدونيته من جهة أخرى (وهو العالم الواسع بما فيه احتمالات التقدم).

دعك إذن من أن المتظاهر ضد مرسي هو بالضرورة، بالنسبة إلى ذلك الإسلامي، “بتاع” أحد سواه؛ إن الجبنة النستو التي يأكلها الجميع، إسلامياً أكان أو غير إسلامي، هي الدليل الدامغ على العمالة والخيانة ومناهضة “الشريعة” وكل ما من شأنه أن يهدد “الإسلام” في خطابه الساعي إلى يوتوبيا هو يعلم قبل غيره أنها لا يمكن أن تكون.

***

واليوم؟ اليوم يكبّر غلمان السلف داعين “أمير المؤمنين” الجديد أنْ “اضرب ونحن معك”، رافعين أعلام السعودية والقاعدة، محرضين “خرفانهم” على قتل رموز المعارضة في القضاء والإعلام بوصفهم “فاسدين” و/أو “كفرة فجرة”. واليوم يتطوع هؤلاء الغلمان والمتعاطفون معهم – بأوامر من القوادين – لأداء أدوار جلادي “أمن الدولة” في إعادة هزلية لمسلسل القمع البوليسي المفترض أنه مورس على الإسلاميين من قبل، ولكن أمام عدسات الهواتف في الشوارع، وفي أكشاك الشرطة العسكرية، وفي غرف داخل أسوار القصر.

وبينما يحدث ذلك، يقبع اليسار المدجن في محبسه “الوسطي” وقد أخرسته التطورات وإن استمر في ترديد شعارات الثورة على الفساد والتوافق الوطني كالمنوم مغنطيسياً، ملتمساً أعذار الجهل والكبت وحداثة العهد بالسلطة، محذراً من “حرب أهلية” لا سبيل إلى تجاوز هذه المرحلة المنحطة – وقد مسك الكلب عظمة – إلا بشيء مثلها… حرب قد بدأها الإسلاميون بالفعل رافعين شعار “قتلاهم في النار وقتلانا في الجنة”، وبإيعاز من “القيادات” الميليشياوية الفاسدة والفاشلة التي لا تزال تتغنى بديمقراطية الصناديق واحترام رغبة الشعب.

يحدث هذا، وفي اليوم التالي يلقي الرئيس خطاباً رسمياً يغربل فيه نظرية المؤامرة المخابراتية المعتمدة منذ منتصف القرن فيقول إن بلطجية النظام السابق اعتدوا على متظاهرين سلميين؛ إن البلطجية في خدمة سياسين حان وقت محاكمتهم، وإنهم قد اعترفوا بجرمهم أمام الشرطة. لا يتعرض ولو بكلمة للفرق بين المحتجين و”المؤيدين”. لا يتعرض ولو بكلمة لجرائم الإسلاميين وتواطؤ الشرطة عليها. إن عدد البلطجية الذي يذكره مطابق لعدد المعتصمين الذين أوقفهم الإخوان وعذبوهم ثم سلموهم؛ ومع ذلك، رغم النفوذ الإخواني في النيابة، لا يستطيع أحد أن يثبت عليهم أي جرم حتى يطلق سراحهم بعد مماطلة في اليوم الثالث. ولا يعرف أحد عمن كان يتحدث الرئيس.

***

“حماية الثورة”: قل ما تشاء يا رفيق. أنا فعلاً نادم على مشاركتي في الحماقة الكبرى التي تسمونها الثورة، ولم أشعر مثل اليوم بضآلتي ولا جداوي أنا وكل ما يمكن أن أمثله. كل ما في الأمر أنني تصورت خطأ أنني أعيش في مجتمع يمكن أن يدافع عن مصالحه، أو يعني مجتمع له طليعة تعرف تلك المصالح أو ترى أبعد قليلاً من بشاعة القمع اللحظي وأخلاقية الشعار. قاطعت الانتخابات البرلمانية وقاطعت انتخابات الرئاسة، وحاولت على مدى سنتين أن أستفز المعنيين لأذكرهم إلى أين نحن ذاهبون… الآن أحس أننا قد وصلنا، ولم أعد متأكداً من أن مصر ليست سوريا، ولا أشعر أن عندي أي شيء أقدمه. ليسقط الإسلام السياسي وليسقط التدين الذي أنتجه؛ لتسقط أكذوبة القومية العربية ومزحة التحرر الوطني؛ لتسقط ترهات النهضة ودعارات المقاومة؛ ليسقط الفساد والاستبداد… ولكن ليسقط كل من ساهم ولو بنَفَس شارد في ركوب شعوب وأوطان بأسرها على هذه السفن الورقية ومن ثم وصولنا إلى هنا. نحن يا رفيق لا نستحق الحياة.

- ٢٢ نوفمبر ٢٠١٢ إثر صدور الإعلان الدستوري

***

ومع ذلك، ورغم ذلك: لدى التوافقيين والوسطيين وقطاع كبير من “الثوار” كما لدى الإسلاميين أنفسهم، يظل الإسلام السياسي مضطَهَداً حتى حين يكون في السلطة؛ يظل قومياً حين يعمل لصالح إسرائيل، وتوافقياً حين يستبد بالقرار، وديمقراطياً حين يكرس للشمولية؛ يظل “فصيلاً” ضمن الفصائل حين يحتكر لا القرار السياسي فحسب وإنما الدستور ذاته… كما يظل الممثل “الشرعي” للشعب حين يُقصي ثلاثة أرباع ذلك الشعب نوعاً إن لم يكن كماً ويغامر بالدولة بعد أن غامر بالمجتمع والثقافة الوطنية بكل معانيها المحتملة على مدى عقود.

هكذا يأتي ناشط نجم ممن بادروا إلى انتخاب مرسي، وهي الخطوة التي أدت مباشرة إلى ما نحن فيه؛ وبدلاً من الاعتذار عن قصر النظر والمساهمة في صعود الاستبداد الظلامي وتسهيل مهمة التخلف الممنهج أو إعلان موقف واضح من الديكتاتورية الدينية التي تمثلها الرئاسة، إذا به يشير إلى جذر الخلاف في الجمعية التأسيسية الموالية ورئيسها فيغرد قائلاً: “أنا مش نازل أسقط مرسي، أنا نازل أسقط الغرياني.”

لماذا إذن لا نقول إن الإسلام السياسي يحقق أهداف الثورة بالفعل ونحن نراه يستعملها وإيانا للانقلاب على ما بقي من المؤسساتية واستبدالها بشمولية عشائرية أبشع ألف مرة من “نظام مبارك” الذي ثرنا عليه؟ طالما لا تسعى “الثورة” لحساب نفسها باستبعاد أمثال ذلك الناشط من الأصوات المعبرة عن رواسب الوعي النضالي الأخرق ودعارات البطولية الاستعراضية بكل ما فيها من جهل وغباء ولامسئولية إجرامية، لعل ما يفعله مرسي كمسئول ملف الرئاسة في جماعة الإخوان المسلمين هو “ثورة مصر” بالفعل. ولعلنا جميعاً بمن فينا ذلك الناشط فلول.

***

وعن خ. ع. عن المكفهر ا.ح. عن الشيخ ع. أنه قال: ويومذاك نزل ع. ب. إلى ميدان النهضة فحشر أحدهم في دبره علماً للسعودية ملفوفاً كالبلجدق (قيل وما البلجدق، قال: الخازوق ذو الرأس المدببة) فإذا بـ ع. يجاهد في إخراج العلم من دبره ولا يفلح حتى أعياه الجهد فسقط منهكاً ولما يقم حتى ولد من دبره ضفدعاً كلما نق قال “مرسي اه”، وقيل “وامرساه”؛ قال الشيخ م. هادم الأصنام: وكانت من معجزات عصر الدولة الإسلامية. رواه ص. ح.

- ٤ ديسمبر ٢٠١٢

***

أمس في مصر الجديدة تأكد ما كنا نعرفه، أو انهار ما كانوا يكذبون به علينا – ومازالوا – من أن هناك مساحة تقاطع حقيقية بين الإسلام السياسي والديمقراطية أو الوطنية أو الحرية أو العدالة الاجتماعية أو أي قيمة أخرى نادت بها “ثورة يناير”؛ أو أن ما يتهددنا في هذا المنعطف التاريخي هو الشمولية العسكرية أو استمرارها. ولا أهمية الآن لتوجيه السؤال إلى الرفاق ممن صوّتوا لمرسي: ماذا كنتم تتوقعون؟

إنها أدوار ورثها أصحابها – وإن طوروها – من قوميي الانقلابات ودعاة مناهضة الاستعمار واليسار الذي بادر من ثم إلى موالاة “الشيوخ”… هنا القاهرة وهذا ما وصلنا إليه: ملتحون يقمعون الاحتجاج في حماية “الرئيس الثوري”، قاصمين ظهر أي منظومة مدنية محتملة، متاجرين ليس فقط بالعقيدة وإنما أيضاً بدماء مواطنيهم؛ مدن تعلن استقلالها عن حكم الإخوان؛ و”ثوار” لازالوا يدافعون عن انتخاب مرسي بوصفه “النار” التي فضلوها على “عار” شفيق حرصاً على “المصلحة الوطنية”! فهل كان شفيق ليجرؤ على إصدار إعلان دستوري مثل الذي أصدره مرسي ثم إرسال ميليشياته لقمع الاحتجاج عليه؟ أتمنى عليك أن تجيبني، أخي في الثورة.

ولو كان في البلاد مؤسسة عسكرية “وطنية” متماسكة، هل كانت لتسمح بتسليم الدولة لجماعة سرية إرهابية تمارس القمع المجتمعي والعنف السياسي ونشر التخلف بانتظام منذ عشرينيات القرن الفائت؟ ولو كان للإسلام السياسي أي صلة بالديمقراطية، هل كان ليخرج في “تظاهرات تأييد”؟ ثم ماذا نحن فاعلون؟ لا أهمية للإجابة عن هذه الأسئلة، أقول. الأهمية للاعتراف بأن الإسلاميين هم رعاع الأمة، ومنظريهم نخاسوها، وقادتهم أثرياء حربها من زعماء عصابات الملتحين… لنسم الأشياء بأسمائها معترفين بفشلنا الذريع مرة وإلى الأبد. ولنقل مثلما قال الرئيس مرسي في نهاية خطابه: والله من وراء القصد.

.

حازم صاغية: نحن وأميركا وتشومسكي

ناس في الشوارع: صور يوسف رخا

This slideshow requires JavaScript.

*

حازم صاغية في الحياة؛ السبت ٣ نوفمبر ٢٠١٢

منطقة الشرق الأوسط ولاّدة لخرافات سياسيّة تؤمّن لنا اكتفاء ذاتيّاً، بل فائضاً، منها. أمّا أن نستورد، فضلاً عمّا نملك، خرافات من الخارج، فهذا كثير جدّاً.

اللغويّ والمفكّر والناشط السياسيّ الأميركيّ نعّوم تشومسكي، الذي يستولي على لبّه العداء لأميركا، قال في القاهرة، قبل أيّام، إنّ بلاده تناهض الديموقراطيّة في العالم العربيّ لأنّ الديموقراطيّة تناقض مصالحها. وعبارة كهذه، شأن كلّ عبارة من طينتها، سرت في ربوعنا كما تسري النار في الهشيم.

في سبيل مزيد من الدقّة، كان يمكن القول إنّ الولايات المتّحدة، إبّان الحرب الباردة، تآمرت حقّاً على تجارب ديموقراطيّة في إيران (مصدّق) وغواتيمالا (أربنز) في سياق صراع بين نفوذها ونفوذها الاتّحاد السوفياتيّ. وهذا الأخير كان، بدوره، معادياً للديموقراطيّة من ألفها إلى يائها. ثمّ بعد الحرب الباردة، ارتكبت الولايات المتّحدة خطأ شنيعاً في موقفها من الانتخابات في غزّة، ففشلت في امتحان من الصعب جدّاً النجاح فيه، بسبب تشابك الديموقراطيّة مع مسألة السلام الذي تتعهّده واشنطن، خصوصاً في ظلّ عدم اعتراف «حماس» بإسرائيل.

لكنّ التعميم على طريقة تشومسكي أقصر الطرق إلى التجهيل.

فأوّلاً وأساساً، هل كانت الديموقراطيّة، في الفترة الممتدّة منذ نشأة الكيانات العربيّة الحديثة حتّى 2005، مطروحة على جدول أعمال الفكر السياسيّ العربيّ؟ هل ظهر تيّار واحد قويّ وشعبيّ في العالم العربيّ يعتبر الديموقراطيّة قضيّته بحيث يمتحن ويتحدّى الموقف الغربيّ، والأميركيّ تحديداً؟ هل كانت القوى المؤثّرة في المنطقة، من الناصريّة إلى الخمينيّة مروراً بالثورة الفلسطينيّة، قوى تسعى إلى الديموقراطيّة؟ وهل كانت بُنى وتراكيب الأحزاب في العالم العربيّ، باليساريّ منها واليمينيّ، ديموقراطيّة؟ وما دام الأمر يتعلّق بالمصالح، فما هي الدول الكبرى التي تتّفق مصالحها مع قيام الديموقراطيّة في العالم العربيّ؟

في هذه الأسئلة يكمن الموضوع الأهمّ، والنتيجة المتحصّلة هنا هزيلة جدّاً. هذا حتّى لا نذكّر بأنّ بعض القوى الأكثر جماهيريّة في التجارب السياسيّة العربيّة، والأكثر عداء للغرب، إنّما وصلت إلى الحكم عبر الانقلاب السياسيّ على أنظمة شبه ديموقراطيّة.

وقد لا يكون من المبالغة القول إنّ التجربة اللبنانيّة، على قصورها، باتت، بعد الانقلابات العسكريّة العربيّة، التجربة الوحيدة القريبة من الديموقراطيّة. وليس الغرب هو الذي اغتال تلك التجربة التي كان يؤخذ عليها «عمالتها» للغرب!

الموضوع المركزيّ هذا هو ما تطرحه بطريقتها الثورات العربيّة الراهنة حين تباشر استعادة السياسة إلى دواخل البلدان، بدل أدغال الجيوبوليتيك العابر للحدود، مؤسّسةً الفرصة الذاتيّة الأولى لاحتمال ديموقراطيّ. غير ذلك يبقي الموضوع تائهاً جوّالاً، لا وظيفة له سوى إعفاء النفس من مسؤوليّاتها وإحالتها إلى أميركا. وكم هو معبّر أنّ أبطال إعفاء النفس من مسؤوليّتها باتوا، بعد تلك الفرصة الجديدة، أكثر جهراً بالعداء للديموقراطيّة «إذا كان هذا ما تعنيه»! (وكان هؤلاء بعد سقوط الاتّحاد السوفياتيّ قد بدأوا يرطنون بالديموقراطيّة رفعاً للعتب).

وفي الحالات كافّة، لا ينمّ أصحاب النزعة تلك إلاّ عن نباهة سياسيّة رفيعة حين يكون خطابهم الموجّه إلى أميركا هو التالي: «نحن نريد أن نحاربك ونضرب مصالحك ونقاتل إسرائيل. فهل أنتِ يا أميركا مع الديموقراطيّة التي لا نريد أن نبنيها؟».

أغلب الظنّ أنّ شبّاننا وصبايانا باتوا أقلّ استعداداً لسماع تلك العظات البليدة والتعميمات الساذجة حتّى لو صدرت عن نعّوم تشومسكي.

حازم صاغية

************************************************************

ملاحظة موازية عن صفحة يوسف رخا في فيسبوك

البلهاء جعلونا نصدق أن “الحراك الشعبي” وحده يمكن أن يحقق تقدماً؛ وحصروا التقدم المطروح في أسئلة سياسية/اقتصادية محسومة مسبقاً في حين أن الأسئلة الاجتماعية/الثقافية هي وحدها التي كان يمكن أن تفرق معنا. السؤال الآن: هل يمكن إحداث أي تغيير حقيقي في بلد عربي دون تحويل ذلك البلد إلى ساحة صراع طائفي وفتح حنفيات الدم والنزوح بلا طائل؟ لا يختلف أحد على بشاعة مافيا عائلة الأسد، مثلاً؛ لكن الثورة السورية، والتي ظُن خطأ أنها يمكن أن تستبدل تلك المافيا بنظام حكم ديمقراطي تعددي يحترم حقوق الإنسان ويتطلع إلى الكفاية والعدالة، ماذا حققت إلى الآن وماذا يمكن أن تحقق – حتى لو نجحت – وقد تحولت إلى حرب أصولية على النفوذ الشيعي؟ وهل وفر على مصر وتونس الدم والدمار سوى أن حكومتيهما عميلتان لـ”قوى الاستعمار” وبالتالي قادرتان على تسليم السلطة لفريق جديد من العملاء بسرعة نسبية؟ متى ندرك أن هذه ليست دولاً وإنما مستعمرات، وأن المسئول عن كونها وبقائها كذلك هو – قبل أي طرف آخر – سكانها أنفسهم، حيث الكلام عن التحرر ليس إلا ذريعة لمصالح من شأنها أن تنفي احتمالاته تلقائياً؟

.

أنا اعتقادي إن اللي حصل في مصر وتونس له علاقة أساسا بإن ما فيش حاجة حصلت، هامش حريات النظام العالمي ووجود المؤسسات جوة النظام ده بشكل أو بآخر سمح بإنه يحصل شو ضخم ومقنع لدرجة إننا نصدقة، وكان الضامن لده – بما فيه ما يسمى بالقانون والمؤسسات وحيادية قواتنا المسلحة الباسلة وبما فيه كمان استعداد قطاعات عريضة جداً للتعريص الممنهج واستعجال كل الأطراف على إن الشو يخلص و”السلطة تتسلم” – هو إن العمالة للمنظومة الرأسمالية السايدة واضحة وبسيطة وبالتالي فيها مساحة لإن الناس تبقى بتمثل في المسرحية وهي مش واخدة بالها إنها مسرحية (ويمكن العمالة بالمعنى ده شيء إيجابي في ضوء إن لا فيه قابلية على الإنتاج ولا مشروع عالمي بديل إلا إرهاب بيقدم نفسه باعتباره صحوة إسلامية وأموال بترول بتنتج وتدعم الإرهاب زي المقاول السكير اللي بيعمل في عمارته زاوية صلاة عشان يكفر عن ذنوبه وهو عمره ما سأل نفسه بجد إذا كان أصلاً مصدق في الدين)، بينما عمالة سوريا هي لجهات بتناهض المنظومة الرأسمالية ولو اسماً مش فعلاً وبالتالي بترفض هامش الحريات السياسية المطروح من قبل ما يتوجد فتبص تلاقي الشو بيقلب بجد. ما أظنش الطائفية ممكن تعمل منطق أسباب ونتائج أبداً في حد ذاتها، وبعدين ما فيش طوائف في ليبيا مثلا بس شوف اللي حصل في ليبيا. الطائفية مجرد لغة لتبرير العدمية في مجتمعات فشلت في خلق ثقافة معاصرة تخلي للحياة حد أدنى من المعنى عند عدد كافي من الناس، وطائفية النظم مش أكتر من انعكاس لده

Mini exhibition: Hipstamatic Cairo + لم أفهم عمري: تحديثات الحالة

… وإذا كنا نريد أن “نتحاور” أو “نشتبك مع الواقع” – وإذا كنا نريد أن نفعل بأهداف “وطنية بناءة” أو على الأقل خالية من الأغراض الدنيئة (والمعنوي من تلك الأغراض أهم من المادي دائماً، ولا مناص من تذكر أن أوّل علامات الدناءة المعنوية هذه هو تعمّد سوء الفهم بهدف السطوع كغريم)… بالله على دين أمك يعني، إذا كان هذا ما نريده فما الذي يمكننا الاشتباك معه أو الحوار حوله أصلاً؟ ابن الرئيس يعيّر معارضيه بمقاطعة الانتخابات (على اعتبار أن في ذلك تأييداً أوتوماتيكياً لمنافس أبيه حامي الثورة بوصف ذلك المنافس عدو الثورة… وهو ما يعلم هو قدر ما أعلم أنا وتعلم أنت أنه دعارة برخصة)، والمطبوعة الثقافية-الأدبية الوحيدة في بلد عدد كتابه أكبر من عدد قرائه تدعّي على كارل ماركس حب النبي محمد كرد فعل على واقعة أخرى أهم ما فيها أنها تثبت – ومن جديد – تخلف وتزمت المسلمين في العالم كله؛ ثلاثة أرباع خطاب “المعارضة” عبارة عن تفكه على ما يقوله المسئولون في الخطب الرسمية بلا أي نظر إلى كيفية أو جدوى استبدال هؤلاء المسئولين أو حتى تغير ما يقولونه. وخمس مرات في اليوم، كل يوم، نخترع العجلة… فنكتشف – وكأننا لم نعرف من قبل – أن الإخوان لا يمثلون الثورة ولا الديمقراطية وأنهم بصدد أخونة الدولة، أن السلفيين رعاع متخلفون يجب وضعهم في مصحات عقلية خاصة، أن “الجمهورية الثانية” نسخة أكثر ريفية وغباء من الجمهورية الأولى (ولا ننكر غباء وريفية الجمهورية الأولى)، وأن الوضع الإقليمي (الربيع العربي) عبارة عن حرب طائفية بين المسلمين بعضهم وبعض قبل أن تكون بين المسلمين وغيرهم. أسأل بجد: ماذا يمكن أن يقال؟ ولمن يقال؟ وبأي غرض “بناء” محتمل …

… وحيث كان العمى الثورجي قد بلغ ببعضهم حد ادعاء إن اغتيال السادات “فعل وطني” (وكأن العمل الجهادي الأممي تعبير مفهوم عن الوطنية، وكأن الوطنية أصلاً قيمة مرغوب فيها في السياق)؛ وحيث يبلغ العمى الاشتراكي ببعضهم في الدفاع عن التأسلم (رغم أنه اختيار رجعي-في مقابل تقدمي، ومسار رأسمالي-في مقابل اشتراكي) حد إقحام دوافع النضال التحرري المناهض للاستعمار على مظاهرات السفارة الأمريكية؛ لا شك أن العمى القومجي سيدفعهم أيضاً إلى تبني الطائفية السنية الصريحة في مقابل “الخطر الشيعي” الذي سيجدون لـ”تمدده” – وبقدرة قادر، كما حدث بالفعل في العراق ثم سوريا – غطاء “صهيونياً” (وبغض النظر عن أن النظام الإسلامي الشيعي قد يكون أوسخ حتى من النظام الوهابي)، فيتحولون من تلقاء أنفسهم إلى نشطاء ومنظرين لما يسمى بالقاعدة …

أؤيد عمر محمد مرسي في تصريحه الأخير تأييداً مطلقاً (وإن اختلف مقصدي من العبارة نفسها): “ثورة مين يا أبو ثورة؟” بل وأسمح لنفسي بالمزايدة عليه فأقول: “ثورة يا بن دين الكلب يا خول؟ إنت جاي دلوقتي بكس أمك تقول لي ثورة؟”

… لم أفهم عمري من يأخذون عليك بذاءتك في أوضاع أكثر بذاءة بما لا يقاس، وبالذات منهم (منهن) من يحملونك مسئولية الإرث الثقافي الذكوري لشتائم بعينها وكأنك بمجرد استخدامها – وبغض النظر عن ما تقصده في الواقع – تؤيد ذلك الإرث …

… ومن مجمل ما يُحزن حقيقة – أقصد ما يثير شعوراً شخصياً ليس مقصوداً بالحزن – أن يخذلك حلفاؤك المفترضون ليس في آراء سياسية (ستعكس الخيبة الثقيلة شئنا أم أبينا) ولكن في انحيازات واختيارات ثقافية بالمعنى الواسع – ضد “العلمانية المتطرفة”، على سبيل المثال – وفي الاستهبال على الواقع والتاريخ بتصميم بغل مجهد …

***

Ⓒ Youssef Rakha

تعقيباً على “صورة مسيئة” لعبد الناصر على فيسبوك

wpid-7981114_cp_photo-2012-07-25-00-48.jpg

الدرس المستفاد:

بالتدريج وعبر قراءة تعليقات الأصدقاء، يتضح أن هناك فكرتين منفردتين في الدفاع عن نظام يوليو متمثلاً في عبد الناصر فضلاً عن الفكرة الآنية الخاصة بتمايز ذلك النظام عن الإخوان المسلمين وبالتالي اعتبار نقضه يصب في مصلحتهم (مع أنه يبدو لي أن إخفاقات نظام يوليو وشموليته وأنظمة تشبهه كالبعث بشقيه والقذافي في ليبيا هي التي أدت إلى سواد الإسلام السياسي).

الفكرة الأولى تدور حول قوة مفترضة (الكرامة، الريادة، القيادة) مدعومة بالإنجاز في المجال العام؛ وهو ما قد يتحدث عنه الستالينيون في البكاء على الاتحاد السوفييتي وما اتضح في الحالتين أن أكثره دعائي ومسرحي أو أن فوائده كانت حكراً على الطبقة الحاكمة ولا علاقة لها بمصلحة (حقوق وحريات) المواطن.

هذه الفكرة يمكنني احترامها مع أنها لا تهمني على الإطلاق.

أما الفكرة الثانية التي تهمني – والتي يتم التعبير عنها بطرق شتى بداية من مطالبة كاره عبد الناصر بالموضوعية والاعدال أو الكلام عن حب جموع الناس (الشعب) لشخص عبد الناصر، وليس انتهاء بتوجيه تهمة الجهل أو العمى “التاريخي” لمن يحيّد ذلك الحب أو ينكر جدوى الإنجازات ونتائجها – فهي باختصار أن هناك رمزاً ممثلاً لمنظومة قيمية يعتبر القدح فيه بمثابة القدح في تلك المنظومة على طريقة “رسوم الكاريكاتير المسيئة لرسولنا”. وفضلاً عن أن عبد الناصر لم يمثل في الحقيقة المبادئ المفترض أنه يمثلها وفضلاً عن أن بعض هذه المبادئ تستحق القدح، فإن هذا يبدو لي متطابقاً مع توجهات الإسلام السياسي.

هذه الفكرة لا أحترمها على الإطلاق.

وفي مذكرة الدفاع:

أي تقييم موضوعي بيقول إنه كان حيوان ومجنون سلطة وإن استبداده وغباءه سبب رئيسي للي إحنا فيه… وكل وجع القلب ده راجع لإن فيه ناس كانوا (أو لسه) بيعبدوه باعتباره رمز لأفكار أثبتت لا جدواها. أنا واحد م الناس ما عادش عندي أي تسامح مع النوع ده من التزييف وكراهية الذات

ما فيش أبيض وأسود، فيه طرف بيحتقر عبد الناصر مش كشخص لكن كرمز أو توجه أو قيمة. ده اللي أقرب للي بيعمله السلفي ولا حالة القداسة اللي ما بتسمحش باحتقار عبد الناصر؟ وهل ردود الأفعال الحادة دي نابعة من إحساس “ديمقراطي” ولا من إحساس مسلمين كتير أيام “الرسوم المسيئة” بتاعت الدانمارك؟ الناس مش قادرة تقبل “إهانة” لـ”زعيم” وإحنا بنتكلم في المدنية ومواجهة الحق الإلهي… وكإن ده ما كانش نفس خطاب تأييد صدام والقذافي وحتى حافظ الأسد، والباشمهندس بيقول لك ادعاء الحقيقة المطلقة… وهي ثقافة الصياعة دي مين اللي أسسلها؟ مين اللي خلى القانون شكله كده؟ الناس محتاجة تصلي لأمراضها، واللي يقول لهم يا جماعة دي أمراض يبقى كافر عادي. أو لو مش عايز يقول لك كافر يقول لك أصل إنت زي التانيين. خالتي نخبوية بتسلم عليك وبتقول لك الله يرحمك يا عبناصر

ممكن يكون الموضوع ده وازع شخصي عندي لوحدي، أنا فعلاً مش عارف. طبعا ما فيش شك إن يوليو كان نتيجة وضع سابق عليه. اللي فعلاً مش شايفه هو إيه وجه التفاهة في الارتداد عن مرحلة وسخة أو إزاي نقضها معناه إنك بتنكر أسباب حصولها – يعني هو التجاوز ازاي هيحصل من غير “إدانة”؟ – بالذات وإن المرحلة دي في حد ذاتها كمان كان ليها نتايج حاضرة في الوعي أكتر من غيرها. تكسير الأصنام ممكن يكون صورة تانية أو صنم بديل (يعني أكيد بيتضمن خطر التحول إلى ده) بس هو جانب جوهري من جوانب تطور الإنسان وثقافته وعلى قد ما أنا شايف جانب بقاله قرون مش بيحصل بقدر كافي أبداً عندنا…

ملاحظة هامة

من السمات الأصيلة لما يسمى بالديمقراطية حدة الآراء والحرية في التعبير عنها. من يعتقد أن الديمقراطية تعني التوافق أو التأدب فهو حبيس الشمولية. لا أقول إنني أتولى الأمر أو أبتدعه، لكن خطابات هذا المجتمع بحاجة إلى “تطرف” في بعض الاتجاهات ولن تؤدي بنا “الموضوعية” و”الاعتدال” و”الوسطية” إلا إلى مزيد مما نحن فيه. الذين يرفضون الإسلام السياسي بحدة (وأنا أولهم) الأحرى بهم أن يتخلصوا من مطلقاتهم هم، والذين لا يرون ارتباطاً بين الزعامة والفحولة والمثاليات الوطنية وبين انهيار المواطن وغياب الحقوق والحريات هم سبب رئيسي في الغياب والانهيار

ومن ترانيم المؤمنين

ثمانية عشر

١٨

مرة أخرى أنوي الكتابة قبل الحدث فيأتي الحدث قبل الكتابة. لقد ابتعدتُ عنوة عن مواقع الكرامة والإثم، عن الاعتصام والمسيرة وعن أماكن التظاهر، حيث القمع الرسمي وأدواته غير الرسمية سواء أمِن المشتغلين في إمرة الضباط لقاء أجر أو المتطوعين تعلقاً بفكرة عن الوطن (كأكثر الأفكار العربية المعاصرة بما في ذلك “الإسلامي” منها) قادرة على إلغاء المواطن. ابتعدتُ عنوة عن دم القتيل الذي يُسمّى شهيداً، وعن الأسفلت الذي يصبغه هذا الدم. بنزق تنكّرتُ لبهجتي الأولي ونحيّتُ الأحداث لأبقيها حيث يجب أن تكون: في خلفية الغرفة التي نسميها حياتنا. كففتُ عن انتظار الأفضل بنفاد صبر ورغبة حارقة في أن أتغير – أنا – أو أفهم، على الأقل أن أفهم. لو كان العالم حقاً تغير كما اقتنعنا أو أقنعنا تطابق خيالنا لحظياً – وفجأة – مع وقائع لم نصدق من قبل أن حدوثها ممكن، فالمعنى الوحيد الوارد لتغير العالم هو أن أحس نفسي شخصاً جديداً. وبهذا المعنى – رغم تهمة التشاؤم التي لا يفتأ الرفاق يوجهونها إلي، رغم كل المصائب التي عايشتها في محيطها أو عبر وسائل الاتصال، ورغم أن رموز الثورة من “النشطاء” أنفسهم لا يبدو أنهم خرجوا من التجربة بنظرة مختلفة إلى الحياة – أظن الثورة نجحت في تغيير العالم.

wpid-img_2507-2012-05-2-09-33.jpg

© Youssef Rakha

أما الدليل إذا ذكرتُ الفهم صارت الصورة أوضح بالفعل، وصرت على استعداد أكبر لأن أصفها بأمانة… إنني، باستثناءات كأنها لم تحدث، لي عام أو أكثر لا “أنزل” مع “النازلين”؛ الأمر الذي لا يعبّر عن اليأس بقدر ما يضمر عزوفاً مقصوداً (حتى وإن كان في بداياته لاواعياً) عن الثورة كلحظة مصمتة، معزولة في قداستها، معادية للحياة؛ في مقابل الإقبال على الثورة كسبيل لممارسة أقل تأزماً للحياة نفسها بكل تفاهتها اليومية. إنه عزوف يحدوه السعي إلى اختبار ذلك الذي سميناه الثورة على مداه، بلا تدخل شخصي في مجرياته بعد لحظة خرق التوقعات التي أدت إلى سقوط مبارك – النجاح الأول و(إلى الآن) الأخير – يوم غرق ميدان التحرير في دموع الفرحة بينما كان كفار الثورة المعادون لنا طوال ثمانية عشر يوماً يخرجون صاخبين في أول إعلان رسمي عن إيمانهم، محتفين بما حققناه نحن آباء المؤمنين… بعبارة أخرى، أنا واحد من الناس لي عام أتفرج.

لكن على نقيض ما يعتقده أكثر الثوار بناء على كلامهم، أظن فرجتي هذه أهم من مواصلة النشاط الاحتجاجي في حد ذاتها؛ فبينما ذلك النشاط هو تكرار جماعي وقسري لشكل الثورة من أجل تأكيد استمرارها – ذلك الاستمرار الذي صَمّت آذاننا الدعوة إليه دون أن يتوقف الداعون لحظة ليسألونا أو أنفسهم عن معناه – الفرجة هي سؤال فردي وحر عن مضمون الثورة. لأن في الفرجة وحدها (وبكل نزقها ولا أخلاقيتها) احتمال النظر إلى الثورة وقد تجاوزت لحظة الخرق الأولى أو الموت: فورة التوهج والتوحد والذوبان التي نَحنّ إليها جميعاً. فهل انتبه الثوار أم ليس بعد إلى أن الوقت قد حان ليتحول خوفهم على الثورة من أن يسرقها “فلول” باتوا يشبهونهم حد التطابق إلى خوف على البلد من فقدان آخر الرتوش الخابية التي مكّنته، طوال ثلاثين أو ستين عاماً، من تمثيل دور دولة؟ هل لازالوا يظنون الخوف على البلد – كما ظنوه وأنا معهم قبل ثمانية عشر شهراً – هو الخيال العاجز لأمة مفطورة على تحجر الأشكال وتحلل المضامين؟

***

أم أنهم – هم: الثوار، وقد برزت إلى السطح حدود مثاليتهم ونوازع “الاسترجال” والاستبداد والانتقام (الذكورية والأحادية والعين بالعين) في منظومتهم القيمية… ثم افتقارهم هم إلى أي خيال يتجاوز الاعتصام والمسيرة وأماكن التظاهر – أم أن الثوار يتحولون إلى أوعية حجرية جديدة لا تحمل سوى شعارات ممجوجة ومعزولة عن واقع الناس سيكون على أجيال أخرى، وأخرى خوض معارك “ثقافية” لا نهاية لها لمحو أثرها عن العقول والممارسات؟ فلا شك أن انتصار الثورة كان هو الآخر شكلياً. بكل ما فيه من موت أو استشهاد لم يكن انتصارنا في الثورة – على الصعيد السياسي أو الاجتماعي – سوى حجة سفيهة لتمكين “التيار الإسلامي”.

لماذا؟

(هذا هو المهم.)

لأن ثورتنا كما صنعناها أو كما كنا نفهمها لم تعبر عن قيم ولا إمكانات ولا حتى رغبات أي شيء يمكننا أن نسميه شعبنا أو وطننا، فيما أثبتته ثمانية عشر شهراً الآن…

وبالفعل، كما أصبح خطاب الثوار متمحوراً كله حول الموت في الشوارع من أجل الحق والشعب والوطن في وقت خاصمهم فيه القطاع الغالب من الناس بحدة غير مسبوقة، موالياً الطائفية الدينية في أقذر تجلياتها وباحثاً عن الثبات واليقين – الحق – في كذب وقوة العصابة المسلحة (الطغمة العسكرية) نفسها التي تقمعهم وتسمح عبر الصفقات “السياسية” المعتادة بحضور تلك الطائفية على مسرح الأحداث، العصابة المسلحة التي لم يبق من أمارات “مؤسسية الدولة” سواها… أصبحت الثورة – مثل “النظام” من قبلها – شكلاً متحجراً ينطوي على مضمون سائل كالكحول الآخذة في التبخر.

وكان من شأن ذلك أن يضمحل “الواقع الثوري” ويُختزل في نشاط احتجاجي ما أجمل أن ينتهي بالموت ذبحاً كخرفان الضحية على يد “مدنيين” يحملون السيوف على قارعة الطريق. سنصور هؤلاء “الخونة” في خلسة من رصاص “جيشنا الباسل” لننشر صورهم على الإنترنت، بالطبع، ونطالب “شرفاء هذا الوطن” بملاحقتهم… ليثبت لنا الشرفاء مرة بعد مرة أنهم إما راضون عن ما فعلوا أو غير معنيين بما يكفي ليغامروا بحياتهم في غياب مجريات العدالة المؤسسية؛ وهل بيننا حقاً من يلومهم؟

كان الواقع الثورى ينعزل عن واقع “الفترة الانتقالية” أو “التحول الديمقراطي” السائد كذلك عن طريق الذوبان في ذلك الأخير. وكأن الثورة التي هي ثورة ليست سوى أحد الآراء “الوطنية” المطروحة التي لا “تختلف على الثوابت” ولا يُقبِل عليها الشعب – للأسف – نتيجة وعيه السياسي القاصر أو نتيجة أنه متدين وهناك من يتاجرون بالدين. أما الحقيقة البسيطة فهي أن الشعب لم يعش أي ثورة: لم تحدث للشعب ثورة، دعك من أن “يعملها” بيديه. ومع ذلك فنحن كثوار ورغم توجهاتنا الشعبوية ورغم الفاشستية السفيهة التي تستتبعها هذه التوجهات بل ورغم مثاليتنا الغبية… نحن “سياسيون” نؤمن بالديمقراطية، أليس كذلك؟

ومن ثم فالثورة لا تقاطع الانتخابات البرلمانية المقامة تحت الحكم العسكري بالتزامن مع تصفية الثوار في شارع محمد محمود، ولا يُطرح حق الدفاع (المسلح) عن النفس كوسيلة لـ”استكمالها” إلا بوصفه كسراً مذموماً لـ”سلمية” تُعد (إذا ما وُضعت حتمية الممارسات القمعية التي يباركها القطاع الغالب في الاعتبار) تصريحاً لـ”رجالة” و”جدعان” الثورة بالانتحار الممنهج؛ وبلا أي مردود لموتهم وفجيعة أهاليهم سوى المزيد من “الانتقال” والتأسلم، أو بضعة جنيهات يصرفها “المشير” تعويضاً مثل رب يمن على رعاياه… حتى حين لا يكون الدافع على الاعتصام إلا نقض القانون الذي قبلته الأغلبية الساحقة من أجل مرشح سياسي محتمل يرى فيه قطاع من الناس ليس فقط الزعيم (الطاغية) وإنما المسيح المخلص… وحتى حين يكون هذا الشخص السمين الجاهل، كما ثبت، كذاباً وجباناً. الآن صار الثوار يمثل بحثثهم في الشوارع من أجل حازم أبو إسماعيل.

***

إن ما حدث في محيط وزارة الدفاع اليوم (٢ مايو) إنما يبلور المسافة التي طالما حدستُ بوجودها بين واقع اعتصام الثمانية عشر يوماً في التحرير وواقع الحياة المحيطة به. كان الخطأ الأكبر أننا نسينا، خلال أيام الاعتصام؛ نسينا الدنيا التي نعرفها ومضينا في نسياننا حتى تصورنا أن الدنيا الجديدة التي خلقناها في “الميدان” (وبالفعل ما كان لنا أن نخلقها على الأرجح – للمفارقة – بغير حماية الجيش) إنما هي دنيا سيمكننا تعميمها وتقنينها خلال شهور أو سنين من تحقق “مطلبنا”. وفي بلد سبق أعضاء طبقتها العاملة ضباط الجيش إلى التبول على المعتصمين من فوق الكباري جراء استيائهم من تعطل “الحياة” – في بلد كان يُكلّف المجند فيها بالعمل خادماً لضابط الشرطة قبل أن يُكلّف بالتنكر لنحر المواطنين – ظننا أن اعتصام التحرير يمثل الشعب المصري أو أننا كـ”طليعة” قادرة على الفعل والتضحية سننشر الوعي الجديد بطرح نموذج جذاب ومتحضر وسلمي لقلب نظام الحكم، أو إسقاطه.

هناك واقع أقوى من واقع الثورة (كما كان هناك دائماً)، وهو واقع تحركه اللاعقلانية ولا خلاف فيه على منظومة الأخلاق المحافظة نفسها القائمة على الأحادية والطاعة والثبات؛ والتي جعلت خرتيتاً مثل مبارك هو “الأب الشرعي” لأكثر من ثمانين مليون معظمهم يعيشون خارج التاريخ. إنه الواقع القادر على نقض القوانين فعلياً بالتعامل كما لو لم تكن موجودة، وتوفير جنود غير نظاميين يقتلون الناس مقابل وجبة أو سيجارة فضلاً عن الجنود النظاميين الذين يقتلونهم لأنهم “ينفذون الأوامر” ولا يفهمون أصلاً معنى الاحتجاج. وفي هذا المعنى لا أظن هناك جدوى كبيرة للتفريق ما بين جنود النظام وبلطجيته و”الأهالي” الموالين له خوفاً أو جهلاً أو لأي سبب آخر: كلهم قادرون على التحول إلى ميليشيات سيجابهها المحتجون بميليشيات مثلها إذا ما استمروا في التصميم على الاحتجاج بلا هدف؛ وساعتها لن يبقى من الثورة حتى ذكراها… فهل تستفيد الثورة من أحداث العباسية؟

لقد راحت صدمة وطزاجة الفعل ولم يبق إلا ردود الفعل والانفعالات التي باتت جاهزة مثل تعبير وجه ممثل يؤدي المشهد نفسه على خشبة المسرح نفسها لليلة الألف. قد يكون الممثل بارعاً فينقل التعبير على نحو مقنع، إلا أنه يعلم كما يعلم المشاهد أن المسرحية مثلت من قبل بحذافيرها؛ وأنهما يحتاجان إلى مسرحية جديدة بخيال مغاير إذا ما أرادا أن يعيشا أو يواجها حقيقة الحياة.

شارع ابن الفارض – طنطا، ٢-٣ مايو

………………………………………

هكذا تكلم ابن الرقاصة

هكذا تكلم ابن الرقاصة (أو أموات منطقة الجزاء): ٢ فبراير ٢٠١٢

“نهاية العام: عام النهايات…” – سركون بولص

أن لا تكون من مشجعي كرة القدم في مصر كأن تكون ولد سفاح تقريباً. لقد حان وقت الاعتراف بأنني، كشخص لا يرى في كرة القدم سوى حجة باهظة للسَفَه الممنهج، ابن غير شرعي في هذا العالم. لكنني كما اتضح ابن غير شرعي ليس فقط لمجتمع واسع يستلزم الولاء الفطري لملاحم “المستطيل الأخضر” ومآثر “الساحرة المستديرة” دون أن يقبل الإنجاب بلا زواج، وإنما أيضاً لمجتمع ضيق تقيمه مسيرات واعتصامات واشتباكات لم أعد أشارك فيها وإن لم أفقد حماسي لها إجمالاً (فقدت حماسي بدرجات تتفاوت حدتها للاحتفالي منها بالذات، لـ”الملوينية” والعَلَم والمنصة ولـ”الميدان” المخترق بلا دماء، وهو ما قد يساء فهمه في السياق الثوري)؛ أي أنني – فيما يخص “الثورة” – بت أُجلّ تضحيات لست على استعداد شخصي لتقديمها، ليس لأن لها جدوى ولكن لأنها تضحيات.

وكما علّمتني جماعات “الألتراس” من أبناء “المجتمع الكروي” الشرعيين حد الحراك المنظم أن لذلك السفه الممنهج فائدة رغم كل شيء – أن تشجيع كرة القدم في بلد مسكون بالدونية والرعب إلى هذا الحد ربما كان المساحة الوحيدة الممكنة لاسترداد الفضاء العام بثورية براجماتية في مقابل الثورية المثالية التي تنتهي بصاحبها إلى ما يشبه الانتحار – علمني انطوائي وعزوفي عن الجموع والعنف غير المتكافئ أن مواصلة النشاط الاحتجاجي، داخل حدود “المجتمع الثوري” – الوحيد الذي يمكنني احترامه وسط مصر “كالايدوسكوبية” متعددة المجتمعات – أصبحتْ مثل تشجيع كرة القدم تماماً: شرطاً أصيلاً لشرعية وجودك أو حقك في الكلام؛ وحبذا لو استُشهدتَ أو فقدتَ بصرك لتؤطر بموتك أو عماك بشاعة الفريق المنافس، أو تبرر “الثورة” بلا حاجة إلى كلام.

.

تستثيرني في هذا السياق أسئلة صعبة ليس أولها احتقار الذات ولا آخرها احترام الحياة. الثورية نفسها تستثيرني، الثورية التي لا تنظر إلى نفسها بما يتيح رؤية عبثيتها، أو تُبطِن – مثل أدب “ألبير كامو” – كفراً بمعنى الحياة بل وجدوى تغييرها، التي لا تملك من الخيال أو الشجاعة ما يجعلها تتحول عن مسار أحادي ضيق مكرسة لنقيضها في الوقت ذاته. يستثيرني، مثلاً:

  • •أن القضية المطروحة حيال احتجاجات وزارة الداخلية التي اندلعت في أعقاب مجزرة تعرض لها “ألتراس أهلاوي” في ستاد بورسعيد هو ما إذا كان الألتراس أم غيرهم من يصرون على كسر “سلمية” الاحتجاجات بالاعتداء على المنشآت العامة (وكأن مباني “الدولة” أهم من أرواح المواطنين أو في صراع أونطولوجي معها، وكأننا لا نعرف أن فصائل من الداخلية والقوات المسلحة دبرت الاعتداء على المنشآت العامة من قبل لتوريط المتظاهرين)، أن دعاة “الاستقرار” من “مجتمع الكنبة” مازالوا يناصرون جهات كوزارة الداخلية لم يبق سوى أن تعلن عن أنها تعمل على إثارة “الفوضى”؛
  • •أن نساء يُعرَّض بهن بشكل ممنهج في “المجتمع الإسلامي” الذي بات مطابقاً لـ”المجتمع الديمقراطي” عملياً مازالن يحتضنّ الرصاص بحماس صادق بينما لا يخطر لهن خلع حجاب يلبسنه مكرهات منذ “العصر البائد”، وأن من صوتوا لمَوالي المجلس العسكري من الإخوان المسلمين وحزب النور على جثث ضحايا لم يرفع الموالي سبابة لنجدتهم هم أنفسهم من يهتفون بسقوط العسكر؛
  • •أن فترات مرت كان الألتراس وحدهم من يضطلعون خلالها بمواجهة الأمن المركزي والشرطة العسكرية إثر الاستفتاء الأول على تعديل الدستور، والذي أدى مبكراً جداً إلى احتكار عسكري للقرار مقابل صعود برلمان إسلامي لا أراهن على اختلافه عن برلمان الحزب الوطني؛ وكان ناشطون نجوم أمثال علاء عبد الفتاح قد صوتوا بنعم لصالح المجلس العسكري والإخوان في ذلك الاستفتاء…

أو أن أحداً، في المهاترات “السياسية” الدائرة، لا يأتي على ذكر “الدولة العميقة” التي لا أظن “إسقاطها” ممكناً قبل إسقاط الرأسمالية العالمية برمتها؛ وفيما تقتصر “المطالب” على استبدال أو إعدام أشخاص بعينهم – عن نفسي، لن أكون من أنصار عقوبة الإعدام أبداً؛ وأظنني سأفضّل حتى نظام مبارك سواء أعلى “المحاكم الثورية” التي يطالب بها بعض “الثوار” أو على “شرع الله” كما يستبصره السلفيون – تتحول التضحيات إلى وقود “دوري” يتنافس على سلطة هي ربما أكثر سفاهة بالنسبة إلي من مباريات الدوري الممتاز الذي تقرر إلغاؤه.

.

قال لي سائق التاكسي إنه يتمنى أن تصبح البلد “إسلامية” مستشهداً بتركيا كنموذج يجب احتذاءه، وأضاف: “عشان ولاد الرقاصة دول يتلمّوا!” كان يشير بذقنه الحليقة إلى امرأة شابة تعبر الطريق وفي عينيه شهوة يكرهها. لم تكن المرأة التي أشار إليها محتشمة فحسب ولكنها كانت أيضاً محجبة. نظر إلي ينتظر أن أثني على ما قاله، وحين وجدني أنفخ بتذمر مشيحاً بوجهي عنه إلى الشباك، تنهد ليس بخيبة أمل ولكن بخليط أعرفه جيداً من التحدي والتلون. “ولا إنت إيه رأيك على كده؟”

نظرتُ إلى سائق التاكسي في عينيه تماماً: “أصل أنا ابن رقاصة زيهم، فمش عارف بصراحة أقول لك إيه!” وتذكرتُ رجال منطقة بيوغلو في اسطنبول حين يطلعون على العالم في هيئة وثياب النساء؛ تذكرت قبلات الأحبة هناك في الحدائق المتاخمة للبوسفور، وروعة التحرر من عيون مثل عينيه. “بس عارف” – أضفت فجأة – “ما فيش أي مانع نبقى زي تركيا…”

.

أول ما خطر ببالي إثر وصول أخبار استاد بورسعيد في ذكرى “موقعة الجمل”: صبرا وشاتيلا. بدا لي أن علاقة الأمن بالبلطجية الذين اندسوا وسط مشجعي نادي المصري لعبور الملعب إلى ألتراس أهلاوي والإجهاز عليهم هي ذاتها علاقة إسرائيل بالقوات اللبنانية: التحكم في الإضاءة وفتح وإغلاق المعابر. كنت أفكر أن وجود إسرائيل لا يغفر للقوات إجرامهم وأن شيئاً عندنا لن يتقدم طالما توجد هذه الميليشيات الخفية متعددة الولاء.

والآن والجدل دائر حول “اقتحام وزارة الداخلية”، والأخبار تتوالى عن معارك على بوابات الأقسام بامتداد البلاد – بصراحة شديدة – أحس بالملل. أحس الكلام ممجوجاً والمواقف متوقعة بحذافيرها والنوازع، حتى النوازع معدومة الخيال. أشياء لا يملك الواحد حيالها إلا الغضب للمرة الألف، أو ربما زحزحة “الأحداث” إلى منطقة غائمة: إغلاق “الدُرج” عليها في مكتب العقل.

هل حقاً علينا أن نسأل من جديد إذا ما كانت الداخلية المصرية في حاجة إلى “إعادة هيكلة”؟ هل على المتظاهرين مرة أخرى أن ينفوا شبهة شيء قد يكون سبباً للافتخار؟

.

ومع ذلك، للمواجهات التي باتت روتينية في محيط وزارة الداخلية نتائج إيجابية رغم كل شيء، نتائج لا أظنها أغلى من حياة من ماتوا ولكنها تصب في الاتجاه الإصلاحي الذي انبثقت عنه الثورة – وهو إصلاح، فيما ثبت لغاية الآن أن المعارضات على تنوعها ليست أقدر عليه من نظام لازال يحارب من أجل البقاء، لا يمكن أن نتوقعه من ثورة يناقضها بتعريفه، ثورة استخدمتها الدولة العميقة لاستبدال ديكتاتورية مبارك بديكتاتورية عسكرية مباشرة مع تهديد مضمر بثيوقراطية إسلامية تتحقق من خلال صناديق الاقتراع، إضافة إلى التلويح العلني باحتمال سواد نظام تسيير ميليشياوي:

  • •تحول الشعار الرئيس من “الشعب يريد إسقاط النظام” إلى “يسقط يسقط حكم العسكر”، وهو اعتراف “شعبي” تأخر أكثر مما ينبغي بوجوب سقوط منظومة يوليو كاملة لحظة “تخلي” مبارك عن سلطته للمجلس العسكري؛
  • •كشف الإسلاميون ليس فقط عن نيتهم في استغلال الثورة حسب الحاجة وإنما أيضاً عن استعدادهم لقمعها بالوسائل ذاتها التي استخدمتها “الجهات السيادية”، وقد تولوا مسئولية تعذيب “البلطجية” في ميدان التحرير ثم الاعتداء “الميليشياوي” على مسيرة إلى مجلس الشعب كما اتهموا مفجري الثورة وضحاياها بالعمالة لجهات أجنبية بعد أن كانوا أول من بادر بتسوية أوضاعه في واشنطن؛
  • •أثبتت السنة الماضية أن الثورة الأولى كانت بمثابة نزع السدادة عن القمقم وأن المارد بحلوه ومره قد خرج إلى العالم الواسع ولا سبيل إلى حبسه من جديد أو، بعبارة أخرى، ثبت أن الدولة العميقة مهما استحال إسقاطها أضحت مجبرة على التكيف مع الحقوق المكتسبة وأن أسلوبها المتبع إلى الآن في التعامل مع العصيان من شأنه أن يعرضها للمزيد منه.

الثورية تستثيرني إذن على نحو إيجابي كما تستثيرني على نحو سلبي، لكنها تستثيرني أكثر بصفتها الجوهرية لكونها طقس تضحية ضروري، ولأنها – بالتحديد – ثورية بجد؛ بمعنى أنها لا تنظر إلى الممكن ولا تسمح بالتوافق أو تكتفي بالإصلاح. من هذه الزاوية أراني جزء خفياً مما يحدث، من هذه الزاوية فقط.

.

نحن أموات منطقة الجزاء “كنبة” أكنا أو “بتوع تحرير”، ألتراس أو لا، أبناء شرعيين أو أولاد سفاح. إن لم نمت في ليل ٢ فبراير في بورسعيد فسنموت يوم ٣ فبراير في السويس أو مساء ٤ فبراير في شارع منصور وربما بعد شهر أو سنة على سلالم المترو؛ وحتى إن لم نمت على الإطلاق، فستطاردنا أشباح من ماتوا بما هو أبشع من رصاص القتلة مهما انتفى وعينا بذلك؛ لا فرق في هذا الصدد بين من يُقبل منا على النشاط الاحتجاجي ومن لا يفعل لأسباب لعلني أوضحت بعضها.

عن نفسي – وأظنه إيجابياً أن يكون بيننا مثلي كذلك – لست “ثورجياً” حقيقياً أو لم أعد، لكنني لست من “الفلول” ولا من “حزب الكنبة” ولا أنظّر – هنا – إلا لكي أفهم من أكون. ربما ليس عندي شجاعة أن أرى الناس تُقتل بلا هدف، وربما فقط لا أحب الصخب والزحام. لن “تدخل علي” حجة أن الإسلاميين فصيل له رؤية إصلاحية ولن يردعني عن رفضهم – ورفض القيم “الفلاحية” التي يسعون لتعميمها – الاتهام بأنني أمارس تعالياً طبقياً على الإسلاميين. لا أغفر لمن يعطي الإسلاميين مثل هذه المصداقية أكثر مما أغفر لمن يحابي المجلس العسكري وهو يقتل ويشعل الفتنة الطائفية ويحتجز ويعذب ثم ينكر مسئوليته. ولا أظن لموقفي هذا أهمية أكبر من أن أعرفه ويعرفه من أعنيه شخصياً. ومع ذلك في مصر مكان لي أيضاً، إلى الآن على الأقل، أنا ابن الرقاصة الذي يقول هذا الكلام. ربما حتى يكون المكان الذي أستحقه.

رثاء الذات: ملحق النهار

رثاء الذات أو ثلاثة تجليات لموظف الأرشيف في القاهرة / بقلم يوسف رخّا

لوحة لمحمد عبلة.
1

اليوم سقطتُ في الانتخابات
أول مرة أترشح
ولولا أن فارق الأصوات لا يسمح بشك لعزّيتُ نفسي بالتلاعب في الصناديق
أوقفني رجل متوسط العمر يطلب سيجارة
بدا مثل موظف أرشيف في فيلم أبيض وأسود
كان يأكل شطيرة فول
وحين ناولته ما طلب سألني بنبرة متعالية إن كان يمكن أن أعطيه أيضاً مساعدة
رقصة الفرح التي أدّيتها احتفالاً بالفائزين لم تمنع عرسة بداخلي من البكاء
ليس على مقعدي الضائع في المجلس
ولا على ثقة الحثالة
لكن لأن التحسر على أبناء دائرتي لن يعود ممكناً
كم كنت ساذجاً يوم ظننتُ التحسر ضماناً لئلا يكون السقوط مدوياً لو حدث
حين انصرف موظف الأرشيف مختالاً كان عضوي يشاور عقله
عضوي الصغير الذي بنى أمجاده بنزاهة مخلّفاً دمعة أو اثنتين،
عضوي العصامي سيكتمل انتصابه وأنا أتساءل إن كان للديموقراطية علاقة بالفحولة
ما كان يجب أن أعوّل على الاستجابة يوم رفعتْ أمي وجهها إلى السماء: “يحبّب” فيك خلقه يا بني
أمي منذ أيام في الحجاز
أبي كما هو تحت الأرض أو في مكان ما
البدر كامل خلف العمارة وغداً تزورني امرأة أنتظرها.

2

ضِعتُ في طريق العودة من موقف “عبود”
قال لي سائق آخر وسط عطلة المرور: أنت الآنَ خارج القاهرة
كان له ملامح موظف أرشيف يطل وجهه مُضجِراً من أحد شبابيك “المُجَمّع”
الجوع في بطني ولا أشعر بغير الوهن
كانت الأبواق تدفعني بلا رحمة عكس وجهة بيتي إلى الأمام وكلما بلغت تقاطعاً وغيّرت وجهتي أنتهي إلى الطريق ذاته حيث السيارات مسرعة ولا أحد
عبرت “الزراعي” إلى “الصحراوي” وما زلت ذاهباً إلى الإسكندرية
بدأت السيارة تحذّرني من نفاد البنزين ولا “يوتيرن” في الأفق أو مضخة
وقبل أن يبدأ الارتجاف تذكرتُ موناكو
ذهبنا من نيس بلا سيارة وقال صديقي إن ثمة شيئاً كئيباً في محطات القطار: حتى هنا يا أخي…
وكنا نركض
في محطة أغنى بلد في العالم
لنلحق قطاراً يعيدنا قبل أن نضطر إلى المبيت في المطر
لكن صديقي ليس هنا الآن ولا نيس ولا موناكو ولا حتى موقف “عبود” واللهاث ليس في الرئة ولكنْ في بطني حيث يجب أن أشعر بشيء آخر وأنا ثابت أرتجف
أضواء الطريق برتقالية وإذا وقفت السيارة فلن يأتي أحد لنجدتي.

3

كأنني كنت في جمع ورمشتُ فوجدتُني وحدي وسأعرف ليس واضحاً من أين
أن الطبيب عاد إلى ستوديو الإذاعة والصحافي إلى مكتب المسؤول
وأن امرأةً آمنة تصرخ مذعورة هناك
المجند الآن حيث كان قبل أن يأتي، في منزل الشرطي
لا بد أن الذي ضمّنا احتفال لأن ثمة أكواباً نصف فارغة وبقايا حلوى
الكراسي مقلوبة وسط الزبد الاصطناعي ولا سبيل إلى معرفة من كان يضاجع من
لعله طقس بدائي أيضاً وإلا من أين برك الدم المتخثر والأعضاء المقطّعة؟
انتظرت عودتهم طويلاً منذ رمشتي البريئة تلك وانتظرت أن يأتي ولو أحد أطفال الشوارع مثل هذا الذي يمر ملتحفاً دبابة ويرمقني عبر الجنزير ليشرح لماذا انفضّوا عني هكذا
لكنّ موظف أرشيف عجوزاً هو الذي أفزعني
لم أكن متأكداً من نوع السلاح الذي يتدلى من خصره حين انتبهت إلى يده على كتفي:
أمامك أربع وعشرون ساعة لتعود أنت أيضاً إلى مصلحتك
فعرفتُ أنني أنتظرهم لليلة الأخيرة في المكان المتفق عليه حيث الشراب والوسائد ومروحيات عسكرية تحلق وقد اكتست بالسندس والاستبرق لتصب الموسيقى في أذن الأرض
لن يأتي أحد ليشاركني فرحتي وكما كنت أفعل قبل أن أجيء إلى مكان اللقاء سأستمتع بمفردي وربما حتى أتمرغ من اللذة رغم خشونة الأسفلت.