أغنية الماعز: قصة حسن بلاسم

حسن بلاسم

أغنية الماعز

IMG_8008

 كان الناس ينتظرون في طوابير، ليرووا حكاياتهم. تدخلت الشرطة لتنظيم الأمور. أغلق الشارع العام المحاذي لمبنى الأذاعة أمام حركة السيارات. وهناك أنتشر النشالون وباعة السجائر المتجولون. وكانت شديدة المخاوف ُمن أن يندس إرهابي بين الناس ويحيل كل هذه الحكايات الى عجينة من اللحم والنار.

تأسس راديو ( الذاكرة ) بعد سقوط الدكتاتور. ومنذ البدء أخذت الأدارة بنهج وثائقي لبرامجها. لا نشرة أخبار ولا أغان، مجرد تقارير وثائقية وبرامج تنبش في ماضي البلاد. وجاءت الراديو شهرة كبيرة بعد الأعلان عن خبر تسجيل برنامج جديد بعنوان ( حكاياتهم بأصواتهم). وتوافدت الحشود على بناية الأذاعة من كل أنحاء البلاد. كانت الفكرة بسيطة : أختيار حكايات و تسجيلها بأصوات أصحابها ومن دون ذكر للأسماء الحقيقية ثم يختار المستمعون أفضل ثلاث حكايات تنتظرها جائزة مالية ثمينة.

Continue reading

آباء من الفضاء الخارجي

ثلاثة جُمَع ولا يبدو أن مبارك قد أدرك ما يحدث من حوله، لا هو ولا العاملون معه ولا قطاع آخذ في التضاؤل من المصريين الذين يفضّلون وهم اﻷمان على فرصة أن يكون لهم ولبلدهم معنى أو يحصلوا أخيراً على حقوق اكتسبوها بانقطاع أحبالهم السُرية. إما هذا أو أن التبجح والتنطّع قد جاوز حد العماء. والخسة  طبعاً، الخسة التي تُحوّل النَفَس، بين شهقة وزفرة، إلى كذبة سافرة. مجرد كذبة مكرورة مفترض من الناس أن يبتلعوها حتى بعد أن ذاقوا طعم الحقيقة وسجدوا على اﻷسفلت. أنا أعدك بذلك. منذ 1967 ونحن لا نصدق اﻷكاذيب بقدر ما نبتلعها خوفاً وبحثاً عن المصلحة المباشرة. في كل جهاز إداري وفي كل المجالات مبارك صغير يفعل ما يفعله مبارك، تحكمه الاعتبارات العائلية واعتبارات تحالف النصابين أكثر ألف مرة من الرغبة في التنمية أو الإنتاج. ومن قبل حتى أن يولد مَن أطلق شرارة اﻷحداث الجارية، كانت الرؤى القومية/ اليسارية قد ذهبت وبقيت، بلا مبرر، الدولة البوليسية. ذهب  الزعيم (على كل ما في فكرة الزعامة من قيد) وبقي الديكتاتور. الحرامي. مجرد صنم أجوف، صدقني. وليس من يمنعه من التصرف وكأنه سلطان يورّث عزبته لابنه بينما تقبّل الوزيرة يدَ امرأته أمام الكاميرات. لكن الدم الذي يجري في عروق مبارك ليس أزرق. ونحن نعلم. لا يمكن أن يظل الناس يصلون لإله عجوة إلى اﻷبد، خاصة وأن نعيمه لم يعد مواتياً. ومنذ سنين وسنين وقد تحولت اﻷشغال والمآرب إلى تمثيليات نبحث ﻷنفسنا بين طياتها عن مساحة مسروقة يمكن أن نكون فيها بشراً: الكتب التي لا يقرأها أحد ﻷن أكثر من نصفنا أمي؛ العمل الذي لا يأتي على أكثرنا بالربح الكافي للعيش ويتلخص إجمالاً في تملق الرؤساء؛ العشق الذي يخصَّص قسم كامل من أحد أقبح أجهزة اﻷمن في العالم لمنعنا من ممارسته؛ الفنون ومباهج الحياة التي يضيّق عليها مشروع سلفي اتضح منذ 25 يناير أنه (وبخلاف مشروع الإخوان المسلمين ) متواطئ بالكامل مع السلطة ويساهم في تحجيم الجماهير لتسهيل استبدادها بالقرار. ولا قرار. التعليم والصحة والزراعة والمواصلات وحتى السياحة، فضلاً عن تجاوزاتالشرطة: كل شيء فاسد وغبي ومزيف. خلاف ضخ اﻷموال العامة في الحسابات الخاصة وتنفيذ ما تأمر به أمريكا حرفياً بلا اعتبار لا للهوية العربية ولا للضمير الإنساني، بالذمة، ماذا فعل نظام مبارك في الثلاثين سنة الماضية؟ ثم لحظة من فضلك. بأي حق يخاطبني اﻵن شخص أثبت لي بالقنابل المسيلة للدموع والذخيرة الحية والتضليل الإعلامي والمسيرات المدبرة والبلطجية المسلحين بل وبالجمال والحمير أنه ليس سوى رئيس عصابة؟ ثم بأي حق يكلمني بوصفه أباً أو حتى جداً مخرّفاً؟ بأي منطق يظنني سأصدق أن الشهداء أوجعوا قلبه أو أنه لن يقبل إملاءات من الخارج؟ ولا يفتأ نائبه الجديد، مهندس عملية السلامالعربي/ﻹسرائيلي  اﻷول – رافعاً المجرور وناصباً المرفوع – يحدثنا بكل هدوء عن اﻷجندات“! إلى مبارك وعمر سليمان وأحمد شفيق وأنس الفقي وسائر المخلوقات الفضائية: بحق  ما يجعلنا نتنفس ويخرج الصوت من حلوقنا، لن يعود أحد إلى بيته حتى تصبح لنا بيوت؛ لن نعود إلى الحياة حتى نشعر أننا أحياء. وأنتم  لستم آباءنا، يا قحابْ

صباح 11 فبراير قبل التنحي

Enhanced by Zemanta