في ذكرى ٢٥ يناير: عن الإخوان والسيسي وحروب الجيل الرابع

IMG_9819

ثلاث أساطير صغيرة نجح الإعلام المصري في زرعها لدى قطاعات دماغية عريضة جداً منذ يونيو، وبكفاءة مذهلة في ضوء أن هذا الإعلام مازال يدعي مناصرة ٢٥ يناير (بغض النظر عن رأيك في الواقعة أو رموزها)، لكن الملفت حقيقة أن الرسائل بل والعبارات نفسها تتكرر (“أيدي الببلاوي المرتعشة” مثلاً) على اختلاف القنوات والبرامج والمقدمين، ومما يشعرك بأن العملية ليست بالعفوية المفترض أنها بها أيضاً الظهور المتكرر لنجوم شاشة جدد من الإسلاميين التائبين (الخرباوي ونبيل نعيم مثلاً) والمديح المستمر لحزب النور:

Continue reading

دروس الشخص

الألم أعمق، لكن التحليق أعلى – سركون بولص

في ٢٥ يناير ٢٠١٣، لم يبق من الثورة الكبرى سوى عبء التعامل مع ما خلفته من كوارث أملاً في العودة إلى نقطة الصفر، فهل يكون التعامل بثورة كبرى جديدة؟ كيف يمكن تخيل ذلك وإن أمكن، فلماذا علينا أن نتحمس له؟

wpid-photo-2013-01-24-15-15.jpg

Continue reading

لنسم الأشياء بأسمائها

IMG_1896

.

هنا القاهرة؟ نعم. وهنا شخص بلغ به الضجر حد الشماتة.

اليوم سأسمي الأشياء بأسمائها. قد لا يعترف “التيار المدني” الذي أنتمي إليه للوهلة الأولى بأن هذا ما نحن بصدده، وقد لا تصيغه “الثورة” التي شاركتُ فيها بالألفاظ ذاتها. لكن، ومنذ استتب أمر الإخوان المسلمين في السلطة بمعاونة “ثوار” مازالوا عمياناً عن كل ما سوى المناهضة المستبدة لـ”فلول” نظام يبقى أفضل بأي مقياس من الديكتاتورية الإسلاموية، باتت الحوارات/الشجارات في فضاء الجدل السياسي داخل هذين المعسكرين تتمحور حول سؤالين:

هل من “توافق وطني” محتمل في السياق الراهن؟

وهل قامت “ثورة يناير” من أجل معادل سني لولاية الفقيه (وهو ما يكرس له الدستور الطائفي المزمع تمريره رغم كل شيء ورغم أنف “التخين”)؟

هنا “مصر الثورة”؛ ولأن الإجابة عن السؤالين هي بالضرورة لا، هذا ما أجدني أتحدث فيه مغالباً فجيعتي بعد عامين على بدء التحول.

***

تقول الشعارات الإسلامية: “ماذا رأيتم من الله حتى تكرهوا شريعته؟” ولنفرض أننا لم نكن قد رأينا. أمس، يوم ٥ ديسمبر في مصر الجديدة، رأينا “شريعة الله” على الأسفلت. رأينا الإخوان المسلمين والسلفيين والجهادين – تحت أعين الشرطة – يقتلون المتظاهرين المناهضين للرئيس “الشرعي” محمد مرسي والمحسوبين على الثورة بدم بارد.

رأيناهم يأسرون ويسبون ثم يحتجزون ويعذبون سباياهم وأسراهم ضرباً وخنقاً وطعناً وصعقاً بالكهرباء بل وتعليقاً على أسوار قصر الاتحادية حيث كان المحتجون قد كتبوا تنويعات مختلفة على رسالة القطاع الأوسع من المصريين المدينيين إلى مرسي: “ارحل يا ابن الجزمة”. وإذا أطلقوا سراحهم فليسلموهم إلى الشرطة بتهمة البلطجة، حيث يصبح قرابة مئتي مجني عليه متهماً وماثلاً أمام نيابة باتت – بعد الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس يوم ٢٢ نوفمبر وانطلقت في إثره الاحتجاجات، محصناً قرارته ضد الطعن القضائي – في خدمة الجماعة وتحت أمرها.

ليس هذا وحسب: إن قوادي “الحرية والعدالة” (كما صرت، عن نفسي، أعرّف “قيادات الإخوان”) بلغ بهم التبجح حد التلاعب الإعلامي والطائفي بهوية القتلى لكي ينسبوا الضحايا إلى أنفسهم… هكذا رأينا شعب الريف الكادح يزحف على المدافعين عن أبسط حقوقه باسم الله ليمارس عليهم أقسى أنواع القمع الرسمي بصفة غير رسمية، ورأينا دعاة “شرع الله” من المتنطعين على الثورة، بلا خجل، يسبغون على سياسي حنث اليمين وثبت عليه الكذب على نحو قاطع عصمة الأنبياء إن لم يكن القداسة الإلهية. هذا ما رأيناه أيها “الفصيل السياسي” الشريك…

***

قبل شهور كان واضحاً أن ثنائية الثوار والفلول السائدة إذاك – تحت “حكم العسكر” – ليست سوى إيماءة شعاراتية طارئة سرعان ما سوف تنهار أمام صراع أكثر جذرية بين الإسلام السياسي وما سواه من توجهات، لأن الإسلام السياسي من الشمولية والعنف والرياء بحيث لا يستوي وجوده متجاوراً مع “فصائل” أخرى.

واليوم، بينما يُحشد الرعاع والإرهابيون من الأقاليم المظلمة في “تظاهرات تأييد” قاهرية لا يميّزها عن تظاهرات بلطجية مبارك سوى وساختها الريفية وتبجحها الوقح بإرادة السماء، يتهم قوادو الحرية والعدالة ميدان التحرير المحتشد تلقائياً ضد الأخونة والتخليج، ضد تقويض القضاء والتمهيد للسيطرة على الإعلام، بأنه صار قبلة الفلول (علماً بأن الحكومة الإخوانية، ووزارة الداخلية بالذات، قائمة بالأساس على من كانوا يتقلدون مناصب في “العهد البائد”؛ علماً بأن الإخوان كانوا أول من تفاوض مع نظام مبارك وفي تاريخهم السابق على الثورة أكثر من واقعة تحالف مع الحزب الوطني المنحل). لقد بلغ جهل وغباء الإسلاميين في مصر حد التهديد بالعصيان المدني “تأييداً لقرارات الرئيس”؛ ومتى كان التأييد من وظائف الحراك الاحتجاجي؟ ومتى…

عشية الاعتصام عند الاتحادية، وإثر هروب الرئيس من باب خلفي للقصر المحاصر ثم التناقص التدريجي لأعداد المعتصمين هناك، أرسل الإخوان مسلحيهم المنظمين لفض اعتصام الاتحادية وعقاب “الثوار”… وبعد أن دفعوا لآخرين مقابل التحرش بالنساء وافتعال العنف سواء أفي التحرير دار الثورة أو في ماسبيرو مركز الحراك القبطي.

***

ثم إننا رأينا “مؤيداً” على “يوتيوب” يسب المعتصمين أنفسهم بِغِلٍ غير مفهوم بعد فض اعتصامهم، رأيناه يستدل بعلبة “جبنة نستو” وجدها في إحدى الخيام على أن “بتوع حمدين والبرادعي” اللذين يكرههما (لأسباب هي الأخرى غير مفهومة) ليسوا سوى خونة ممولين من الخارج (ومن ثم، أو إلى ثمة، “ضالين” ممن تذكرهم فاتحة القرآن).

إن ما يثبته مثل هذا المشهد هو أن الإسلامي المتحمس ليس في حاجة إلى حقائق/معلومات مطابقة للواقع التجريبي ولا إلى أي منطق نظري مهما كان بسيطاً ولا حتى إلى الحد الأدنى من أدنى حد لإعمال القوى الذهنية العادية لكي يقيم حجة تبرر له غضباً ينفث من خلاله كراهيته لذاته والتي يعبر عنها من خلال التشبث بالغواغائية الشعبوية وسواها من أشكال التخلف من جهة، وعبر رفض كل ما يمكن أن يذكّره بدونيته من جهة أخرى (وهو العالم الواسع بما فيه احتمالات التقدم).

دعك إذن من أن المتظاهر ضد مرسي هو بالضرورة، بالنسبة إلى ذلك الإسلامي، “بتاع” أحد سواه؛ إن الجبنة النستو التي يأكلها الجميع، إسلامياً أكان أو غير إسلامي، هي الدليل الدامغ على العمالة والخيانة ومناهضة “الشريعة” وكل ما من شأنه أن يهدد “الإسلام” في خطابه الساعي إلى يوتوبيا هو يعلم قبل غيره أنها لا يمكن أن تكون.

***

واليوم؟ اليوم يكبّر غلمان السلف داعين “أمير المؤمنين” الجديد أنْ “اضرب ونحن معك”، رافعين أعلام السعودية والقاعدة، محرضين “خرفانهم” على قتل رموز المعارضة في القضاء والإعلام بوصفهم “فاسدين” و/أو “كفرة فجرة”. واليوم يتطوع هؤلاء الغلمان والمتعاطفون معهم – بأوامر من القوادين – لأداء أدوار جلادي “أمن الدولة” في إعادة هزلية لمسلسل القمع البوليسي المفترض أنه مورس على الإسلاميين من قبل، ولكن أمام عدسات الهواتف في الشوارع، وفي أكشاك الشرطة العسكرية، وفي غرف داخل أسوار القصر.

وبينما يحدث ذلك، يقبع اليسار المدجن في محبسه “الوسطي” وقد أخرسته التطورات وإن استمر في ترديد شعارات الثورة على الفساد والتوافق الوطني كالمنوم مغنطيسياً، ملتمساً أعذار الجهل والكبت وحداثة العهد بالسلطة، محذراً من “حرب أهلية” لا سبيل إلى تجاوز هذه المرحلة المنحطة – وقد مسك الكلب عظمة – إلا بشيء مثلها… حرب قد بدأها الإسلاميون بالفعل رافعين شعار “قتلاهم في النار وقتلانا في الجنة”، وبإيعاز من “القيادات” الميليشياوية الفاسدة والفاشلة التي لا تزال تتغنى بديمقراطية الصناديق واحترام رغبة الشعب.

يحدث هذا، وفي اليوم التالي يلقي الرئيس خطاباً رسمياً يغربل فيه نظرية المؤامرة المخابراتية المعتمدة منذ منتصف القرن فيقول إن بلطجية النظام السابق اعتدوا على متظاهرين سلميين؛ إن البلطجية في خدمة سياسين حان وقت محاكمتهم، وإنهم قد اعترفوا بجرمهم أمام الشرطة. لا يتعرض ولو بكلمة للفرق بين المحتجين و”المؤيدين”. لا يتعرض ولو بكلمة لجرائم الإسلاميين وتواطؤ الشرطة عليها. إن عدد البلطجية الذي يذكره مطابق لعدد المعتصمين الذين أوقفهم الإخوان وعذبوهم ثم سلموهم؛ ومع ذلك، رغم النفوذ الإخواني في النيابة، لا يستطيع أحد أن يثبت عليهم أي جرم حتى يطلق سراحهم بعد مماطلة في اليوم الثالث. ولا يعرف أحد عمن كان يتحدث الرئيس.

***

“حماية الثورة”: قل ما تشاء يا رفيق. أنا فعلاً نادم على مشاركتي في الحماقة الكبرى التي تسمونها الثورة، ولم أشعر مثل اليوم بضآلتي ولا جداوي أنا وكل ما يمكن أن أمثله. كل ما في الأمر أنني تصورت خطأ أنني أعيش في مجتمع يمكن أن يدافع عن مصالحه، أو يعني مجتمع له طليعة تعرف تلك المصالح أو ترى أبعد قليلاً من بشاعة القمع اللحظي وأخلاقية الشعار. قاطعت الانتخابات البرلمانية وقاطعت انتخابات الرئاسة، وحاولت على مدى سنتين أن أستفز المعنيين لأذكرهم إلى أين نحن ذاهبون… الآن أحس أننا قد وصلنا، ولم أعد متأكداً من أن مصر ليست سوريا، ولا أشعر أن عندي أي شيء أقدمه. ليسقط الإسلام السياسي وليسقط التدين الذي أنتجه؛ لتسقط أكذوبة القومية العربية ومزحة التحرر الوطني؛ لتسقط ترهات النهضة ودعارات المقاومة؛ ليسقط الفساد والاستبداد… ولكن ليسقط كل من ساهم ولو بنَفَس شارد في ركوب شعوب وأوطان بأسرها على هذه السفن الورقية ومن ثم وصولنا إلى هنا. نحن يا رفيق لا نستحق الحياة.

- ٢٢ نوفمبر ٢٠١٢ إثر صدور الإعلان الدستوري

***

ومع ذلك، ورغم ذلك: لدى التوافقيين والوسطيين وقطاع كبير من “الثوار” كما لدى الإسلاميين أنفسهم، يظل الإسلام السياسي مضطَهَداً حتى حين يكون في السلطة؛ يظل قومياً حين يعمل لصالح إسرائيل، وتوافقياً حين يستبد بالقرار، وديمقراطياً حين يكرس للشمولية؛ يظل “فصيلاً” ضمن الفصائل حين يحتكر لا القرار السياسي فحسب وإنما الدستور ذاته… كما يظل الممثل “الشرعي” للشعب حين يُقصي ثلاثة أرباع ذلك الشعب نوعاً إن لم يكن كماً ويغامر بالدولة بعد أن غامر بالمجتمع والثقافة الوطنية بكل معانيها المحتملة على مدى عقود.

هكذا يأتي ناشط نجم ممن بادروا إلى انتخاب مرسي، وهي الخطوة التي أدت مباشرة إلى ما نحن فيه؛ وبدلاً من الاعتذار عن قصر النظر والمساهمة في صعود الاستبداد الظلامي وتسهيل مهمة التخلف الممنهج أو إعلان موقف واضح من الديكتاتورية الدينية التي تمثلها الرئاسة، إذا به يشير إلى جذر الخلاف في الجمعية التأسيسية الموالية ورئيسها فيغرد قائلاً: “أنا مش نازل أسقط مرسي، أنا نازل أسقط الغرياني.”

لماذا إذن لا نقول إن الإسلام السياسي يحقق أهداف الثورة بالفعل ونحن نراه يستعملها وإيانا للانقلاب على ما بقي من المؤسساتية واستبدالها بشمولية عشائرية أبشع ألف مرة من “نظام مبارك” الذي ثرنا عليه؟ طالما لا تسعى “الثورة” لحساب نفسها باستبعاد أمثال ذلك الناشط من الأصوات المعبرة عن رواسب الوعي النضالي الأخرق ودعارات البطولية الاستعراضية بكل ما فيها من جهل وغباء ولامسئولية إجرامية، لعل ما يفعله مرسي كمسئول ملف الرئاسة في جماعة الإخوان المسلمين هو “ثورة مصر” بالفعل. ولعلنا جميعاً بمن فينا ذلك الناشط فلول.

***

وعن خ. ع. عن المكفهر ا.ح. عن الشيخ ع. أنه قال: ويومذاك نزل ع. ب. إلى ميدان النهضة فحشر أحدهم في دبره علماً للسعودية ملفوفاً كالبلجدق (قيل وما البلجدق، قال: الخازوق ذو الرأس المدببة) فإذا بـ ع. يجاهد في إخراج العلم من دبره ولا يفلح حتى أعياه الجهد فسقط منهكاً ولما يقم حتى ولد من دبره ضفدعاً كلما نق قال “مرسي اه”، وقيل “وامرساه”؛ قال الشيخ م. هادم الأصنام: وكانت من معجزات عصر الدولة الإسلامية. رواه ص. ح.

- ٤ ديسمبر ٢٠١٢

***

أمس في مصر الجديدة تأكد ما كنا نعرفه، أو انهار ما كانوا يكذبون به علينا – ومازالوا – من أن هناك مساحة تقاطع حقيقية بين الإسلام السياسي والديمقراطية أو الوطنية أو الحرية أو العدالة الاجتماعية أو أي قيمة أخرى نادت بها “ثورة يناير”؛ أو أن ما يتهددنا في هذا المنعطف التاريخي هو الشمولية العسكرية أو استمرارها. ولا أهمية الآن لتوجيه السؤال إلى الرفاق ممن صوّتوا لمرسي: ماذا كنتم تتوقعون؟

إنها أدوار ورثها أصحابها – وإن طوروها – من قوميي الانقلابات ودعاة مناهضة الاستعمار واليسار الذي بادر من ثم إلى موالاة “الشيوخ”… هنا القاهرة وهذا ما وصلنا إليه: ملتحون يقمعون الاحتجاج في حماية “الرئيس الثوري”، قاصمين ظهر أي منظومة مدنية محتملة، متاجرين ليس فقط بالعقيدة وإنما أيضاً بدماء مواطنيهم؛ مدن تعلن استقلالها عن حكم الإخوان؛ و”ثوار” لازالوا يدافعون عن انتخاب مرسي بوصفه “النار” التي فضلوها على “عار” شفيق حرصاً على “المصلحة الوطنية”! فهل كان شفيق ليجرؤ على إصدار إعلان دستوري مثل الذي أصدره مرسي ثم إرسال ميليشياته لقمع الاحتجاج عليه؟ أتمنى عليك أن تجيبني، أخي في الثورة.

ولو كان في البلاد مؤسسة عسكرية “وطنية” متماسكة، هل كانت لتسمح بتسليم الدولة لجماعة سرية إرهابية تمارس القمع المجتمعي والعنف السياسي ونشر التخلف بانتظام منذ عشرينيات القرن الفائت؟ ولو كان للإسلام السياسي أي صلة بالديمقراطية، هل كان ليخرج في “تظاهرات تأييد”؟ ثم ماذا نحن فاعلون؟ لا أهمية للإجابة عن هذه الأسئلة، أقول. الأهمية للاعتراف بأن الإسلاميين هم رعاع الأمة، ومنظريهم نخاسوها، وقادتهم أثرياء حربها من زعماء عصابات الملتحين… لنسم الأشياء بأسمائها معترفين بفشلنا الذريع مرة وإلى الأبد. ولنقل مثلما قال الرئيس مرسي في نهاية خطابه: والله من وراء القصد.

.

يا اشتراكي يا جبان

wpid-581229_326519874095693_775490628_n-2012-06-21-03-37.jpg

Art by El Teneen

***

إلى اليسار المعفّن المعروف “بالنخبة السياسية”: اللي بيقول الشماتة في الإخوان خسة وعدم مسئولية يا إما مش واخد باله إنه أصلاً خاين لـ”المسار الوطني الديمقراطي” اللي بيدعي الدفاع عنه ضد “انقلاب عسكري” حصل في الحقيقة بالتصويت بنعم على التعديلات الدستورية السنة اللي فاتت مقابل غنائم مؤقتة لـ”التيار الإسلامي” يا إما بيستعبط. أنا عن نفسي أرجح إنه بيستعبط، وأحب أفكره إنه ما فيش لا ديمقراطية ولا وطنية ولا خرا مهري يهري جتته ينفع تحت الحكم العسكري المباشر من غير دستور، ولا فيه ديمقراطية أو وطنية تنفع في غياب أي رؤية أو كفاءة سياسية غير الانتهازية الطائفية الحقيرة بتاعت “التيار الإسلامي” اللي إنت من كتر إفلاسك ووساختك مش شايفلها بديل لا في نفسك ولا في غيرك. أحب كمان أقول لحضرتك إني بأحتقرك أكتر ما بأحتقر العسكر والإخوان، وإنك أثبت نظريتي القديمة إنه “النخبة السياسية” ليست سوى تحالف الأرزقية مع الفقها من أجل التعريص الممنهج للمصالح الواطية. ولو فاهم إنك تقدر تبتزني بالكلام عن المسئولية اللي إنت أثبت إن ما عندكش ريحتها أو عن الواجب الوطني اللي إنت بتتحجج بيه لإعادة إنتاج أوسخ ما في الشمولية والاستبداد اللي وصلونا بسبب ومش رغم وجودك بيننا للي إحنا فيه دلوقتي تبقى غلطان. أقصد: لو فاهم إنك تقدر تصادر عليا بنظرية إني ما بأفهمش في السياسة أحب أقول لك: دي سياسة أمك… وعموماً أنا شمتان في الإخوان الكدابين المنافقين المعرصين وفخور بشماتتي، المشكلة الوحيدة إني مش قادر أشمت فيك إنت لإنك زي قلتك أو يمكن حتى أقل من قلتك. إنت مجرد هاموش بيحوم حوالين الزبالة التاريخية الموجودة.

ثلاث ملاحظات سريعة على حوار الرئاسة في شبكات الاتصال

wpid-2012-05-2909-53-28am-2012-05-29-08-25.png

        

انقضاض الإخوان على السلطة منذ انتخابات مجلس الشعب – وأثناء انشغال “الثوار” باحتجاجات كان واضحاً أنها لن تكون مؤثرة – من ناحية، وعدم استعداد المجلس العسكري لتسليم الحكم لجهة مدنية بعد افتضاح جرائمه من ناحية أخرى، ثم فشل المجتمع المدني في تكوين جبهة ذات ثقل تتخذ على عاتقها مهمة استلام السلطة والتصدي للاستبداد المجتمعي قبل السياسي كلها عوامل أدت إلى اختزال “التحول الديمقراطي” واقعياً في صراع عسكري-إسلامي زيّفه الخطاب الثوري بحديثه الدائم عن صراع ثوري-فلولي لا وجود له على أرض الواقع، الأمر الذي منح التيار الإسلامي “شرعية ثورية” زائفة (تمثلت على أوضح صورها في التفاف قسم كبير من “القوى المدنية” حول حملة عبد المنعم أبو الفتوح، ظناً منها أنه المرشح الأقوى من حمدين صباحي) كما ساهم في تهميش أهداف الثورة من حقوق وحريات وتطلعات حتى لم تعد هذه الأهداف مطروحة أساساً.

الكلام عن نزاهة الانتخابات أو عدمها ليس وارداً أصلاً في ضوء (١) قبول “الشعب” متمثلاً في “مرشحي الثورة” بخوضها تحت إشراف المجلس العسكري من قبل تسليم السلطة (والذي بات يعني تمكين الإخوان من احتكارها) أو صياغة دستور يضمن الحقوق والحريات (كان الإخوان أيضاً هم العثرة الرئيسية في استصداره)؛ (٢) رفض قطاعات ضخمة من الناخبين لمعطيات التيار الإسلامي، واحتمائهم منه برموز “العهد البائد” في غياب بدائل سياسية ملموسة؛ (٣) غياب الإصلاحات القضائية اللازمة لضمان شفافية العملية الديمقراطية فضلاً عن سوء سمعة القائمين على اللجان المعنية وانضوائهم تحت لواء المجلس، ثم عدم اعتراض المرشحين ولا حملاتهم ولا المتحمسين لهم على جعل مصير الانتخابات في يد هؤلاء؛ (٤) وجود آليات حشد غير ديمقراطية في القطاعين “الفلولي” والإسلامي لا تختلف عملياً عن التزوير لم يتم التعامل معها تشريعياً أو تنفيذياً.

يشير رد الفعل على نتائج الانتخابات إلى تناقض مربك بين “الشعب” كطاقة احتجاجية معارضة للسلطة بل ومستعدة للتضحية من أجل إسقاطها وبين “الشعب” ككتل تصويتية تكرّس للسلطة نفسها وبالدرجة نفسها من الاستماتة، فمن قبل بفساد العملية الديمقراطية ظناً منه أنها ستُنجِح مرشحه الفاسد يتكلم الآن عن نتائج معدة مسبقاً ومن اتهم المقاطعين بالسلبية بل والخيانة في خضم حماسه لأبو الفتوح يحشد الآن لمرشح الإخوان “الاستبن”… وقد يساعد تراث المعارضة الشعبوي غير المسئول على تفسير ذلك، حيث لا يستند رفض الوضع القائم (وهو ما تمثله الإرادة الثورية) على امتلاك رؤية قابلة للتنفيذ لاستبداله بوضع أفضل منه ولا حتى على رغبة صادقة في أن يتغير فعلياً، مقارنة بالرغبة في استعراض السعي إلى تغييره (وهي ما تمثله الإرادة “الديمقراطية”) فإذا بالنشاط الاحتجاجي وقد ثبتت عزلته عن الشعب في أحداث العباسية يطابق بين الثورة والإخوان، وإذا بنصف الناخبين أو أكثر ينحازون ليس فقط لمرشح المجلس العسكري ولكن لأقرب المرشحين شبهاً بـ”المخلوع”… فهل يحق لمعسكر الثورة – المسئول عن وصولنا إلى ما نحن فيه – إنكار ذلك على الشعب الذي يتحرك باسمه الآن؟

سواء كنت متعاطف أو لأ

wpid-522752_344047055655243_116217318438219_896992_747760388_n-2012-04-28-07-09.jpg

الناس لما بتقول ثورة بتقصد حاجة من اتنين واضح إن ما لهمش أي علاقة ببعض:

(١) المظاهرات والاعتصامات والمسيرات في حد ذاتها، وهنا التعاطف مع المحتجين ضد السلطة الغاشمة وعامة الشعب المحافظ شيء جميل ومطلوب طالما إن المحتجين دول ما هماش أنفار مشحونين في أتوبيسات ومفروض عليهم اللي بيعملوه سواء بالفلوس أو بأي طريقة تانية منظمة.

(٢) إن المظاهرات والاعتصامات والمسيرات يبقى معناها أو هدفها أو نتيجتها إن المجتمع ينتقل من حاجة وحشة لحاجة كويسة، مثلاً من الجهل للمعرفة أو من الفقر للغنى؛ وهنا بقى التعاطف لا جميل ولا مطلوب، لإنك حتى في أحسن الأحوال أول ما تبعد شوية بتشوف قد إيه المعنى أو الهدف أو النتيجة ما هماش حاصلين في الواقع وإن ضحايا الاحتجاجات بيروحوا فطيس وفي أسوأ الأحوال بتبقى شايف ده من أول لحظة وممكن كمان تبقى شايف إن الضحايا يستاهلوا يروحوا فطيس أو يعني يروحوا في أي داهية (لإن الحاجة الكويسة اللي المفروض إن الاحتجاج ده يحققها – “شرع الله” مثلاً – ما بتبقاش كويسة خالص من وجهة نظرك).

وبالتالي سهل قوي إن نظرية “هيييه مظاهرة” اللي هي ماشية باعتبارها الموقف الثوري الصحيح تساهم في إن المجتمع ينتقل للأوحش مش للأحسن – إنك تبص تلاقي اللي بيمثل المرأة في مجلس الشعب أم أيمن مثلاً، أو إن السؤال بدل ما يبقى “ازاي نحجّم مدى ومركزية السلطة السياسية في الدستور” يبقى “ننتخب مين فرعون جديد من غير ما يبقى عندنا دستور” – وده طبعاً ممكن يحصل من غير ما يأثر لا على تعاطفك مع المحتجين ضد السلطة الغاشمة وعامة الشعب المحافظ ولا على كون التعاطف ده في حد ذاته شيء فعلاً جميل ومطلوب.

“إلى كل رافض للنزول: أيام محمد محمود كنا بنقول للرافضين انزلوا احموا اخواتكم حتى لو مختلفين معاهم، إنت مش شايف العساكر اللي قدام إخواتك دلوقتي قد إيه؟ لو مانزلتش تحميهم واتعاملت بمنطقهم تبقى أوسخ منهم”.

الكلام ده لـ”محمد نور الدين” على الفيسبوك وأنا مش فاهم كلمة “إخواتكم” في السياق (يعني السلفي ومشجع الألتراس والمسيحي المتعصب التلاتة ممكن يكونوا بيتظاهروا في أوقات وأماكن مختلفة، فهل ده معناه إن التلاتة إخوات بعض عادي؟) ومع ذلك أنا متفق معاه تماماً. هو بيتكلم عن التضامن ودي قيمة واضحة وبريئة من “مكتسبات الثورة” وضروري تبقى موجودة. لكن أنا سؤالي – وبنفس الوضوح والبراءة برده – عن علاقة مظاهرة زي اللي حاصلة دلوقتي قدام وزارة الدفاع بالثورة لما يبقى المقصود بكلمة ثورة رقم (٢) أعلاه: لما نبقى شايفين “القوى الإسلامية” قد إيه ممكن تنقل المجتمع لحاجة أوحش من الحاجة الوحشة اللي كانت موجودة من سنة ونص لما “قامت الثورة”، ولما يبقى اللي بيحرك المحتجين ضد المجلس العسكري هو تعلقهم الهستيري بشخص أو بانتماء طائفي للقوى الإسلامية دي، مش بأي قيمة هما بيدافعوا عنها غير قيمة التضامن في سياق “هيييه مظاهرة” أو يعني “هيييه ثورة”، يبقى إيه الجميل أو المطلوب في التعاطف مع اللي بيحصل هناك؟

wpid-untitledmosaicstandardqualitypresetcheatersheaven-2012-04-28-07-09.gif

لكل هذه الأسباب أنا طبقي وابن كلب

wpid-wtf-retro40-2012-04-22-03-59.jpg

أنا طبقة متوسطة معفنة وضد الثورة وابن دين كلب للأسباب التالية:

- مش موافق على قرارات من قبيل تقنين ختان الإناث وتحميل مسئولية التحرش الجنسي على ضحاياه وحجب المواقع الإباحية والخمرة والملاهي الليلة والمايوهات

- مش شايف أي معنى للشريعة الإسلامية في السياق السياسي المعاصر، ومش شايف إن التأسلم السياسي له أي علاقة بالإسلام اللي ممكن أنتميله

- حاسس إن الإخوان والسلفيين أداءهم في البرلمان لا يبشر بالخير لا من ناحية محتوى سياستهم ولا طريقتهم في تطبيقها ولا نهمهم للسلطة

- شايف إن السياسيين الإسلاميين بشكل عام ولاد كلب كدابين وأخلاقهم وسخة، والناس بتنتخبهم لإنهم بيتاجروا بالدين مش لإنهم بيساعدوا الطبقات الفقيرة

- بأكره المظهر الخليجي/الأفغانستاني وبأكره الحجاب اللي مش شايفله أي معنى في معظم الحالات غير بادج طائفي، وبأحتقر اللي بيتصور إن اللي مربي دقنه وحالق شنبه يبقى عارف ربنا بغض النظر عن طبقته

- بأعتبر النقاب امتهان للمرأة وللإسلام ولكل اللي بيشوفه فضلاً عن اللي بيلبسه

- بأعتقد إن لولا الانفتاح النسبي في الثقافة (الغربية) ووسائل الاتصال ما كانش ممكن تقوم ثورة، وإن ما حدش استفاد من الثورة إلا إسلاميين ما يختلفوش في أخلاقهم عن اللي كانوا في السلطة قبل الثورة

- بأعتبر العدوان على حرية التعبير وخصوصية الفرد جريمة تساوي حرمان الإنسان من الأكل والشرب والتعليم ومش لازم حد يتخير بين الحاجتين

- شايف إن أبو الفتوح بغض النظر عن موقفه من الإخوان على الأرض إخواني الفكر والتوجه وإن سياسته مش حتختلف على الإطلاق عن سياسة حد زي عمرو موسى إلا فيما يخص الحريات العامة والشخصية

- مش شايف أي معنى لانتخابات رئاسة في غياب دستور ولا أي معنى لدستور يحتكر صياغته الإخوان

ما زالوا يدفعوننا على سلالم العمارات


المستقبل – الاحد 8 أيار 2011 – العدد 3990 – نوافذ – صفحة 11

القاهرة ـ يوسف رخا
لماذا أفكر الآن أكثر من أي وقت مضى في ما تعنيه كلمة مثقف؟ في كونها أشبه بوظيفة أو مرض. كأن تقول: سبّاك؛ أو: بعيد عنك عنده الكلى. وفي أن الأقرب إلى معناها كما تُستخدم هو متعلم. إنها حتى بهذا المعنى زائفة لأن المثقفين الذين تصفهم لم يتعلموا جيداً نتيجة استيلاء النظام على المدارس والجامعات منذ الخمسينيات؟ وأفكر في السر وراء إخفاق من تصفهم هذه الكلمة في تحمل ولو جزء تافه من المسؤولية التي اضطلعوا بها دون أن يطالبهم أحد بذلك. إخفاقهم المتكرر على المستوى العام والخاص، وحتى على مستوى إنجازهم الشخصي: لماذا يقع سهم المثقفين دائماً بين أقدامهم، ولماذا دائماً يوجهونه إلى هدف خارج المساحة التي يشغلونها؟
لعلها الغباوة ببساطة، أفكر: إن الخيال محدود فعلاً، والعلاقة بالكتب وأنماط الحياة “المتحضرة” مفتعلة ومستحدثة. لكن هناك شيئاً حقيراً في اليأس أو عدم الثقة اللذين يجعلانك تشكّك في تحقّق الأهداف بينما الأهداف تتحقق أمام عينيك: لم يكن المستحيل هو محاكمة آل مبارك وحل أمن الدولة. لم تكن المشكلة في “الالتفاف” على شيء من ذلك من جانب عملاء محددين وواعين بدورهم للثورة المضادة. المستحيل والمشكلة كان في القدرة على تخيل عالم بلا مؤامرات أو في الإصرار على محاولة تخيل ذلك العالم، كما في الإصرار على أن مصر دولة مدنية، بلا اعتبار للمحيط الأوسع. المستحيل والمشكلة في شخص ينظر إلى مواطنيه من ارتفاع دون أن يختلف عنهم في شيء أكثر من هذه النظرة. لعلها الغباوة، أقول.
هناك كراهية ذات تتجاوز الوعي بها. كما عند السلفيين كذلك عند المسلمين من كارهي الإسلام. كان حقيراً مثلاً أن يتصرف “اليساريون” الأكبر سناً بما يفضح رغبتهم في تولي وزارة الثقافة، وفي الوقت الذي تبدت فيه لأول مرة فرصة حقيقية لتحرير النشاط الثقافي من وصاية الدولة بإلغائها، وإن على المستوى الذهني: لماذا نطلق أجيالاً أخرى تظن الثقافة شيئاً مرتبطاً بالدولة وصلاحها في كنفها؟ لم يصمم أحد على أن وزارة الثقافة مثلها مثل الإعلام التي أُلغيت بالفعل هي إحدى صور الدولة البوليسية. كان السؤال الرائج هو من سيتولاها. وكأنك وهو ما لاحظته بطول وعرض الجماعة “الثورية” بعد أن تأكدت من ذيوعه خارجها لا تعترض على الفتوة الظالم إلا لتسبتدله بفتوة “أجدع” منه… كأنك ورغم كل كلامك عن حياة تجاوزت الفتوة أو كان يجب أن تتجاوزها لست مستعداً لأن تتحمل مسؤولية نفسك أو تفترض في أهل حارتك القدرة على أن يتركوك في سلام. حتى وأنت مثقف تقدمي إلى الأمام ثورة ثورة حتى وأنت امرأة مستقلة مثلاً لابد من فتوة يسرقك ليضمن سلامتك مثل رب عائلة يبقيك حيث أنت ليصرف عليك.
يخطر لي الآن أن المثقفين في تمسكهم بفكرة الثورة المضادة إنما كانوا يدافعون عن أنفسهم هم، عن المكان الذي استمدوا منه طاقة وجودهم منذ انقلاب 1952 و”الاستقلال الوطني” مع كل تداعياته التي بررت جهلهم وتعالمهم والتفافهم على القيم التي يدعون الحياة بها، ثم كون خطابهم مطابقاً للخطاب “الإسلامي” في شموليته وكونه في جوهره طريقة لممارسة السلطة على من سواهم والتنافس على أمجاد صغيرة في ما بينهم.
منذ السبعينيات أو في أعقابها انعزل الخطاب “المثقفيني” عن “السياسة” فعلاً، ما جعل السياسة حكراً على “الإسلاميين”، لكنه ورغم التباهي بالخاص على حساب العام والمبالغة في الترويج لفكرة الفرد في غياب مجتمع يسمح بالحد الأدنى من الفردية، لم يتجاوز نهم الوصاية والسعي إلى تمايز مستبد، إن لم يكن عن طريق “المركز” الاجتماعي صريحاً فعن طريق الحرمان من ذلك المركز والتظاهر برفضه… لحظة يتحول الوضع القائم بالفعل أو يكون على وشك التحول، لو لم يظهر في المتون “تحول مضاد” يتمرد عليه المثقفون من مواقعهم في الهوامش لو لم يصبح الواقع الجديد مؤامرة لا يقدر على كشفها إلا وعيهم ماذا يبرر وجود “مثقفين” أصلاً؟ وما الفرق بين انحياز المثقفين للجيش – عملياً – ومنطق “اللجان الشعبية”؟
يخطر لي الآن أن الناس انقسمت منذ أول يوم وإن بدا أن الشعب الذي يمكن أن نسميه شعباً كله في ميدان التحرير. وقبل حتى إثارة البلبلة وتكثيف الخطابات الموجهة إلى عقليات جاهزة للارتعاب والانتماء القبلي، تقديس الرموز وتصديق الخرافات، عقب الهزيمة المنكرة للشرطة والتي لم يعلن فرد واحد من أفرادها انضمامه للمتظاهرين بالمناسبة، ولا فرد كان أول رد فعل للنظام هو الترويج للفوضى والجريمة قولاً وفعلاً وجعل اشتراكك في الاعتصام يمثل تهديداً (حقيقياً أو متخيلاً) على بيتك بما ومن فيه، الأمر الذي أدى إلى انطلاق شعارات مثل: يا أهالينا ضموا علينا. يخطر لي أن اللجان الشعبية بغض النظر عن “تجاوزاتها” كانت التعبير الأصدق عن الأبوية البوليسية نفسها التي قامت الثورة ضدها، ورغم أن الانشغال بحماية الممتلكات والأرواح لم يكن حكراً على المعادين للتحرك: القيم التي مثلتها اللجان الشعبية كانت بحذافيرها قيم الثورة المضادة. يخطر لي ذلك وأشعر بانقباض، كلما حدست أن البلد أقرب من معتصمي التحرير إجمالاً إلى اللجان الشعبية. وإلى الآن كلما تأكد الحدس أذكّر نفسي بأنه عبر أنحاء مصر في الثامن والعشرين من يناير 2011، ظهر الله. وإلى أن ينجر الخائفون إلى كلام يشبه كلام النظام الذي سقط عن أن هناك مصالح استراتيجية لدول تستهدف أمننا وسلامتنا أو “أجندات” نحن طبعاً فل الفل دائماً، وعلى اعتبار أن حكومتنا لم تنفذ أبداً، وضد رغبة شعبها، أجندات دولة لا تزال تُعرّف في الأدبيات الرسمية بكلمة “العدو”، لا يمكن أن يحدث عندنا شيء سيء إلا لو كانت هناك مؤامرة لإيذائنا من جانب جهات خارجية تستغل سذاجة المتحمسين، وعلى اعتبار أن الانفلات الأمني وتعطُّل “عجلة الإنتاج” شيء سيء، بل وعلى اعتبار أن القمع مقبول طالما أنه يأتي من الجيش الذي حمى الثورة سيخطر لي أنه الجنون ذاته الذي يصيب أباً فقيراً ليس في بيته شيء ذو قيمة وهو يبالغ في تأمين البيت خوفاً من الحرامية، وعندما يضج أبناؤه بالحياة التي يعيشونها معه لا يتردد في الاستعانة بصديقه أمين الشرطة ليبيتهم ليلة في الحجز حتى يقدّروا النعمة التي هم فيها فيكون قد لقنهم درساً يعينهم على صعوبات الحياة.
ومع ذلك فإن المثقفين والمسيسين حين يتحدثون عن الدولة المدنية، لا يضعونها على نقيض الدولة العسكرية القائم تهديدها بشكل مباشر؛ المدنية التي يقصدونها هي اللا-دينية (أليس مضحكاً أن يحدث تحالف بين الجيش والإخوان المسلمين بل وبين الإخوان المسلمين وبقايا الحزب الوطني من أجل تمرير التعديلات الدستورية؟) وهو ما كان المثقفون والمسيسون مشغولين به دون النظر إلى المجتمع المحيط بهم من قبل حتى أن يتنحى مبارك: المادة الثانية من الدستور، والدولة اللا-دينية. ومدفوعاً بتضامني الصادق معهم، أنا، وجدتُني أتساءل: عندما تصبح مصر دولة مدنية بحذف المادة الثانية من الدستور، هل يعني ذلك أنه لن يكون فيها ذقون ولا مخابيل ولا جيران يحشرون أنوفهم في شؤون جيرانهم أو بوليس آداب؟ هل أن مصر ستكون خالية من حاملي “السنج” المكشوفة صدورهم وقد “ضربوا” برشاماً تحت أعين آباء متقيحين من واجبنا احترامهم وهم يدفعوننا على سلالم العمارات مفضّلين أن نموت على أن نستمتع بمباهج الحياة؟ هل يضمن الدستور حق الاعتراض على التفاهة والغباوة في الأوساط والعياذ بالله الفكرية؟ وماذا عن أمي وغيرها من المتدينين العاديين جداً في الحياة؟ (أمي نفسها التي كانت ترفض وبشدة إلغاء المادة الثانية من الدستور ستقود فيلقاً كاملاً من أصدقائها وأقاربها مع الخادمات والبوابين إلى صندوق الاقتراع ليصوّتوا جميعاً بـ “لا” للتعديلات الدستورية، وفي يوم هكذا سيخبرني الجميع إثر عودتي فاقت فيه سعادة “الناس العاديين” سعادتهم بالثورة، لأنهم ولأول مرة في حياتهم ظنوا أنفسهم يشتركون فعلاً في تقرير المصير… والمصير لا يقرره إلا المضطلعون الذين لهم سنوات طويلة بـ”العملية الانتخابية” من ذقون وفلول وأناس يحملون الهراوات.) مصر دولة مدنية؟ طيب! بين يوم وليلة إذن سيكف البنات عن التحجب من تلقاء أنفسهن، وستكف القوادة باسم التحضر في المقابل بين طلائع لن يكونوا جهلة ومستهترين ولن يضحوا برغباتهم الأصدق من أجل المناظر والمكاسب. سيمكنك أن تقبّل حبيبتك على النيل دون أن تكون من مُلّاك السيارات ودون أن يظهر لك مخبر أو واحد يعرض عليك، بسعر ابتزازي، “قعدة عائلية”. وستتخذ الصلة بالغرب أشكالاً غير نموذج “الخرتي” الراغب في الهجرة بأي ثمن، مؤجّر جسده في سبيل “الحرية”. وحتى العلاقات المثلية عابرة الثقافات أو الطبقات ستكون بين ندين فعلاً بدلاً من أن تظل بين غني عجوز وفقير شاب ليس بالضرورة مثلياً… هكذا بين يوم وليلة… بمجرد حذف المادة الثانية من الدستور، لأن مصر الآن دولة مدنية. لا للتخلف. لا لقمع الحريات. لا للدولة الدينية. وقّعنا البيان الألف وخمسمائة ومليون وخرجنا نبحث عن خمرة ونسوان بينما زوجاتنا يُرضعن العيال في البيوت هيييييييييييييييييييييه! مصر دولة مدنية. ليس عن تعاطف مع الفكر أو النشاط الإسلامي أبداً، خمس مرات في اليوم كنت أردد: اللهم إني أبرأ إليك من الثقافة والمثقفين. وعلى “الفيسبوك”، من الكويت، انتبهتُ إلى “إبراهيم” يقول إن هناك الكثير من ضباط البوليس الشرفاء ومثلهم في المجالات كلها التي كان يسيطر عليها النظام. كتبت لإبراهيم رداً على ذلك أنه في بلد من العادي فيه أن يتحول المجند إلى خادم منزلي لدى ضابط شرطة هو نفسه بالكاد يجد قوت يومه، من الصعب الكلام عن مواطنين شرفاء؛ لم أكتب أنني لا أعرف، في السياق، ماذا يمكن أن تعني كلمة شرفاء. ومن ينطق بكلمة وعي أمامي، من الآن فصاعداً، سوف ألكمه في وجهه بلا تحذير.