مهاب نصر ليلة سقوط القذافي

القصيدة الزراعية

***

حزب الكنبة الفاسد

***

السؤال عن الإخوان، وعن سيناريو وصولهم للسلطة شائك للغاية. لعدة أسباب

أولا أن الغالبية العظمى من الناس لاتزال غير متفهمة للطبيعة القانونية للحكومات المعاصرة حتى وهي تطالبها بالتزامتها، ففكرة الحكومة لدى الكثيرين مازالت مستمدة من فكرة شخصية عن الحكم تجسده في زعماء، قادة، أهل ثقة إلخ، ومن ثم تفترض أن الحكومة الصالحة هي تلك التي تضم أشخاصا صالحين، أو موثوقا بهم بالنسبة للمواطن. وصحيح أن هذا شرط طبيعي في أي حكومة. لكن الحكومة بمعناها القانوني لا شخصية وإنما تمثل أمرين: أولهما التفويض المؤقت من قبل أغلبية تؤيد تلك الحكومة، وثانيهما تعبير هذه الحكومة عن برنامج سياسي واجتماعي واقتصادي واضح المعالم وغالبا ما يتجسد ذلك في الأحزاب، وهي تختار إذن بناء على هذا الشرط لا الشرط الشخصي: البرنامج.. لا الشخص.

لكن في ظل الفساد العام في مصر والدول العربية جميعها، صارت الفكرة المقابلة هي التخلص من الفساد باختيار عناصر مأمونة النزاهة، ليسوا على الأقل لصوصا أو متورطين في قضايا فساد. ولأن معظم المواطنين المصريين لم تتكون لهم خلال المائتي عام السابقة منظومة أخلاقية ذات مرجعية اجتماعية واضحة، فما زالت فكرة الأخلاق مبعثرة بين الدين ومرجعيته والتقاليد المكتسبة والموروثة، والتي يتضارب بعضها معه بعض في مزيج فريد من أخلاق غير قادرة على احداث التوافق. والأمران مختلطان أشد الاختلاط لدرجة أن كثيرا من الأفكار الأخلاقية تسند إلى الدين عنوة رغم أن مرجعيتها تاريخية واجتماعية أصلا. – اقرأ المزيد

لم يكن أحد منا يعرف مهاب جيداً، لا بوصفه شاعراً تسعينياً من الفيلق السكندري الذي بدأ في الظهور منذ الثمانينيات – علاء خالد وأسامة الدناصوري بالتحديد كان لهما تأثير قوي على جيل التسعيناتوإن تنصلوا لذلك – ولا بوصفه زوج مناضلة سبعينية تكبره بعشر سنين أو أكثر.

سنة 2024 أفكر في وديع سعادة وأتذكر حقيبة المستقبل، حقيبتنا. حقيبة جماعة التماسيح للشعر المصري السري وحقيبة مهاب نصر وحقيبتنا. بالفعل لم نرد أن نحملها. لم ندرك أن وصولنا متوقف عليها.

- من رواية “التماسيح“، قيد الاكتمال

حوار‮ ‬منصورة عز الدين

هدفي تحطيم البقرات المقدسة

لا يكف يوسف رخا عن إثارة الشغب‮. ‬

حاجته الدائمة إلي المغادرة وعدم الثبات تدفعه لاختبار أقصي درجات التمرد و(السخط؟‮) ‬في الكتابة‮. ‬لا يعترف بأي فواصل أو حدود بين الأنواع الأدبية،‮ ‬لذا يمعن في التنقل بينها ومزجها ببعضها البعض كأنما تتحول الكلمات معه إلي لعبة ما‮. ‬إلي مكعبات أو قطع ميكانو يرّكبها كل مرة علي نحو مختلف ثم لا يلبث أن يفككها من جديد‮.‬

اللغة من وجهة نظره صديق لا يجب أن نبذل معه كل هذا الجهد‮. ‬صديق يتحول رخا من أجله إلي متآمر أبدي يظل يسهم في تنفيذ مؤامرة محكمة للتأكد من أن اللغة‮ “‬لغته لا تعيش إلا خارج الكتابة‮” ‬كما كتب في نص‮ “‬لسان العرب‮” ‬ضمن كتابه الأحدث‮ “‬كل أماكننا‮”. ‬وهو النص الذي يشبه خارطة طريق‮ (‬لن أقول مانيفست‮) ‬لنظرته للّغة،‮ ‬وهي نظرة،‮ ‬ربما تكون بدأت معه منذ بدايته،‮ ‬إذ نجد تجلياً‮ ‬آخر لها في نص من نصوصه الأولي‮ (‬منشور في الكتاب نفسه‮) ‬وعنوانه‮ “‬عبّاس العقاد‮” ‬يكتب فيه‮ “‬تلك القوالب الخرسانية‮/ ‬وقصائد الحديد والصلب‮/ ‬هل كنت تتحدث مع المازني‮/ ‬بلغة سرية؟‮/ ‬أنت لم تترك لي‮/ ‬أكثر مما تركه الإغريق القدامي‮/ ‬أنت ورثتني‮/ ‬قوالب طوب‮/ ‬أنت ممن جعلوني‮/ ‬أكره اللغة العربية‮”.‬

هذه القصيدة أشبه ما تكون بتصفية حسابات مع نظرة معينة للّغة وللفن،‮ ‬وهو أمر لا ينكره رخا،‮ ‬إذ يقول‮: “‬كان هذا مطروحاً‮ ‬في قصيدة التسعينيات‮. ‬تصفية حسابات مع البشر والدنيا بشكل إنساني،‮ ‬تصفية حسابات علي المستويين الجمالي والأدبي‮. ‬لكن يمكنني قول إنه ليس تصفية حسابات بقدر ما هو تمرد أو تكسير للبقرات المقدسة،‮ ‬والعقاد أكبر‮ “‬البقرات المقدسة‮” ‬بدون وجه حق‮! ‬هو من وجهة نظري ليس لديه جديد يقوله،‮ ‬علاقته باللغة مريضة ومختلف تماما عن طه حسين مثلاً‮. ‬موقفي من العقاد ليس موقفاً‮ ‬من عصر ولا توجه سياسي،‮ ‬إنما موقف من كاتب أرفض التعبد في محرابه‮. ‬الآن لن أكتب قصيدة بهذا المنطق‮. ‬لأني مقتنع حاليا أن تصفية الحسابات حتي لو بشكل جمالي ليست هدفاً‮ ‬كافياً‮ ‬للكتابة‮”.‬

‮ ‬تبدو اللغة هنا هي المعيار الأول الذي يقرِّب صاحب‮ “‬بيروت شي محل‮” ‬من كاتب أو ينفره منه،‮ ‬يستشهد بطه حسين باعتباره النموذج المغاير للعقاد،‮ ‬لكنه يعود في نص‮ “‬لسان العرب‮” ‬ليسخر من صاحب‮ “‬الأيام‮” ‬لأنه شغل نفسه بسؤال‮: “‬أيهما الأصح‮: ‬تخرّج في الجامعة‮ ‬_‮ ‬أم من‮ ‬_‮ ‬الجامعة؟‮”. ‬

من ناحية أخري‮  ‬يبدو يوسف رخا كأنما في صراع دائم مع اللغة للوصول للغته هو،‮ ‬لغة تخصه،‮ ‬وتشبهه،‮ ‬بما يحمله من تمرد وقلق ورغبة دائمة في اخراج لسانه للجميع وتكسير كل الأيقونات والبقرات المقدسة‮. “‬هذا في حد ذاته من الأشياء الأساسية في الكتابة الأدبية‮. ‬درجة من الطزاجة تسعين لها‮. ‬أن تتجاوزي الكليشيهات حتي لو قمتِ‮ ‬بسك كليشيهات خاصة بكِ‮ ‬في المقابل‮.” ‬يقول رخا قبل أن يضيف‮: “‬ثمة سلطات لغوية مزعجة‮. ‬توجد سلطوية كريهة في التعامل مع اللغة‮. ‬هذا شيء ضد الإبداع‮. ‬نحن نتكلم لغة‮ ‬غير التي نكتب بها‮. ‬لدينا لهجات مختلفة،‮ ‬ولغة لم تتطور إلا علي الورق،‮ ‬وأري أن هذا شيء جيد‮. ‬لو حذونا حذو أوروبا لكانت كل لهجة تحولت إلي لغة منفصلة‮. ‬هذا يطرح سؤالاً‮ ‬طوال الوقت هو‮: ‬كيف تكتبين؟ أنتِ‮ ‬مسبقاً‮ ‬اخترتِ‮ ‬الكتابة كامتداد تاريخي لما كُتِب باللغة العربية علي مدي التاريخ،‮ ‬لكن مع لمسة إنسانية تقترب من لغة الكلام‮. ‬في مرحلة من المراحل،‮ ‬عندما كنت أفكر في الكتابة،‮ ‬شعرت أن الأشياء التي من الممكن أن أخسرها والتي لا تعوض هي الصراع بين العامية والفصحي‮. ‬لديكِ‮ ‬لغتان يمكنكِ‮ ‬استنباط شيء مختلف من تصادمهما أو تجاورهما‮. ‬اللغة إضافة لكونها علاقة صريحة مع ما هو الشعر،‮ ‬إنما هي أيضا صراع‮. ‬معظم الكتّاب الذين أحبهم سواء بالعربية أو الإنجليزية يكون عندهم لغة تخصهم‮”.  ‬

‮>>>‬

اختار رخا‮ “‬كل أماكننا‮” ‬عنواناً‮ ‬لكتابه الأحدث الصادر عن دار العين،‮ ‬كأنما يؤكد من جديد علي أهمية المكان في كتابته‮. ‬إذ يظهر دائما باعتباره مركز الكتابة والعنصر الأساسي فيها‮. ‬لاحظنا هذا في كتبه في أدب الرحلات من‮ “‬بيروت شي محل‮”‬،‮ ‬إلي‮ “‬شمال القاهرة،‮ ‬غرب الفلبين‮”‬،‮ ‬وها نحن نلاحظه في نصوصه الأحدث المقالات منها والقصائد،‮ ‬بل وحتي في مخطوط روايته التي لم تصدر بعد‮ “‬كتاب الطغري‮”. ‬يعترف رخا أنه في الشعر لا يوجد لديه وعي بحضور المكان‮: “‬عندما سافرت إلي أبو ظبي وجدتني أكتب قصائد متتالية عن المكان دونما تخطيط أو قصدية‮. ‬وكان هذا لطيفاً،‮ ‬إنما الكتابة عن المكان في كتب الرحلات تتم عن عمد،‮ ‬أعتقد أن المكان من الأشياء الأساسية عندي،‮ ‬أكثر أهمية من الزمن بالنسبة لي‮. ‬من المفارقات أني عشت في أماكن كثيرة جدا في القاهرة وخارجها،‮ ‬وكنت دائما أعود للشقة التي وُلدت فيها‮. ‬احساس لا علاقة له بالعاطفة أو الحنين‮”. ‬

الزمن في كتابات رخا إما مفكك أو موجود في منظومة محددة سلفاً‮. ‬في كتاب‮ “‬الطغري‮” ‬مثلاً‮ ‬تدور الرواية في ثلاثة أسابيع محددة‮. ‬ويظهر فيها المكان‮ / ‬القاهرة وتغيراته بشكل واضح،‮ ‬بل إنها‮ (‬أي القاهرة‮) ‬العنصر الأساسي في‮ “‬كتاب الطغري‮” ‬كما يؤكد رخا‮: “‬وهذا جزء رئيسي من عملية التكوين في الرواية‮. ‬المكان حاضر تماما،‮ ‬ليس فقط القاهرة،‮ ‬إنما نكهات معينة لأماكن معينة‮. ‬قاهرتي أنا‮. ‬شعرت باختلاف كبير حينما أكتب عن مكان ضخم أعرفه جيدا‮. ‬أبو ظبي وبيروت مثلا أصغر من القاهرة،‮ ‬وخبرتي فيهما أقل‮. ‬عندما يكون المكان كبيراً،‮ ‬وخبرتك فيه كبيرة تستطيعين اللجوء لخيارات صعبة‮”.‬

لكن بعيداً‮ ‬عن مركزية المكان،‮ ‬يبدو‮ “‬كل أماكننا‮” ‬مربكاً‮ ‬لهواة التصنيف،‮ ‬فالكتاب يحطم الحدود بين الأنواع الأدبية المختلفة،‮ ‬إذ يضم ديوانين قصيرين أحدهما قديم والآخر جديد،‮ ‬ومعهما نصوص ومقالات‮. ‬تجسير الفجوة بين الأجناس له مستوي آخر أيضا فثمة نصوص شعرية في الكتاب أقرب للنثر،‮ ‬ومقالات ونصوص سردية أقرب للشعر‮. ‬لا يبدو يوسف رخا مرتاحاً‮ ‬لفكرة أن يبرر نشره للمقالات مع القصائد،‮ ‬يقول بدرجة من الاستهانة‮: “‬كان لدي ديوانان قصيران،‮ ‬لا يصح أن ينشر كل منهما وحده،‮ ‬كان من الممكن أن يُنشرا مع بعضهما في كتاب أصغر‮. ‬لم أرغب في أن ينشر كل منهما في كتاب أصغر لأن لدي مشكلة مع الكتب الهزيلة حجماً،‮ ‬كما كنت أشعر بضرورة أن تتم قراءتهما معاً‮. ‬أيضا أردت كسر التصنيف الحاد بين النثر والشعر واخترت نصوصا نثرية من الممكن أن تصنع حالة كلية مع الديوانين‮. ‬من الممكن أن تقرأي القصائد علي أنها نثر مطبوع بشكل مختلف،‮ ‬وتقرأي المقالات علي أنها شعر مطبوع كنثر‮”.‬

أسأله‮: ‬تبدو مشغولا بتجسير المسافة بين الأنواع الأدبية المختلفة،‮ ‬ما السبب؟

‮- “‬بالنسبة لما أكتبه،‮ ‬أشعر أن مسألة الأنواع الأدبية مفتعلة‮. ‬ثمة شكل تقني يتطلب أشياء معينة‮. ‬ولديّ‮ ‬دائما تساؤل هو‮: ‬هل لو كتب رامبو روايات لكان أصبح أقل أهمية وتأثيراً؟ وهل لو كتب ديستويفسكي قصائد لكان أقل أهمية؟ فكرة التخصص التي كانت سائدة في السبعينيات لا معني لها من وجهة نظري‮. ‬الكتابة كتابة سواءً‮ ‬أكانت مقالا أو ريبورتاج أو قصة‮. ‬ما يحركني لها دوافع واحدة بغض النظر عن الجنس الأدبي الذي أكتبه‮. ‬في لحظة معينة أجدني أقرأ كتاب‮ “‬ميزان الذهب في شعر العرب‮” ‬من أجل كتابة بيتين من الشعر العمودي أحتاجهما في مكان معين من عمل معين‮. ‬التركيبة الموجودة في‮ “‬كل أماكننا‮” ‬لا أعرف إلي أي مدي هي موفقة‮. ‬هي مبنية علي نصوص كانت موجودة مسبقاً‮ ‬عندي‮”.‬

‮>>>‬

رغبة رخا في التمرد وتحطيم البقرات المقدسة،‮ ‬لا توفر شيئاً‮ ‬أو أحداً،‮ ‬إذ تمتد إلي الشعر نفسه‮. ‬نلاحظ رغبة قوية في إنزاله من عليائه واللعب به ومعه‮.‬

يقول‮: “‬لا أري أن أدبية النص لها أي علاقة بتوصيفه‮. ‬عندي ثورة شخصية علي الأدبية الخاصة بتلقي النص الآتية من مكان معين خارجه‮. ‬من جانب آخر هناك الأفكار التي ظهرت في التسعينيات والداعية لكسر نوع معين من البلاغة وتصور معين عن الأديب‮. ‬كان الأهم فيها أنها حطمت المفهوم الخاص بأن من يكتب يلعب دور المعلم أو الأديب أو حتي النبي‮. ‬في عملي لا تزال هناك الرغبة في أن تصدمي أو تكسري‮. ‬رغبة مصدرها التآلف مع ما حدث في التسعينيات رغم أني وقتها لم أكن واعياً‮ ‬بهذا بشكل كافٍ‮. ‬هذا الكتاب أشعر أنه فاصل‮/ ‬حاجز بين مرحلة استنفدت أغراضها وبين مرحلة جديدة‮. ‬بمعني‮  ‬بين مرحلة كتابة المكان بالشكل الذي بدأته‮ ‬2005‮ ‬وبين الرواية التي انتهيت منها مؤخرا‮. ‬الديوان صدر فوراً‮ ‬بعد‮ “‬شمال القاهرة‮ ‬غرب الفلبين‮”. ‬شعرت أنه يملأ المساحة بين أدب الرحلات والرواية‮. ‬الكتاب كان من المفترض أن يحتوي أيضاً‮ ‬علي اسكتشات وصور فوتوغرافية،‮ ‬لكن لم يحدث هذا لأسباب ربما تكون تقنية،‮ ‬الفكرة تم رفضها من قبل الناشر‮”.

Enhanced by Zemanta

ضجر يوسف رخا

اشكال
عناية جابر
كل كاتب يمتلك في داخله نظام كتابته. نظام يبين الكتابة على ما هي عليه، وعلى ما تريد أن يعتقده القارئ عنها. يوسف رخّا في كتابته عموماً (مواليد القاهرة، يعمل في الصحافة باللغة الإنكليزية منذ 1998)، بدءاً بمجموعته القصصية «أزهار الشمس» مروراً بـ«بيروت شي محل» و«بورقيبة على مضض» و«شمال القاهرة غرب الفيليبين» وكلها كتب في الأمكنة وأدب الرحلات، حتى جديده «كل أماكننا» الشعري/ النثري، الصادر حديثاً عن «دار العين» نرى الى كتابته كيف أنها تعمل وكأنها ضمير الأمكنة الطيّب، مُهمتها أن تُطابق خداعاً بين أصل الصورة (المدينة، الشوارع، الناس، المشاعر، ثم عامل الضجر بشكل أساس، الضجر الوجودي المقلق) وتحوّل هذه الكتابة، التحوّل الأكثر إدهاشاً يتمثّل في أن تُعطي الكتابة عن هذه الأشياء، تبريراً لفعل الكتابة نفسه، وتزكية حقيقتها.
أعرف يوسف رخّا وأعرف قلقه، وأتملّى هذا القلق في كتابته على وجه الخصوص.
كتابته هي شكله، جسده وروحه ويقينه (إن كان من يقين) وإرهاصاته.
ثمة كروية لأعماله، عبّرت عن نفسها بسرديات غرائبية إلى حدّ عن هذا المكان وذاك، سرديات هي إسقاطات رخّا نفسه، مصقولة ومُسقطة لعالم مُطيع ومربوط بفكرة الكاتب عنه.
في جديده الشعري/ النثري «كل أماكننا» ثمة الجملة القصيرة، بارقة وغريبة ومكوّنة لحجر الزاوية في القصيدة، فيها يتخفّف رخّا من تعداد الأمكنة لتصير هذه مجتمعة مكاناً واحداً، يتظهّر فيه ضجر الكاتب، فعلاً إبداعياً منفلتاً من جذور التجوال في المدن وشوارعها، ومتوجهاً نحو صلة منطقية تُعنى بالمشاعر فحسب، وبسيرورات داخلية تماماً غير مفتوحة على هواء الترحال الشكلي. قصائد/ لحظات شعورية ملمومة الأطراف وتليق بالشعر كما بالنثر، لأجلها يتحمّل رخّا الضغط الحاذق الصادر عن انفلاته الأقصى في كتابة أدب الرحلات، نحو حرية وانفلات كتابة أدب الدواخل الساخنة: «الزمن كفيل بكسر الجناح/ انس الأيام/ ضع قلبك على أقرب/ ترابيزة فقط/ وانتظر».
عند رخّا، نرى تعدّد ضمير المتكلّم، كأنما هو مئات الكُتّاب، سوى أن العالم هو المعطى الأول للكتابة. ضمائر للمتكلم كثيرة ومتعدّدة. وضمير مُتطلّب، وعنصر أصلي وخام للقصيدة، وللنصّ في علاقتهما الملتبسة بالشهوة (ليس الحب) وبالعجز عن الشعور بلحظة رضى.
يصعب التفريق بين الشعر والنثر عند يوسف رخّا، فهما مثل الرقمين في التماس ولكنهما متغايران نتيجة للفرق بين طول الجملة أو قصرها. النثر عند رخّا هو الحدّ الأطول لقول الشعر، والشعر هو الحدّ الأقصر لقول النثر. خصوصية الكتابة عند رخّا هي لغته أيضاً المعنية بتحطيم السائد والمُزيّن أو طقوس الصورة المعتادة. حركة الكلمات عند الكاتب تُفضي الى روابطها، تلك الروابط الكثيفة المتفجّرة التي تضع قصيدته في عمق تجربته، والبادية في «كل أماكننا» كما لو إعلانات بـ«النيون» الأزرق عن شعر يريد الذهاب إلى نقطة أبعد مما كتبه الشاعر حتى اللحظة

حوار إيمان علي في روز اليوسف اليوم

يوسف رخا: الكتابة طريقة حياة و… مهنة أيضاً

معجون يوسف رخا بالجنون الأدبي،‮ ‬يكتب شعرا،‮ ‬ونثرا،‮ ‬ويرسم أعماله،‮ ‬ويصمم أغلفة كتبه،‮ ‬ويعمل في الصحافة باللغة الإنجليزية،‮ ‬في كتابه الجديد‮ “‬كل أماكننا‮” ‬دعوة شمولية هذه المرة للتجوّل بعيني رخا في المدن التي زارها وأقام فيها،‮ ‬كان قد صرّح عن عزمه بإنهاء الكتابة في هذا المجال،‮ ‬يصحح بأنه لن يترك الكتابة عن المكان،‮ ‬لكنه سيغير طريقته في التناول‮: “‬انتهيت من الكتابة بتقنية تكرار العناوين والصوت الواحد المتحدث بأكثر من نبرة،‮ ‬لا لشيء سوي لأنها انتهت فعلا،‮ ‬و”مش هتجيب‮” ‬أكثر من ذلك‮”.‬

الكتاب الصادر عن دار العين،‮ ‬هو تجميع لديوانين وتنويعات علي نصوص شاردة بحسب وصفه،‮ ‬يكتب رخا في المكان عن علاقة العربي بالعربي‮: “‬ما يعنيني هو العالم العربي،‮ ‬لكن الغرب بشكل عام فهو حاضر رغما عني،‮ ‬أعني حضوره الثقافي المسيطر،‮ ‬لكن ما أطرحه هو فكرة العروبة كهوية ثقافية بكل تعددها،‮ ‬وليست العروبة بمنطق سياسي،‮ ‬أما في روايتي القادمة‮ “‬الطغري‮” ‬اتحدث بالأساس عن الهوية الإسلامية‮”.‬

يشرح رخا أن ما أراد تأكيده من خلال‮ “‬كل أماكننا‮”‬،‮ ‬هو كسر الحاجز بين الشعر والنثر،‮ ‬أو السرد كما يفضل أن يطلق عليه،‮ ‬والمراهنة علي التنويع في الأشكال والأجناس بدون إحداث ترهّل،‮ ‬بل علي العكس بإمكانه أن يكون متماسكا ويحقق التطلعات المرغوبة،‮ ‬بغض النظر عن القواعد الشكلية‮: “‬لا أشعر بمسافة بين النوعين في كتاباتي علي الأقل،‮ ‬لما لا نجرب أن نضع الأشياء التي تبدو متناقضة بجوار بعضها،‮ ‬وننتظر النتيجة،‮ ‬التي قد تكون في صالحنا،‮ ‬النص بإمكانه أن يكون متماسكا‮ “‬،‮ ‬من هنا يؤكد رخا أن التمسك والاتفاق عربيا علي قدم وأصالة الرواية العربية أمر‮ ‬غريب،‮ ‬رغم أن وجودها كشكل أدبي‮ ‬غير متأصل في التاريخ العربي،‮ ‬فالرواية في العالم العربي وفق رخا عمرها أقل من مائة سنة،‮ ‬وعلاقتنا بها مازالت في طور التكوين‮: “‬كثيرون لا يستوعبون أن الرواية كشكل ارتبطت بشرط تاريخي،‮ ‬فقد نشأت الرواية الكلاسيكية في روسيا وفرنسا القرن الـ19بمنطق التسلية،‮ ‬مثلها مثل التليفزيون،‮ ‬كان ينظر للرواية علي أنها متعة رخيصة‮”.‬

يقول رخا إن ما مكّنه من الكتابة عن مدن مثل بيروت وتونس أنها مدن صغيرة بالمقارنة بالقاهرة،‮ ‬بدليل أنه عندما قرر الكتابة عن تاريخ القاهرة جاءت الرواية القادمة ضخمة،‮ ‬وعموما هو يشعر بطمأنينة حسب قوله في ظل‮ ‬غياب مرجعيات كبري بخصوص المكان،‮ ‬مما يعني‮ ‬غياب الفكرة الكبيرة المؤرقة دائما‮: “‬ليس في‮ ‬غيابها مصيبة،‮ ‬أحيانا يحتاج المرء إلي التماس ولو حتي فكرة تافهة أو صغيرة‮”.‬

نرجع للحديث عن المشروع القادم،‮ ‬فيخبرنا صاحب‮ “‬بيروت شي محل‮” ‬بأنها عبارة عن رحلات داخل القاهرة،‮ ‬وفيها تلامس مع الفترة العثمانية،‮ ‬وأنه اكتشف أن عدد الكلمات في أحد فصول تلك الرواية يتجاوز مجموع صفحات آخر كتابين له‮ “‬بورقيبة علي مضض‮” ‬و”شمال القاهرة شرق الفلبين‮”‬،‮ ‬والأهم من ذلك أنه اشتغل فيها علي درجة عالية من التخيل،‮ ‬صحيح أنها رواية عن التاريخ،‮ ‬لكنها‮ – ‬كما يري‮ – ‬ليست بحثا تاريخيا بالمفهوم الذي يتبعه جمال الغيطاني مثلا‮.

‬في هذه الرواية أيضا كعادته لا يتخلي يوسف رخا عن لغته المحيرة،‮ ‬المراوغة‮ ‬والموسوعية،‮ ‬يعترف رخا أنه خائف من ردود الفعل تجاه لغة الكتاب خصوصا في العواصم العربية المتأثرة بالثقافة الفقهية،‮ ‬وبالتالي تنزعج من العامية المصرية،‮ ‬والتي تسرد في الرواية كما يوضّح حكاية خيالية‮ ‬غير واقعية وغير عقلانية بالمرة،‮ ‬وتحيلنا تقنية الأسلوب الذي يستخدمه فيها‮ – ‬أتيح التعرّف علي أجواء الرواية من إيميل كان رخا قد أرسله عبر مقتطف من الرواية ليقرأه الأصدقاء‮ – ‬إلي الكتابات التراثية التاريخية لدي الجبرتي بالتحديد وابن إياس،‮ ‬يقول‮: “‬استوحيت من هذه مثل الكتابات تكنيك تركيب الجمل والتدفق وروح الشفاهية الأسلوبية وليست اللفظية،‮ ‬خاصة أن كتابات الجبرتي مثيرة بالنسبة لي،‮ ‬لا أحاكيها ولا أتناص معها،‮ ‬بل بإمكان القول أنني استحضرها وأعيد إنتاجها‮”‬،‮ ‬إلي جانب ذلك يذكّر رخا بفترة ابن إياس بالتحديد والتي كانت متهمّة بتراجع الأدب فيها،‮ ‬وهو ما لا يراه رخا ويناقضه‮: “‬كانوا يكتبون بأسلوب الصحفيين مع‮ ‬غياب مفهوم الصحافة وقتها‮”.

‬ بعد إدراج اسمه ضمن قائمة أدباء مسابقة بيروت‮ ‬39‮ ‬صرّح رخا بأنه يعيش مرحلة انتقالية في مساره،‮ ‬جعلته يلتفت إلي الأدب أكثر من ذي قبل،‮ ‬أسأله عن السبب،‮ ‬يحكي لي أنه إلي حد ما شعر بالتحقق علي المستوي الصحفي‮ – ‬التحق بهذا المجال منذ‮ ‬1998‮- ‬وقد شغله عن الكتابة الإبداعية لاعتبارات أكل العيش،‮ ‬أما بعد ذلك فيعتقد أنه انفتحت له مجالات للكتابة،‮ ‬لها علاقة بإحساس انتظار الناس لما سوف يصدره،‮ ‬يقول‮: “‬الكتابة طريقة حياة،‮ ‬ثم هي بالأساس مهنة،‮ ‬وبالنسبة لي كان مهما أن تمنحني شغلة الكتابة في الصحافة عائدا ماديا‮”.‬

c.v

مواليد‮ ‬1976

يعمل صحفيا بالأهرام ويكلي

يكتب الشعر

نشر له‮ “‬بيروت شيء محل‮” ‬2006‮- “‬بورقيبة علي مضض‮” ‬2008

‮”‬شمال القاهرة‮ ‬غرب الفلبين‮” ‬2009

وكتابه الأخير‮ “‬كل أماكننا‮” ‬صادر عن دار العين

يعمل حاليا علي رواية بعنوان‮ “‬الطغري‮”‬

Reblog this post [with Zemanta]

الذي جاء بالكهرباء: صوت


من قصائد “كل أماكننا” – اضغط الميكروفون لتسمع



الذي جاء بالكهرباء

الذي جاء بالكهرباء

لم يكن قبيح الخلقة

بدا الجهاز في يده

كهاتف أو مسجل

مجرد إضافة عصرية

لربطة العنق الأنيقة

والحذاء ذي اللمعة الآخذة

الذي جاء بالكهرباء

لم يكن سادي الأداء

كان أدبه شديداً

وهو ينحني بالسلام

قبل أن يقرأ علينا

قرار العقاب

معتذراً عن قسوة سيده

الذي جاء بالكهرباء

لم يصعقنا حتى تأكد

أننا مستعدون

وكان بعد كل صرخة

يرجئ الصعقة التالية

متمتماً بالنصائح

لتخفيف الألم

كان لطفه ساحراً ذلك

الذي جاء بالكهرباء

لدرجة أننا اقتنعنا

بإمكانية التحمل

وعزمنا على تسهيل مهمته

حتى اكتسبت صرخاتنا

نبرات تفانٍ صادق

ما انتابنا الشك لحظة بأنه

يخفي أصوله البربرية

في محافل الوجهاء

أو ينسب لأجداده عبارات

عن الحرية والعدل

وحق الجسد في النمو

دون أن يتعرض للعذاب

خلب ألبابنا الذي جاء بالكهرباء

حتى استسغنا عذابنا

صدور “كل أماكننا” عن دار العين علامة فارقة في تاريخ الشعر العربي، واللي عنده رأي تاني يطلعلي برة

البلاد

لحظةَ أن يبقبق اليأس

يضع كلَ أشيائه على

كتفيه، يرحل بعيداً

الانتحار على سبيل التخلص

من العيون المتلصصة

ربما يجد محبته هناك

عندما يصبح وردة حمراءَ

أو شجرة سامقة

هناك ربما يجد محبته