قراءة مسموعة في كتاب الطغرى
Tag Archives: دار الشروق
كتاب الطغرى في ١٤ دقيقة وثانية واحدة
الثورة والطغرى
لم يمر أسبوع على تنحي مبارك حتى صدر – أخيراً، عن دار الشروق – “كتاب الطغرى”، كأنه هو اﻵخر كان معتصماً في ميدان التحرير ينتظر الفرج: أجندة مندسة ضمن أجندات عمر سليمان التي أشبعناها سخرية بينما المروحيات تحوّم في اﻷسبوع اﻷخير.”الطغرى” هي أولى رواياتي التي ترقبت صدورها طوال عام دونما أعلم بأن ثورة ستحدث أو أتنبأ بتغير جذري في الحياة. وحيث أنني – حتى أنا – لا أعرف بماذا يجب أن أشعر وأنا أقلّب صفحات الكتاب اﻵن، ينتابني شيء من الحرج حيال إعلامكم بصدوره.
لا أخفيكم أن الثورة جعلت نشر “الطغرى”، كما جعلت كل شيء سواها، أقل أهمية بما لا يقاس. واﻵن ليس من عزاء، ولا مبرر لبجاحتي في إرسال هذا البريد، سوى أن الرواية نفسها هي صورة للمدينة التي أنتجت الثورة قبل ثلاثة أعوام من حدوثها (أنا أتممت الكتابة في بداية 2010، وحصرت اﻷحداث في ثلاثة أسابيع من ربيع 2007). هذا، وتلتقي الطغرى مع الشعب – بكل التواضع الواجب – في إرادة تغيير النظام: السخط على الوضع القائم واستبصار مؤامرة ضد الحرية في طياته، والبحث عن هوية تناقضه وتدفع الثمن.
أهنئكم وأهنئ نفسي بالثورة، أتمنى أن يكون لـ”كتاب الطغرى” من بعدها وقت أو مكان. وبرغم المجهود الذي بذلته في إتمامه وأي فائدة قد ينطوي عليها، سيظل الشهداء دائماً أجدى منه باهتمامكم.
دموع الفرح من ميدان التحرير منذ مساء 11 فبراير
This message is to inform you of the publication by Dar El Shorouk of my first novel, Kitab at-Tugra (or Book of the Sultan’s Seal, a portrait of Cairo set in 2007 and completed in 2010) within days of the triumph of the 2011 Revolution. I submitted the book for publication at the start of 2010, and I waited a year to see it in print, but it is hard to be very excited about its appearance with Dar El Shorouk now that something so much more important has happened. My consolation – and where I got the nerve to send this message nonetheless – is that Kitab at-Tugra was a sincere attempt at picturing a city unwittingly poised for revolution, and that – like the people who worked the present miracle, of whom, very humbly, I claim to be one – it too sought to bring down the order. The fate of the martyrs of Tahrir will always be worthier of your attention than my novel.
رواية علاء خالد
ريشة طائر

لم يكن ممكناً أن يكتب علاء خالد كتابه الأخير (ألم خفيف كريشة طائر تنتقل بهدوء من مكان لآخر) في أقل من ٣٧٨ صفحة، ولعله لم يكن ممكناً أن يقصّر حتى العنوان. هذه هي قصة العائلة، أو سيرة ذاتية تتعدى موضوعها – الفرد – إلى مَن أحاط بتكوينه من أقارب وأصدقاء: غرابة أطوار الأخوال وتفاوت نجاحات رفاق (ثانوي) في اكتشاف عالم النساء وأحلام الأم التي تخفيها على أبنائها لأنه ثبت بالدليل الدامغ أنها تتحقق. هذه السيرة الانتقائية – وهو التجنيس الأقرب إلى (ألم خفيف) من الرواية – تبدّي مكامن الشعر والحكمة العفوية على موضوعية البناء أو التخييل (الروائي) كما على نوازع الانتقاد. والأبدع أنه في كلمات العنوان التسع فعلاً ما يختزل حنان علاء خالد الأعمق وأصالة ما يرصده في هذا البيت-الوطن، القدرة التي اكتسبها منذ (خطوط الضعف، ١٩٩٥) على تجاوز الوله بالذات وغذائها إلى محبة الآخرين، بينما يعرض لنفس الصورة الفريدة عن وجود الإنسان في الدنيا التي سعى إلى التعبير عنها وصفاً أو غناء في القصيدة والحوار، ثم سرداً وحكياً في المقال الأطول الذي يمكن إدراجه في باب أدب الرحلة أو السيرة الانتقائية. ولن يكون علينا، من أجل أن ندحض هذه الصورة للوجود، إلا الإشارة إلى احتمال أو جدوى آلام أثقل وانتقالات أسرع أو أكثر ارتباكاً في الحياة.
غير أن علاء خالد في أطول أعماله لم يقترف ما يشجع على الدحض أو الإحالة. ليس سوى بضع عثرات تحريرية – في ترتيب بعض الفصول، في تكرار كلمة (كان) كمفتتح لكل جملة بامتداد فقرة كاملة، في إضغام عبارات رؤيوية رائعة كانت لتبرق لو أُحسن تأطيرها – تؤخذ على عمل سائغ بدرجة غير عادية بمقاييس (الكتابة الجادة)، ممتع على أبسط مستويات القراءة وأقربها إلى سطح الوعي: ككلام عادي عن ناس عاديين، ربما، ولكن أيضاً كسلة حواديت (واقعية) تبدأ بعودة الجد المهاجر مهزوماً إلى الإسكندرية من هيام في صحراء شمال أفريقيا وتنتهي بالزواج أو موت الأم أو ربما فقط هذه الكتابة. المتعة حاصلة على الرغم من عمق ما يؤديه علاء خالد من مهام مع طرح شخوص مقنعة ومتعددة الدلالة والتأريخ لمجتمع الإسكندرية في ثمانينيات القرن العشرين بالذات. ولا شك أن حجم (ألم خفيف) الضخم مقارنة بالغالبية العظمى مما أقام أود (الانفجار الروائي) في السنين الأخيرة يفضح مَرَضيّة هاجس التكثيف الموروث وما بات يقترن به من ضحالة واستسهال، كما يجب اتهاماً وجه إلى الروائيين المصريين الجدد بأنهم عداؤون قصيرو النفس. إنه النص المستفيض الماثل أمام (القارئ العادي)، وهو من هذه الزاوية أيضاً الانعكاس الأبهى لصورة علاء خالد عن الوضع الإنساني.
إنها صورة تعكس هشاشة وتناقض وربما نرجسية الطبقة المتوسطة – حرصها البادي على بقاء الحال، وحالها هي بالتحديد، على ما هو عليه – لكنها في الوقت نفسه صورة تتجاوز الشرط التاريخي إلى تعدد إنساني وانفتاح على فضاءات روحية ونفسية من شأنها أن تجعل للحياة، وحياة الطبقة المتوسطة بالذات، معنى يعيننا كتاباً وقراء على أن نعيشها.


