حسين بن حمزة: لا عزاء للتماسيح

سعادتي برواية التماسيح قد تفهم خطأ. أعتقد أن الفترة التي كتبت فيها – وخلالها توطدت علاقتي بيوسف رخا – كانت من أغنى الفترات في وقت بدا قاحلا ومربكا … الحوارات الشاقة مكسِرة الرأس على موجة الثورة العالية والهابطة إلى القاع هي التي حولت مشاعر كان من الممكن أن تبقى مجانية تماما إلى كلام. من منا لا يدين لشخص دفعه الى الكلام؟ – مهاب نصر يوم ٢٠١٢/٩/١٩

.

على خلفية إسقاط النظام المصري، تعيد رواية «التماسيح» (الساقي) كتابة محطات أساسية لـجيل التسعينيات الذي انتهت أحلامه بتغيير العالم إلى انهيارات شخصية حاولت أن تجد سلواها في الثورة المغدورة

wpid-img_4256-2013-06-4-08-572.jpg

«أحياناً وأنا أستعيد حواراتنا ومشاجراتنا وكل السُّبل المعقدة التي ربطتنا ثم حلّت الرّباط، يبدو لي أنّ الفشل كان القيمة الوحيدة المحرِّكة في الدائرة»، بهذا الاعتراف الذي سيتكرر في صفحات وسطور أخرى، يُنهي يوسف رَخَا (1976) روايته «التماسيح» (دار الساقي). الفشل لا يُقدم هنا كنتيجة نهائية، بل كاستعارة كبرى تختزل السياقات السردية للرواية التي تتحدث عن تجربة جيل التسعينيات في الشعر والكتابة، والعلاقة مع الجيل السابق ومع المؤسسات الثقافية.

Continue reading

عادل أسعد الميرى عن التماسيح، مع معرض افتراضي من خمس صور

«تماسيح» يوسف رخا: الصراع الخفىّ والعلنىّ بين الأجيال المختلفة للشعراء المصريين

نشر في جريدة التحرير 27/5/2013 . اقرأ أيضاً: تهامة الجندي، روجيه عوطة

wpid-img_0999-2013-05-27-16-15.jpg

«التماسيح» ليوسف رخا رواية جديدة فى الشكل والمضمون. أولًا من حيث الشكل أنت كقارئ مشدود من البداية للنهاية، إلى تلك الفقرات المتتالية التى تتكون منها الرواية، وتصل إلى نحو 400 فقرة مرقّمة، بعضها بطول صفحتين وبعضها الآخر بطول سطر واحد. الأحداث تظل تتحرك فى حالة جِيئة وذهاب طوال الرواية، بين الماضى والحاضر، الماضى فى السبعينيات والتسعينيات، والحاضر الذى يقع فى العام الأخير 2012.

تقع أحداث الرواية فى مجموعة من الأماكن التى يتكرر ذكرها فى النص، مثل البيوت التى سكنها أبطال الرواية، والمقاهى التى كانوا يترددون عليها، والشوارع التى كانوا يمشون فيها، حتى نقترب بالتدريج من لحظة ظهور جسم الرواية قرب نهاية العمل.

Continue reading

حوار آية ياسر

wpid-photo-2012-12-31-04-38.jpg

.

كيف كانت بدايتك مع الكتابة الأدبية؟

الأدق ربما الحديث عن بداياتي، لأنك كلما بدأت كتابة أدبية – وأنا أعلم أن هذا كليشيه لكنه فعلاً ما يحدث – يكون الأمر كما لو أنك تكتبين للمرة الأولى؛ لا أذكر متى أول مرة كتبت فيها شيئاً أدبياً لكنني كنت أكتب قبل أن تكتمل قصة “أزهار الشمس” التي سُميت مجموعتي الأولى باسمها سنة ١٩٩٤، وكان معلمي الذي تابع كتابتها وعاصر صدور المجموعة دون أن يتمكن من مساعدتي على نشرها هو علاء الديب. كان عمري حينها ثمانية عشر عاماً وكانت حياتي الحالية – أقصد حياتي كشخص مستقل يدخل في علاقات ويكتب – قد بدأت بالفعل في مرحلة كما ترين مبكرة. أعتقد أن الكتابة، فضلاً عن أن فيها جرثومة الكلام التي أحسبني ولدت بها، كانت منذ اللحظة الأولى محاولة للتعامل مع الحياة بفهمها أو تحويرها بهدف الفهم – ولعل كلمة “فهم” ليست تعبيراً دقيقاً عما أقصده، وهو غاية الكتابة والسبب في أن كل كتابة جديدة تكون بداية – الأمر الذي اتضح فيما بعد أنه مسار معرفي قبل أن يكون علاجاً نفسياً وقبل أن يكون مهنة أو أسلوب حياة.

.

ما الذي مثلته لك مجموعتك القصصية الأولى “أزهار الشمس”؟

مثّلت لي كتابتها إحساساً عميقاً بالتحقق – ليس بداية مشروع روائي أو شعري كما قد يُفترض، ولكن تحققاً – ومع ذلك، في الوقت نفسه، مثّل لي نشرها إحباطاً شديداً في قابلية العالم المحيط بما فيه الوسط الأدبي على احترام تحققي هذا: استخدامه أو الاحتفاء به على أي نحو. ليس من عادتي أن أجتر كتاباتي القديمة أو أعيد قراءتها ما لم تقتض ذلك ضرورة ما، لكن أستطيع أن أقول إن القسم الأكبر من “أزهار الشمس” هو كتابة جيدة وإن السبب في أن أحداً لم يلتفت إلى الكتاب هو أنني كنت صغير السن وغير معروف حين صدر؛ لم أكن من رواد مقاهي وسط البلد ولا درت على مكاتب النقاد بنسخ مجانية عليها إهداءات. وأدى الصمت المطبق حيال الكتاب عملياً إلى انقطاعي عن الكتابة الأدبية ست سنوات، وإن كان الأدق أنني انقطعت عن النشر. ولم أرجع إليه إلا إثر زيارتي لبيروت سنة ٢٠٠٥ في ظرف مختلف تماماً. هناك حقيقة مؤلمة حقاً عن دوائر الأدب العربي مازالت قائمة وإن كشفتها الثورة فهزت دعائمها، هي أن الاحتفاء بالأدب وتداوله قائم بالأساس على العلاقات والمجاملات الشخصية؛ وبينما يقتصر السوق على نصوص تباع ويحتفى بها لأسباب غير أدبية ولأنها تكرّس المكرّس، فإن الدوائر الأدبية المعزولة عن مجتمع أوسع لا أبالغ إذا قلت إنه أمي ومتخلف تقوم على صداقات وزمالات ومصالح مشتركة لا تستند إلى أي قاعدة تجارية أو مقاييس جودة ولا حركة ثقافية تنطوي على الحد الأدنى من النقدية أو النزاهة أو المهنية أو حتى التماسك الأخلاقي.

.

في كتابك بورقيبة على مضض: عشرة أيام في تونس تعرضت بالنقض لسياسات بعض الأنظمة العربية وبعض الحكام العرب فهل واجهتك محاولات لمنع الكتاب؟

لم يبلغني خبر بمنع أي من كتبي، غير أنني سعدت كثيراً حين أخبرني كمال الرياحي العام الماضي أن “بورقيبة على مضض” والذي يبدو أنه كان ممنوعاً في تونس قبل الثورة قد ظهر على أرفف المكتبات في شارع الحبيب بورقيبة. الملفت أن الرقابة السياسية والدينية نادراً ما تستهدف الكتابة الأدبية رغم أن الأدب المعاصر يهدد الكيانات السلطوية الفاعلة في الدين والسياسة إلى حد أبعد بكثير من نوعية الكتب والأعمال الفنية (الفضائحية) التي تستهدفها هذه الكيانات. والسبب في اعتقادي أن الأدب جمهوره محدود جداً وقوة تأثيره على نطاق واسع، كما ثبت على أكثر من صعيد في مجتمع ما بعد الثورة، تكاد تكون معدومة. النصوص التي تلاقي رواجاً والتي يمكن أن يكون لها تأثير – وعادة ما يكون تأثيرها هو تكريس المكرس (الفاسد أو، على أحسن الفروض، الممل الذي عفا عليه الزمن) أو تأكيد القيم والعقائد السائدة والشعارات غير المختبرة نفياً أو إثباتاً – هذه وحدها هي النصوص التي يلتفت إليها الرقيب العربي وهي غير أدبية إجمالاً وإن قُدّمت على أنها أدب.

.

.

هناك عدة أعمال أدبية صدرت فى أعقاب الثورة وتتناول ثورة ٢٥ يناير… فإلى أي مدى اختلفت عنها رواية التماسيح؟

.

لم أقرأ أعمالاً أدبية عن الثورة سوى ديوان شعر واحد لشاعر نثر معروف صدر في أعقابها مباشرة وكان سيئاً إلى درجة لا تصدق. صدرت شهادات وتحليلات كثيرة اطلعتُ على بعضها بحكم عملي ويمكن رؤيتها إجمالاً في سياق الصحافة. “التماسيح” لم تكن عن الثورة في البداية – بدأتُ في الرواية وأكملت جزء كبيراً منها قبل الأحداث، ثم انقطعتُ عنها أثناء الأحداث قبل أن أعود إليها في وقت لاحق – إلا أنني ضمّنتها تلك اللحظة التاريخية التي بدا وكأنها محطة إياب للرحلة التي تطرحها الرواية – والتي تدور أحداثها الرئيسية من ١٩٩٧ إلى ٢٠٠١ – وتدَاخَل من ثم التأريخ لانتهاء مرحلة التسعينيات (الثقافية) بهجمة ١١ سبتمبر مع التعليق على واقع الربيع العربي. في “التماسيح” مقاطع كالشهادات والتحليلات التي عالجت الثورة بالفعل لكن فيها نقداً لمعسكر الثورة نفسه وأسلافه المباشرين في الثقافة والمعارضة. ومن الأشياء التي تريحني نفسياً اليوم – بغض النظر عن الرواية – أنني لم أتوانَ عن نقد الثورة التي شاركت فيها بحماس بالغ في البداية ثم الارتداد عنها صراحة حين أدركتُ ما آلت إليه؛ أظن هناك شجاعة في الاعتراف بالفشل وأظن النقد وظيفة الثقافة وليس الترويج للشعارات وتزييف الوعي. ولا أريد أن أدخل هنا في محاججات سياسية أو مجتمعية لكن أظن هذا من جوانب تفرد “التماسيح”: إنها، مثلها في ذلك مثل كل كتابة أدبية، تهتم بحقيقة الخبرة الإنسانية في عمقها واتساعها أكثر مما تهتم بالتكريس لفكرة جاهزة عن صراع الخير والشر أو عن تفوق العنصر أو الطائفة. وهي قراءة للثورة ستنتشر عاجلاً أو آجلاً رغم أنف المتفائلين.

.

إلى أي مدى أثرت دراستك للفلسفة على كتاباتك؟

من حظي أنني تمكنت من دراسة الفلسفة في إنجلترا حيث كان التركيز على الممارسة الفلسفية نفسها والمهارات الذهنية المرتبطة بـ”التفلسف” وليس على تاريخ الفلسفة كوقائع أو محفوظات تروى من خارجها؛ كان من شأن ذلك أن أتعلم صياغة جملة منطقية وحجة مكونة من بضع جمل ثم مقاربة سؤال عبر بضع حجج قد تكون متعارضة وترجيح رأي بناء على ذلك، وهي كلها أمور تساعد في السرد الأدبي… كما فتحت لي الفلسفة مجالات واسعة للنظر إلى الواقع ومراجعة المسلمات أو القطع معها. ليس في الفلسفة ما يعين على الكتابة الأدبية خلاف قواعد الصياغة والدقة والعقلانية، ولا أظن المعرفة التي تنتج عن ممارسة الفلسفة هي نفسها المعرفة الأدبية؛ لكن الفلسفة تدفعك إلى إعادة النظر في القواعد العقلية والتجريبية لما تكتبين عنه وتدربك على التعامل مع وجهات النظر المختلفة ونظريات العلوم الإنسانية، فضلاً عن أنها تفسر التطورات التاريخية وتمنحك أدوات ذهنية لرؤية وتقييم مختلف الخطابات التي يتقاطع معها الأدب بطبيعة الحال.

.

يرى البعض أن العمل الصحفي يضر أحيانا بالأديب… فهل تتفق مع هذا الطرح؟

للعمل الصحفي جوانب عديدة متنوعة ولا يمكن التعميم على هذا النحو. المؤكد أن في الصحافة مناهج عمل وخبرات وتمرينات يمكن أن تفيد، وفي حالتي شخصياً أظن أنها أفادت أكثر مما أضرت.

.

وأخيرا كيف ترى المشهد الإبداعي العربي المعاصر؟

التغير الكبير الذي طرأ على المشهد العام في العامين الأخيرين يجعل إجابة هذا السؤال شديدة الصعوبة. كل ما أستطيع أن أقوله بوضوح في هذا الصدد هو أن القطاع الثقافي في مصر – والقطاع الأدبي كجزء أساسي منه – ليس له ظهير اجتماعي حقيقي أو قاعدة “جماهيرية” يعوّل عليها؛ الأمر الذي اتضح بصورة غير مسبوقة في أعقاب الثورة. وبالتالي لم يعد من الممكن الحديث عن مشهد فاعل أو حتى متكامل خارج الدوائر المغلقة التي يتحرك فيها الأدب والموبوءة، كما سبق وأشرت، بالمحاباة والترهل. قبل ٢٠١١ ومنذ ٢٠٠٥ ربما كان هناك مجال متنام في الترويج للأدب وتقريب النشاط الأدبي العربي من جمهور قراء لا يقرأ إلا بالإنجليزية والفرنسية غير أن الثورة أحبطت مثل هذه الجهود بتوجيه الاهتمام إلى الشأن العام والأسئلة السياسية ثم الضغوط الإسلاموية على المجتمع. وهنا رأيت ربما لأول مرة في عمري إلى أي حد نحن مجتمع بلا “ثقافة”، وإلى أي حد “ثقافتنا” بما فيها الإبداع الأدبي ظاهرة أقلاوية محصورة في مساحة شديدة الضيق ومتورطة في فساد ولا أخلاقية هياكل السلطة بدرجات متفاوتة. ومع ذلك، لا شك أن هناك كتابة جيدة تنتج من حين إلى آخر، هنا وهناك. لكن المؤسف أنها نادراً ما تكون هي المحتفى بها.

.

wpid-photo-1-2012-12-31-04-38.jpg

روجيه عوطة يقرأ التماسيح

wpid-IMG_0838-2012-11-12-21-22.JPG

التماسيح ليوسف رخّا رواية برّ المجتمع الآسن وماء الشعر المغرِّق
روجيه عوطة
النهار، 2012-12-18

wpid-tamasih1-2012-11-11-18-36.jpg

***
في 20/6/1997، انتحرت المثقفة والمناضلة الطالبية رضوى عادل في أحد أحياء القاهرة. بعد ساعات قليلة على قفزها من الشرفة، ولد الشعر السري المصري بين مجموعة من الشباب الشعراء. تهجس رواية يوسف رخا، “التماسيح”، الصادرة عن “دار الساقي”، بالتوازي الزمني بين الحدثين، وتتساءل عن مدلول التلاقي بين انتحار أشهر أعلام الحركة الطالبية من جيل السبعينات، وولادة جماعة شعرية سرية، أطلق عليها إسم “التماسيح”، في تسعينات القرن الماضي. 
بينما يترقب الروائي، الذي كان واحداً من مؤسسي الحركة السرية، إلى جانب صديقيه نايف وباولو، استكمال ثورة 25 يناير بأخرى، تطيح الديكتاتورية العسكرية والإخوانية الناشئة، يفتح الملف الأول من “حاوية التماسيح”، وينشر مقاطعه السردية، متسائلاً عن تبدل الأحداث والوقائع المرتبطة بالشعراء “العشاق”. فالعلاقة التي تجمع انتحار رضوى عادل، وولادة الحركة الشعرية السرية، وموت الشاعر الشاب نايف في حادث سير، لا تنطوي على تقاطع زمني فحسب، بل تشتمل على تجاذب في الإجتماع المقفل من جهة، وتنازع في السائد الثقافي من جهة أخرى. وكانت “التماسيح”، وقبلها الحركات الطالبية والنضالية، قد سعت إلى اختراق الثقافة الإجتماعية من ناحية الهوامش العاطفية والجنسية والسياسية وغيرها. يقرأ رخا محاولات التخطي والقطع المختلفة كأنها مصبوبة في سياقات تاريخية واحدة، وتمهد بأغلبها إلى انفجار البنى المسحوقة في مصر. فالتفجر المجتمعي الذي جرى عام 2011، يؤمّن للأحداث السابقة عليه، ولاسيما التي جرت شعرياً في الخفاء، معاني ودلالات حديثة. 
من خلال الأبعاد الدلالية الجديدة، يسرد رخا الحكاية البرمائية للشعراء “التماسيح”، بين بر المجتمع الآسن، الذي وقعت جثة عادل فوقه، وماء الشعر المغرِّق، الذي غاصت أجساد الشعراء الشباب فيه. إذ يبلغ هؤلاء الثلاثة المؤسسون، يوسف “الفتيس” المجهول ونايف المهووس بالبيتنيكس وباولو المحمض الفوتوغرافي، إلى أقاصي شعريّتهم بالتخلي عن الأخلاقية المجتمعية، وممارسة عصيانهم العاطفي والجنسي، عبر التمرد على قواعد الإجتماع ومعاييره. ولأنهم حضروا في مرحلة زمنية، الخلو الإيديولوجي عنصرها الوحيد، خصوصاً بعد سقوط جدار برلين وتفتت المنظومة الشيوعية عالمياً، بات من الأفضل للشباب أن ينحوا إلى البحث عن نموذج يناسب ظروف تمردهم. فبعدما ختمت رضوى عادل حقبة النضال الطالبي، وأعلنت بانتحارها فشل التجربة الثورية السابقة، ظهرت الجماعة الشعرية السرية، لتشغر موقتاً المكان الخالي الذي خلفه الإنعدام الإيديولوجي. فاستبدلت عبارة “رايح الاسكندرية” التي درجت في تلك الآونة بين الشعراء، تعبيراً عن العطالة والضجر، بفضاء لغوي وإجتماعي آخر، يمكن التعبير فيه عن الرغبات المسحوقة عبر المخدرات، والحب الجنسي، والشعر المخفي عن الخارج.
بمعنى سردي آخر، وصلت رضوى عادل إلى شقة قريبتها، لاعبت أولادها، ثم استأذنتها ودخلت إلى غرفة النوم. أقفلت الباب، خرجت إلى الشرفة، وجلست على الحافة، تزحل بجسدها نحو الخلو الذي يفصلها عن الأرض. ثم وهبت جسدها للهواء، وقبضت بكفيّها على الحافة، قبل أن تفردهما، فترتطم بالإسفلت وتموت. أما الشعراء “التماسيح”، فقد كانوا في الداخل، مثل أولاد القريبة في الصالة، لا يبالون بانتحارها، ولا يخطر ببالهم أو يصدّقونه: “لم يعلّق أحد على أن رضوى عادل ماتت يوم إعلان الجماعة، ولعل أحداً لم ينتبه إلى تزامن الحدثين”. لكنهم ولدوا، مثل نايف، لحظة ارتطامها بالأرض، وانتقلوا من الصالة الداخلية كي يسكنوا في المسافة الشعرية التي تفصل الشرفة عن الإسفلت، بحيث لا يختبئون في الشقة، ولا يقفزون إلى الشارع، بل يلازمون مكانهم السري بين الداخل والخارج. 
مثل “المبسورون”، عنوان الكتاب الشعري الوحيد الذي نشرته المناضلة المنتحرة، أي الكائنات التي لا علم لها إذا كانت منسوبة إلى عالم الفجاجة، أو إلى عالم النضج، ولدت “التماسيح” في زمن رمادي، وفي مكان- مسافة، وحين يمارس أعضاؤها الشعر، يكتشفون أن “الكتابة أمامه”. تالياً، كانت قصيدتهم غير المكتوبة شكلاً من أشكال السلوك العصياني، فتحوّلت على إثرها العلاقات العاطفية والجنسية التي خاضوها إلى نصوص شعرية، لغتها إيطيقية وجسدية على السواء. فحبيبة نايف، مون، “كانت شعراً خالصاً”، وعشيقة باولو، صبا، “عبارة عن قصيدة سرية”. في المقابل، كان شعرهم المكتوب يصبح واقعاً، نتيجة الهوس التمردي وتدخين الحشيشة وتعاطي الكيوف الكيميائية، الـ LSD مثلاً. فقد تحول “أسد” ألن غينسبرغ، الذي ترجم نايف بعض قصائده، إلى كائن حاضر أمامه، يزأر وينهش لحم الواقع، كما تحولت “الكعكة الحجرية”، التي كتب أغنيتها أمل دنقل، إلى مساحة رخامية تحل مكان البيت العائلي. 
لكن، سرعان ما بدأت “التماسيح” تزحل نحو تفككها، ولاسيما أن الجماعة تأسست لحظة نهاية حقبة محددة، أي أنها شيِّدت فوق النهايات، وشكّل الموت، المتمثل في انتحار رضوى عادل، بنيتها اللاواعية. ففي 11/9/2001، يوم الإعتداء على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، انطلق نايف بسيارته نحو مكان حبيبته المازوشية مون. في الطريق الصحراوية، سيفاجأ بأسد غينسبرغ في المقعد المجاور، فتضطرب قيادته، وتدهسه إحدى الشاحنات، قبل أن يصاب بنزيف رأسي، ويموت عند الساعة الثانية بعد الظهر. 
على إثر هذه الحادثة، تقترب جماعة “التماسيح” من نهايتها، فلا تعود المسافة الشعرية قادرة على احتمال الضغط الخارجي الشارعي، ولا جدوى السرية الداخلية. يجيء موت نايف كإشارة إلى تجاوزه المكان الشعري، وعبوره إلى الإسفلت، بعدما ارتفع، نتيجة الصراخ الواقعي، إلى مستوى الشرفة. للمرة الأولى، يتلاقى الداخل والخارج، ويواجه الشعر الواقع المسحوق، فالشعراء برمائيون، لكن دموعهم لا تنهمر كدموع التماسيح لحظة التهام الفريسة، كما لو أنها دلالة على عقدة ذنب تاريخية.
في هذا المعنى الشعري الجديد، سيظهر نايف في ميدان التحرير عام 2011، إلى جانب المنتفضين ضد ديكتاتورية الأمر الواقع آنذاك، وفي مقابله، سيظهر الأسد بين الحيوانات المفترسة في “موقعة الجمل” الشهيرة. ولكن، بعد وصول “الإخوان المسلمين” إلى الحكم، سيحاولون القضاء على الشاعر، وتهديده باعتقاله أو إعادته إلى مرحلة الإنغلاق السري، لذا سينتظر رخّا اندلاع الثورة الثانية ضد الإستبداد الديني. في المناسبة، لحظة كتابة هذه القراءة في رواية “التماسيح”، يتظاهر الثوار، ومنهم نايف، في الميدان، ضد الديكتاتور الناشئ محمد مرسي، ويرفعون أعلاماً، طُبعت عليها صور المناضلين الراحلين، مينا دانيال وجابر جيكا… ورضوى عادل أيضاً

مشهد من التماسيح

wpid-603358_10152163736045473_259179277_n-2012-10-25-06-21.jpg

***

ومع أننا ظللنا نتعامل بطريقة عادية… يخطر لي الآن أن مساحة وجودنا المتقلصة تلك – الأماكن التي ضاقت علينا في التسعينيات – هي نفسها أماكن التظاهر التي تحاصرنا فيها قوات الأمن إذا خرجنا، ولا يكفي ألف وخمسمئة شهيد أو أكثر وعام كامل لجعلها تتسع…

في المساء أفكر في مون من حيث تصلني أخبار الأحداث وأضحك من أن الاحتجاجات مازالت سلمية. أهنّئ نفسي على فتح حاوية “التماسيح” ولا أشعر بالذنب. لا يستهويني الجري في الشوارع واستنشاق الغاز؛ وبالمنطق الانهزامي ذاته الذي أعانني على الحياة في مصر منذ ٢٠٠١ – “ما بعد اليأس”، كما يسميه باولو – لا أظن وجودي ضمن مئة أو ألف أو مليون أعزل معرّض لضرب النار والدهس والاختطاف سيقدّم أو يؤخّر. أحس أنني جريتُ بما يكفي في الشهور السابقة، وأن ما يمكن أن يحقّقه مقتلي لا يساوي فجيعة أختي، حتى لو لم يدم حزنها علي سوى بضعة أيام؛ أحس بضوء قارص يخلّف ألماً حاداً في بطني وأتساءل بجدية جديدة علي في هذا السياق: كل هذا من أجل أن يتنازل المجلس العسكري عن الحكم؛ طيب، ماذا بعد أن يتنازل المجلس العسكري عن الحكم؟ ضوء قارص وقناعة متزايدة بأن سقوط المجلس لا يعني أن شيئاً إيجابياً سيحدث يساوي فجيعة أخت على أخيها، حتى  لو لم يدم حزنها سوى بضعة أيام.

أفكر في مون وأتذكر أنها لم تبادل نايف عنفه في ليلتهما الأولى معاً. بفرحة قالت لي إنها كانت تُفقدها القدرة على التنفس، أمضت عشرة أيام – وهما لا يلتقيان – وكأنها تحتفل بيديه وعضوه ولسانه حيث تلقتها فجواتها. وبدا أن فجوات جديدة ظهرتْ فيها على الكنبة لتتلقّى لسانه وعضوه ويديه. لم تفطن إلى جدوى إيلامه قبل أسبوع آخر لم يلتقيا خلاله؛ وحين ناولته اللكمة الأولى في وجهه أثناء لقائهما الرابع وهي ترتعش – عيناها على وسطه في أثنائها – أضحكها أن تراه ينتصب على الفور، الضحكة الصفراء القبيحة ذاتها. كان عليه أن يبتدع عذاباً جديداً على سبيل الرد، أمكنها أن تصرخ أخيراً وهو يعرّضها إليه. وأفرحه صراخها.

دام لقاؤهما الثالث، كما ستدوم كل لقاءاتهما، يومين متصلين؛ كان نايف يتعطل عن عمله ليظل معها لو أتت في غير يومي العُطلة الأسبوعية، ثم يصبر على غياب عشرة أيام أو أكثر لا يسألها أين تمضيها وقد افترض أنها مع زوجها… إلى أن بدأت تحكي عن أعمال سكرتاريّة مؤقتة كالعمل الذي تعرّف إليها من خلاله (وغادرتْه خلال أسبوعين لتبدأ عملاً آخر مشابهاً)، موحية بأنها تبيت بحكم هذه الأعمال لوحدها. وللمرة الأولى في حياته، رغم استمرار حضور الأسد، بدأ نايف يتحرق إلى معرفة كل شيء. بدأ يرى مون جزءً من حركة أو مدرسة أو لوثة هي التحدي الأمثل للشاعر السري. وقبل أن يدرك ما يحدث كان هوس تلك اللوثة أو المدرسة أو الحركة قد تمكن منه. بدأ يتحرق إلى السيطرة على وقتها وحركتها؛ بدأ، مع ضيقها بأسئلته، ينتبه إلى كذباتها… كان يعاقبها ويتضرع إليها تباعاً حتى تُعلِمه بمكان وجودها أو تتابع الاتصال أو تمضي معه المزيد من الوقت، لكنها لم تستجب أبداً. “مشكلتك أنك تنسى يا بيبي،” كانت تقول له: “أنا بنت دين كلب متزوجة!”

في ليلتهما الأولى معاً، أقول – عندما عاد نايف ومعه الكوفية وتفاحة الشمع التي سارع بإشعالها على مقبض الكنبة، متمتماً “عارف أنك تحبين الشمع الساخن، لا يمكن أساساً أحرمك من شيء تحبينه” – نظرت إليه غير مصدّقةً فعلاً ثم قاومته – مصدومة – بلا فائدة. بقيت على صمتها بينما هو، بإصرار ومهارة غير متوقعة ولا حتى منه، يربط يديها وراء ظهرها بالكوفية إلى أن يشل ذراعيها تماماً، ثم يشدها من حلمتها إلى حيث الشمعة تتأرجح قليلاً وتبعث رائحة تفاح خافتة – كان يقبّل رقبتها بحنان صادق وهو يفعل، متمتماً “هانت يا بيبي، لحظة وتُحسّين بالشمع” – إلى أن طرحها هناك على بطنها وجلس القرفصاء فوق ظهرها وقدماه على جنبيها بالشمعة في يد والقداحة في الأخرى؛ وحتى حين سقطت أولى القطرات لزجة وثقيلة وموجعة على جلدها (نايف يتابع المشهد مثل معلق رياضي، مهللاً مع كل لسعة حيث الشمع الأحمر يتجمد وينغرس في اللحم على الفور، فيبدو كأنه دم تخثر منذ حين)، كانت تتلوى وتهمهم، تهمهم ولا تصرخ والقطرات تحرق وركها.

أذكر أن رائحة الدخان والفلفل خفتت شيئاً فشيئاً خلال ذلك وقد اختلطت برائحة الشمع، ومع ذلك عادت إلى أنف نايف – بكثافتها الأولى – رائحة الريحان الأخضر.

ليلتها حين قذف نايف أخيراً في حلق مون قبل أن يحرر ذراعيها من كوفيته ويدعها تضمد جسدها وتتحمم – إلى آخر لحظة كانت يده في فرجها تبلّغها ذروتها كما فعل عضوه ثم لسانه – كان مندهشاً من قسوته وحنكة يديه؛ أحس – كما سيقول لي وهو يشكو منها في سياق آخر – أن القوة التي تحركه وهو معها موجودة خارجه، أن مصدرها أكبر من شخصه أو أي شخص سواه: طاقة الدفع ذاتها التي دفعته إلى ترجمة ألن جينزبرج. وخطر له للمرة الأولى أن مون والقصيدة حدان على طريق قوامها الأسد، وأنه سائر على هذه الطريق إلى ذروة ما، بداية أو نهاية.

قلتُ إنني نمت مع مون وأنا لا أصدق أنه حدث حقاً قبل نهاية الحكاية، لا أصدق أنني ملّست على شعرها قصيراً ومعقوصاً بلون الشيكولاتة وجسدها النحيف المكهرب ينتفض بين ذراعي. لكن متعتنا لم يشبها الوجع. ربما أحببتها قليلاً، ربما لم يحركني حيالها إلا ما هو موجود داخلي. بعدما تحولنا من “أولاد ناس” ذلوا إلى تماسيح ظللنا نتعامل على أن ما يُكتَب لا يعنينا، هذا المهم. وبتحولنا إلى نُصُب رخامي بلا تمثال سنة ١٩٩٧، تسلّمنا حقيبة المستقبل.

***

مقتطف من رواية “التماسيح” الصادرة حديثاً عن دار الساقي، بيروت

wpid-297815_10152152527095473_339861911_n-2012-10-25-06-21.jpg

Doll Love-من رواية التماسيح

لم تكن صفعة بالضبط، مع أن الذراع مرفوعة واليد مشدودة والكتفين قُطر دائرة. كأنها تهديد بصفعة كانت مون لتردها فوراً لو لم يختل توازنها تحت ثقل الصافع الواقف فوق رأسها الآن. بينما يستدير ليواجهها، تخبطت واهتزت حتى استقرت مقرفصة على ركبتيها فوق الكنبة؛ وانحسر فستانها الصيفي الطويل عن فخذ نحيف وأسمر. حينها نظرت إليه في عينيه من جديد. هي نفسها لا تدري إن كان شيء في النظرة قد اختلف، لكنه لم يعد مشدوهاً من أنها تفعل. فخذ نحيف وأسمر لكنه متورد ومغبش، وشعرها الطويل الكثيف كعدد لا نهائي من الضفائر الكستنائية المنمنمة  ملموم في ذيل حصان وهي تنظر إليه. هل تذكّر نايف الأسد؟ هل أثرّت الذكرى على طاقة دافقة في جسده كأنها الشهوة وهي ليست شهوة؟ فخذ متورد وشعر كثيف ورائحة ريحان أخضر من النوع الذي يوضع في الطعام، مع طاقة دافقة وشعرها وفخذ نحيف وأسمر. لم تجفل مون والكف تحوّط قفاها بحيث يستقر الإبهام على تفاحة آدم، ولا يبدو أنها انتبهت على الفور إلى يد نايف الأخرى تشد ذيل الحصان إلى أسفل وهو يعود يجلس بمحاذاتها، مفرود الصدر هذه المرة. فقط، مع ضغط الإبهام وميل رأسها إلى الوراء، تحشرج صوتها إلى أن كفت عن الكلام ثم سُمع أنين خافت تبعه لهاث – وشفتاها مزمومتان – كأنه لا يخرج منها.

من رواية التماسيح