ليس أخطر ما أنتجته ثورة يوليو (أو انقلاب يوليو) هو ما يسمى بـ”حكم العسكر”، بل في كونها مثلت أو تسببت بوضوح في إحداث شرخ واسع في الضمير المصري. لأنها أولا أول سلطة “مصرية” تحتكر الحكم بلا منازع (فلا ملك ولا إنجليز)، ومن ثم فقد كانت تمهيدا لمواجهة الشعب لذاته وإن استغرقت هذه المواجهة عقودا خصيلتها ما يحدث الآن. ولأن هذه السلطة لم تحتكر الحكم باعتبارها سلطة منتخبة بل استثنائية، وهو ما جعل فكرة “الاستثناء” تتحول إلى قاعدة سياسية بشكل متناقض تماما مع طبيعتها. وهي ثالثا احتكرت تمثيل الضمير العام (المبرر لهذه الاستثنائية) وبالتالي وضعت نفسها أمام شرط مستحيل وزائف.
Tag Archives: خيانة
نصائح المرحلة + ملاحظتان
عليك أن تتعلم، ولو كان صعباً، أن تنظر إليهم كما تشاهد فيلماً وثائقياً عن قبيلة رعاة أو مزارعين من أجناس فاتتها المدنية، تتراوح شطارة أفرادها في التسوّل من سكان المدن والقائمين على آبار النفط المجاورة. لن يمر وقت حتى يغضبوا عليك إذا ما واظبت على تذكيرهم بحقيقة الدوكو الذي يدهنون به الهواء. وإما لأنك لا تستحق معركة أو لأنك تجيد شتمهم، سيتجاهلونك. حتى مارقوهم ممن أتقنوا استعمال اللغة الجديدة في الإيحاء بمعارف لا صلة لهم بها، لن يجدوك – حسب تلك اللغة – عدمياً بما فيه الكفاية، رغم أن الجانب العدمي منك، بالمعنى الحقيقي للعدمية، هو أكثر ما ينفرّهم أو يخيفهم. حاول أن لا تتقيأ حين يظهر مهرجوهم على الشاشة، أو يدلي مشاهيرهم بتصريحات، أو يعلن طياروهم عن كسر حاجز جديد للصوت. أنت وحدك. تذكر دائماً أن التلاقي كالتلقي صدفة نادرة، وأن التوجيب الذي يمارسونه فيما بينهم سيستثنيك ما لم تكن صاحب واجب، أنه ليس سوى مودة شخصية من قبيل “أنا وأخي على ابن عمي” إلخ، وأنه – كالجنيه المصري – لا يمكن صرفه خارج حدود العشيرة. فعلى عكس أجيال سابقة ممن تاهوا بين الأفخاذ ولم تعد لهم فائدة، أنت لا تريد أن تكون ذلك الشيخ الجليل الذي يفتش عنه الأصلاء من حافظي عهد ماض أجمل. جائز طبعاً أن تسعى إلى تحقيق طموحك، لكن ما تريده من ذلك هو عملة يمكن صرفها في كل مكان.
(١)
يحدث أن يشعر الإنسان في لحظة أن الحياة يمكن قصرها فعلاً على الخير والشر، أو الصح والغلط؛ وحين يحدث، يكون ما يمثّل هذين القطبين واضحاً تماماً، لا صعوبة لدى العدد الأكبر من الناس في الاتفاق عليه والمصادقة على تقديسه أو شيطنته بألفاظ مأخوذة من عصور سحيقة وخارجة من منظومات أخلاقية لا تركب على الواقع… يحدث؛ وخلاف حدوثه بشكل آلي كرد فعل زائف على أحداث – كالجرائم مثلاً – هي الأخرى عادية ومتوقعة، يحدث بشكل أصدق حين يجتمع عدد كبير من الناس على شيء سلبي: التعبير عن الغضب، رفض الظلم، “إسقاط النظام” (وما المقاومة والتحرر والجهاد إلخ إلا نماذج لتلك السلبية)… لكنه إذ يحدث يكشف عن تعقيدات وتناقضات كان الإنسان يعلم، ومنذ اللحظة الأولى، أنها موجودة ودائمة بما يجعل تقديس أي شيء أو شيطنته مجرد بله أو تباله، وبما يجعل قصر الحياة على الصح والغلط أو الخسر والشر إجراماً مجانياً وتعدياً عبثياً على الغير. إذاك يشعر الإنسان أنه معتوه وحقير، وأنه باستسلامه للحظة إنما تسبب في تعاسات كان يمكن تحاشيها ببساطة. عزاؤه الوحيد – الوحيد – أن يكون قد تعلّم شيئاً.
(٢)
لم أر في حياتي كلها استبداداً وإقصاء (رسمياً أو غير رسمي) أسوأ من ذلك الذي لا يزال “الربيع العربي” يمارسه على الناس، داخل “المجتمع الثوري” بالذات، رغم جميع الدروس المستفادة من خبرة العامين الماضيين، وأول هذه الدروس أن مشكلة المجتمعات العربية لم تكن في أنظمتها أو لم تكن في تلك الأنظمة بالأساس، وإنما في الذهنية التي ولّدت ترتيبات لا أخلاقية وأبقت عليها بل ومازالت تدافع عنها فعلاً إن لم يكن قولاً، بحيث يصبح النضال والكرامة أو الموت – كمعادل موضوعي لخيانة ومهانة هي كل ما يمكن أن تكونه الحياة – جزء من ذلك الدفاع. لم يعد التفاهم ممكناً حتى في أمور تبدو لي بديهية كعبثية الجهاد في سوريا في اللحظة الراهنة مثلاً، حيث الإصرار على كلمة ثورة بغض النظر عن معنى هذه الكلمة على الأرض، وبعنف أعمى هو أقرب فعلاً إلى الأصولية الدينية من الجذرية النظرية أو أي توجه سواها، أصبح شرطاً مبدئياً للحق في إبداء الرأي، وحيث الثورة نفسها، خلاف أنها مبرر للقتل أو الانتحار، لا تدل إلا على مثاليات أو مجردات ثبت ليس فقط أنها بعيدة عن الوعي الشعبي بأي معنى واقعي ولكن أيضاً أن وظيفتها الحقيقية هي تسهيل انتقال السلطة من جهة تنكر معظم الحقوق والحريات إلى جهة تنكرها كلها، وعبر المغامرة بهياكل مؤسساتية هشة أصلاً ومزيد من اغتيال الاختلاف…
لكن ما يذهل أكثر من ذلك كله هو الحديث عن الإنجاز والتفاؤل وتحقق الأهداف، عن تحمل التخبط على المدى القصير من أجل الخير الذي يدخره لنا المستقبل على المدى الطويل – وهو المبرر المجاني الجاهز للوقوف متفرجين على بيوتنا الآيلة للسقوط منذ قرون وهي تنهار أخيراً فوق رؤوسنا إن لم يكن للمساهمة في هدمها ولكن عن غير وعي وبلا اعتراف واضح أن هذا ما نفعله وإنما بدعوى محاولة درء الانهيار – الأمر الذي تعبر عنه فكرة استمرار الثورة ربما أكثر من أي فكرة سواها:
أنتم وقود سعار سلطة قوامه الكراهية والطائفية والتخلف، وإصراركم على الهوية والكرامة دليل أنكم لا ترون في الدنيا سوى مهانتكم التافهة جداً، الوضيعة جداً، الجاهلة ليس فقط بالمثاليات وإنما أيضاً بالحق في الحياة…أنتم البطل الطيب الذي يقاوم الطاغية الشرير في حدوتة شعبية باتت أسخف وأغبى وأكثر استهتاراً من أي سائق ميكروباص يعطل المرور ويعرض الناس للموت بامتداد مدينة نجحتم في جعلها كابوسية تماماً.
وردة جبيل: نصان لبثينة سليمان

في الطريق إلى جبيل
( ملك ميت
لم يكن المخيخ على حاله مشى على حجارة القلاع القديمة ظنَّ بانه مَلك إكتملَ المخيخ اكتفى بالمشي لم يعد يهتم لِلَقبَ ملكٍ ميت) دلخواز حوج
قلعة
في رأسي قلعة
طريق
الطريق إلى جبيل طريق الحواس الخمس
وحاسة سادسة تعمل بجهد إضافي
مسافة
المسافة الزمنية التي افترضها العاشق كانت أقل بكثير مما احتاجه صديقه الشاعر حتى يصل لامرأته التي شغف بها في خياله عقدين من الزمن
لغة السنوات
هنا يتكلم التاريخ لغة السنوات ، أرقام لا يقف عندها السواح الهواة طويلا ، يتابعون الأرقام بدهشة و يعددون الشعوب التي مرت ثم يعبرون كما عبر الأسلاف دون جلبة. ما تبقى من مبان وأسوار ومدافع أو جرار، وجه أسد و حائط معبد أدراج ضخمة تصل القاع بأعلى ، يكفي لأن يأتي السواح دون دليل سياحي يدفعون ما يكفي الدولة حتى تنهض بمواقعها السياحية . ولا تنهض.
قافلة
في الوقت المتأخر بعد الثانية والنصف ليلا وبعد الأربعين و ثلاث سنوات لا ينفع أن تماطل
تجر قافلة الزمن مثل جندي شجاع حاملا رايات ثمان و عشرين نجمة تضيء ناحية القلب و الأطراف
رنين
دلخواز،
صوت ديمة وهي تنادي عليك، مثل رنين الذين نحبهم نخاطبهم بالمودة وننادي عليهم أحيانا بالصوت وأحيانا بالكلمة
الطريق إلى جبيل
يلفح الموج الوجوه في ظل زيتونة
داخل المراكب قلوب صغيرة وحواس خمس بأبعاد ثلاثية لجيوش تنتظر وداع الراعي لحبيبته
في الطريق إلى جبيل
إعلان
كيف لا أغرم بك وأنت تسحب سكاكين المطابخ و المطارق وتشد النهر من خاصرته نحو قاع القلعة ثم تركع رافعا يديك إلى أعلى مثل لاعب كرة قدم وقد فزت بي.
قلت لك
قلت لك : كنت رضيت برجل تافه على أن أعلق مصيري برجل جاهل لا يعرفني
أو رضيت بخيانتي لرجل يكرهني على هكذا مصير يخربط كيمياء المخ
لا أهرب من خياراتي ولا انعدام توازني وإن عجزت أكثر أكون باختياري أنكسر
روحي ظمآنة وأنت مثلي تائه في ممالك أحلامك حيث أنا هناك في المملكة الوسطى
ستظل تدور عند الأطراف وأنا محشورة في الوسط حيث القلب
وهذا ما يعزيني
هاتف
حيث أقف الآن في مواجهة البحر استطيع أن استعيد شريط حياة بكاملها
ابنة الجيران السمينة منشغلة بهاتفها وأنا أرتب جملي حتى لا تسيء فهم مديحي
***

في يدي وردة
“في يدي وردة تذبل/ فأنا لا أعرف لمن أعطيها في هذه الأرض الغريبة” (من أشعار النساء البشتونيات) إلى عماد عندما حل الصيف الفائت واختفيتَ على عادتكَ، قطعتُ على نفسي وعداً بأن أخفف من الارتباط الوجداني والنفسي بكَ، وأنت الذي يغيب من دون مقدمات. هكذا فعلتُ حتى لا أتألم وأشتاق. في النهاية ستظل أنتَ حيث أنتَ، وأنا حيث أنا، ولأنك بعيد جداً لا أريد أن أكون رهن مشاعري وامرأة بداخلي تحتاج الى المودة والى من يدللها. مات في ذلك الصيف صديقي الذي يعيش في الهند. لم يمت بل وضع حداً لهذه الحياة. لم أعرف الطريقة التي فعل بها هذا ولم اسأل أخته. كتب لي قبل أن ينتحر بأيام، أن الضوء اللامع يخرج من قلب الظلام. فاتني هذا النور أنه قادم من مكان آخر يتطلع إليه. أراه اليوم في الضوء اللامع، هناك، لا أجرؤ على تخيله جثة متأكلة. أحاول أن أصير أكثر ألفة مع هذا المشهد من تحلل الأجساد التي نعلق بها. أذهب بعيداً عما أحاول أن أقوله لك. ربما صرتُ مثله الآن أتطلع إلى ذلك النور الخارج من قلب الظلام. أتذكر المساء الذي توفيت فيه جدتي. كان القمر بدراً تلك الليلة. بثّ موتها في قلبي حزناً سكن بين ضلوعي وتشكل مع سنواتي اللاحقة وصار حزناً بلون القمر. في الليلة ذاتها دوّى صراخ مولودة أخي في أرجاء المستشفى، فبات طعم الموت يشبه طعم الولادة. إنها مسألة مهمة حين أستعرض احتمالات الموت أو الغياب، تكون الفكرة حاضرة، آسرة، تلحّ عليّ. في غيبتكَ مرّ وقت كنت أنا فيه أقفز هنا وهناك. مرّ الوقت على عجل. ثم عدتَ وأخبرتني بمرضكَ وأخبرتني أشياء كثيرة وأخبرتكَ عن الرجل الذي تسلل إليَّ ولم يتجرأ، ظل في المسافة المواربة وضحكنا معاً أن ثمة رجلاً يغازلني. ثم غبتَ ثانية. لم تغب طويلاً هذه المرة وخرج لي جنّي من القمقم وتربّع فوق حوضي وملك أنفاسي، جنّي ظريف، كان عليَّ أن أدرك أن تلك الضحكة التي كانت تصلني منه، فيها من الأنوثة ما يفوق أنوثتي، وفيها من المرارة ما سيعكّر حياتي. صرت شمسه وعمره وصرت الأغاني واللذة والخيال. وأنتَ في هذا كله منشغل عني، تلملم أطراف الحياة التي باعدت بيننا. صرنا آلات ميكانيكية، قوالب جاهزة للحياة. نمارس دورين متشابهين، منغمسين بالأمومة والأبوة والتضحية. ماذا حل بنا الآن؟ صرتَ لي مثل الطبيب، مثل الأخ والصديق الذي يخاف عليَّ فيراني بعين طيبة وبقلب صاف. أشتاق الى حياتنا الأولى قبل نوبات الغياب وقبل العاشق الخجول وقبل الجنّي الذي سرقني وقبل أن يصير لنا أولاد وقبل أن تسحقنا الحياة. - ماذا سيحل بنا؟ - لا تفكري اليوم في شيء. هذا يوم بلا تفكير مقلق. امنحي نهارك ابتسامة. في المقهى تمسك بيدي وتشير إلى الشجرة الضخمة وتقول: - هذه الشجرة كنت أرقبها كل يوم. كانت قبل أيام بلا ورقة واحدة وخلال أسبوعين فقط أصبحت بهذا الجمال. اكتست حلة نضرة من الأخضر. أشعر بالمأساة. سيمرّ الوقت وأتجاوز كل هذا الألم. لا تزال روح لاهية في داخلي رأت في الشجرة حلاوة الحياة. تكون عيناك، وأنت ترقبها، منحتاها الدفء فأورقت، وكما كنت تراها كانت تراك. - أحبك وأحب شجرتك. اليوم في هدنة. - اشربي قهوتك واستمتعي بهذا الربيع المزهر. ضوء الشمس أضاء الشارع وألبس الناس نورا دافئا، خفف من الإحساس بالحرارة المتدنية. أستطيع أن أفكر في أمور كثيرة وأستطيع أن أبتسم وأن أخبرك عن الرجل الذي أشتهيه وأنني أواعد الغرباء وأنني أحتفظ بأسراري لك، وأن قلبك الطيب لما أشار إلى تلك الشجرة محا كل آلامي. الحياة ليست عادلة معي ومعك. تبدو لي وأنت جالس في ضوء الشمس من هذا اليوم الربيعي، مثل نادل سعيد بنهاره يوزع الأمل في الأكواب والأطباق بديلا من القهوة ورقائق الخبز المحمص.
بثينة سليمان
ثلاث ملاحظات سريعة على حوار الرئاسة في شبكات الاتصال
انقضاض الإخوان على السلطة منذ انتخابات مجلس الشعب – وأثناء انشغال “الثوار” باحتجاجات كان واضحاً أنها لن تكون مؤثرة – من ناحية، وعدم استعداد المجلس العسكري لتسليم الحكم لجهة مدنية بعد افتضاح جرائمه من ناحية أخرى، ثم فشل المجتمع المدني في تكوين جبهة ذات ثقل تتخذ على عاتقها مهمة استلام السلطة والتصدي للاستبداد المجتمعي قبل السياسي كلها عوامل أدت إلى اختزال “التحول الديمقراطي” واقعياً في صراع عسكري-إسلامي زيّفه الخطاب الثوري بحديثه الدائم عن صراع ثوري-فلولي لا وجود له على أرض الواقع، الأمر الذي منح التيار الإسلامي “شرعية ثورية” زائفة (تمثلت على أوضح صورها في التفاف قسم كبير من “القوى المدنية” حول حملة عبد المنعم أبو الفتوح، ظناً منها أنه المرشح الأقوى من حمدين صباحي) كما ساهم في تهميش أهداف الثورة من حقوق وحريات وتطلعات حتى لم تعد هذه الأهداف مطروحة أساساً.
الكلام عن نزاهة الانتخابات أو عدمها ليس وارداً أصلاً في ضوء (١) قبول “الشعب” متمثلاً في “مرشحي الثورة” بخوضها تحت إشراف المجلس العسكري من قبل تسليم السلطة (والذي بات يعني تمكين الإخوان من احتكارها) أو صياغة دستور يضمن الحقوق والحريات (كان الإخوان أيضاً هم العثرة الرئيسية في استصداره)؛ (٢) رفض قطاعات ضخمة من الناخبين لمعطيات التيار الإسلامي، واحتمائهم منه برموز “العهد البائد” في غياب بدائل سياسية ملموسة؛ (٣) غياب الإصلاحات القضائية اللازمة لضمان شفافية العملية الديمقراطية فضلاً عن سوء سمعة القائمين على اللجان المعنية وانضوائهم تحت لواء المجلس، ثم عدم اعتراض المرشحين ولا حملاتهم ولا المتحمسين لهم على جعل مصير الانتخابات في يد هؤلاء؛ (٤) وجود آليات حشد غير ديمقراطية في القطاعين “الفلولي” والإسلامي لا تختلف عملياً عن التزوير لم يتم التعامل معها تشريعياً أو تنفيذياً.
يشير رد الفعل على نتائج الانتخابات إلى تناقض مربك بين “الشعب” كطاقة احتجاجية معارضة للسلطة بل ومستعدة للتضحية من أجل إسقاطها وبين “الشعب” ككتل تصويتية تكرّس للسلطة نفسها وبالدرجة نفسها من الاستماتة، فمن قبل بفساد العملية الديمقراطية ظناً منه أنها ستُنجِح مرشحه الفاسد يتكلم الآن عن نتائج معدة مسبقاً ومن اتهم المقاطعين بالسلبية بل والخيانة في خضم حماسه لأبو الفتوح يحشد الآن لمرشح الإخوان “الاستبن”… وقد يساعد تراث المعارضة الشعبوي غير المسئول على تفسير ذلك، حيث لا يستند رفض الوضع القائم (وهو ما تمثله الإرادة الثورية) على امتلاك رؤية قابلة للتنفيذ لاستبداله بوضع أفضل منه ولا حتى على رغبة صادقة في أن يتغير فعلياً، مقارنة بالرغبة في استعراض السعي إلى تغييره (وهي ما تمثله الإرادة “الديمقراطية”) فإذا بالنشاط الاحتجاجي وقد ثبتت عزلته عن الشعب في أحداث العباسية يطابق بين الثورة والإخوان، وإذا بنصف الناخبين أو أكثر ينحازون ليس فقط لمرشح المجلس العسكري ولكن لأقرب المرشحين شبهاً بـ”المخلوع”… فهل يحق لمعسكر الثورة – المسئول عن وصولنا إلى ما نحن فيه – إنكار ذلك على الشعب الذي يتحرك باسمه الآن؟
يا عميل
لعل “الناصرية” هي التمثل الأوضح للقومية العربية (منذ ٢٠٠٥، أوصلتني قراءة التاريخ في امتداده على الشاشات الإخبارية إلى أن القومية العربية كانت أداة الاستعمار الأوروبي الأنجع في عصر ما بعد الإمبراطوريات) لكنها – الناصرية – ظلت تُقدَّم باعتبارها توجهاً سياسياً متماسكاً في ذاته. ولم أعرف لها معنى، لا وقتها ولا الآن، سوى تقديس أصولي لشخص “البكباشي” التافه الذي أراد أو ادعى إرادة تحرير البلاد العربية أو توحيدها ولم ينشغل في الواقع بغير تحويل نفسه إلى صنم للجبروت. لم تتكون قناعتي تلك حتى منتصف العقد الأول من الألفية؛ ولم يكن لها صلة، من ثم، بأن أبي (الماركسي المرتد) يناصب العهد الشمولي والدولة البوليسية عداء يكاد يكون شخصياً. كان أبي يحتقر السادات ويستهين بمبارك، لكنه كان يكره عبد الناصر كرهاً حقيقياً – يراهما امتداداً له – وكان كرهه لعبد الناصر من العمق والتصميم بحيث أصبحتُ أنا، الابن الوحيد، مستعداً لتفهم “قائد ثورة يوليو” والتعاطف معه كمحرر الفلاحين وبطل القضية الفلسطينية، لا لشيء إلا لأنقض رأي أب يراه محتالاً مدفوعاً بالحقد الطبقي. كان أبي يحمّل عبد الناصر مسئولية لا الهزيمة العسكرية والاقتصادية فحسب ولكن أيضاً انهيار الزراعة والتعليم وتدهور مؤسسات الدولة والفضاء العام، فضلاً عن طغيان كان من شأنه أن يحوّل نصف سكان البلد إلى “كتاب تقارير” ويؤدي إلى التنكيل بالمعارضين حتى إخراج رفات موتاهم من القبور
غريمي
المجنونة. كم مطباً في طريق احتضانها؟ أنتَ أيضاً تشممتَ إبطها في الظلام. أحنيت رأسك لتجتر لحماً لا يشك الناظر في وجوده تحت الملابس، دعك من طراوته في الشفاه. وأبصرت ألحاناً في خطوط تتقوس لعينيك وحدك، تماماً كما أبصرتُ القصائد. أنت أيضاً صافحتَ الله ونصف روحك في جب الفجيعة، فالتأمت. صدّقت وعد السعادة الممكنة وارتحت للأبد المقنن. أنت أيضاً جَبَرتْك الرائحة.
كسور الأديم المجمّد في المروج المتاخمة لبيتكما الطالع من “فيري تيل” لم تتمكنا من تأليفها… ولرشاش الدم لون فاقع على الجليد، لهبة «الشكمان» نفس الأزيز في المسارات. الكسور الناعسة حيث توجد أيضاً أشجار، لعلها أقرب إلى صحارى التراب المنمنمة على الأسفلت مما ظننا.
يا من تسرع إلى الطبيب لإصلاح ذات البين، أمسك عن أكسجين عمر كامل في جنونها، قل وداعاً للتعاسة. ومثلما أتحمّل فراقها بلا مساعدة من هزيمتك، اعزف موسيقاك جيداً. في روحاتها الجامدة من أمامك حين تبدو صغيرة وضائعة ومحتاجة الحنان، تذكّر أن بيني وبينها مسافة بطول التي بينكما على هذه الأرض. وخلال هدنتك التي توجعني، رحلة الفكاك المميتة، اشكر الجغرافيا والأطفال.
الآن أوقن أنك هناك ترمقها وتعرف أنني هنا أعرف أنها عندك وأنتظر النهاية، وأن هذه فعلاً مصيبة… المجنونة. حين أنزع هذه الورقة من دفتري، سأستحضر كل ما ألوي عليه من فضول أو مودة تجاهك، أي تلوين خصوصي كي تصدق أنني جاد تماماً، قبل أن أطويها في مظروف خيالي على سطحه عنوانك، وأكون توّجتُها باسمك مسبوقاً بكلمة «عزيزي». كم مطباً لأعترف بالكذبة الجوهرية في الرسالة:
أنني أكتب لك لأقترب من حبيبتي؟

http://www.annahar.com/content.php?priority=4&table=adab&type=adab&day=Sun





![Reblog this post [with Zemanta]](http://img.zemanta.com/reblog_e.png?x-id=3729bbd6-5ec2-44b6-a0fc-f1b7ff1f9c25)