قصيدة مهاب نصر: خطوة في الممر

wpid-294746_199885403406754_100001558883706_506656_3896027_n-2011-10-17-20-06.jpg


خطوة في ممر

 

باحثا عن ممر

لاكتشاف ذاتي

وجدت مفتاحا يلمع

بين أسنان بيضاء

صرختي سقطت الى قدميّ

أفكاري

جعلت أصابعي باردة

وبعيدة عن مركز إرادتي

الذي حل مكانه

نوع غامض من الألم

مع هذا

كان الألم يناديني

كأنه كفارة العزلة

كان عليّ أن أنتزع المفتاح

دون أن أوقظ النائم

أن أقنع الروح الملفوفة في قماش ثقيل

أنني ميت أيضا

أن أتمدد إلى جوارها

لأعيش حياة ليست لي

أن يعطيني الماضي مفتاحه

لأعبر إلى حياة جديدة

بين فكين قويين

لا كمضغة ملفوظة

بل ككلمة

وربما كعبارة كاملة

أو كشخص حر

دون أن يعني هذا

إهانة لأحد

*

يا أخي

يا صديقي

لن تكون هناك ثورة أبدا

إلا حينما يستيقظ الموتى

حينما يختلط الزمن

فندخل ونخرج

مثل كومة مشطورة من أوراق اللعب

نسحب ماضينا

مثل ورقة في أول الدور

مدركين جميعا أنها مجرد لعبة

ليس لأن لنا وجودا خارج السهرة

بل لأن القمر يعرف

والسحابة التي تشطر الليل

بل الليل نفسه يعرف

قسوة أن يكون وحيدا

بلا أغنية

أو خطوة في ممر

حتى لو كانت هذه الخطوة

هي في الحقيقة

خطوته فقط.

مهاب نصر

الطربوش: قصة

قبلما يمشي “زكريا” من عيادة الأسنان، سيناوله الطبيب شيئاً ملفوفاً في شاش. من غير ما ينطق، سيضع كرة الشاش الصغيرة لـ”زكريا” وسط راحة يده، وبرقّة وحسم يغلق عليها الأصابع – كما لو أنه واحد غني يتصدق على واحد فقير – ثم يربّت على القبضة المقلوبة ويسحب يده.  وسيخرج “زكريا” من العيادة وفي حلقه نصف ضحكة محبوسة منذ أطلق النصف الأول بعدما قبّل كرة الشاش وحكّها في قورته ثم أخفاها في جيبه مثل أي منادي سيارات يأخذ “استفتاحه”.  لأن “زكريا” قبلما يكمل ضحكته، اكتشف على وجه الطبيب تعبيراً عابساً وكأنه ينهره على رد فعله. لم يكن عند “زكريا” تفسير لفعل الطبيب سوى أن يكون تمثيلاً هزلياً يقصد به المزاح بعد جلسة علاج شاقة، الأمر الذي دفعه على أداء دور الشحات لإكمال المشهد. لكن لمّا أشاح الطبيب عنه بعصبية وكأنه يقول له “الحكاية ما تضحكش”، انصرف محبطاً من غير ما يفهم… العيادة قريبة من بيت “زكريا”، في شارع جانبي مظلم على الجهة المقابلة من ميدان واسع. حوالي ألف خطوة كما عدها في الطريق إلى هناك، لأنه يخاف من علاج الأسنان ويريد أن يلهي نفسه عن ما ينتظره. لكن ليلتها، وثقل البنج على فكه، سيبدو طريق العودة طويلاً جداً.  ومن غير ما يفك “زكريا” لفافة الشاش ولا حتى يُخرجها من جيبه، سيسترجع أول مرة فسد فيها الضرس الذي ذهب يعالجه ليلتها (ها هو الضرس – فكّر – يفسد للمرة الثانية): قبل عشر سنين تقريباً حفر نفس هذا الطبيب في ضرس “زكريا”. بخفة نزع العصب وحشا مكانه. ظل يقلّم حتى صار الضرس مدبباً وقصيراً، ثم ركّب فيه طربوشاً من البورسلين.  ولما ثبت الطربوش ابتسم لـ”زكريا” وقال: “سيبقى في فمك سنين طويلة.”  لن يخطر لـ”زكريا” حتى يستلقي على الكنبة، وفي يده كوب شاي مسكّر كأن البنج يذوب في سخونته، أن يمد يده إلى كرة الشاش التي أخرجها من جيبه وألقاها أمامه على الطاولة. سيضع كوب الشاي جانباً ويتناول لفافة الشاش يفكها. وفي ضوء “الأبجورة” يراه لأول مرة: الطربوش الذي زرعه طبيب الأسنان في فمه منذ عشر سنين.  ساعتها فقط تمر برأسه سنة كاملة لكل مئة خطوة قطعها في طريق العودة والبنج يشل نصف وجهه: سنة ما مات أبوه على سرير ضيق، وسنة ما أصابه أول انهيار عصبي جعله يكف عن تدخين الحشيش؛ سنة ما ذهب مع حبيبته في رحلة للتعافي في أصقاع آسيا، وسنة ما ترك حبيبته من أجل أخرى اختلف مع أبيها قبل أن يتزوجها. سنة ما زار لبنان لأول مرة وقرأ عن الحرب الأهلية هناك، وسنة ما تزوج ثالثة لن يستوي له العيش معها؛ سنة ما طلق زوجته ضد رغبتها، وسنة ما ذهب للعمل في إحدى دول الخليج؛ سنة ما عاد إلى وظيفته الحكومية، وسنة ما حصل على براءة أول اختراعاته العلمية.  سيضع “زكريا” الطربوش – بلا شاش – وسط راحة يده، وبرقّة وحسم… لو كان ضرساً مخلوعاً – يفكر – لما كان قد استغرب وجوده معه الآن، إنه – على غلوه المفاجئ – جماد. ولأول مرة، وهو قابض على الجسم الغريب الذي قبع في فمه عشر سنين من غير ما يلتفت له مرة، سيدرك السر فيما فعله الطبيب

Enhanced by Zemanta