العقلانية

wpid-irrational_phobias-2012-02-21-18-37.jpg

وذهب سائق التاكسي الكهل إلى أن المشكلة الرئيسية هي أن طنطاوي يرضخ للضغوط حيال البلطجية الذين يتم اعتقالهم بعد الأحداث الدامية وأن أحداً من الداخلية والجيش لم يثبت ارتكابه أي جرم، فكلما اعتقل طنطاوي ألف ألف وخمسمية من هؤلاء الصيع قامت الدنيا ولم تقعد حتى يفرج عنهم فتعود الدوشة إلى وسط البلد. وأكد أن الخرطوش الذي ضُرب على نقيب الأطباء ومراسل قناة النيل لم يكن بحوزة الشرطة وإنما من المتظاهرين أنفسهم بدليل أنهم هم الذين ذهبوا إلى الداخلية ولم تأت الداخلية إليهم إذن فهم المعتدون. كما أعرب عن امتعاضه الشديد من النائب زياد العليمي لتطاوله على المشير وبالذات لتطاوله على محمد حسان الذي هو برقبته وهو مين هو أساساً… طب إنت كبنيآدم لما تيجي تطالب بالحد الأدنى من العقلانية في الحكم على الشأن العام، تعمل إيه في مشكلة إن أبسط الحقايق نفسها مختلف عليها… لما تبقى الناس ميتة من خرطوش الشرطة قدامك وواحد بيقول لك الشرطة معهاش خرطوش؛ تقول له لأ معاها خرطوش يقول لك أصلهم بلطجية؛ تقول له طب والبلطجية يتقتلوا ليه في الشوارع يقول لك مأنت لو ما قتلتهمش حيقتلوك… ويتحول الموضوع إلى نقاش لا نهائي حوالين الطبيعة الميتافيزيقية للي اتقتلوا وهل يستاهلوا يموتوا ولا لأ… طب إزاي يبقى فيه عقلانية من غير ما نتفق على إن لما واحد مضروب من فرد أمن مركزي بالخرطوش ده يبقى فعلاً واحد ومضروب وفرد الأمن المركزي فرد أمن مركزي، والخرطوش خرطوش؟ وإزاي مفترض إن ممكن أي حاجة تتحقق لو كل طاقتك حتروح على خلافات من النوع ده؟

تعليقات الأصدقاء على جلسة ١٢/٢/٦ لمجلس الشعب

wpid-ikoan_watany-2012-02-6-16-19.jpg

الواحد بيفكر يتخرطش في أي حتة في محيط وسط البلد و ياخد بعضه ويطلع ع البرلمان، و آخد 5 من أصحابي معايا بالمرة، و تبقى مسيرة خرطوشية – وئام مختار

لو سمحت… هو الإخوان في منهم برباط، ولا كله زحافي؟ – مهاب نصر

أعتقد إن الإخوان لما كانوا بيتحبسوا مكانوش بيروحوا السجن، كانوا بيروحوا حتة تانية، وإنهم، كإخوان، اتبسطوا، والنهارده علامات الانبساط كانت باينة عليهم خالص – مؤمن المحمدي

المجلس الجنس الثالث يطالب بالفصل بين الجنسين: الثائر والبلطجى – ناهد نصر

الحقيقة إن ما فيش خرطوش… الناس بتخرم نفسها علشان تتبلى على الحكومة – عمرو عزت

أي خول كان مبسوط بحضور “العرس الديمقراطي” ييجي يرقص عندي دلوقتي – يوسف رخا

عرفت الأخبار السارة اللي قال عليها عنان؟ هي إن الجماعة حامل من المجلس العسكري! – صفحة “إنت ليبرالي لا مؤاخذة”

مجلس الشعب هو أهم إفرازات الثورة حتى الآن، ولسه الإفرازات جاية كتير: ثورتنا سايحة وهتبهدلنا – سامح سمير

قف للكتاتنى والبس له الطرطور… كاد الكتاتنى ان يكون سرور – منسوبة لأكثر من طرف

يعني نقيب الأطباء ومراسل (النيل للاخبار) ومراسل (القاهرة اليوم) مضروبين بالخرطوش ومجلس الشعب لسه مصدق وزير الداخلية إن مفيش خرطوش؟ – عمر باز

الثورة في عيون الثوار: من يناير إلى يوليو

wpid-261199_185547361503721_100001453750486_499153_2569267_n-2011-12-18-03-24.jpg

********************************************************

شهادة محمود عاطف: يناير-يوليو

********************************************************

٢٥ يناير

ما أعرفش ليه كنت متحمس للنزول يوم ٢٥… قبل كده كنت بأنزل، الوقفات بتاعت خالد سعيد بالذات مش عارف ليه كانت بتقول حاجة: إن إحنا لابسين إسود وما بننطقش خالص، وإزاى وإحنا ساكتين ولابسين إسود وواحد في الشارع بيسألك لابسين إسود ليه فتقوم مفهمه، وتحس إن الناس متعاطفة معاك؛ وإزاى ده كان بيقلق الداخلية. شوية عيال نازلين الكورنيش وما بينطقوش، كل واحد بيقرا في المصحف أو الإنجيل – وكل مترين واقفلك لوا ولا عقيد ولا عميد. والناس لا بتزعق ولا بتصرخ ولا أى حاجة…

يوم ٢٥ يمكن التفاؤل كان غالب عشان اللي حصل في تونس، يعني اللي كان حصل في تونس مِدّى للناس دفعة. الحاجة الغريبة بقى جداً – ما أعرفش الجنان ده إيه بس أنا عندي علاقة غريبة كده بالكتب – إن أنا في اليوم ده وأنا نازل باشا كده ومعايا بطاقتي وفلوسي وبتاع، وكنا لسه في الشتا ولابسين جوةكت تقيلة عشان الضرب، كنت واخد معايا ديوان أحمد يماني “أماكن خاطئة”؛ على أساس إني نازل فسحة بقى وممكن أقعد أقرا فيه. وبالليل فعلاً في الميدان قعدت أقرا فيه بعد ما رجلي تعبتني من الوقفة والهتاف، قبل الضرب.

***

أنا كنت من اللي جايين من جامعة الدول العربية من المهندسين، قعدنا نشاور لبعض أنا وزمايلي من بعيد إزاي نتجمع وإزاي حنتحرك لحد ما قابلنا المظاهرة وهى ماشية في شارع جامعة الدول. وكانت الأعداد فعلاً مهولة وشكلها يفرح. من قبلها بالليل كان في كلام إن الأمن مش حيتعرض للمتظاهرين، شوية يقول لك الأمن بيضحك علينا وشوية لأ. بس فعلاً لما نزلنا كان الأمن سايبنا نلتحم خالص، غير المظاهرات قبل كده. كانوا عاملين كردونات نقف قدامها لحد ما الناس تنتظم ورا بعضها في صفوف وبعد كده نكمل، وهما ماشيين ورا المظاهرة في الآخر خالص خالص. أول ما وصلنا للميدان قاموا على طول شغالين رش ميه وضاربين قنابل مسيلة للدموع، قعدنا نجرى ونستخبى جوة القهاوى وهرجلة وكحة بقى وبلاوى سودا. وبعدين رجعنا نهتف سابونا شوية وقاموا ضاربين تاني بعدها بشوية وسابونا قرب المغرب.

وأما الدنيا ضلمت والنور ما كانش كويس – مش قايدن كل الانوار في الميدان – قاموا طايحين فينا بالقنابل. لكن الأعداد بدأت تزيد لما الناس تصدق إن في أعداد تقارب التلاتين والأربعين ألف، أنا قابلت ناس جايين من بيوتهم قالوا إحنا ما كناش مصدقين ولما شفنا أشكال الناس – الصور اللي جايباها الجزيرة – قلنا لأ ده في حاجة حقيقي بتحصل. وبدأوا يعدوا للمبيت ولجان إعاشة بتجيب بطاطين تدخل الميدان وحاجات كده…

***

في لحظة الساعة ١٢ وربع بعد نص الليل: السرينة بتاعت المدرعات؛ سرينة مرعبة كده بنت كلب. لسه بأترعب منها جداً. والله العظيم أول ما بأشوف المدرعة، إلى الآن، ذهني بيستدعي الصوت بتاعها على طول. بقى شكلها بالنسبالى مقلق جداً؛ يمكن كانت أول مرة أسمع صوت السرينة وأنا قريب منها؛ يعني فعلاً رعب. وتعرف بقى إن السرينة إيذان بالضرب، زى زمارة المترو تيت تيت يت المترو قرب وخلي بالك. ضربوا كمية من القنابل مهولة، ما كنش المقصود منها أنا إنها تفرق المتظاهرين قد إن هى فعلاً تخنقهم لإن القنابل كانت بتنضرب من كل حتة ومن كل المداخل اللي في الميدان، منين ما تجري تلاقي دخان. وصلت بعد الجري أنا وواحد صاحبي شارع شمبليون، وكان في ناس بتجري كتير.

أول ما وصلنا شملبيون قعدنا نهتف يسقط يسقط حسني مبارك. التليفون بيرن بأطلعه لقيت أمى بتكلمني من البلد، قمت معيط حتى قبل ما أرد وقمت رادد عليها: ادعيلنا إن ربنا ينصرنا على الظلمة واقفلي دلوقت لحسن الأمن بيجري ورانا… بعد خلع مبارك، كان في فيلم عاملاه البي بي سي، اللي عامله خالد عز العرب، اسمه يوميات ثورة، فكان من ضمن الفيلم بقى دكتورة منى مينا – اللي هى الطبيبه والناشطه المعروفه، وكان ابنها من المصابين في معركة الجمل، وكان خالد عز العرب بيسألها مخفتيش على ابنك. قالت له خفت طبعاً بس مش حيكون أعز من اللي راحوا لإنه كان بيموت على إيدينا شباب كتير في المستشفى الميداني. كنت أنا قاعد في القاهرة ساعتها، فطلعت في دماغي إني أكلم أمي وأسألها سؤال حالاً: لو كنت اتقتلت، كنتي حتشتمي في الثورة والثوار؟ كلمتها كتير ما ردتش عليا، أبويا اللي في الآخر رد وقال لي إنها مش موجودة، وإنها بتزور جدي في البلد وسألني عاوز حاجة؟ قلت له لأ، رجعت آخر الأسبوع البلد فوأنا قاعد معاها لوحدنا سألتها – وكان ده بعد فترة طويلة، تقريباً في مارس – قالت لي أشتم في الثوار ولا الثورة ليه، إنت مش أعز من اللي ماتوا. فكانت نفس الجملة اللي الست قالتها في الفيلم. الجملة دي خلتني أعيط.

المهم… فضلنا نجري في شمبليون مجموعة مننا كملت على الإسعاف ورمسيس وقامت داخلة شبرا، إحنا كملنا لحد ٢٦ يوليو على بولاق على روض الفرج على الساحل على شبرا. وفي شبرا قابلونا برضه باستقبال حافل. قمنا إحنا كملنا في شارع شبرا وقمنا داخلين في حواري، كان ورانا عيلين على موتوسكيل وعرفنا إن العيال دي تبع الداخلية وبيبلغوهم لدرجة لقينا مدرعة داخلة ورانا في الشارع وعساكر أمن مركزي وكانت فعلاً قاصدة تدهس اللي بيتظاهروا، كانت جاية بأقصى سرعتها والناس واقفة قدامها. أقسم بالله أنا وواحد صاحبى نطينا من قدماها فرق ثواني، كانت فعلاً حتشيلنا وده حصل مع ناس كتير.

٢٨ يناير

رجعت البيت يوميها الفجر. ما روحتش ع البيت قعدت عند ناس إصحابي في مدينة نصر لإني فعلاً ما كنتش قادر أروح. أنا وواحد صاحبي كان شوية وحأخليه يشليني، رجلي خشبت تماماً. ومانزلتش الأربع ٢٦ ولا الخميس ٢٧ ولا الجمعة من الصبح، نزلت الجمعة من المغرب. طبعاً كنت متضايق وكلمتهم قلتهلم الوقت اللي حأقدر أنزل فيه حأكلمكم. أنا ما كنتش نمت، وما كنتش عارف أنام خالص. يوم 27 بالليل جه واحد صاحبنا طول الليل قاعد يرعب فينا ويقلقنا ويخوفنا. الواحد ما كانش مرعوب ولا قلقان من إنه ينضرب بالنار ولا بتاع، بس فكرة إن بقى في حاجة في دماغك قاعدة تزن طول الليل إن الأمن حيعمل كذا وده مع صوت السرينة خلى الواحد فعلاً مايعرفش ينام. فأروح الجمعة وأنا رجلي واجعاني وما نمتش كنت متأكد إني في أقرب لحظة من الجري كان حينقبض عليا يعني أنا كان عندي إني أموت ولا ينقبض عليا.

ما كنتش أعرف إن يوم الجمعة حيبقى يوم حرب كده، قال وأنا بأقولهم حأكلمكم كإننا نازلين في نزهة، حأكلكم أعرف انتو فين وأجيلكو.

***

نمت طول النهار والمغرب قمت ما لقيتش أى حاجة، ما لقيتش إنترنت ولا شبكة محمول، فقررت إني أنزل ورجلي تولع بجاز بقى. شنطتي كانت جاهزة فيها قزازة الخل، فيها قزازاة الميه المخلوطة بحبوب المضاد للحموضة والكمامة بقى. آه مجهز نفسي. أنا ساكن في المقطم وفي جنبي شارع تجارى في محلات ملابس وجزم وبتاع. نزلت ناحية الشارع ده لقيت الناس عمالة تصرخ وتجرى. في إيه يا جدعان، قال لك دول بيضربوا قنابل. الأمن إيه اللي يخليه يضرب قنابل هنا؟ خرجت على الشارع برة، قسم شرطة المقطم وحي المقطم جنب بعض. لقيت الشباب بيحدف طوب على الأمن والأمن بيضرب عليهم. بأسأل حد من الواقفين قال دحنا قاعدين ع القهوة لا بينا ولا علينا. عرفت ساعتها إن حظر التجول كان اتفرض ودول جايين بقى يقوّموا الناس من ع القهاوي ويلطشوا في الخلق فحصل اشتباكات.

حسيت إن ربنا كان مقعدني لإن الناس دي مالهاش خبرة مع المظاهرات. فعرفتهم إزاى يتعاملوا مع القنابل إزاي يلقطوها ويحدفوها على الأمن وإزاى يرموا عليها تراب يخلوها تنطفي والدخان مايطلعش كتير، إزاي يجيبوا كوكا كولا ويحطوا على وشهم. كان في ناس حطت ميه فكنت بأجري عليهم أفهمهم إن ما ينفعش. وطبعاً الستات واقفة في البلكونات ييجي علينا الدخان وإحنا نرد عليهم بالطوب تقوم الستات تزغرد. الناس حست بكرامتها ويا إحنا يا إنتم بقى… لحد ما نفذت منهم الذخيرة قاموا انسحبوا بالتشكيلات بتاعتهم. طبعاً في عربيات ملاكي ولعت من القنابل اللي وقعت عليها.

بس… لما مشيوا قام شباب المقطم داخلين القسم مولعين فيه؛ أنا الصراحة ما ولعتش في حاجة، أنا كنت قريب جداً من التوليع وقعدت أكسر مع الناس اللي بيكسروا. كنت سعيد جداً إن القسم مولع، وقعدوا يحكولى بقى – أنا طبعاً مش من المقطم أصلاً فمش عارف -عن أمين شرطة مطلع عينين أهاليهم. ولعوا في قسم الشرطة وولعوا في الحي وجابوا كل حاجة يعني ما فيش حاجه فضلت في قسم الشرطة لدرجة إن الناس طالعة من جوة بقاعدة التواليت بتاعت الحمامات. خلعوا كل حاجة: التكييف، السلاح، حتى الخزنة بتاعت الأحراز كسروها ووزعوا اللي فيها، كانوا بيوزعوا الحشيش كده على بعض عيني عينك – أي والله – وواحد طالع بآلي عمال يرقص بيه وكلبشات… ما فيش واحد فيهم مد إيديه على محل – اللي بيقولوا عليهم بلطجية – ما فيش حد قرب من حاجة غير قسم الشرطة والحي.

وأنا فضلت قاعد في المقطم في قهوة قلت آكل حاجة كده وأنزل على التحرير. قالوا حسني مبارك حيخطب ففضلت قاعد مستني بقى المحروس. طلع سرور قلت يبقى شكله خلع هو كمان وسلم نمر. وقعدت أشتم وأنا في القهوة وما حدش متضايق مني، الناس كلها مستائة تماماً من الحكومة…

***

طبعاً طول الطريق للتحرير مش مصدق البلد فاضية إزاي. ما حدش اعترض طريقنا والسواق قد إيه مبسوط إن ما فيش عسكري مرور ما فيش حد بيبلطج عليه ويقول له فين رخصك. وكان الإحساس العام إن كده أحسن، يغوروا في داهية وإحنا حنحمي البلد. نزلت على السيدة عيشة ومن السيدة عيشة كان السواق بينده على رمسيس ووصلت رمسيس مش مصدق بقى اللي شايفه قدامي وعربيات الأمن مولعة. وكنت متضايق جداً إني ما شاركتش في الاشتباكات دي، بس كنت مبسوط برضه بوجودي في المقطم إني عرّفت الناس إزاي يتعاملوا مع القنابل وهما ما لهمش علاقة بالموضوع ده خالص. ومقابلني بقى شباب طالعين من التحرير مروحين بعد معركة الصبح اللي لابسله خوذة واللي شايله عصاية بتاعه واحد أمن مركزي… اللي هو الواحد ماشي بمنتهى السعادة. دخلت الميدان كانت الدبابات بتتنقل وسط الميدان، بتتحرك من مكان للتاني. بعد مبارك ما غار وتنحى أو اتخلع بقيت بأقول لزمايلي الواقعة الطريفة دي: إن الناس بتدخل راكبة ميكروباص وأنا داخل راكب دبابة.

بعد المتحف المصرى كانت دبابات الجيش بتتحرك، بعد ما الناس ولعت في الدبابات بتاعت الحرس الجمهوري، ولعوا ف دبابتين ومدرعة وعربية جيب. أنا بعد ما الجيش كان نزل، الكلام ده على الساعة ١٢ بالليل بعد خطاب مبارك أول واحد بعد جمعة الغضب، ركبت على دبابة منهم لحد مدخل القصر العيني لإن الشرطة كانت متمترسة كده ومتمركزة قرب مجلس الشعب. وإحنا واقفين على الدبابات قعدنا نهتف ونقول حكومة وسخة يا ولاد الوسخة قاموا ضاربين علينا تاني قنابل مسيلة للدموع. الساعة مثلاً واحدة، وإحنا فوق الدبابات بتاعت الجيش! طبعاً عساكر الجيش قاموا داخلين جوة الدبابات وسابونا، ناس أصيبت فعلاً ساعتها لما ضربوا علينا خرطوش…

وفضلت في الميدان من يوم الجمعة ده.

***

مارس

***

الاعتصام

الصبح يوم السبت على الساعة ١١ كده، رحنا لظباط الجيش: إنتم سايبينهم يضربوا فينا؟ الغريبه بقى إني وأنا بأكلم ظابط الجيش اللي هو تقريباً كان مقدم عيطت وأنا بأقول له إنتم سايبنهم يضربوا فينا، قام معيط هو كمان، وطلع شاور لظابط زيه وقاموا محركين الدبابتين. قال لنا ابعدوا وخليكوا جوة الميدان وما حدش حيقرب منكم وبطلوا تستفزوهم. وفضلنا بقى جوة ومن هنا تقريباً جت فكرة إن الناس جوة الميدان، وتحس ناس جايالك بالآلاف فتحس بالنشوى كده، ناس جايالك من بولاق ناس جايالك من إمبابة، وجت عربية نص نقل في وسط الميدان ونزل منها راجل شايل كام شنطة فينو على علبتين جبنه رومى وخدوا بقى يا شباب وزوعوا على بعضكم.

من يوم الحد تقريباً بدأت فكرة الخيم في الميدان على خفيف. زادت جامد طبعاً في الأسبوع التاني، يعني أنا وإصحابي كنا نقعد في الميدان يومين ونص ونرجع البيت نتشطف ونغير وننام ونرجع تاني.

***

ما كنتش موجود يوم موقعة الجمل، اللي هي الأربع ٢ فبراير، يوم التلات بالليل سمعت من كذا واحد إن في ناس حتهجم على الميدان، بلطجية تبع الحزب الوطني وتبع مبارك. وبعدها جاتلى دكتورة هبة روؤف وقالتلي أنا مش عاوزة أخسر ولادي. كان وقتها معايا أخويا، أخويا أصغر مني بسنتين وهو طبيب وكنت خايف عليه جداً وكنت بأفكر إني حأفضل مشغول بيه أكتر من إننا مشغولين بالميدان، يعني كنت حأقول لأمي إيه، حأقول لها وديت ابنك فين. وصممت إنه لازم يقوم يروح البلد: وجودك هنا ما لوش أى معني؛ واحد يبقى في البيت وواحد يبقى هنا. أنا مقيم في القاهرة لكن هو لأ. وإحنا خارجين عند بوابة عبد المنعم رياض، لقيت شوية عيال جايين يقولو يلّا يا ولاد الوسخة، إنتم بتقولوا لمبارك لأ، وبدأت ناس ترد عليهم وتشتمهم وإحنا كنا بنسلك: ابعد عنهم ما حدش يرد. روحت بعدها، ونمت لما صحيت عرفت إن الدنيا اتقلبت في الميدان.

***

يوم الجمعه ٤ فبراير عند مديرية أمن القاهرة كده، راكبين الميكروباص ورايحين على رمسيس قاموا وقفونا في لجنة شعبية. كان معايا شنطتين واحدة فيها هدوم والتانية فيها الورق بتاعي واللابتوب ومرتبين شهر، كام ألف يعني، وكنت قلقان عشان ما كانش في حد في الشقة قلت أوديها عند دكتورة هبة وهى بيتها في الميدان. واحد من الشباب في اللجنة فتح شنطتي لقى فيها مقالة للمخزنجى عن تاريخ قناة السويس في مجلة العربي كنت طابعه من النت. وجاي بيشد الورق قلت له مش من حقك تبص على الورق، فقال لي لا حأبص على الورق انتو حتخربوا البلد، انزل!

مش جدعنة الواحد يقول مش نازل وقدامك واحد شايلك كازلك طولك، فنزلت أنا وصاحبي قام شادد الورق فواحد منهم حمار لقى مكتوب الخديوي إسماعيل وافتتاح قناة السويس قال بس أهو إنتم عاوزين تخربوا البلد أهو، دي أسرار دولة! قلت له ده مقال منشور في مجلة كويتية، فقالى لا إنت تروح للباشا، فرحت معاه وأنا مستفز من المعاملة البشعة دي قلت له إنت شفت الورق؟ قال لي آه، قلت له وفهمت منه إيه؟قال لي ما لكش دعوة. قلت له ما إنت آخرك دبلون شكلك كده، وأنا مستني يضربني بأي حاجة. وبدأنا نقرب على مديرية الأمن، قلتلهم أنا مش حأتكلم إلا مع ظابط جيش.

قابلت واحد منهم قال لي إيه المشكلة، وطلعوا اللابتوب وقعدوا يبصوا على الورق وعلى الصور، وكان معاهم شوية عساكر جيش في قمة السفالة والوساخة. ظابط الجيش عمال يقول لهم شوفوا فلان وشوفوا علان. وبيتعامل معانا زي الداخلية اللي هو يسيبوك شوية ويرجعولك شوية. لكن الكلام كان بأدب: اتفضل حضرتك، ده الموبيل بتاع حضرتك؟ ده اللاب بتاع حضرتك؟ وبعدين لقى صور ليا من يوم ٢٥ يناير ومنهم صورة فيها دبابة مكتوب عليها يسقط مبارك فقال لي إيه ده، قلت له دي صورة ليا في الميدان، قال متصور جنب دبابة مكتوب عليها يسقط مبارك؟ قلت له والله دي دبابتكم مش دبابتي، وبعدين ما هي الدبابات كلها كده في الميدان وكل الناس اتصورت جنبها عشان ده كان حدث.

الكلام ده كله كان مقعدنا قدام المديرية ما دخلناش جوة، وبعدين بدأ تون الصوت يتغير وبدأ يزعق، ويقول لنا أنا بأكلمكو بأدب وعمال أقول لكم إنتو طلبة جامعة وناس مثقفة حتعملولي فيها هبل، يعني إيه مالكمش دعوة باللي حصل في الميدان؟ إنتو خربتوا البلد عاجبكم اللي بيحصل في البلد ده، كل واحد فيكم شايلى شنطه فيها هدوم… وجه واحد لابس لبس قوات خاصة، وهو شكله عيل أصغر مني ببتاع سنتين كده ولابس دبورتين، وظابط الجيش بيقول له يا باشا البهوات من بتوع التحرير فوقتها استغربت إزاي واحد برتبة أعلى يكلم ظابط باللهجة دي، وقلت الجيش باعنا لبتوع الداخلية ولمبارك.

وبعدها رحنا لواحد لابس ملكى وبيقولوا له يا باشا خمنت بقى إن ده مخابرات أو أمن دولة، فضلوا مقعدينا بتاع ساعة إلا ربع كده ويزعق شوية ويتكلم شوية ولما عرفوا إننا مش من القاهرة أنا وصاحبي قالولنا روحوا على بيوتكم. أخدنها مشي بقى، وكل شوية يطلعلنا بتوع لجنه شعبية وعاوزين يفتحوا الشنط، ويفضلوا يقولولنا معلش بقى يا باشا أصل بتوع الجيش بيراقبونا، عشان بيقولولنا في بلطجية بينزلوا. وأنا كل ما ألاقي لجنة شعبية أو عسركي أبقى مرعوب إن حد يفتح الشنطة، وكان وقتها التلفزيون بيتكلم على اللي معاهم لابتوب وبيبعتوا أسرار الدولة برة وأنا معايا فلوس ويو إيس بي مودم كمان فحبقى بقى قبضت وبأبعت أسرار دولة. وبعدين لقيت عند جامع الفتح مجموعة من بوتع مبارك، فقررت إني أروح البلد…

***

في الأسبوع الأولاني كنا بننام في الأرض جنب كنتاكي، كنا كل يوم بنشوف ناس متشالة وميتة جاية من عند المديرية، وكان عندي بارانويا طول الأيام دي، عندي هاجس إن في قناصة فوق المجمع ورغم إني كنت بعيد عن الهدف إلا إنه كان عندي بارانويا إنه حيموتني عشان يعمل بلبلة في الميدان، رغم إن عنده أهداف قريبة جداً، بس عموماً ما هي الناس عمالة تموت يعني وبعدين، وبعد ما روحت البلد رجعت تاني على الميدان.

ولما كنت في البلد الجيران والناس اللي في الشارع لما شافتني في المسجد – كانت صلاة مغرب أو عشا – اتلموا عليا وسألوني عن التحرير والناس اللي هناك وناس معترضة على اللي بيجرى وناس موافقة، وناس تقول خلاص مهو حيعملكم اللي انتو عاوزينه بس الغالبيه العظمى كانت مبسوطة باللي بيحصل، وكل الناس بتسأل صحيح حيمشي، صحيح حتفضلوا قاعدين في الميدان لحد ما يمشي، فكنت مبسوط جداً باللي بيحصل.

لما رجعت بقى كان شكل الميدان اتغير عن ما سبته، كان أكثر تنظيماً، كنت متضايق من وجود بياعين بس رجعت قلت على الأقل يعملوا للناس شاي، بتوع الإعاشة ممكن يجيبوا أكل لكن شاي لأ.

***

مبارك خطب جمعة، تلات، خميس. بعد خطاب يوم التلات بقى اللي قعد يقول فيه أبنائى بتوع التحرير ونفر من بني وطني والكلام الفاضي ده أمي بتتصل بيا في التليفون، أمى اللي هى عارفة كل المصايب اللي بتحصل في البلد – ولما كان حد بيكلمها أو يقول لها إنتي اللي بتشجعيه على كده تقول له ما بيعملش حاجه غلط وشباب كتير معاه مش هو لوحده، غير أبويا اللي اتصل بيا وشتمني عشان لسه في الميدان – فبعد الخطاب بأقول لك أمى اتأثرت بكلامه وقالت لي والله صعب عليا. قمت قلت لها وما صعبش عليكي خمسمية واحد ماتوا، فسكتت كده وزي ما تكون حست إنه آه صحيح…

في خطاب يوم الخميس، كانت الناس مسورقة بقى ومنهارة لما عرفت إنه لسه ما تنحاش. وبتوع مستشفيات الميدان بقوا يزعقوا. وكان المشهد العظيم بتاع رفع الجزم بعد الخطاب ما خلص على طول، كان الرد المثالي فعلاً. ما كنش عندي أمل إنه حيمشى ابن الجزمة، واحد من إصحابي شافني كده مكسور قام زعق فيا وقال لي إحنا مش حنمشي لحد ما يمشي. الناس كانت جت كتير بقى يوم الخميس بالليل على أساس التسريبات اللي سمعوها من البدراوي على إنه حيتنحى عايزين يسمعوا الخبر في الميدان. كل دول بقى فضلوا وشعارت بكره العصر حنروح له القصر وناس ترد من دلوقتي من دلوقتي، وفي ناس اتحركت فعلاً ناحية مصر الجديدة… أنا فضلت، وبدأ يتسرب إن في خطاب مهم حيطلع لكن الناس مابقتش مهتمة ما هم كل شوية يقولوا في خطاب وبعدين يطلع ابن الجزمة يدينا خازوق… لغاية ما طلع غير المأسوف عليه عمر سليمان وقال لك يتخلى عن منصبه، كانت بقى احتفلات هستيرية. أنا بلا وعي سجدت على الأرض. وأرقص بقى زى الأهبل وأطلع أجرى وكان في بالي صورة الراجل بتاع تونس اللي طلع في الجزيرة يقول هرمنا، فكان في راجل كبير في السن أخدنا واحد واحد حضنا.

وعيطت بطريقة هستيرية.

***

ديسمبر

***

الاعتصام الثاني

أنا لما فكرت أشارك في الاعتصام بتاع ٨ يوليو، كانت فكرتي إنه وسيلة ضغط على المجلس العسكري: إن الناس تبتدي تحس تاني إن البلد حتقف لإن في مطالب للثورا وأهالي الشهدا، لكن في الاعتصام ده ما كانش الهدف واضح، يعني كل واحد كان عنده مطالب غير التاني. إمبارح مثلاً سألت نفسى أنا موجود هنا عشان إيه؟ اللي بتيقال إننا مش حنسيب الشارع غير لما نشوف فعلاً محاكمات علنية لمبارك والعادلى، وبشكل ما ده مهم، لكن لو حتفكر في رد فعل الناس اللي مش في الميدان وإنكم موقفين حال البلد، طب ما هو لو حال البلد ما كانش وقف في الـ ١٨ يوم الأولانيين ما كنش مبارك اتنحى، بس أنا شايف إن الخطوات التصعيدية لازم تبقى موزونة زى الدهب، لإن الناس اللي برة كل همهم لقمة العيش. يمكن أيام حسني مبارك كانوا عارفين إنه حرامي، لكن مهما كانت لقمة العيش صعبة لكن دول قبل مايطلعوا عشان مبارك طلعوا عشان أمين الشرطة الحرامي اللي مطلع عينهم، وبالمرة يجي حسني.

أنا من الأول طالع عشان كرامتى، ما كنتش حاسس إني بني آدم. صحيح ما عنديش مشكلة اقتصادية ومش طالع عشان الفقرا لإن الفقير يقدر يطلع بنفسه أنا مش طالع عشان حد بالنيابة. يعني كان بالأساس ضد الداخلية، عشان إقالة العادلي وعشان ما يجيش حتة ظابط ما يساويش تلاتة مليم يوقفني ويقول لي بطاقتك. وده كان واضح قوي مع الإهانة النفسية اللي اتعرضتلها مع ظابط الجيش وإزاي حسيت إني لازم أكذب وأقول إني مش رايح التحرير لما صوته علي عليا وأنا قدام الداخلية وممكن أتاخد في لحظة وما يتعرفش إني اتاخدت لإني مش وسط إصحابي. طيب لو مد إيده عليا فكس أمه بقى حأمد إيدي عليه: قدرت وقتها إن واحد يبقى في القسم ويتهان… ده أعتقد كان هو الهدف يعني.

الهدف نفسه ما اتحققش لكن الناس ما عادتش هي هي، مش قابلة إن الداخلية تعمل فيها كده. لكن كل بلطجة الداخلية دي معناها إيه؟ وإن يطلع ظابط عرص يشتمنا من على المدرعات ويقول لنا يا متناكين يا ولاد المتناكة، وخول تاني عمال يرقص بالسيوف وبلطجي في وسطهم. إحنا كنا بنقول حننزل من يوم يوليو طب لا بقى إحنا حننزل من يوم ١!

***

مش حأكدب عليك: أنا مش راضي إن العسكر يمسكوا البلد، بس من ناحية تانية بأقول أهي مرحلة وحتعدي. كنت مفكر إن الناس اللي خرّجت مبارك مش حتسكت على أي حد مش عاجبها، بس موضوع الاستفتاء على التعديلات الدستورية ده بيّنلي حاجات كتير قوي، ناس كتير قوي كنت بأحترمها وقعت من نظري حتى من اللي كانوا بيبشروا بالثورة بالذات من اللي كانوا محسوبين على الفكر الإسلامي. محمد سليم العوا مثلاً: بقى هو المتحدث باسم المجلس العسكري يعني، وفهمى هويدي – أنا مرة كتبت على الفيسبوك كده يعني، عملت لينك لإحدي مقالات هويدي : عندما تأكل الأيديلوجيا دماغ أحدهم – اللي هو فعلاً أيدلوجيتي ومن بعدي الطوفان، مش اللي هو مصلحة البلد إيه.

لقيت مثلاً إن التيار الجهادي والتكفيري بيُحتفى بيهم، يعني ألاقي عبود الزمر طالع مع منى الشاذلى وهى بتعامله باحترام شديد وتقول السجين السياسي الذى قضى أطول فترة سجن في تاريخ مبارك، اللي هو بروح أمك مين ده اللي سجين سياسي! ده قاتل. قضى عقوبته وما خرجهوش ممكن، لكن بطل بمناسبة إيه؟ وبعدين يطلع معتز عبد الفتاح بعد ما بقى مستشار رئيس الوزرا يقول لك إن السلفيين هما حماة العقيدة، اللي هما نفسهم كانوا بيقولوا إن الخروج على الحاكم حرام، وفلقونا بمدرسة إسكندرية ومش مدرسة إسكندرية، أهم بتوع مدرسة إسكندرية دول هما اللي دايرين دلوقتي يقنعوا أهالي الشهدا إنهم يقبلوا الدية. اللي هو كلام مخالف للشرع أصلاً لإن اللي قتلوا المتظاهرين دول ينطبق عليهم مبدأ الحرابة. فبقيت شايف إن الإسلاميين واخدين حيز أكبر من حجمهم وإن العسكر سايبلهم الحيز ده عشان يخبطوا في الناس اللي بتتكلم عن دوله مدنية… يعني فعلاً هي نقطة الاستفتاء دي اللي خلت المجلس العسكري يركب أو يلاقي حد يدافع عنه.

نعم للتعديلات الدستورية اللي فرضها المجلس العسكري، يعني أنا بأفكر إن الناس دي يعني هى لا عاملة صفقات مع المجلس ولا حاجة بس يا إنت اقتنعت باللي بيقوله المجلس يا إنت حمار فعلاً. أنا مش عاوز أصدق إنك حمار، طيب يبقى هما أقنعوك بإيه بقى؟ يعني لو إنت عاوز تبني البلد من أول جديد ماتفورها بقى الأول…

فاللي قال لا هو فعلاً اللي كان بيفكر في مصلحة البلد.

***

رقم ١ أنا شايف إن وجود الناس في الشارع فعلاً عمل ضغط. رقم ٢ أظن إن إصرار الناس إن المجلس العسكري ما ينفردش بالقرار مهم جداً. رقم ٣ المعركة الحقيقية مش بين مدنية أو لادينية ودينية، المعركة بين مدنية وعسكرية. البلد دي عمرها ما كانت دينية، ولا عمرها كانت تبع فصيل ديني معين.

نظام يوليو سقط بعد ٦٧ لكن ده ما حصلش يعني السادات ومبارك كانوا تجلى مختلف ليوليو اللي ما سقطتش فعلاً إلا بعد ٢٥ يناير. يعني كلكم غوروا في داهية، إحنا عاوزين حكم مدني بجد، مش عاوزين أى سلطة أبوية خالص، وده اللي مخليني متمسك بشوية الأمل، إن ما حدش عاوز العسكر تمسك البلد فشفيق مش حيجي، عنان مش حيجي حتى لو لمعوه زى ما بيحصل.

لو حد من دول جه، انا شخصياً عندي استعداد أولع في البلد وده بجد مش هزار، يعني يا أموت يا الواحد بقى يغور ويسيب البلد ويعيش بكرامته أو بجزء من كرامته في حتة تانية، مش يجيبوا ناس ما لهمش أي تلاتة لازمة يروحوا يصوتوا لأحمد شفيق مثلاً. أنا شخصياً عندي استعداد أروح أولّع في الناس دي.

- تم تسجيل هذه الشهادة في شهر ٧ سنة ٢٠١١

* محمود عاطف مواليد مركز بسيون، غربية سنة ١٩٨٣. طالب هندسة في جامعة الأزهر، شاعر وخطاط.

عن قصيدة “الأسد على حق” لألن جينسبرج

“ليس فردوس رضاك يا زئير الكون كيف اصطفيتني”

*

أرجع من الإسكندرية عبر طنطا لأجد الثورة أسفل سريري

ومَثنيَّ الجذع على ضوء أبجورة الكومودينو، وجهي بمحاذاة المُلّة

أتبين الملايين تركض وتدافع عن نفسها بالحجارة، كل واحد عقب سيجارة لا يزال مشتعلاً

يرفعون لافتات كالطوابع ويحفرون شعارات أكبر من أجسادهم على الباركيه، أتسمّع هتافهم

***

وكأس الفودكا الأخيرة لم تتبخر من جمجمتي منذ واحد سكندري لم يُعمَل في رشدي

عظمي المخمور يقرقع وأنا أغالب البكاء ممزِّقاً ملابسي في الشباك:

الثورة حصلت يا أولاد القحبة، الثورة حصلت بجد!

***

وقد تركتُ حبيبتي في شارع بن الفارض عند بتاع المخلل تستقبل الفلول

مفتقداً لا الواحد ولا البحر، لا وجه أمها المترمل منذ ساعات ولا أباي الميت قبل عشر سنين

ولا خلف مقهى الأحمدية ولياً كان ذَكَرُه – ضمن الكرامات – أكبر من هراوات الشرطة العسكرية

بل أذني التي ابتلت في الأظاريطة لأن دموعها كانت تقطر من سماعة الموبايل

***

ألطّخ ملابسي بالحبر الأحمر وأُسرع إلى العمل لأرقد على عتبة المدير

لم تكن الثورة مع الزملاء ولا في المترو ولا حتى في حناجر شهداءٍ يُبعَثون بلطجيةَ أمنٍ مركزي

هائماً في ملكوت سكك حديد مصر كيف لم أضبطها حتى هربتْ إلى غرفتي؟

***

مضعضعاً بعدما نمت ليلتي في حمام المصلحة أوشوش عامل البوفيه: بلا ثورة، الحياة لا تُحتَمَل

هل تعرف أن ابن الفارض قال إن موت العاشق حياة والقتل أفضل من الهجر

المؤسف أنه كما أن لا تغيير بلا مذابح كذلك لا زمن بلا انتظار، هل تعرف الملائكة…

الملائكة؟ يسألني متهكماً وهو يتحسس صلعة كالجلمود ويطالعني بشفقة، يقرضني خمسة جنيه

***

أسعى إلى إحدى اللبؤات أسداً يحمل كشكولاً لأخبرها بأن الثورة ليست في ميدان التحرير

ومحتسياً فرابيه من مؤخرة سموذي بعد ثالث دابل إسبريسو في أحد فروع سيلانترو

أزعق في كاتوليكي مراهق من فوق شاشة اللابتبوب: لا شيء اسمه الغيرة القضيبية!

***

من الدقي إلى التحرير مرات عديدة صحبة شاعر شاب هو الآخر من طنطا

أتأكد من فشل الجهود حين لا ترد حبيبتي على الموبايل وهي ثكلى

وإذ جلس زيزو مع فتاة أردنية ليلة جاءني التليفون، هل كان مصابها المفاجئ عقد ارتباطنا؟

***

عندما ترد أخيراً أقنع صاحبي الشاعر أن اعتصاماً بجد في غرفتي، ننطلق بلا سلاح

وزاحفاً ورائي على ركبتيه من جنب الكومودينو بشورته البرميودا كمندسّ يتلصّص

جموع المحتجين حول كعكة حجرية هي عبارة عن نعل قديم، مثلما كنا تماماً

الدبابات علب ثقاب والإف-١٦ كالدبابيس وغوغائيون سفلة، بين المُلّة والمرتبة قناصون بالليل

***

نضاجع المخدات بعد أن أقول لصاحبي إن الله في القضبان والثورة بلا واي-فاي

أتخيل حبيبتي راكعة أمامي ببلوزتها السوداء، فجيعتنا الفردوسية وأنا أقذف في حلقها

وحين توقظنا أمي في الصباح لا أقاوم، أرى الخادمة ومكنستها الكهربائية عليها ختم النسر

أرى العَلَم يرفرف في أيدي مخلوقات فضائية وأعرف أننا لن نهزم إسرائيل

يغتاظ صاحبي والقذى في عينه حين يمتد خرطوم المكنسة تحت السرير

مع ظهور الخيش والصابون أمنعه عن الخادمة بصعوبة: لا فائدة من اغتصابها!

الآن ليس سوى صوت المكنسة وهو يبكي، لا دم ولا حديد يعود باركيه الغرفة نظيفاً وخالياً

وحيث كانت الدواوين على الرفوف زجاجات ديتول وبليدج، إسفنجات وخرق منمقة

فجأة يشهق سريري على صوت السرينة، تشتعل الملاءات وتنفجر المرتبة

يتفصد الكومودينو عن أسد هصور يزأر ويختفي صاحبي والكتابة على الحيطان:

سنوري حين يمارس الجنس يقذف كل عشرين دقيقة ولسانه أخشن من ورق الصنفرة

***

أيتها الحبيبة المنتحبة يا مانحتي الأورجازم النهائي لقد انعقدت حياتانا بالموت

لقد رأيتُ الآتين والغادين قبّلت ذوي اللحى وجريت من شاهري السنجة على سلالم المترو

حملتُ سيدي مجاهد إلى ظلمة القبر لأُطمئن أباك ونعست مقرفصاً بين مقصورتين

لقد وجدتُك أسفل سريري وجيش أمي في الغرفة، سلّمت رقبتي لفم الأسد.

لتحميل “يظهر ملاك” – شعر

The Revolution for Real: Cairo, 2011

After Allen Ginsberg’s The Lion for Real

O roar of the universe how am I chosen

I come home from Alexandria via Tanta to find the Revolution beneath my bed
And with bent torso in bedside lamp light, my face level with the mattress boards
I make out millions scurrying and defending themselves with stones, each a cigarette butt still sizzling
They raise placards like stamps and carve slogans bigger than their bodies into the parquet, I hear their chants

The last shot of vodka not yet evaporated from my skull since a possible lay never accomplished in Alexandria
My drunken bones crackle while I resist weeping, tearing off my clothes in the window:
The Revolution has happened, you sons of bitches, the Revolution for real!

I leave the house on Ibn Farid Street above the biggest pickle store in Tanta, my lover letting in condolence-paying Remnants of the Fallen Regime
Missing neither lay nor sea, neither her mother’s face widowed hours before nor my father dead now for ten years
Nor beyond the Shrine Cafe a Saint whose member (among the miracles) was bigger than the batons of the Military Police
But only my ear which got wet in Alexandria because her tears dripped from the mobile earpiece

I splash red ink onto my clothes and rush to work, lie down at the manager’s door
The Revolution was not with my coworkers nor at the Metro nor even in the throats of martyrs resurrected as thugs of Central Security
Drifting through the realm of the Egypt Railway Company, how come I never caught it till it fled to my room?

Ruptured after I sleep my night in the office toilet I whisper to the Tea Boy : Without a Revolution, life is unbearable
Did you know Ibn Farid said the death of lovers is blissful living and murder preferable to abandonment
The sad thing is that as there is no change without massacres so there is no time without waiting, are you familiar with angels?
Angels? the white-haired man sneers, rubbing a bald head like a boulder and staring pityingly, he lends me five pounds

A lion bearing a Moleskine I seek out one of many lionesses (a lioness, where I come from, is another word for slut) to tell her that the Revolution is not in Tahrir Square
And savoring a frappe riding on the back of a smoothie after the third double espresso at a major outlet of Cafe Cilantro
I scream at an adolescent Catholic from behind the screen of my laptop: There is no such thing as penis envy!

From Dokky to Tahrir many times in the company of a young poet also from Tanta
The failure of our efforts confirmed when my lover, bereaved, does not answer the phone
And while Zizo dallied with that Jordanian girl the night my lover called to tell me, was her calamity the convent of our togetherness?
When she picks up at last I convince my poet friend there is a sit-in for real in my own room, we set out unarmed

And in Bermuda shorts he follows me on bare knees past the same bedside table, a snooper planted among the misled young
Throngs of protesters are gathered round Tahrir’s iconic Stone Cake now turned to an old shoe sole, exactly as we were
Matchbox tanks and F-16s like pins — insolent marauders — between the mattress boards and the sheets snipers by night

We copulate with the pillows after I tell my friend God is in the rail tracks: No revolution should have free wifi
I imagine my lover kneeling before me in her black blouse, our heavenly grief as I come in her throat
And when my mother wakes us in the morning I do not resist, I see the maid holding the Hoover with the the republic’s Eagle on it
I see the republic’s flag itself fluttering above the heads of aliens and I know we will not defeat Israel
My friend furious with the sleep in his eyes while the Hoover trunk slips under the bed
When the mops and soap appear I have trouble keeping him off the maid: No point raping her now!
Only the sound of the Hoover while he sobs, no blood or iron, the parquet floor is empty and clean
And where the books of poetry used to be on the shelves are bottles of Dettol and Pledge, sponges and neat trellissed towels
Suddenly my bed exhales to an armored vehicle siren, the sheets catch fire and the mattress burns
The table morphs into a fearsome lion roaring and my friend has disappeared, the writing on the wall:
A PANTHER WHICH DURING SEX EJACULATES EVERY TWENTY MINUTES, ITS TONGUE COARSER THAN SANDPAPER

O mournful lover, giver of the terminal orgasm: Death has knotted our lives
I have seen the comers and the goers, kissed the Wahhabi beards and ran from the blade-wielding Remnants on the Metro steps
I have carried the Saint into the darkness of the grave simply to reassure your father, nodded off between two compartments of the Cairo-wending train
I have found you beneath my bed with the army of my mother in the room, I have surrendered my neck to the mouth of the lion.

Rewritten from Arabic by the author

مازالوا يدفعوننا، الريفييرا والدبابات، الموت فرحاً

25, 28, Postmortem, Exorcism

 

بريق اللافتات. والصاخبون. والذين تركتُهم مطمئناً. وللمرة اﻷولى منذ اجتمعنا. والمخيمات التي يسكنونها. وطعم الهواء خلف الحواجز. والذين تركوا أشغالهم ليجمعوا الزبالة. وبائعو اﻷعلام مع بائعي التسالي. ولينظمونا صفوفاً في الدخول والخروج. والذين عزّلوابعائلاتهم. والنائمون تحت الدبابة. علامة النصر باﻹصبعين. والذين يفتشونك ويعتذرون. والنائمون في العراء. وكذب المحطات الرسمية. وفي أحضان الله. والكلام المقيّئ. والذين يقبّلون الجنود. والخيانة على صفحات الجرائد. والخيانة بلا أجندات. وحاملو اﻷرغفة والفواكه. الشاي في الكوب البلاستك. والسيجارة المشتعلة من سيجارة. وصورة تذكارية مع الدبابة. الذاهب واﻵتي. ومرحباً باﻷبطال“. ومَن راح حسه وهو يهتف. والخوذة المرتجلة في النار. والكوكاكولا لغسيل الوجه. وفي الطوب والحوافر والعصي. الجري ثم الرجوع. وأحضان الثكالى. والمتليف جلده بالشظايا. أوجع قلبه ما حدث لهم. والكوكاكولا بثلاثة جنيهات. ومع علبة كشري صغيرة. ولا يجد حرجاً أو غضاضة. ولن يقبل اﻹملاءات اﻷجنبية. ويقولون إننا مضللون. حاملو الجرحى عبر المداخل. وخراطيم المياه على الساجدين. والساجدون على اﻷسفلت. والذقن والشعر واﻷحذية. ويقولون إنه على كلٍ رئيسنا. سائق التاكسي الخائف. ورافعو الصليب المقدس. وسائق التاكسي الخجول. والذين دهستهم العجلات. صورة الرئيس مع الحذاء. ومشيعو اﻷجساد واحداً بعد واحد. والذي مات قابضاً على الطلقة التي أخرجها من عنقه الطبيب. والذي اختطفوه وأحرقوا وجهه بالسجائر. والذي مات في المرة الثانية. من يهتف لا يمت. والقنص من فوق أسطح الفنادق. والقنص تحت ستار الليل. والشعارات في الرصاص. والذي واجه المضرعة لوحده. والقلق على البلد ككلام المأجورين. وتحت غطاء الليل. أكثر من معنى لجبهة. واستغاثات اﻷطباء. والنازفون على السلالم. وخسّة الشرطي. ومَن حمل القنبلة وقذفها عليهم. ومِن وسط دخان التشنج. ومن حل محلهم وهم يركضون. والذي منع زميله من ضربهم بالحجارة. والنيل ليلاً. والجندي الذي قال لي: كيف أضربكم وأخي بينكم. وضابط الجيش الذي غمرني بذراعه. والشعب يريد إسقاط النظام. ودقات الطبول إيذاناً بشيء. والكارثة. والساحات المدمدمة كالمناحل. ودقات لتنغيم الشعار. الانتظار والذراع مرفوع بالبطاقة. ومن كان شرطياً سيُذبَح. والجلوس على الرصيف. والموت ضرباً. والموت بالنهار. والمطر على الجباه. الشعب يريد محاكمة الرئيس. وعيون الخارجين من المساجد. وأطفال العشوائيات. وما يبقى من السيارة بعد أن تحترق. والانفلات اﻷمني. والرشاش في المرحاض. وأفواج اﻵتين بعد أن يأمنوا. واﻵتون مع أصدقائهم. واﻵتون مع أقاربهم. واﻵتون لوحدهم. ويسقط مبارك

لتحميل “يظهر ملاك” – شعر