أغنية الماعز: قصة حسن بلاسم

حسن بلاسم

أغنية الماعز

IMG_8008

 كان الناس ينتظرون في طوابير، ليرووا حكاياتهم. تدخلت الشرطة لتنظيم الأمور. أغلق الشارع العام المحاذي لمبنى الأذاعة أمام حركة السيارات. وهناك أنتشر النشالون وباعة السجائر المتجولون. وكانت شديدة المخاوف ُمن أن يندس إرهابي بين الناس ويحيل كل هذه الحكايات الى عجينة من اللحم والنار.

تأسس راديو ( الذاكرة ) بعد سقوط الدكتاتور. ومنذ البدء أخذت الأدارة بنهج وثائقي لبرامجها. لا نشرة أخبار ولا أغان، مجرد تقارير وثائقية وبرامج تنبش في ماضي البلاد. وجاءت الراديو شهرة كبيرة بعد الأعلان عن خبر تسجيل برنامج جديد بعنوان ( حكاياتهم بأصواتهم). وتوافدت الحشود على بناية الأذاعة من كل أنحاء البلاد. كانت الفكرة بسيطة : أختيار حكايات و تسجيلها بأصوات أصحابها ومن دون ذكر للأسماء الحقيقية ثم يختار المستمعون أفضل ثلاث حكايات تنتظرها جائزة مالية ثمينة.

أفلحت في ملء إستمارة الترشيح والدخول الى مبنى الاذاعة بعد مشقة كبيرة. ولأكثر من من مرة نشب الشجار بسبب الزحام. عجائز وشبان ومراهقون، موظفون وطلبة عاطلون عن العمل ، جاءوا كلهم كي يرووا حكاياتهم. أنتظرنا تحت المطر أكثر من 4 ساعات. بعضهم كان كتوما. آخرون كانوا يتفاخرون بحكاياتهم. شاهدت رجلا من دون ذراعين ولحيته تكاد تصل الى سرته. كان غارقا في التفكير وكأنه تمثال يوناني متآكل. لاحظت قلق الشاب الوسيم الذي كان معه.

سمعت من شيوعي عذِّبوه في السبعينيات في سجون البعث ، بأن لدى الرجل الملتحي حكاية مرشحة للفوز إلا أنه لم يأت من أجل الجائزة. إنه مجرد مجنون لكن مرافقه ، وهو من اقربائه، يطمع بالجائزة. كان ذو اللحية الطويلة معلما. ذهب الى الشرطة يوما للأبلاغ عن جاره الذي كان يتاجر بالآثار المسروقة من المتحف. شكرته الشرطة على تعاونه. وبهذه الصورة أراح المعلم ضميره وعاد الى مدرسته. رفعت الشرطة تقريرا لوزارة الدفاع مفاده أن بيت هذا المعلم هو وكر لتنظيم ( القاعدة). كانت الشرطة شريكة لمهرب الآثار. أرسلت وزارة الدفاع تقريرها الى الجيش الامريكي الذي حلقت مروحياته في سماء بغداد و قصفت بيت المعلم. قتلت زوجته وأولاه الأربعة وأمه العجوز. المعلم نجا من الموت. لكن دماغه تعطل وفقد ذراعيه.

أما انا فكانت تغلي في ذاكرتي أكثر من عشرين حكاية عن سنوات أسري الطويلة في ايران. كنت واثقا من أن واحدة على الأقل ستكون قنبلة المسابقة حقا.

أدخلوا المجموعة الاولى ثم اعلنوا للحشود في الخارج عن انتهاء استقبال الطلبات في ذلك اليوم. كنا أكثر من 70 شخصا. أجلسونا في قاعة فسيحة تشبه مطاعم الطلبة في الكليات. أخبرنا رجل يرتدي بدلة أنيقة بأننا سنستمع أولا الى حكايتين كي نتعرف على طبيعة البرنامج. كما تكلم عن قانونية العقد الذي سنوقعه مع الاذاعة.

خفتت الأضاءة تدريجيا وحل الصمت في القاعة وكأننا في صالة سينما. أشعل معظم المشاركين سجائرهم. غرقنا في سحابة كثيفة من الدخان وأخذنا نستمع الى قصة امرأة شابة. كان صوتها يصلنا صافيا من كل أركان القاعة. استمعنا الى حكاية زوجها الشرطي الذي أختطفته جماعة اسلامية لمدة طويلة، وكيف أرجع القتلة جثته متعفنة ومن دون رأس أثناء الاقتتال الطائفي. وحين أضيئت القاعة من جديد دبت الفوضى. كان الجميع يتحدثون سوية مثل حشد من الزنابير. هزأ كثيرون من حكاية المرأة. أدعوا أنهم يملكون من الحكايات ماهو أغرب وأقسى وأكثر جنونا. لمحت عجوزا شارفت على التسعين تهز يدها ساخرة وهي تمتم : هي هاي سالفة .. سالفتي لو حكيتها على الصخر.. .كان تفطر من القهر

 عاد الرجل الأنيق ودعا المشاركين الى الهدوء. أوضح بكلمات بسيطة بأن أفضل القصص لاتعني الأكثر رعبا أو حزنا، المهم هو الصدق وأسلوب الحكي ثم قال بأنه ليس من الضروري أن تكون القصص عن الحرب والقتل. أنا إنزعجت من هذا الكلام. وما لاحظته أن غالبية المشاركين لم تكترث لأقوال هذا الرجل. همس في أذني رجل بحجم الفيل : ضراط إللي يقوله هذا أبو رباط… السالفة هيّه سالفة … لو زينة لو ضراط

 خفتت الأضاءة من جديد. ورحنا نصغي للحكاية الثانية :

 وجدوها تطعمني الخراء. طوال أسبوع وهي تخلطه لي مع الرز والبطاطا المهروسة والحساء. كنت طفلا شاحبا في الثالثة من العمر. هددها أبي بالطلاق لكنها لم تكترث. تحجر قلبها الى الأبد. لم تغفر لي فعلتي أبدا، ولا أنا نسيت قسوتها. عندما ماتت بسرطان الرحم كانت أعاصير الحياة قد حملتني بعيدا جدا. هربت بعد حادثة البراميل من البلاد ذليلا ،مكسورا، مشدوها من شدة الفزع. في الليل ودعت أبي. سار معي الى المقبرة. قرأنا سورة الفاتحة عند قبر عمي. تعانقنا ثم دس في يدي رزمة من النقود. قبلت يده وأختفيت.

 كنا نعيش في حي فقير في كركوك. لم تكن في الحي مجار للمياه. حفر الناس في بيوتهم بالوعة كلفتها ثلاثة دنانير. كان الكردي نوزاد، بائع الخضروات، هو المختص الوحيد في الحي في حفر بالوعة الخراء تلك. وحين مات نوزاد تولى ابنه مصطفى العمل. عثروا على نوزاد متفحما في دكانه بعد أن شب الحريق فيه ليلا. لاأحد يعرف مالذي كان يفعله نوزاد في تلك الليلة. زعم بعضهم أنه كان يدخن الحشيش. أبي لم يصدق هذا الكلام. ولكل أشكال المصائب كانت هناك حكمته الأثيرة ( كل شئ مكتوب علينا في هذه الدنيا الفانية ). وهكذا صدقت في طفولتي بأن ( حياتنا ) مركونة في الكتب المدرسية ودكان بائع الجرائد. أراد الأب إنقاذ طفولتي بما يملكه من نقاء ومحبة. كان ممتنا من الناس والحياة بطريقة تحيرني لغاية اليوم. كان مثل قديس

في مسلخ بشري. كانت الكوارث تقصفنا مرة كل عامين. إلا أن الأب لم يرد أن يصدق بأن هناك مثل هذه اللعنة الغامضة التي يأتي الزمن بها. ربما ردها الى القدر المكتوب. كنا عرضة للقصف من كل الجهات – من المجهول ، من الواقع ، من الله ، من الناس وحتى الموتى كانوا يقصفوننا بالعذاب. حاول أبي دفن جريمتي بشتى السبل. على الأقل شطبها من ذاكرة أمي. لكنه فشل. أستسلم أخيرا. وترك المهمة لجرّافة الزمن ، فعلّها تردم الكارثة.

ربما أنا أصغر قاتل في العالم. قاتل لايتذكر شيئا من جريمته التي لم تكن لدي وعلى الاقل ، سوى حكاية. مجرد حكاية لتسلية الناس في كل وقت. وما لاحظته أن كل واحد كان يكتب ويلحن وينشد حكاية جريمتي على هواه. آنذاك لم يكن أبي يعمل في صناعة الطرشي. كان سائق دبابة. وكانت الحرب في عامها الأول. وكانت أمي تلح على أبي كي تنجب طفلا ثالثا. كان يرفض بسبب الحرب التي أفزعته. أحوالنا كانت ماشية : يرسل أبي كل شهر مايكفي للأكل واللبس وأيجار البيت. وكانت أمي تقضي وقتها اما في النوم او في زيارة زوجة عمي، للحديث عن أسعار الأقمشة ورعونة الرجال.

في الصيف تنتقل أمي الى منطقة الأحلام. لا تسمع ولا تتكلم ولا حتى تبصر. كان القيظ يذيب روحها. في كل ظهيرة تستحم ثم تنام في غرفتها عارية. مثل حورية ميتة. وحين يقدم الليل تستعيد شيئا من الحيوية تماما وكأنها أفاقت من غيبوبة. تشاهد المسلسل الدرامي في التلفزيون و برنامج تقليد الرئيس انواط الشجاعة للجنود الأبطال. وتفكر عسى أن يظهر أبي بينهم.

في ظهيرة أحد الأيام غفت أمي فاتحة ساقيها وذراعيها لهواء المروحة السقفية. تسللنا أنا وأخي الذي يصغرني بعام الى باحة البيت. لم يكن في الباحة سوى شجرة تين يتيمة وبالوعة الخراء تلك . أذكر أن أمي كانت تبكي تحت شجرة التين كلما مات لنا قريب أو نزلت علينا مصيبة. كانت فوهة البالوعة مغطاة بصينية طعام قديمة مسنودة بحجر كبير. كنا نزيحه، انا واخي، بصعوبة. ثم نبدأ برمي الحصى في البالوعة. كانت لعبتنا المفضلة. جارتنا أم علاء عملت لنا زوارق ورقية كنا نتركها على سطح بحيرة الخراء.

 قالوا إني دفعت أخي في البالوعة ثم هربت الى سطح البيت مختبأ في قفص الدجاج. ولما كبرت سألتهم : ربما سقط ، وأنا هربت بسبب الخوف ؟ قالوا : أنت أعترفت بنفسك. ربما حققوا معي مثل شرطة الدكتاتور. أنا لا أذكر أي شيء. لكنهم يقولون ويحكون، وكأنهم يتمتعون بمشاهدة أحد الإفلام. كان الجيران كلهم قد شاركوا في كرنفال جحيم البالوعة. لم يعثروا على تلك السيارة التي كانت تأتي مرة في الشهر وتفرغ بالوعات الحي. استعانوا بكل شئ. بالقدور والآواني الأخرى وبدلو كبير لتفريغ الخراء من البالوعة. كانت عملية شاقة ومقززة وكأنه مشهد تعذيب بالحركة البطيئة. كان القيظ و الروائح الكريهة يضاعف من التعب وهول الصدمة. وقبل أن تغرب الشمس، أخرجوه ، طفلا كفنه الخراء.

 تأخر أبي في العودة من الجبهة. كتب عمي رسالة له ثم تكفل بمراسيم دفن أخي. دفناه في مقبرة الأطفال على التل. ربما هي أجمل مقبرة في العالم. في الربيع كانت تنبت هناك أزهار برية من كل لون وشكل. وتبدو المقبرة من بعيد وكأنها شجرة عملاقة ملونة. مقبرة يفوح عطرها بقوة و ينتشر الى عشرة كيلو أمتار. بعدها بأسبوع دفعت جارتنا أم علاء الباب وشاهدت أمي. كانت في ذهول من شدة الحزن. وضعت الخراء في طاسة صغيرة. و أخذت ببطء شديد تخلط الخراء بملعقة من البلاستيك، بالطعام، و تملأ به فمي ودموعها تسيل

أرسلني أبي الى عمي كي أعيش معه. وهكذا أصبحت لاجئا من صنف آخر. كنت أحل ضيفا على بيتنا كل يوم جمعة. تصحبني زوجة عمي كي ترقب أمي. صرت مثل الكرة التي تتقاذفها الأقدام. هكذا مرت ست سنوات وانا أسعى الى أن أفقه مايحدث حولي. كان علي أن أتعلم ماتعنيه أحاسيسهم وكلماتهم وسلسلة جمر في رقبتي. كنت أحبو فوق بساط من السكاكين. وكانت البالوعة فزاعة طفولتي. سمعت في أكثر من مناسبة بأن الحياة تتقدم، تسير، تبحر، وربما تزحف. حياتنا كانت تتفجر مثل المفرقعات النارية. وتتناثر في سماء الله. كاتب الاقدار ومدفع القصف العظيم. قضيت سنوات طفولتي ومراهقتي وانا اراقب الجميع مثل قناص يختبأ في العتمة. أراقب وأرمي. كنت أطلق على كوابيس حياتي كوابيسا أخرى – كوابيسي المتخيلة. إبتكرت صورا ذهنية لتعذيب أمي والآخرين. ورسمت في دفتر مدرسي شاحنات عملاقة تسحق روؤس الاطفال. مازلت أذكر صورة الرئيس المطبوعة على غلاف الدفتر. إرتدى فيها بدلة عسكرية وهو يبتسم. وقد كتب أسفل الصورة: ( القلم والبندقية فوهة واحدة(

كانت هناك عربة نفط يجرها حمار. تأتي الى أزقة الحي شتاءا. كان الأطفال يتبعون صاحب العربة، منتظرين أن ينتصب زب الحمار،المخيف. كنت أغمض عيني. واتخيل زب الحمار، الغليظ والأسود، يدخل من أذن أمي اليمنى ليخرج من اليسرى. وهي تصرخ وتستغيث من شدة الوجع.

 قبل أن تنتهي الحرب بعام ، فقد أبي ساقه اليسرى وخصيتيه. وهذه الحال أرغمت أمي على ان أعود الى البيت. أبي قرر أن يعود الى مهنة أبيه وأجداده : صناعة الطرشي. يقولون أن جدي كان أشهر بائع طرشي في مدينة النجف. الملك نفسه ، زاره ثلاث مرات. عدت الى البيت وصرت ساق أبي وذراعيه وخادمه المطيع. وكنت سعيدا، فأبي معجزة من الطيبة. رغم كل ما عاناه في حياته. ظل مخلصا لروحه. التي لم يشوهها الألم. ركّب ساقا صناعية وضاعف من طاقة الحب. كان يدلل أمي ويغمرها بالهدايا- قلادات ذهب وخواتم وألبسة داخلية مطرزة بالورود.

قام أبي بتبليط باحة البيت وعمل غطاء كونكريتي لفوهة البالوعة. لم تبق سوى فسحة لشجرة التين التي أماتتها المياه المخمرة للطرشي. تحتها بكت أمي آخر مرة حين بلغت السادسة عشرة من العمر. قامت الحكومة في بغداد بشق طريق للخط السريع وأزالت المقبرة القديمة. كان قبر والدها هناك. و إستمر زمنا طويلا حزننا على ضياع عظام الجد.

كانت الباحة مليئة ببرامل التخمير البلاستيكية. وأكوام من شوالات الخيار والباذنجان والفلفل الأخضر والأحمر والزيتون واللهانة والقرنابيط. وأكياس الملح والسكر والبهارات وقناني الخل وعلب الدبس. كانت هناك قدور طبخ كبيرة. الماء يغلي فيها طوال الوقت. نضيف إليها البهارات ثم خيار الماء والباذنجان والقرنابيط واللهانة والجزر. لم يكن أبي ماهرا كأبيه وجدّه. وراح يجرب طرقا جديدة. كان قد قضى شطرا كبيرا من حياته في الدبابة. نسي الكثير من الوصفات السرية لعمل الطرشي. أضاعت الدبابة عليه زبّه ومهنة أسلافه.

 أجلس قبالة أمي ساعات ونحن نقطع الباذنجان أو نحشو الخيار بالثوم أو الكرفس. كان لسانها، مسموما مثل أفعى. ولم يعد الصيف يؤلمها. تحولت الى بقرة سمينة حرقتها الشمس. سليطة اللسان وتدخن بأفراط. نبتت في قلبها أعشاب مسمومة . كان الناس يرثون لحالها بكلمات مسمومة أيضا : المسكينة .. لا زب ولا أولاد … بس غراب البين . الغراب هو أنا. و معه كل رموز الشؤم. كان أبي مشغولا طوال الوقت بأمور الحسابات والتعامل مع الدكاكين في السوق ونقل البراميل بسيارة الشحن القديمة. ينهار أبي من التعب بعد مغيب الشمس. يتعشى ويصلي ويروي لنا مشاكل الطرشي. ينزع ساقه الاصطناعية. ويدخل السرير ليدغدغ إمرأته الشمطاء بأصابعه.

حين أندلعت حرب الخليج الثانية كان علي الألتحاق بخدمة الجيش. جلس أبي وعمي يتشاورن في أمور خدمتي العسكرية. لم يشاهد عمي أهوال جبهات الحرب الاولى. كان يعمل في مديرية الأمن في مركز المدينة. أتخذ أبي قراره : لن أعطيه للموت. كيف لهم ان يقتلوا أبني الوحيد . تشاجر عمي معه. شرح له موقفه من دائرته الأمنية. أبن اخيه هارب من خدمة العلم ( تريدهم يعدمونا أحنا والنسوان ؟ ). أصر أبي على موقفه. هددنا عمي بأنه سيلقي القبض بنفسه علي ان لم ألتحق بالجيش. لكن أبي طرده من البيت. وقال له ( اسمع .. صحيح انا رجل مسالم .. لكن هذا ابني… قطعة من جسدي .. ان فعلت ذلك … ساذبحك من الوريد الى الوريد…). كان عمي سكرانا ليلتها. وهائج مثل ثور، غادر وهو يشتم صارخا. قام أبي وصلى ركعتين. وسرعان ما إستعاد هدوءه : اعوذ بالله من الشيطان الرجيم … إنه أخي … مجرد كلام سكر .. أنا أعرفه … قلبه أبيض

 بقيت سجين البيت ثلاثة أشهر. كانت الشرطة العسكرية وكل أجهزة الامن تملأ الشوارع. قرر أبي أن لاأعمل في النهار كي لاينتبه إليّ الجيران. أخرج ليلا الى الباحة مثل اللص وفي يدي فانوس. أجلس قرب شوالات الباذنجان والخيار والفلفل. وأنهمك في العمل والتفكير في حياتي. كنت أخلط العرق بالماء في علبة حليب فارغة لئلا أزعج أبي. اقضي الليل وانا أسكر والمزة من كل أصناف طرشي سائق الدبابة . يسري الكحول في دمي فأحبو مثل طفل الى البالوعة. الصق أذني بالغطاء الكنوكريتي وأصغي. أسمعه يضحك. أغمض عيني. فأتخيل لمس كتفه العاري. جلده ساخن من كثرة اللعب والتعب. لم اعد أذكر وجهه. صورته الفوتوغرافية الوحيدة مع أمي. هي تمنع الكل من الأقتراب منها. تخبئها في دولاب الملابس. تضع الصورة في علبة خشبية صغيرة مرسوم عليها طاووس.

 عند ساعات الفجر الأولى ينهض أبي. غالبا ما كان يجدني نائما في مكاني. يضع يده على جبيني. فأفيق من لمسة يده. ( أدخل ابني … صليلك ركعتين … وأدعو ربك يوفقك ) لم يكن غافلا عن شربي العرق. لكن الدين لم يكن بالنسبة له أحاديث نبي ولا شريعة ولا محرمات. الدين هو حب الخير، هذا كلامه لكل من يناقشه في مسألة الحلال والحرام وأمور الشريعة. لن أنسى أبدا ذلك اليوم الذي أنهار فيه باكيا في ساحة اللعب بالكرة. أخاف الأطفال. وأنا خجلت و إرتبكت بسبب بكائه. كان رفاق حزب البعث قد أعدموا ثلاثة شبان كرد قريبا من ساحة الكرة. ربطوهم الى أعمدة خشبية ورموهم بالرصاص امام مرأى جميع سكان الحي. قبلها خطبوا من مكبر الصوت : ( هؤلاء الخونة المخربين لايستحقون ان يأكلوا ويشربوا ويتنفسوا من ماء وهواء وخيرات هذا البلد ) ، وكعادة رفاق الحزب أخذوا الجثث وتركوا أعمدة الخشب في مكانها كي يتذكر الجميع ما حدث. جاء أبي الى الساحة لاصطحابي الى السينما. كان مولعا بالأفلام الهندية. وحين تأمل الهدف الذي ينقصه العارضة الخشبية أدرك اننا أخذنا الأعمدة الثلاثة وعملنا منها عوارضا للأهداف. كانت آثار الدم الذي يبس على الخشب. أنهار ابي حين سمع أحد الاولاد يقول : عمو .. ناقص عارضة وحدة .. يمكن يعدمون بعد واحد .. وناخذ الخشبة مالته ..

في مساء صيفي قُصِفنا من جديد. طرق عمي الباب بعصبية. كانت أمي تعد النقود وتضعها في زجاجة معجون طماطم فارغة. انا وأبي كنا نلعب الشطرنج. كان يمكنه أن يغلبني بسهولة. لكنه كان يتسلى بفرحتي وأنا أقتل جنوده أولا. قدمهم وبقية البيادق لي من دون غطاء وكقرابين. أبقى على ملكه ووزيره فقط. ثم أخذ يفتك ببيادقي بوزيره الأسود ويحكم بالموت على ملكي.

خرج أبي للباحة لأستقبال عمي. لفت أمي فوطتها ولحقت به. وقفوا جميعهم قرب البالوعة وراحوا يتناقشون بعصبية لكن بصوت خفيض. راقبتهم من خلف زجاج الشباك. كنت دائخا من سكرة الأمس. أنتظرت قدوم الليل لأسكر من جديد. هرولت أمي لجلب شئ من الأغراض أسفل السلم. تعاون أبي وعمي على أفراغ برميل مليء بطرشي القرنابيط. عادت أمي بمطرقة ومسمار. طرح أبي البرميل أرضا، وأخذ، يحدث فيه ثقوبا عشوائية بالمسمار. لم يكن يحمل ساقه الاصطناعية. كان يقفز على ساق واحدة وهو يدور حول البرميل كأنه يلعب أو يرقص. أوقف عمي السيارة أمام باب البيت ونقلوا إليها براميل الطرشي. دخل أبي الغرفة وهو يتصبب عرقا :

- أسمع ابني … ماكو وقت … عمك عنده معلومات ان الأمن والحزب راح يفتشون من الفجر كل البيوت … عمك عنده اصدقاء اوفياء بقرية العوران… ابقالك هناك كم يوم … منا لمن الامور تهدأ

دخلت البرميل الفارغ. أحكمت أمي غلق الغطاء. وحملني أبي وعمي الى السيارة.

كان أبي محقا. أنه أخوه ويعرف قلبه. قاد عمي السيارة في الشوراع مثل المجنون لينقذ حياتي. تمكن من الوصول الى أطراف المدينة بسلام. لكن جميع المعابر المؤدية الى الأقضية والقرى، كانت تحرسها نقاط تفتيش عسكرية. الحل الوحيد أمامه هو التوجه الى الطرق المهجورة. أختار طريق مزارع الحنطة شرق المدينة. ربما ذعر عمي أنساه الطرق المناسبة. حتى الطفل في المدينة كان يعرف سلسة التلال الصخرية الوعرة بعد مزارع الحنطة. ربما كانت صور تعذيب الناس في دائرته الأمنية تشتت ذهنه. لعله تخيل جماعته يذيبونه في أحواض حامض الكبريت ( ضابط أمن يهرب أبن أخيه في برميل طرشي) كان يقود السيارة في مزارع الحنطة مسيطرا بالكاد على المقود. المطبات كسرت ضلوعي و الغبار الذي تثيره السيارة يدخل من الثقوب في البرميل بدل الهواء. كانت رائحة البرميل مثل جيفة القطط الميتة في مزبلة الحي. هل كان عمي يقلع الأظافر ويفقأ العيون ويحرق الجلود بمكواة في أقبيه دائرة الامن؟ ! ربما قادته أرواح المعذبين الى الهاوية، ربما هي روحي الشريرة. ولعلها الروح التي كتبت كل شئ ، فان ، غامض، في هذه الدنيا الزائلة.

 سبعة براميل تقبع في ظلام أسفل المنحدر مثل حيوانات نائمة. أنقلبت السيارة بعد أن حاول عمي اجتياز التل الصخري الثاني. تدحرجت البراميل مع السيارة الى الهاوية. قضيت الليل غائبا عن الوعي في جوف البرميل. في ساعات الصباح الاولى. كانت أشعة الشمس تتسرب من ثقوب البرميل، وكأنها خيوط أنفاس ممدودة الى غريق. كان الدم يملأ فمي، ويداي ترتعشان. كنت فريسة الإثنين: الألم و الرعب. رحت أرقب أشعة الشمس وهو تتشابك بغرابة في البرميل. أردت التخلص من الفوضى التي لحقت بوعيي. شعرت كأني دخنت طنا من الماريهوانا : سمكة تفيق في علبة سردين. دودة ميتة في جوف بئر مهجور. جنين متعفن سُحقت عظامه في رحم على شكل برميل. الى أن استقرت في ذهني صورة أخي النازل الى قاع البالوعة وأنا أغوص وراءه.

 كان ثغاء الماعز يصلني ضعيفا أول الأمر، وكأنها فرقة أنشاد تتدرب على الغناء. تثغو عنزة ثم أخرى ثم كل العنزات سوية وكأنها وصلت الى الميلودي المناسب. وقبل أن يصيح الراعي على القطيع، وتنطح عنزة البرميل، تحرك شعاع وسقط في بؤبؤ عيني. تبولت على نفسي في جوف البرميل، مشدوها من قسوة العالم الذي سأعود اليه .

حسن بلاسم، هلسنكي ٢٠١٢

عن كيكا

نضاجع المخدات بعد أن أقول لصاحبي إن الله في القضبان والثورة بلا واي-فاي

قصائد اللغة الجديدة

wpid-262965676342777938_6860517-2012-08-24-18-47.jpeg

ما أطول “الزراعي”

دون أن نصوم (في العشر الأواخر) تركنا طنطا عبر شارع البورصة

قلنا منطقة تجارية أكيد فاضية—نصف ساعة زحف وسط أكداس المتسوقين

عرق البروليتاريا يمطرنا والسيارة تخرم عجين اللحمة واللحى والقماش

وعيون المتخمين لِتَوّهِم تطالعنا بكراهية الرعاع لنبلاء الباستيل

ظلمات ترشيد الكهرباء ونحن خندق محفور في المدافن نصرةً لإخوتنا في غزة

دعك من أن غزة الآن أبعد من أنتاركتيكا والإخوة نفسهم يسبون الدين

من هنا حتى قويسنا بهائم الأسفلت بالكاد تتفادى الحفاة والحمير وهكذا

؎

على هذه الأرض – جارية الأرض – لا شيء يستحق الحياة

أم العائشين أم الميتين تصدّرين القفا للصفع أملاً في لقمة طرية

وسواء أتغير لفظه أو استمر ضمن الذل المستحب يظل اسمك مسبة

؎

تخوم قليوب تبشر بالوصول لم يعلمنا أحد بأي عَطَلَة في السكة

كان قتلة المتظاهرين – الأهالي – سدوا الطريق مرة أخرى احتجاجاً

وبينما نلتحق بصف الهاربين إلى المدقات الجانبية حيث الفجاج والحجارة

تذكرتُ كيف قلبنا الدنيا بالرقاد على التراب ولأنهم يقتلوننا صدقنا أننا نضحي

لغاية ما تحقق مطلبنا العبيط رجعنا بيوتنا ليحلّوا محلنا هم نفسهم

وهكذا مكّنا العصابة الأولى من تسليم البضاعة للعصابة الثانية حين متنا

بلا كبير جهد تغوطنا اللحظة اعتلينا النخلة وأغوتنا العينان الخلابتان ولكن

؎

كيف لعينيك أن تكونا غابتي نخيل وهما على هذا القدر من البجاحة

وكل عام لا يعشب الثرى ولا نجوع ما مر عام وجعنا بما يكفي لنسعى

نحن الغربان تشبع والجراد يعوي على تطلعات ستبقى أسطورية

؎

كانت المدقات مشرشرة بالحفر والمياه مركبات صناعية معطلة في العتمة

موكب مناوري “الهايواي” مثل ثعبان خرافي طالع نازل فوق جرف

ورغم وجود متفرجين من أهل المصانع على الجانبين فكرتُ أننا في مجاهل

هذا الذي نخوض فيه ببطء فيل كليم هو ما أزحنا عنه الحجر يوم ثرنا

خندق نبلنا محفوف بالأهالي رعاع حاقدون ومحتجون قتلة ولا باستيل

هل كانت الشعوب تثور دائماً قبل أن تتوفر لها الخدمات الأساسية

بلا طريق لا يعترضه المحرومون من الكهرباء هل نعمل ثورة أم نمثّل فالآن

؎

احترق المسرح من أركانه للمرة الألف لكنكم أنتم يا حبيبي الممثلون

لم تكن فلسطين لكم لأنكم أولاد قحبة من قبل أن تفقدوها

لم تصلحوا لشيء إلا التجول بين صفوف المتفرجين لتنادوا: كاكولا-بيبس

؎

الرحلة تستغرق ساعة خمس ساعات حتى يلوح “المحور” مخضّباً بالمشاة

وكأنه عذاب القبر نعيش من أول وجديد عاماً ونصف أو عامين من إحباطاتنا

فقدنا الأمل ليس في الثورة فقط ولكن في المستقبل أيضاً في النشطاء السياسيين

ولا عزاء للمدفونين حولنا لراشفي الشاي على شط هذه البركة للعميان بفعل فاعل

لا عزاء لنا نحن أيضاً يوم نُقتل أو نُحتَجَز ها هنا في المجاري الرطبة نستنبح

حتى الغضب يتفثأ حيث حر الليل وأخبار انهيار محدّق في الركن الخلفي للدماغ

كل التفاصيل التي يناقشها الأصدقاء تغدو ذباباً يئز ويغبّش البربريز فعلاً

؎

الناس في بلادي جارحون ولكن كعقارب غير سامة ليس عندهم غناء

حشرات منزلية في مطابخ الإنسان يعملون أي شيء من أجل قبضتي نقود

وطيبون في التسول أغبياء في إيمانهم بأن القَدَر فقط وساخة القرون

wpid-262961651832592421_6860517-2012-08-24-18-47.jpeg

الأنبياء: رسالة نايف إلى مون*


إلى مهاب نصر

كان وقحاً بمنتهى الأدب يا مون؛


بمنتهى الدماثة، كان سافلاً


وهو يرص بذاءاتي صفاً على الحائط

ليضربها واحدة واحدة بالرصاص.

كان أحقر من كلاب السكك


وهو يحبس “الشخرة” في حلقي


قائلاً إن في كلمة “أحَّه” تبسيطاً مخلاً.


وعبر شبابيك غرف “مكمكمة” 
أضيق من أن تستوعب صراخك -


هل تذكرين فرحة الاشتمام الأول؟ 
هل تعرفين معنى الالتحام؟ -


كنت أتحاشى وجوهاً اقترنت قسماتها بالفساء


وأقيء لمشهد الكاتب المصري


متربعاً في خرائه.

؎

يوم بصقتُ في وجه محمود درويش،

حملوني في السيارة – وكنت معصوب العينين -

إلى نقطة بعيدة على طريق الواحات.


لم يذهب السواد حتى تأكدوا

أن لا شيء هناك سوى الحجر الأبيض.


وأجبروني أن أصلّي بهم في العراء


قبل أن يصمني الأذان بأنكر الأصوات


من مكبر صوت مختبئ في مكان ما.

ساعتها فقط 
اكتشفت أنني في حي عشوائي،

وأجمل جميلات “هوليود” وراء النقاب

يهرولن إلى المسجد من جنبي.

قال لي الخارج لتوه من السجن الحربي:

“العلق كان نفع نفسه”!

؎


أمس عبر ستائر الأخبار والافتتاحيات -

ذلك “الساتان” المنقوش برسم كالذباب -


لمحت شاباً مُستَأجراً في سمته كل الدلائل


سوى أنه ملتح و”الزبيبة” في قورته
”يتقصّع” بصحبة اثنين عاديين؛


شاهدتهم يستمنون معاً بـ”فُجر” راقصة درجة ثالثة

وهم يتحسسون رأس عجل آخر مهمهمين بروعته.

في اليوم التالي كان علي أن أسافر.


قعدتُ أكتب لك والجدران مشرعة على سطح المكتب -


نقرة واحدة ويهطل “البيضان” -

لكنني رجعت تذكرت أن ملاكاً وسط السديم


يحتاج “حنيّتي”،
وقفزت من أوسع نافذة في البيت

فاتحاً جناحي للتراب الساكن.

؎


لا يا مون، لم أقع؛

حلّقتُ إلى سجادة ومخدتين.

كانوا يتكلمون عن الوسطية والاعتدال

لكن أصواتهم ظلت تبتعد حتى سكتت.


وعرفت أن الشعب الذي يحب الله


لن يخذل الفرحة كما فعل الواقف وراء الزجاج

يتحسس المشهد نفسه براحتيه
ويرتعد ما إن أومئ له أن تعال يا أخي،

يا صديقي؛ تعال نقلع “هدومنا” ونجري؛

ربما يتغير ترتيب الشواهد،

أو يصحو ميت ليخبرنا
بشيء جديد. يا أخي، يا صديقي،


كم نحن بحاجة إلى السباب.


وليس سوى دمعتين على ذقنه بلا كلام.

؎


جاءت العاصفة وكنا كبرنا على تعلّم نوع جديد من السباحة؛


الطريقة التي عمنا بها طول عمرنا لا تنفع مع هذه المياه.


وهكذا أيها الابن “الصايع” كان علينا أن نكتم شهادتنا

في اللحظة التي تحولنا فيها إلى مخلوقات ترى المستقبل.

*نايف ومون شخصيتان في رواية “التماسيح” (دار الساقي، ٢٠١٢) للمؤلف

wpid-262904804408826453_6860517-2012-08-24-18-47.jpeg

الثورة بجد

عن قصيدة “الأسد على حق” لألن جينسبرج:

“ليس فردوس رضاك يا زئير الكون كيف اصطفيتني”

أرجع من الإسكندرية عبر طنطا لأجد الثورة أسفل سريري

ومَثنيَّ الجذع على ضوء أبجورة الكومودينو، وجهي بمحاذاة المُلّة

أتبين الملايين تركض وتدافع عن نفسها بالحجارة، كل واحد عقب سيجارة لا يزال مشتعلاً

يرفعون لافتات كالطوابع ويحفرون شعارات أكبر من أجسادهم على الباركيه، أتسمّع هتافهم

؎

وكأس الفودكا الأخيرة لم تتبخر من جمجمتي منذ واحد سكندري لم يُعمَل في “رشدي”

عظمي المخمور يقرقع وأنا أغالب البكاء ممزِّقاً ملابسي في الشباك:

الثورة حصلت يا أولاد القحبة، الثورة حصلت بجد!

؎

وقد تركتُ حبيبتي في شارع بن الفارض عند بتاع المخلل تستقبل الفلول

مفتقداً لا الواحد ولا البحر، لا وجه أمها المترمل منذ ساعات ولا أباي الميت قبل عشر سنين

ولا خلف مقهى الأحمدية ولياً كان ذَكَرُه – ضمن الكرامات – أكبر من هراوات الشرطة العسكرية

بل أذني التي ابتلت في “الأظاريطة” لأن دموعها كانت تقطر من سماعة الموبايل

؎

ألطّخ ملابسي بالحبر الأحمر وأُسرع إلى العمل لأرقد على عتبة المدير

لم تكن الثورة مع الزملاء ولا في المترو ولا حتى في حناجر شهداءٍ يُبعَثون بلطجيةَ أمنٍ مركزي

هائماً في ملكوت سكك حديد مصر كيف لم أضبطها حتى هربتْ إلى غرفتي؟

؎

مضعضعاً بعدما نمت ليلتي في حمام المصلحة أوشوش عامل البوفيه: بلا ثورة، الحياة لا تُحتَمَل

هل تعرف أن ابن الفارض قال إن موت العاشق حياة والقتل أفضل من الهجر

المؤسف أنه كما أن لا تغيير بلا مذابح كذلك لا زمن بلا انتظار، هل تعرف الملائكة…

الملائكة؟ يسألني متهكماً وهو يتحسس صلعة كالجلمود ويطالعني بشفقة، يقرضني خمسة جنيه

؎

أسعى إلى إحدى اللبؤات أسداً يحمل كشكولاً لأخبرها بأن الثورة ليست في ميدان التحرير

ومحتسياً فرابيه من مؤخرة سموذي بعد ثالث دابل إسبريسو في أحد فروع سيلانترو

أزعق في كاتوليكي مراهق من فوق شاشة اللابتبوب: لا شيء اسمه الغيرة القضيبية!

؎

من الدقي إلى التحرير مرات عديدة صحبة شاعر شاب هو الآخر من طنطا

أتأكد من فشل الجهود حين لا ترد حبيبتي على الموبايل وهي ثكلى

وإذ جلس زيزو مع فتاة أردنية ليلة جاءني التليفون، هل كان مصابها المفاجئ عقد ارتباطنا؟

؎

عندما ترد أخيراً أقنع صاحبي الشاعر أن اعتصاماً بجد في غرفتي، ننطلق بلا سلاح

وزاحفاً ورائي على ركبتيه من جنب الكومودينو بشورته البرميودا كمندسّ يتلصّص

جموع المحتجين حول كعكة حجرية هي عبارة عن نعل قديم، مثلما كنا تماماً

الدبابات علب ثقاب والإف-١٦ كالدبابيس وغوغائيون سفلة، بين المُلّة والمرتبة قناصون بالليل

؎

نضاجع المخدات بعد أن أقول لصاحبي إن الله في القضبان والثورة بلا واي-فاي

أتخيل حبيبتي راكعة أمامي ببلوزتها السوداء، فجيعتنا الفردوسية وأنا أقذف في حلقها

وحين توقظنا أمي في الصباح لا أقاوم، أرى الخادمة ومكنستها الكهربائية عليها ختم النسر

أرى العَلَم يرفرف في أيدي مخلوقات فضائية وأعرف أننا لن نهزم إسرائيل

يغتاظ صاحبي والقذى في عينه حين يمتد خرطوم المكنسة تحت السرير

مع ظهور الخيش والصابون أمنعه عن الخادمة بصعوبة: لا فائدة من اغتصابها!

الآن ليس سوى صوت المكنسة وهو يبكي، لا دم ولا حديد يعود باركيه الغرفة نظيفاً وخالياً

وحيث كانت الدواوين على الرفوف زجاجات ديتول وبليدج، إسفنجات وخرق منمقة

فجأة يشهق سريري على صوت السرينة، تشتعل الملاءات وتنفجر المرتبة

يتفصد الكومودينو عن أسد هصور يزأر ويختفي صاحبي والكتابة على الحيطان:

سنوري حين يمارس الجنس يقذف كل عشرين دقيقة ولسانه أخشن من ورق الصنفرة

؎

أيتها الحبيبة المنتحبة يا مانحتي الأورجازم النهائي لقد انعقدت حياتانا بالموت

لقد رأيتُ الآتين والغادين قبّلت ذوي اللحى وجريت من شاهري السنجة على سلالم المترو

حملتُ “سيدي مجاهد” إلى ظلمة القبر لأُطمئن أباك ونعست مقرفصاً بين مقصورتين

لقد وجدتُك أسفل سريري وجيش أمي في الغرفة، سلّمت رقبتي لفم الأسد.

(هذه القصيدة تزامنت مع رواية “التماسيح” وترجمة قصيدة “جينزبرج” المتضمنة في الرواية)

***

wpid-262960712576931862_6860517-2012-08-24-18-47.jpeg

الأنبياء: قصيدة جديدة

wpid-243662334617721443_6860517-2012-07-26-23-36.png

“التوت”: تصوير يوسف رخا

.

الأنبياء: رسالة نايف إلى مون*



كان وقحاً بمنتهى الأدب يا مون؛

بمنتهى الدماثة، كان سافلاً

وهو يرص بذاءاتي صفاً على الحائط


ليضربها واحدة واحدة بالرصاص.

كان أحقر من كلاب السكك

وهو يحبس “الشخرة” في حلقي


قائلاً إن في كلمة “أحَّه” تبسيطاً مخلاً.

وعبر شبابيك غرف “مكمكمة”

أضيق من أن تستوعب صراخك -

هل تذكرين فرحة الاشتمام الأول؟

هل تعرفين معنى الالتحام؟ -

كنت أتحاشى وجوهاً اقترنت قسماتها بالفساء

وأقيء لمشهد الكاتب المصري


متربعاً في خرائه.


يوم بصقتُ في وجه محمود درويش،

حملوني في السيارة – وكنت معصوب العينين -

إلى نقطة بعيدة على طريق الواحات.


لم يذهب السواد حتى تأكدوا

أن لا شيء هناك سوى الحجر الأبيض.


وأجبروني أن أصلّي بهم في العراء


قبل أن يصمني الأذان بأنكر الأصوات

من مكبر صوت مختبئ في مكان ما.


ساعتها فقط 
اكتشفت أنني في حي عشوائي،

وأجمل جميلات “هوليود” وراء النقاب

يهرولن إلى المسجد من جنبي.

قال لي الخارج لتوه من السجن الحربي:

“العلق كان نفع نفسه”!


أمس عبر ستائر الأخبار والافتتاحيات -


ذلك “الساتان” المنقوش برسم كالذباب -


لمحت شاباً مُستَأجراً في سمته كل الدلائل

سوى أنه ملتح و”الزبيبة” في قورته


”يتقصّع” بصحبة اثنين عاديين؛


شاهدتهم يستمنون معاً بـ”فُجر” راقصة درجة ثالثة

وهم يتحسسون رأس عجل آخر


مهمهمين بروعته.


في اليوم التالي كان علي أن أسافر.

قعدتُ أكتب لك والجدران مشرعة على سطح المكتب -

نقرة واحدة ويهطل “البيضان” -


لكنني رجعت تذكرت أن ملاكاً وسط السديم

يحتاج “حنيّتي”،


وقفزت من أوسع نافذة في البيت


فاتحاً جناحي للتراب الساكن.


لا يا مون، لم أقع؛ حلّقتُ إلى سجادة ومخدتين.


كانوا يتكلمون عن الوسطية والاعتدال

لكن أصواتهم ظلت تبتعد حتى سكتت.


وعرفت أن الشعب الذي يحب الله

لن يخذل الفرحة كما فعل الواقف وراء الزجاج


يتحسس المشهد نفسه براحتيه


ويرتعد ما إن أومئ له أن تعال يا أخي،

يا صديقي؛ تعال نقلع “هدومنا” ونجري؛

ربما يتغير ترتيب الشواهد، أو يصحو ميت ليخبرنا

بشيء جديد. يا أخي، يا صديقي،

كم نحن بحاجة إلى السباب.

وليس سوى دمعتين على ذقنه بلا كلام.

جاءت العاصفة وكنا كبرنا على تعلّم نوع جديد من السباحة؛

الطريقة التي عمنا بها طول عمرنا لا تنفع مع هذه المياه.


وهكذا أيها الابن “الصايع” كان علينا أن نكتم شهادتنا

في اللحظة التي تحولنا فيها إلى مخلوقات ترى المستقبل.

*نايف ومون شخصيتان في رواية التماسيح (قيد النشر عن دار الساقي) للمؤلف