حماس

كارول صنصور: بعتُ روحي

meca61

بعت روحي لعشرين تاجراً
اشتروا بها صاروخا
صناعة محلية
بعتها مقابل صور لمدرسة تقصف
وأمهات يفقدن عقولهن
بعت روحي ولم أر
غير نسخ مكررة لآيات وأحاديث
يُخجل الشياطينَ ترتيلها
بعتها ولعنت كل ذلك التهليل والعويل
بينما هم يشترون صاروخا
ليوجهوه إلى صدري ما إن أُعلن
إن فلسطين ليست قضية

كارول صنصور

نص محمود المنيراوي: أهلاً بشعب

علّمونا (ويا ليتهم نفخونا) أن نحب بلاداً

لا نراها، أن نصطفَ كأباريق الجوامعِ صباحاً

نقول النشيد بعيونٍ نسيناها في السرير

Continue reading

الرسالة الغزاوية: مشاهدات الثورجي اليائس في ربوع القطاع البائس

؏

قال العائد من “احتفالية فلسطين للأدب” في العاشر من مايو سنة ٢٠١٢: الحمد لله على ما بقي في الأرض من علمانية، والصلاة والسلام على قائد الثورة المحمدية. وبعد. وصلني كتابك من بيروت إلى شاطئ غزة على شاشة الآي-فون فقلتُ في بالي مثلما يقول الناس هناك “إيش الدعوة”، وقرَرْتُ لأن ذِكري عندك لم ينقطع رغم طول الصمت وغول المسافة السياسية. ثم لم ألبث أن نَبهت إلى دعوتك فشكرتها لك وقدّرتها فيك. وما كدتُ أحل بجوار السيد أحمد البدوي حتى شرعت في الاستجابة.

يُحكى – حيّاك الله – إن ملتحياً في مدينة غزة أوقف سيارة أجرة يطلب الذهاب إلى “مركز حطين في تل الإسلام”، فما كان من السائق إلا أن تركه وغادر صارخاً: “طيب، خلِّ صلاح الدين الأيوبي يوصلك!” ذلك أن الأسماء، وأنت أعلم مني بأهوائها، لا تتغير بمرسوم أمني وإن أراد لها ذلك أصحاب السلطان. فالراكب كما يدرك السائق يقصد “مركز الأمن الوقائي في تل الهوى”؛ وقد بات أحد معاني المقاومة في ربوع القطاع، منذ تغيير الأسماء، رفض الاعتراف بالأسماء الجديدة: هذا الملتحي إما أن يسمي المكانين باسميهما أو يظل واقفاً في الشمس. وعليه – أثناء لقاء وفدنا بممثلي اتحاد نقابات العمال – لعل ذلك القيادي العمالي كان ينوّه إلى الالتباس الكامن في كل لفظة لما قال، في معرض خطابه إلينا: “ما يسمى بالتطبيع مع ما يسمى بإسرائيل”. (أما أنا فأقول إن استبدال الهوى بالإسلام قلة أدب بغض النظر، وهو من مجمل الجاهلية الإخوانية المتحققة هنا مثلما لم تتحقق في أي مكان بتدقيقه.) فاعلم حياك الله أنّ “بالفيست” الذي أتاح لي غزة للمرة الأولى في عمري إنما عَبَر ما يسمى بالحدود ليكسر ما يسمى بالحصار. وعلى رغم أن السجن قائم ولا إنساني ومن شأن فتحه أن يفيد شمال سيناء ربما أكثر من فلسطين، تبدو الجعجعة المناهضة للحصار الإسرائيلي المصري، في ضوء ما تضربه حماس على أذهان وأجساد من خالطتُهم في غزة، محض سفالة.

wpid-untitled-1-2012-05-17-23-57.jpg

واستطرد ينفث دخانه في رشفة إسبريسو ثم تنهد، قال: في تلك الندفة المحاط رسمها براً وبحراً بالموت المحقق على يد دولة الشرج اليهودي المستَنفَر – حاشاك – صاحبتُ شابّين: النحيل، والأقرع. ولم أفهم إلا على هدى من حديثهما إحساساً راودني منذ حللتُ في الخامس من مايو بأن مناهضة الحصار تشبه الحصار نفسه حد التطابق، أو أن لمساجين غزة – فضلاً عن الأسيجة الأجنبية – سجانين منهم يسهرون على عزلهم ووحدتهم. هكذا يصبح الصمود حجة لقهر الراغبين في الحياة – أسعد الله أيامك – وهو ما باتت السلطة الفتحاوية تباركه طبقاً لما سماه ربيب الوفد عمرو عزت “اتفاقية تبادل قمع”. فاعلم أنّ “حركة المقاومة الإسلامية” وقد تحكمت في الفلسطينيين نتيجة نفاد صبرهم على فساد فتح باتت تقاوم فلسطين. حتى بدا لي، غفر الله لي ولك، أنني داخل حدود دولة شرج الإسلام. وهل من حركة إسلامية لمقاومة فلسطين؟ لعله بيزنيس حصار لمزيد من الأكل والعبادة؛ أما الدليل فهو أنفاق تهريب بين شقي رفح لا يمكن عبورها بلا تصاريح رسمية أو تمرير بضائع منها بلا جمارك.

ومما علمت في معية طالبات مسلمات سافرات شاهدتهن يناطحن أساتذتهن البيضان بوقاحة رائعة ولا يرعوين عن الصراخ في حاملي الكلاشنكوف “ما بنخافِش منكم”: من كثرة ما ضبط القادة الحمساويون عملاء لفتح وإسرائيل بين صفوفهم – الأمر الذي كان يؤدي إلى اختفاء الكادرات موتاً في “عمليات جهادية” لم تحدث – أصبح كلٌ متهماً بالعمالة. أصبح على كلٍ أدلة مخابراتية تدعمها وثائق بالصوت والصورة عادة ما تُلتقط أثناء الإقامات الصيفية في مصر. فإذا بدولة الإسلام هي الدولة البوليسية، خَلَص؛ كل ما هناك أنها بلا دولة تُذكر. إيش الدعوة… وكم شعرتُ بضآلتي وكم فرحت في حضرة هؤلاء البنات. وكم كانت فرحتي بهن مؤلمة، ألماً يقطع شرق المتوسط كله من الإسكندرية إلى طرطوس مروراً بهذه الأمواج.

كان النحيل حمساوياً في مراهقته، ثم تحول انتماؤه الفكري باتجاه فتح؛ أما الأقرع فهو أكبر سناً، وقد دفعه التفاني الاستشهادي في الشتات إلى جماعة الإخوان المسلمين ومنها إلى القاعدة قبل أن يستوي نضاله – ذلك الذي يصفه بكلمات من قبيل “مجرد إني هان، مجرد إني بأضحك” – إثر الاستقرار في غزة، حيث عزف عن الفصائل لينظم الاحتجاجات الشبابية عبر الإنترنت. فاعلم حفظ الله نضالك أن ثورة قامت في مارس ٢٠١١ كان شعارها “الشعب يريد إنهاء الانقسام”، وأن حماس استعانت على قمعها ببلطجية أو شبيحة لا يفرّقهم عن ما عندنا سوى أنهم، كراكب الأجرة سالف الذكر، ملتحون. ولا نأمة من جهتهم تشكّك في الملصقات الوهابية عبر دلتا النيل: “أختي بالله عليك اقطعي علاقتك الحرام مع زميلك في الجامعة نصرة لإخواننا في غزة.” لقد هداني نقار الشابين، من قبل أن أرى الأمن يمارس بذاءته على وفدنا وجمهوره في المساء الأخير، إلى أن الاستبداد قائم بغض النظر عن التوجهات السياسية. إنه قائم – كما استفاض الأقرع في الوصف ضاحكاً – ضرباً بالعصي وكعوب البنادق فضلاً عن الرمي بالرصاص، واندساساً في التجمعات الطلابية، ومصادرةً للأجهزة الإلكترونية، واعتقالاً جزافياً، واحتجازاً بلا محاكمة للتعذيب وفرض توقيع الاعترافات والإقرارات، وتشهيراً بين الأهل والجيران، ومنعاً من النشر على المواقع الإلكترونية، و(مثلما حدث معنا في دار الباشا يوم التاسع من مايو بلا إنذار) فضاً للحفلات والندوات مهما خلت من السياسة ومهما جانبها المجون. إنه يحدث لا للأسباب السياسية وحدها وإنما كذلك للاختلاط بين الجنسين، والإبداع الأدبي والفني، والاتصال بالأجانب أو العرب أو حتى الفلسطينيين من خارج غزة… فهم – كما قيل لي مرة بعد مرة: الحمساويون “هم” – بصدد بناء المجتمع الفاضل. وفي المجتمع الفاضل لا تكمل جملتين حتى يغمز لك محدثك أن انتبه هناك من يتصنت علينا، ألا لعنة الله على المتخلفين!

حكى لي النحيل إنه التحق بفتح من خلال أصدقائه في الجامعة في أعقاب “انقلاب الـ ٢٠٠٧”، وأشار ونحن سائران إلى وفرة البضائع الغالية في محيط “الرمال” حيث نصب الجندي المجهول – محل تجمهر التظاهرات المسبوقة دائماً بفرشة من مباحث الأمن الداخلي والمتبوعة بالاعتقال: ميدان تحرير صغير، العوض بسلامتك – ثم أردف بنبرة محايدة: “هاد الحصار.” (تحضرني في هذا الصدد حكاية سوداني زار غزة في وفد تضامني فلما ولج السوبرماركت صاح: “اللهم ارزق السودان بحصار مثل حصار غزة!”) بطول المدينة، تنتصب لافتات تحمل وجوه الشهداء في صفوف ولا تذكر ملابسات استشهادهم. أومأ صاحبي إلى إحدى تلك اللافتات أمام مقر أمني أزرق، وحدّد ترتيب الوجه المعني ليخبرني إن صاحبه صفعه بعدما جره إلى الحبس لأنه رآه في العلن مع فتاة؛ وأضاف إن صديقاً له وزّع الحلو احتفالاً بموت صاحب الوجه نفسه. كنا نقترب من ذلك الخط اللامرئي حيث تتاخم الصحراء المياه. وكنت كأنما أعرف ما سوف يحصل في الغد (ويصيبني قبحه بذعر لحظي رغم ذلك) من اقتحام الأمسية الختامية للاحتفالية من جانب جلف مصمت الوجه يهدد الحضور قائلاً إنهم غير مسموح لهم بالتصوير بلا سلام ولا استئذان ثم – بعدما يصورنا هو، من جانبه – يهدد بإخلاء المكان بالقوة إذا لم نغادر. كأنما كنت أعرف ونحن نقترب من البحر. وأفكر إن نصرة إخواننا في غزة أن نكون معهم بأجسادنا في دار الباشا، وأن نختلط بهم رجالاً ونساءً، وأن نصل كل علاقات العشق المحتملة ولا نقطعها تأكيداً على رغبتنا في أن يعيشوا.

جعلنا الله وأهل غزة من أصحاب القلوب لا الحناجر، وهيأ لنا في الثورة العربية مسالك مترقرقة كشاطئهم نركب عليها بحار نعمته، وعصمنا من قتل الروح قبل قتل الجسد. وجنبنا التجارة بالدين. إنه هو فاطر الغرام والثورة، ليس أرحم منه.

ثم ختم كتابه بكلام في كسر الحصار عنونه “دعاء الرجوع من غزة”، قال: لمس أكتاف. والانتظار في القاعات. لا علاقة له بالقضية. والحنجرة بالتوازي. الحنجرة أعلى فأعلى. والحصار كالجنزير الذي تحزّم به وسطك لترقص. وطائراتٌ تُسمع ولا تُرى فوق رأسك. وتهتز في إثرها الصورة على التليفزيون. والحصار بضاعة مهربة من خلف حاجز. ولا أحد يعرف كيف تدخل. السيارات الفارهة. والحصار بالآي-فون. ووفد المتضامنين في البقعة المنكوبة. ومن يصوّر بجواله يتحمل المسئولية. لدينا أدلتنا على نشاطك. أن توقّع إقراراً لتذهب. والكهرباء التي لا تأتي. ومن يَشْكُ يروّجْ شائعات. التهمة نشر العلمانية. أن تشبح الشخص يعني: تعلّقه من رجليه. وتحريف القرآن. والترحاب الرسمي. صفوف المسئولين على أبواب المكاتب. الانتصار على أمريكا خمس مرات في اليوم. وقبل الأكل في الصباح الباكر. أزمة الوقود. ووفد المتضامنين في البقعة المنكوبة. إذا قالت حماس فصدقوها. أن تترك من اعتقلتَهم في الحبس حين تُقصَف. حتى الفدائيون يجرون من كعوب البندقيات. ولا لشيء سوى الكهرباء في بيوتهم. فإن الصدق ما قالت حماس. والضرب حتى الإغماء. الضرب رغم الصلات العائلية. والرصاص الحي. الحروف العبرية على الملصقات. والشيقل بالقاف. وانتظار القوافل. والصمود ملتحون بالعصي. والمخبران اللذان لا يفارقانك. والبحر. الحنجرة من أسفل إلى أعلى. والأنفاق التي تحولت إلى موانئ. والجمارك الضرورية لعبورها. أن تُعتقل لأسباب أخلاقية. وتكسير أطراف الشباب على سبيل المقاومة. وبكاء البنات حين يُفضّ الحفل عنوة. والكلاشنكوف على البوابة. ثلاث سيارات شرطة في الزقاق. البحر نفسه. نفس البحر. وفرحة اللقاء في القاعات. ولسعة الشطة في الطعام الطيب. ولمس أكتاف مع عرق العصاري. المصافحة بلا حساب.

؎

أن نحيا كراماً

“وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ” – سورة البقرة، ٧٨

منذ بضعة أشهر وقد تصاعدت نبرة جديدة في خطاب “الثورة” المصرية لعلها يسارية بالمعنى الاصطلاحي – ذلك أن معسكر “الثورة” وقد بات معزولاً ومطعوناً في شرعيته مضطر إلى الاعتماد في خطابه على قيم ماض “تقدمي” مناصر لـ”عامة الشعب”: الفلاحين والعمال إن لم يكن “البلطجية”… خصوصاً وقد اتضح الآن أن المعركة الحقيقية لن تكون بين الثورة (“مستمرة” أكانت أو مجهضة) وبين “فلول النظام السابق”، بل بين “الليبرالية” بكل معانيها (الإيجابي منها والسلبي) وبين الأصولية الإسلامية بما عندها من استغلال للوسائل الليبرالية (خطاب الحريات الشخصية ومبادئ حقوق الإنسان بل والعملية الديمقراطية ذاتها) في الوصول إلى غايات شمولية مدموغة إن لم نقل بالخرافة فبالمعتقد الغيبي – ومفاد تلك النبرة باختصار هو أن “مهاجمة” أعضاء البرلمان الجدد من قادة ما يُدعى بالتيار الإسلامي بشقيه الإخواني والسلفي لا تعبّر عن موقف عام أو مقبول من أدائهم السياسي بقدر ما تعبر عن صدمة “برجوازية” في مظهرهم وأعرافهم الطبقية (بالمقارنة مع مَن سبقوهم من أعضاء الحزب الوطني، على سبيل المثال). وهو ما يضمر تعاطفاً “يسارياً” أوسع قائماً منذ ما قبل ٢٥ يناير مع “الإسلاميين” بوصفهم ورثة “الاشتراكيين” أو “الشيوعيين” في طليعة المعارضة الجادة… وبغض النظر عن ما أثبتته فيالق الإسلام السياسي في المنطقة العربية من نزوع إلى رأسمالية متوحشة بدرجة تفوق الليبرالية الغربية نفسها وقدرة على التحالف مع أنظمة وقوى ليست فقط غير إسلامية وغير معارضة للنظام العالمي “الرأسمالي المتوحش” وإنما أيضاً إجرامية – قمع حماس لمتظاهري غزة في يوم الأرض، تأييد حزب الله للنظام السوري، تنسيق “دعاة” القنوات الفضائية المصريين مع مباحث أمن الدولة – بل وبغض النظر عن الثراء الفاحش للكثير من الإسلاميين واستعدادهم للفساد والكذب بما يناطح ما ثبت على أعضاء الحزب الوطني، فإن “يسار الثورة” المستاء تاريخياً من بشاعة التركيبة الطبقية للمجتمع المصري لا يزال يتهم كل من يهاجم الإسلاميين الذين انتخبهم الفلاحون والعمال إضافة إلى قسم لا يستهان به من “البرجوازيين” أنفسهم بالتفرقة الطبقية والنظرة الاستعلائية.

Continue reading