أهلاً بكم في حلقة جديدة من ستيتس الاستيتس

wpid-photo-2013-04-5-21-34.jpg

هو في الأول كان الموضوع إن إنت تتظاهر سلمياً، وبعدين بقى إن إنت تشجع اللي بيموتوا في المظاهرات على إنهم ينزلوا يموتوا، وبعدين إنك تدافع عن الإخوان وتديهم صوتك عشان تحمي البلد من المجلس العسكري (الفلول والدولة العميقة)، ومش مهم خالص الانهيار الأمني والاقتصادي ولا القمع الديني والطائفية الصريحة؛ المهم الموقف الثوري الصلب، والقصاص، وإننا ما نغفرش للشرطة حتى بعد ما اللي مش شرطة هما اللي ينفخونا في الاتحادية. كل ده طبعاً وإنت كإنك ما إنتاش عارف إيه اللي حيحصل لما المجلس العسكري يسلم اسم النبي حارسها السلطة، ولا إيه اللي حيحصل لما الشرطة تتهت، ولا إيه اللي حيحصل لما رجال الأعمال الفاسدين يسيبوا البلد…

Continue reading

نص محمود المنيراوي: أهلاً بشعب

wpid-untitled-2012-08-12-17-58.jpg

.

أهلاً بشعب

محمود المنيراوي

.

؏

.

علّمونا (ويا ليتهم نفخونا) أن نحب بلاداً

لا نراها، أن نصطفَ كأباريق الجوامعِ صباحاً

نقول النشيد بعيونٍ نسيناها في السرير

أن نعلّق صوراً لشهداء لا نعرفهم، ونحن نرسم

العلم بالأبيض والأسود؛ أن نحتفل بيومِ أرض

ضاقت بنا؛ أن الأرض رملٌ وبيتٌ أو حظيرة؛

أن السلام سيفٌ يقطفُ رؤوسنا والنصرُ دمٌ يسيل

من فروجِ نسائهم؛ العلمُ سلفي برجلٍ مسلوخة

والمرأة ضلعٌ مخلوع من شجرة؛

الهزيمة (إن شاء الله) يوم القيامة

وباب المدرسة مخلوع لأن مظاهرة مرّت

فأهلاً بمظاهرات تسرقُ بلاط منشآتنا العامة

أهلاً بشعب مُختار لركوبِ الحمار

؎

أيامنا “هوليداي” عدا الجمعة، حين نصلي

لـ”حكاوتي” يحبُ ابن الخطاب ولا يعرفُ شيئاً عن “كلينتون”

غير “مونيكا”؛ وإن آتيت الدُبر كأنما تزرع شجرة تفاحٍ

في صحراء. محمد سيدنا يقولُ إنا سواسية.

والموز لا يدخل إلا بيت ديوثٍ. أما الخروج على الحاكم

الخارج على شعبهِ ردة؛ والله لا يقبل الصلاة

بالمناكير! خيرُ أمةٍ أخرجت للبكاءِ واللطمِ

قوم يصبون الزيت المغلي على أجسادهم ثم يسألون

بضعفِ مهرج لم يضحك جمهوره ما بالنا صرنا عظاماً

وهياكل أساطير تغبّرت بالنسيان، يزورنا سياحٌ ملونون

من كل فجٍ، كأننا فاكهة تساعد على هضمِ التاريخِ

أهلاً بنا وبلوننا المجروح، بمعاركِ العبيدِ على الطاعة

وبصاحب “الجلابية” في زمنِ المارثون

؎

أهلاً بشعبٍ كلما أخذ على قفاه انتصر

شعب عجين كيفما أرادوه كان

شعب مُعلّبِ في القضية

أهلاً بسلع تُباعُ

بملحِ الدعاء

.

محمود المنيراوي

بمناسبة مقتل الجنود في رفح

wpid-img_3932-2012-08-7-03-05.jpg

بمناسبة أحداث “نايل سيتي”

***

هو لطيف قوي إنك تبقى متوقع مني أعيش حالة الشحتفة الوطنية على أفراد الجيش اللي ماتوا بعد ما شفت اللي عملوه في إصحابي وحبايبي في الشوارع وشفتهم بيعملوه بحقد وغل ما لوش أي علاقة بإنهم بينفذوا أوامر يعني، بس الألطف كمان إنك تحاول تفهمني إن المسئول عن موت الأفراد دول ناس شفتهم بعنيا وشفت إنهم ما يختلفوش عني وعنك في أي حاجة على الإطلاق، وهما كمان بيتسحلوا في الشوارع عادي… أما بقى ألطف حاجة على الإطلاق فهي إنك تفهمني إن موت العساكر دول هو مسئولية حصرية لقيادات الجيش اللي هي زي ما هي من عشرات السنين وإن ما لوش أي علاقة بالإخوان وحماس والملحقات الظريفة بتاعتهم سواء هنا أو في غزة. ومع كل ذلك، الألطف لسه جاي.

***

في حد محتاج يستوعب إن خط الحدود اللي بينا وبين غزة مفتعل من الأصل، الامتداد البشري وحتى اللغوي متصل، وفكرة إن دول ناس وإحنا ناس فكرة منافية للحقيقة (يعني لو حاسس إن فيه اختلاف عرقي أو تاريخي بينك وبين أهل العريش والقنطرة شرق يبقى فيه اختلاف عرقي أو تاريخي بينك وبين أهل غزة). المصري اللي بيمارس عنصريته على غزة لمجرد إن فيه ظرف سياسي هو أصلاً مش طرف فيه يمكن حتى أوسخ من المسلم اللي بيمارس طائفيته على جاره المسيحي.

في نفس الوقت – وبغض النظر عن إن حماس ولاد دين كلب بكل المقاييس، وبغض النظر عن “العدو الصهيوني” والمجلس العسكري والإخوان المسلمين اللي هما كمان ولاد دين كلب برضه بكل المقاييس – لو فيه حد مسئول عن جريمة في الحدوتة دي كلها الحد ده هو الإسلام السياسي اللي بشكل أو بآخر الإخوان وحماس كمان بيعبروا عنه ومسئولين عن وجوده (سواء في سينا أو في غزة أو في القاهرة أو في أي داهية سودا ما تفرقش) والجهات دي بتعمل كده لخدمة أغراض سياسية يا إما نفهم هي إيه بالمعلومات يا إما نبطل فتي.

في ضوء ده بقى – وبغض النظر عن الحزن المشروع على بنيآدمين اتقتلوا يعني – موضوع الوطنية الشعبوية اللي بتمجد “حرس الحدود” وواه يا عبد الودود وما ذقت لحم الضان والكلام الحمضان المبضين ده فعلاً بيخلي الواحد عايز يرجّع. وإنهم يا عيني مسلمين وكانوا يا عيني بيفطروا. على أساس إنهم لو مسيحيين أو ده حصل في شهر غير رمضان مثلاً يبقى عادي!

حدود إيه اللي بيحرسوها؟ ما هو إنت عارف زي ما أنا عارف زي ما هما نفسهم عارفين إن شغلتهم التاريخية تنفيذ أوامر الجيش الإسرائيلي فيما يخص الدخول والخروج من غزة. بس. وإن ما عندهمش لا الحق ولا القدرة العسكرية يمنعوا أي تحرك عسكري في المنطقة من أساسه. ولما هما ليهم أي تلاتة لازمة أمنية، اللي حصل ده حصل إزاي؟ أفتكر يعني “بطولة” الجيش المصري في السنة ونص اللي فاتوا أصبح يتضرب بيها المثل فعلاً بس مش في حماية الحدود.

فارحموا دين أهالينا بقى ينعل أبو أشكالكو.

***

ملاحظتين ع السريع:

١-موضوع الخلافة ده (وبما إني شخصياً بحثت فيه كمعادل خيالي للحركة القومية اللي أثبتت فشلها في سياق رواية كتاب الطغرى) هو في أعماق أعماقه عبارة عن خيال علمي مش أكتر. ولو من سنة ١٩٢٤ لحد دلوقتي لسه المسلمين ما اتعلموش إنها فكرة فكسانة فيبقى ده دليل على غباوة وتخلف المسلمين (اللي هو فيه أدلة كتير تانية عليه يعني بغض النظر). لكن حتى بفرض إن ممكن يبقى فيه أي حاجة ليها أي معنى اسمها خلافة، فيعني الشرط الأساسي لوجود الحاجة دي هو إنها تتعامل مع هنا الآن، تأكد مش تنفي قيم وشروط العصر بكل ما فيه (وبما فيه حرية العقيدة وحرية التعبير)، مش تحول “الإسلام” لمسلسلات دينية هابطة عن حرب المؤمنين مع الكفار بشروط الجزيرة العربية في القرن السابع.

٢-مسألة حماس الأصدقاء المسيحيين لرفض الإسلام السياسي ما ينفعش يبقى أساسها طائفية مسيحية مستعدة تعرّص مش بس للكنيسة المنضوية تحت نظام يوليو زيها زي الأزهر وللفاشية العسكرية اللي قتلت المسيحيين زي ما قتلت المسلمين بمباركة أمريكا لأ وكمان للأصولية المسيحية اللي رافضة المسلمين أساسا من منطلق عقائدي. يعني الأقباط يا إما يناصروا العلمانيين المسلمين لإن هما كمان علمانيين بجد يا إما يدافعوا عن طايفتهم من منطلق “مصر للمسيح” و”المسلمين ضيوف علينا” وحاجات شبه كده؛ وفي الحالة التانية هما أقرب بكتير للسلفين رغم اختلاف الشكل الخارجي لكل من الطرفين.

الرسالة الغزاوية: مشاهدات الثورجي اليائس في ربوع القطاع البائس

؏

قال العائد من “احتفالية فلسطين للأدب” في العاشر من مايو سنة ٢٠١٢: الحمد لله على ما بقي في الأرض من علمانية، والصلاة والسلام على قائد الثورة المحمدية. وبعد. وصلني كتابك من بيروت إلى شاطئ غزة على شاشة الآي-فون فقلتُ في بالي مثلما يقول الناس هناك “إيش الدعوة”، وقرَرْتُ لأن ذِكري عندك لم ينقطع رغم طول الصمت وغول المسافة السياسية. ثم لم ألبث أن نَبهت إلى دعوتك فشكرتها لك وقدّرتها فيك. وما كدتُ أحل بجوار السيد أحمد البدوي حتى شرعت في الاستجابة.

يُحكى – حيّاك الله – إن ملتحياً في مدينة غزة أوقف سيارة أجرة يطلب الذهاب إلى “مركز حطين في تل الإسلام”، فما كان من السائق إلا أن تركه وغادر صارخاً: “طيب، خلِّ صلاح الدين الأيوبي يوصلك!” ذلك أن الأسماء، وأنت أعلم مني بأهوائها، لا تتغير بمرسوم أمني وإن أراد لها ذلك أصحاب السلطان. فالراكب كما يدرك السائق يقصد “مركز الأمن الوقائي في تل الهوى”؛ وقد بات أحد معاني المقاومة في ربوع القطاع، منذ تغيير الأسماء، رفض الاعتراف بالأسماء الجديدة: هذا الملتحي إما أن يسمي المكانين باسميهما أو يظل واقفاً في الشمس. وعليه – أثناء لقاء وفدنا بممثلي اتحاد نقابات العمال – لعل ذلك القيادي العمالي كان ينوّه إلى الالتباس الكامن في كل لفظة لما قال، في معرض خطابه إلينا: “ما يسمى بالتطبيع مع ما يسمى بإسرائيل”. (أما أنا فأقول إن استبدال الهوى بالإسلام قلة أدب بغض النظر، وهو من مجمل الجاهلية الإخوانية المتحققة هنا مثلما لم تتحقق في أي مكان بتدقيقه.) فاعلم حياك الله أنّ “بالفيست” الذي أتاح لي غزة للمرة الأولى في عمري إنما عَبَر ما يسمى بالحدود ليكسر ما يسمى بالحصار. وعلى رغم أن السجن قائم ولا إنساني ومن شأن فتحه أن يفيد شمال سيناء ربما أكثر من فلسطين، تبدو الجعجعة المناهضة للحصار الإسرائيلي المصري، في ضوء ما تضربه حماس على أذهان وأجساد من خالطتُهم في غزة، محض سفالة.

wpid-untitled-1-2012-05-17-23-57.jpg

واستطرد ينفث دخانه في رشفة إسبريسو ثم تنهد، قال: في تلك الندفة المحاط رسمها براً وبحراً بالموت المحقق على يد دولة الشرج اليهودي المستَنفَر – حاشاك – صاحبتُ شابّين: النحيل، والأقرع. ولم أفهم إلا على هدى من حديثهما إحساساً راودني منذ حللتُ في الخامس من مايو بأن مناهضة الحصار تشبه الحصار نفسه حد التطابق، أو أن لمساجين غزة – فضلاً عن الأسيجة الأجنبية – سجانين منهم يسهرون على عزلهم ووحدتهم. هكذا يصبح الصمود حجة لقهر الراغبين في الحياة – أسعد الله أيامك – وهو ما باتت السلطة الفتحاوية تباركه طبقاً لما سماه ربيب الوفد عمرو عزت “اتفاقية تبادل قمع”. فاعلم أنّ “حركة المقاومة الإسلامية” وقد تحكمت في الفلسطينيين نتيجة نفاد صبرهم على فساد فتح باتت تقاوم فلسطين. حتى بدا لي، غفر الله لي ولك، أنني داخل حدود دولة شرج الإسلام. وهل من حركة إسلامية لمقاومة فلسطين؟ لعله بيزنيس حصار لمزيد من الأكل والعبادة؛ أما الدليل فهو أنفاق تهريب بين شقي رفح لا يمكن عبورها بلا تصاريح رسمية أو تمرير بضائع منها بلا جمارك.

ومما علمت في معية طالبات مسلمات سافرات شاهدتهن يناطحن أساتذتهن البيضان بوقاحة رائعة ولا يرعوين عن الصراخ في حاملي الكلاشنكوف “ما بنخافِش منكم”: من كثرة ما ضبط القادة الحمساويون عملاء لفتح وإسرائيل بين صفوفهم – الأمر الذي كان يؤدي إلى اختفاء الكادرات موتاً في “عمليات جهادية” لم تحدث – أصبح كلٌ متهماً بالعمالة. أصبح على كلٍ أدلة مخابراتية تدعمها وثائق بالصوت والصورة عادة ما تُلتقط أثناء الإقامات الصيفية في مصر. فإذا بدولة الإسلام هي الدولة البوليسية، خَلَص؛ كل ما هناك أنها بلا دولة تُذكر. إيش الدعوة… وكم شعرتُ بضآلتي وكم فرحت في حضرة هؤلاء البنات. وكم كانت فرحتي بهن مؤلمة، ألماً يقطع شرق المتوسط كله من الإسكندرية إلى طرطوس مروراً بهذه الأمواج.

كان النحيل حمساوياً في مراهقته، ثم تحول انتماؤه الفكري باتجاه فتح؛ أما الأقرع فهو أكبر سناً، وقد دفعه التفاني الاستشهادي في الشتات إلى جماعة الإخوان المسلمين ومنها إلى القاعدة قبل أن يستوي نضاله – ذلك الذي يصفه بكلمات من قبيل “مجرد إني هان، مجرد إني بأضحك” – إثر الاستقرار في غزة، حيث عزف عن الفصائل لينظم الاحتجاجات الشبابية عبر الإنترنت. فاعلم حفظ الله نضالك أن ثورة قامت في مارس ٢٠١١ كان شعارها “الشعب يريد إنهاء الانقسام”، وأن حماس استعانت على قمعها ببلطجية أو شبيحة لا يفرّقهم عن ما عندنا سوى أنهم، كراكب الأجرة سالف الذكر، ملتحون. ولا نأمة من جهتهم تشكّك في الملصقات الوهابية عبر دلتا النيل: “أختي بالله عليك اقطعي علاقتك الحرام مع زميلك في الجامعة نصرة لإخواننا في غزة.” لقد هداني نقار الشابين، من قبل أن أرى الأمن يمارس بذاءته على وفدنا وجمهوره في المساء الأخير، إلى أن الاستبداد قائم بغض النظر عن التوجهات السياسية. إنه قائم – كما استفاض الأقرع في الوصف ضاحكاً – ضرباً بالعصي وكعوب البنادق فضلاً عن الرمي بالرصاص، واندساساً في التجمعات الطلابية، ومصادرةً للأجهزة الإلكترونية، واعتقالاً جزافياً، واحتجازاً بلا محاكمة للتعذيب وفرض توقيع الاعترافات والإقرارات، وتشهيراً بين الأهل والجيران، ومنعاً من النشر على المواقع الإلكترونية، و(مثلما حدث معنا في دار الباشا يوم التاسع من مايو بلا إنذار) فضاً للحفلات والندوات مهما خلت من السياسة ومهما جانبها المجون. إنه يحدث لا للأسباب السياسية وحدها وإنما كذلك للاختلاط بين الجنسين، والإبداع الأدبي والفني، والاتصال بالأجانب أو العرب أو حتى الفلسطينيين من خارج غزة… فهم – كما قيل لي مرة بعد مرة: الحمساويون “هم” – بصدد بناء المجتمع الفاضل. وفي المجتمع الفاضل لا تكمل جملتين حتى يغمز لك محدثك أن انتبه هناك من يتصنت علينا، ألا لعنة الله على المتخلفين!

حكى لي النحيل إنه التحق بفتح من خلال أصدقائه في الجامعة في أعقاب “انقلاب الـ ٢٠٠٧”، وأشار ونحن سائران إلى وفرة البضائع الغالية في محيط “الرمال” حيث نصب الجندي المجهول – محل تجمهر التظاهرات المسبوقة دائماً بفرشة من مباحث الأمن الداخلي والمتبوعة بالاعتقال: ميدان تحرير صغير، العوض بسلامتك – ثم أردف بنبرة محايدة: “هاد الحصار.” (تحضرني في هذا الصدد حكاية سوداني زار غزة في وفد تضامني فلما ولج السوبرماركت صاح: “اللهم ارزق السودان بحصار مثل حصار غزة!”) بطول المدينة، تنتصب لافتات تحمل وجوه الشهداء في صفوف ولا تذكر ملابسات استشهادهم. أومأ صاحبي إلى إحدى تلك اللافتات أمام مقر أمني أزرق، وحدّد ترتيب الوجه المعني ليخبرني إن صاحبه صفعه بعدما جره إلى الحبس لأنه رآه في العلن مع فتاة؛ وأضاف إن صديقاً له وزّع الحلو احتفالاً بموت صاحب الوجه نفسه. كنا نقترب من ذلك الخط اللامرئي حيث تتاخم الصحراء المياه. وكنت كأنما أعرف ما سوف يحصل في الغد (ويصيبني قبحه بذعر لحظي رغم ذلك) من اقتحام الأمسية الختامية للاحتفالية من جانب جلف مصمت الوجه يهدد الحضور قائلاً إنهم غير مسموح لهم بالتصوير بلا سلام ولا استئذان ثم – بعدما يصورنا هو، من جانبه – يهدد بإخلاء المكان بالقوة إذا لم نغادر. كأنما كنت أعرف ونحن نقترب من البحر. وأفكر إن نصرة إخواننا في غزة أن نكون معهم بأجسادنا في دار الباشا، وأن نختلط بهم رجالاً ونساءً، وأن نصل كل علاقات العشق المحتملة ولا نقطعها تأكيداً على رغبتنا في أن يعيشوا.

جعلنا الله وأهل غزة من أصحاب القلوب لا الحناجر، وهيأ لنا في الثورة العربية مسالك مترقرقة كشاطئهم نركب عليها بحار نعمته، وعصمنا من قتل الروح قبل قتل الجسد. وجنبنا التجارة بالدين. إنه هو فاطر الغرام والثورة، ليس أرحم منه.

ثم ختم كتابه بكلام في كسر الحصار عنونه “دعاء الرجوع من غزة”، قال: لمس أكتاف. والانتظار في القاعات. لا علاقة له بالقضية. والحنجرة بالتوازي. الحنجرة أعلى فأعلى. والحصار كالجنزير الذي تحزّم به وسطك لترقص. وطائراتٌ تُسمع ولا تُرى فوق رأسك. وتهتز في إثرها الصورة على التليفزيون. والحصار بضاعة مهربة من خلف حاجز. ولا أحد يعرف كيف تدخل. السيارات الفارهة. والحصار بالآي-فون. ووفد المتضامنين في البقعة المنكوبة. ومن يصوّر بجواله يتحمل المسئولية. لدينا أدلتنا على نشاطك. أن توقّع إقراراً لتذهب. والكهرباء التي لا تأتي. ومن يَشْكُ يروّجْ شائعات. التهمة نشر العلمانية. أن تشبح الشخص يعني: تعلّقه من رجليه. وتحريف القرآن. والترحاب الرسمي. صفوف المسئولين على أبواب المكاتب. الانتصار على أمريكا خمس مرات في اليوم. وقبل الأكل في الصباح الباكر. أزمة الوقود. ووفد المتضامنين في البقعة المنكوبة. إذا قالت حماس فصدقوها. أن تترك من اعتقلتَهم في الحبس حين تُقصَف. حتى الفدائيون يجرون من كعوب البندقيات. ولا لشيء سوى الكهرباء في بيوتهم. فإن الصدق ما قالت حماس. والضرب حتى الإغماء. الضرب رغم الصلات العائلية. والرصاص الحي. الحروف العبرية على الملصقات. والشيقل بالقاف. وانتظار القوافل. والصمود ملتحون بالعصي. والمخبران اللذان لا يفارقانك. والبحر. الحنجرة من أسفل إلى أعلى. والأنفاق التي تحولت إلى موانئ. والجمارك الضرورية لعبورها. أن تُعتقل لأسباب أخلاقية. وتكسير أطراف الشباب على سبيل المقاومة. وبكاء البنات حين يُفضّ الحفل عنوة. والكلاشنكوف على البوابة. ثلاث سيارات شرطة في الزقاق. البحر نفسه. نفس البحر. وفرحة اللقاء في القاعات. ولسعة الشطة في الطعام الطيب. ولمس أكتاف مع عرق العصاري. المصافحة بلا حساب.

؎

كسر الحصار أو دعاء الرجوع من غزة، مايو ٢٠١٢

This slideshow requires JavaScript.

لمس أكتاف. والانتظار في القاعات. لا علاقة له بالقضية. والحنجرة بالتوازي. الحنجرة أعلى فأعلى. والحصار كالجنزير الذي تحزّم به وسطك لترقص. وطائراتٌ تُسمع ولا تُرى فوق رأسك. وتهتز في إثرها الصورة على التليفزيون. والحصار بضاعة مهربة من خلف حاجز. ولا أحد يعرف كيف تدخل. السيارات الفارهة. والحصار بالآي-فون. ووفد المتضامنين في البقعة المنكوبة. ومن يصوّر بجواله يتحمل المسئولية. لدينا أدلتنا على نشاطاتك. أن توّقع إقراراً لتذهب. والكهرباء التي لا تأتي. ومن يَشْكُ يروّجْ شائعات. التهمة نشر العلمانية. أن تشبح الشخص يعني: تعلّقه من رجليه. وتحريف القرآن. والترحاب الرسمي. صفوف المسئولين على أبواب المكاتب. الانتصار على أمريكا خمس مرات في اليوم. وقبل الأكل في الصباح الباكر. أزمة الوقود. ووفد المتضامنين في البقعة المنكوبة. إذا قالت حماس فصدقوها. أن تترك من اعتقلتَهم في الحبس حين تُقصَف. حتى الفدائيون يجرون من كعوب البندقيات. ولا لشيء سوى الكهرباء في بيوتهم. فإن الصدق ما قالت حماس. والضرب حتى الإغماء. الضرب رغم الصلات العائلية. والرصاص الحي. الحروف العبرية على الملصقات. والشيقل بالقاف. وانتظار القوافل. والصمود ملتحون بالعصي. والمخبران اللذان لا يفارقانك. والبحر. الحنجرة من أسفل إلى أعلى. والأنفاق التي تحولت إلى موانئ. والجمارك الضرورية لعبورها. أن تُعتقل لأسباب أخلاقية. وتكسير أطراف الشباب على سبيل المقاومة. وبكاء البنات حين يُفضّ الحفل عنوة. والكلاشنكوف على البوابة. ثلاث سيارات شرطة في الزقاق. البحر نفسه. نفس البحر. وفرحة اللقاء في القاعات. ولسعة الشطة في الطعام الطيب. ولمس أكتاف مع عرق العصاري. المصافحة بلا حساب

أن نحيا كراماً

wpid-102dbd33-441f-43a0-8945-fbdaf2f30e6a-2012-04-5-06-24.jpg

“وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ” – سورة البقرة، ٧٨

منذ بضعة أشهر وقد تصاعدت نبرة جديدة في خطاب “الثورة” المصرية لعلها يسارية بالمعنى الاصطلاحي – ذلك أن معسكر “الثورة” وقد بات معزولاً ومطعوناً في شرعيته مضطر إلى الاعتماد في خطابه على قيم ماض “تقدمي” مناصر لـ”عامة الشعب”: الفلاحين والعمال إن لم يكن “البلطجية”… خصوصاً وقد اتضح الآن أن المعركة الحقيقية لن تكون بين الثورة (“مستمرة” أكانت أو مجهضة) وبين “فلول النظام السابق”، بل بين “الليبرالية” بكل معانيها (الإيجابي منها والسلبي) وبين الأصولية الإسلامية بما عندها من استغلال للوسائل الليبرالية (خطاب الحريات الشخصية ومبادئ حقوق الإنسان بل والعملية الديمقراطية ذاتها) في الوصول إلى غايات شمولية مدموغة إن لم نقل بالخرافة فبالمعتقد الغيبي – ومفاد تلك النبرة باختصار هو أن “مهاجمة” أعضاء البرلمان الجدد من قادة ما يُدعى بالتيار الإسلامي بشقيه الإخواني والسلفي لا تعبّر عن موقف عام أو مقبول من أدائهم السياسي بقدر ما تعبر عن صدمة “برجوازية” في مظهرهم وأعرافهم الطبقية (بالمقارنة مع مَن سبقوهم من أعضاء الحزب الوطني، على سبيل المثال). وهو ما يضمر تعاطفاً “يسارياً” أوسع قائماً منذ ما قبل ٢٥ يناير مع “الإسلاميين” بوصفهم ورثة “الاشتراكيين” أو “الشيوعيين” في طليعة المعارضة الجادة… وبغض النظر عن ما أثبتته فيالق الإسلام السياسي في المنطقة العربية من نزوع إلى رأسمالية متوحشة بدرجة تفوق الليبرالية الغربية نفسها وقدرة على التحالف مع أنظمة وقوى ليست فقط غير إسلامية وغير معارضة للنظام العالمي “الرأسمالي المتوحش” وإنما أيضاً إجرامية – قمع حماس لمتظاهري غزة في يوم الأرض، تأييد حزب الله للنظام السوري، تنسيق “دعاة” القنوات الفضائية المصريين مع مباحث أمن الدولة – بل وبغض النظر عن الثراء الفاحش للكثير من الإسلاميين واستعدادهم للفساد والكذب بما يناطح ما ثبت على أعضاء الحزب الوطني، فإن “يسار الثورة” المستاء تاريخياً من بشاعة التركيبة الطبقية للمجتمع المصري لا يزال يتهم كل من يهاجم الإسلاميين الذين انتخبهم الفلاحون والعمال إضافة إلى قسم لا يستهان به من “البرجوازيين” أنفسهم بالتفرقة الطبقية والنظرة الاستعلائية.

ومن ثَمّ فهناك قسم كبير من “جيل الثورة” (وإن لم يعترف بذلك) يدفعه التباس ولائه الطبقي إلى رؤية التأسلم الأصولي المتفشي منذ السبعينيات – والذي أصبح، عكس ما يبدو للمراقب من بعيد، حجر زاوية في النظامين السياسي والاجتماعي بعد التسعينيات – باعتباره النهج الفاعل أو الوحيد لتمكين الطبقة العاملة أو “الناس العاديين” من المشاركة السياسية أو المساهمة في تحريك المجتمع والسعي إلى “حياة كريمة” داخله؛ ويكثر في هذا الصدد تنظير أجيال لم تر مصر قبل التسعينيات لمناقب التأسلم الأصولي سواء أعلى المستوى السياسي (ما عاناه “المناضلون” و”المفكرون” الإسلاميون من سجن وتضييق وتعذيب) أو على المستوى الاجتماعي (كيف ساهم الحجاب في حرية الحركة والعمل لدى المرأة الريفية) أو حتى على المستوى الفكري (إن إحساساً “ملحمياً” يكمن في برامج الصحوة الإسلامية المطروحة يميّز هذه البرامج عن برامج النظام السابق ويعلي من شأن القائمين عليها – والذين لا يؤهلهم سوى مظهرهم وترديدهم للثوابت العقائدية الممجوجة في مكانها وفي غير مكانها – حد عصمتهم أو على الأقل احترامهم، خصوصاً إذا ما كانوا قريبين إلى التربة الطيبة وأهلها الأصلاء)… وهو ما يحيل كله إلى الأمراض المستعصية ذاتها التي شلّت المجتمع طوال ستين سنة مضت على إعلان الجمهورية والإصلاح الزراعي وتحالف قوى الشعب العامل، وإن بلغة جديدة: لغة قادرة على نقض أم كلثوم ونجيب محفوظ والأهرامات نفسها بدعوى أن هذه الرموز تخالف الشرع أو أنها “ليست من الإسلام في شيء”! إن “مليونيات” تأييد “المرشح السلفي” حازم صلاح أبو إسماعيل والدفاع الأعمى عن جهل وطائفية وقصور “داعية” أو “محام” ليس مؤهلاً لأن يضيف إلى الحياة السياسية سوى مخاطر من قبيل تعطيل السياحة ومفاقمة المشاكل الجنسية والنفسية القائمة بالفعل فضلاً عن قمع الإبداع والتفكير – “بما لا يخالف شرع الله” طبعاً ولا يخالف الرغبة المعلنة لغالبية الشعب المسلم المتدين – إن هذه المليونيات إنما تعبر عن احتياج جمعي إلى زعيم صالح، إلى بطريرق أو إله. ولا يعي هذا الاحتياج ثمن الزعامة المحتملة أو يهتم بأكثر من شعار سيظل صاحبه نفسه غير قادر على تفنيد معانيه أو ترجمتها إلى سياسات يمكنه – حتى هو – أن يعيش بها…

بيد أن انتخابات الرئاسة قصة أخرى – قصة عبثية في غياب دستور يحدد صلاحيات الرئيس ومن ثم قابلية البرامج المعروضة على الناخبين للتطبيق في حال نجاح أصحابها – وليس المقصود بالكلام عن نبرة التعاطف مع نواب يُفترض أنهم “غلابة” دحض المشروع “الإسلامي” الثابتة لاجدواه في اعتقادي سواء أفي الصومال والسودان وأفغانستان أو في السعودية وإيران وباكستان. المقصود هو طرح سؤال صادق عن مكان ذلك المشروع مما حدث على طريق التغيير ودوره الحقيقي أو المنتظر في المستقبل المنظور، وعن مكان التأسلم كاختيار طائفي رخيص ليس فقط لاستبدال موقع طبقي “ضعيف” بموقع شرعي “قوي” ولكن أيضاً لتنحية الأسئلة الأخلاقية الحاضرة والتي لا تكاد تتقاطع أبداً مع أسئلة الشرع التي يطرحها “الإسلام” تحت قبة البرلمان. فمَن يحرّم اختلاط الرجال بالنساء يدافع عن الحق في تزويج الفتيات في عمر اثني عشر عاماً، ومن يجاهد “الزنا” يسمح بتعدد الزوجات بلا حجة “فقهية” تبرره. وقد يبلغ التشدد في فرض فكرة “جزيرية” عن الشرع ارتكاب ما يحرّمه الشرع بالفعل – خلاف أن المنافقين كانوا إخوان الشياطين – حيث يذهب أحدهم مثلاً إلى أن تعلم اللغات الأجنبية محرم (والحديث النبوي الشهير يقول “اطلبوا العلم ولو في الصين”) أو تُرجع إحداهم مسئولية التحرش الجنسي المنتشر كالوباء إلى تبرج النساء اللاتي تتعرضن إليه بشكل يومي (وهو عكس ما يمليه الشرع على الرجل المسلم بأن يغض بصره، دعك من أن يغض لسانه ويديه)… ولا غرو في ربط هذه التوجهات بالانتماء للطبقات الاجتماعية الدنيا، غير أن نصرة الطبقات المعنية بوازع أخلاقي لا يمكن أن تبرر التسامح مع خطابات لا أخلاقية أو سياسات “ثورية” على هذه الدرجة من الرجعية والتناقض. وليس في الكلام “الليبرالي” عن حرية كل شخص في العيش كما يريد أي حجة من أي نوع على هذا الصعيد: إن مكاناً لا يدخله إلا الملتحون لابد أن يشعر فيه الحليق بالغربة ومن السهل أن يتعرض فيه أيضاً للقهر. ولا أظن رباً في الأرض ولا السماء من التفاهة بحيث يقيّم الصلاح والتقوى على أساس شعر الوجه. فهل فيما أحسه الآن نوازع طبقية؟ وهل أصبح التأسلم لدى نظرائي ختم الأصالة “اليساري”؟ أو هل يطرح التأسلم أصلاً رؤية سياسية؟ وإن فعل، فهل هي رؤية تبعث على رفاه و”كرامة” الإنسان؟

wpid-2012-04-0606-21-52am-2012-04-5-06-24.png

بلا حماس من 2006

رسالة صديقي على شاشة الجوّال: “نحن هنا نستمع إلى الطائرات الإسرائيلية” ــ وباللهجة المصرية التي يحبها ــ “ربنا يستر”.
قالت رفيقتي: “الاحتشاد للدفاع عن نانسي غير بيروت. من يعطينا نانسي؟” كانت تضحك، لكن يأساً في صوتها يجاور البكاء. “حقيقة، ماذا يمكن أن يعبّئ الشعب المصري للدفاع عن لبنان سوى نانسي عجرم؟” أومأت. أمسكت بالهاتف مرة أخرى، ثم أزحته ببرود. ماذا يمكن أن يعبّئ الشعب المصري للدفاع عن الأهرام، مثلاً؟
منتصف ليل الزمالك، شاب خليجي يقيمنا ــ ثلاثتنا ــ حتى يجلس وحده إلى الطاولة التي حجزها. مَن غير فيروز تقول “كيفك إنت” في مطعم “أبو السيد”؟ عشاؤنا “الخفيف” سيحرق صدورنا. من الشباك ــ على صوت أذان الفجر ــ أرى بدراً معوقاً بدلاً من قمر شبه كامل. وعلى الإنترنت ــ لم نسمع بما حدث حتى منتصف الليل لأننا بلا تلفزيون ــ جسر مقسوم كأنه مثلث، حفرة هائلة يملأها سائل بنّي، عجوز وطفلان يعبرون أطلالاً. لا أحد ينام في بيروت… حسن نصر الله يقول “نحن مغامرون” والإسرائيليون يؤكدون أنهم سيفعلون أي شيء للحفاظ على “الحياة الإنسانية”.
قبل أسابيع، لم يتردد مبارك في استقبال رئيس الوزراء الإسرائيلي بعد مقتل مصريين بريئين تماماً برصاص إسرائيلي على الحدود. قال ــ في صدد جندي واحد عند “حماس” ــ: “مأنا كنت حلتها، لكن فيه جهات ضغطت على الحكومة الفلسطينية فانسحبت من التسوية…”.
حين خرج الإسرائيليون من جنوب لبنان، تشاجرت ومدير تحريرنا “اليساري” لرغبته التي رأيتها مبالغة في امتداح حزب الله. أومأت لامرأة منقّبة في لندن. وسلمت أمري لله حين أسفرت الديموقراطية، مؤخراً، عن حماس.
الحقيقة أنني لا أحب الإسلاميين أبداً، ولا أحب نانسي عجرم، ولا أغتاظ بالقدر الكافي من العجرفة الدموية لدولة عنصرية مصابة بالبارانويا تساندها، بلا منطق أو ضمير، أقوى حكومة في العالم.
فقط ــ والدموع تداعب جفني من أن أصدقائي “البيارتة” يشكرون لي سؤالي عنهم ــ تراودني الرغبة في تفجير نفسي، لكن من دون حماس.

Reblog this post [with Zemanta]