دروس الشخص

الألم أعمق، لكن التحليق أعلى – سركون بولص

في ٢٥ يناير ٢٠١٣، لم يبق من الثورة الكبرى سوى عبء التعامل مع ما خلفته من كوارث أملاً في العودة إلى نقطة الصفر، فهل يكون التعامل بثورة كبرى جديدة؟ كيف يمكن تخيل ذلك وإن أمكن، فلماذا علينا أن نتحمس له؟

wpid-photo-2013-01-24-15-15.jpg

Continue reading

عن الإخوان وغيرهم أيضا: مهاب نصر

هذا التعليق هو إجابة عن سؤال لصديق ماهو السيناريو الأسوأ بنظرك لو تولى الإخوان الحكم؟ والإجابة هي محاولة شخصية لفهم السؤال أكثر من الإجابة عنه. هناك أفكار تحتاج للمراجعة ومعلومات تتقبل التصويب والمسألة متروكة لمن يريد.. والأجر على الله

مهاب نصر

wpid-screen-capture-2011-09-13-23-02.png

السؤال عن الإخوان، وعن سيناريو وصولهم للسلطة شائك للغاية. لعدة أسباب

أولا أن الغالبية العظمى من الناس لاتزال غير متفهمة للطبيعة القانونية للحكومات المعاصرة حتى وهي تطالبها بالتزامتها، ففكرة الحكومة لدى الكثيرين مازالت مستمدة من فكرة شخصية عن الحكم تجسده في زعماء، قادة، أهل ثقة إلخ، ومن ثم تفترض أن الحكومة الصالحة هي تلك التي تضم أشخاصا صالحين، أو موثوقا بهم بالنسبة للمواطن. وصحيح أن هذا شرط طبيعي في أي حكومة. لكن الحكومة بمعناها القانوني لا شخصية وإنما تمثل أمرين: أولهما التفويض المؤقت من قبل أغلبية تؤيد تلك الحكومة، وثانيهما تعبير هذه الحكومة عن برنامج سياسي واجتماعي واقتصادي واضح المعالم وغالبا ما يتجسد ذلك في الأحزاب، وهي تختار إذن بناء على هذا الشرط لا الشرط الشخصي: البرنامج.. لا الشخص.

لكن في ظل الفساد العام في مصر والدول العربية جميعها، صارت الفكرة المقابلة هي التخلص من الفساد باختيار عناصر مأمونة النزاهة، ليسوا على الأقل لصوصا أو متورطين في قضايا فساد. ولأن معظم المواطنين المصريين لم تتكون لهم خلال المائتي عام السابقة منظومة أخلاقية ذات مرجعية اجتماعية واضحة، فما زالت فكرة الأخلاق مبعثرة بين الدين ومرجعيته والتقاليد المكتسبة والموروثة، والتي يتضارب بعضها معه بعض في مزيج فريد من أخلاق غير قادرة على احداث التوافق. والأمران مختلطان أشد الاختلاط لدرجة أن كثيرا من الأفكار الأخلاقية تسند إلى الدين عنوة رغم أن مرجعيتها تاريخية واجتماعية أصلا.

المهم أنه في اطار هذا الاضطراب في المراجع الأخلاقية يبدو الدين على الأقل (باعتبار كونه إلى الآن الوثيقة الأخلاقية الوحيدة المكتوبة وليست العرفية) هو المرجع رغم الاختلاف في حدود هذه المرجعية. ومن ثم فكل من يرفع شعار الدين يُشعر الآخرين باطمئنان أكثر، ويكتسب شعبية لا علاقة لها ببرنامجه وبقدرته على تمثيل هذه الأخلاق، ناهيك عن السؤال ما إذا كان الفساد فيما يتعلق بالدول أمرا خلقيا فرديا أم آلية تحلل وتضارب نتيجة سياسات منحازة ومتناقضة؟

ثانيا: أن معظم الناس لا تفهم حتى الآن ما الذي حدث لمجتمعاتها ولا في العالم المحيط بها خلال المائتي عام السابقة، أي مع بداية العلاقة المحتدمة مع الرأسمال العالمي الذي تمثل غالبا في الدول الغربية وان كان أبدا غير مقصور عليها ، وهذا سبب التباسا كبيرا استثمرته فئات تحت مزاعم دينية ووطنية في إحكام سيطرتها على البلاد بزعم حمايتها من آخر ذي هوية محددة ثابتة وجغرافية، وتحويلها للفكرة السياسية إلى فكرة “صراع هويات” لا بناء مجتمعات، لا يختلف في ذلك عبد الناصر عن حسن البنا.

الاستقلال غير التام

حتى قبل مجيء الفرنسيين إلى مصر كان النظام الرأسمالي قد تغلغل في الكيانات القديمة التي كانت خاضعة للدولة العثمانية، كما حدث مع مناطق أخرى في العالم، بإرث دولة شبه اقطاعية، يتفرد فيها الحاكم أو اسرته بالحكم على خلفية مرجعية دينية غير ملزمة على الإطلاق.

ولتوضيح هذه النقطة لأنها غاية في الأهمية حول تمثل بعض الناس للحكومة الإسلامية القديمة نشير مثلا إلى أن الحكومات العثمانية وقبلها المملوكية كانت تشرعن البغاء، ويتراوح تعاملها معه بحسب الظروف الاقتصادية.

وقد قام علي بك الكبير بعد ازدياد ثقته في امكانات التعاون التجاري مع الغرب بأول محاولة انفصال عن الدولة العثمانية مع شريكه الفلسطيني ضاهر العمر، وهو ما كرره من بعده بنصف قرن بنجاح أكبر محمد علي، الذي نسميه الآن باني الدولة الحديثة.

وتجربتا محمد علي وعلي بك الكبير يبينان درجة التأثر المتدرج بنظام عالمي أصبح أقوى من نفوذ أي دولة على حدة. فالقوى الرأسمالية أفشلت مشروع علي بك الكبير حتى لا تضعف الدولة العثمانية أكثر (انظر إلى تناقض المصالح) لأنها كانت تقف أمام الامبراطورية الروسية الوليدة ونفوذها على الشرق الأوروبي. وشيء من هذا القبيل مع الاختلاف حدث مع محمد علي حين امتد نفوذه إلى السودان والحجاز والشام وبدأ يهدد الدولة العثمانية ذاتها.

ان اهم التغييرات التي قام بها محمد علي ليست في السياسة بل في نمط الزراعة المصرية والاعتماد على المحصول الواحد، واحتكار الدولة (الممثلة فيه) للملكية، وتقوية مركزية الدولة الاقتصادية بحزم. لدرجة أن قيل إن بائع البطيخ في عهده كان ينادي : بطيخ الباشا بكذا..

ثالثا: لماذا كل هذه التفاصيل؟ لأن بنيان الدولة بشكلها القانوني المتعارف عليه دوليا الآن نشأ أساسا على قاعدة اقتصادية ومن ثم شكل من التعاقد مختلف جذريا عن الدول القديمة. كانت الدولة الشرق أوسطية شبه ريعية تعتمد على الخراج والغزو، وبالتالي كان الأساس فيها الكيان السياسي الذي تمثله أسرة أو قبيلة ذات قوة عسكرية ضاربة تحتل (أو تفتح) البلدان وتسيطر على انتاجها. لم تكن الدولة تفعّل بنية الاقتصاد ولا كان هذا المصطلح معروفا أصلا (حتى في الغرب) إلا بقدر ما يسمح بمدها بالموارد عن طريق اجراء بعض الإصلاحات. والعبارة الأثيرة التي يرددها بعض الإخوان أحيانا على لسان هارون الرشيد (امطري يا سحابة حيث شئت فسوف يأتيني خراجك) تعبر عن هذا النوع من الاقتصاد القهري الذي كانت تدفع ثمنه الشعوب المغلوبة والفلاحون الذين عزلوا عن ابسط حقوقهم فيما ينتجونه. وكلما كانت تضعف خزينة الدولة كان يتم البحث عن أرض جديدة لغزوها (أو فتحها)، أو فرض ضرائب جديدة تستنزف مع الوقت البنية الاقتصادية ذاتها. وهذا هو السبب في الأزمات الدورية التي كانت تتعرض لها هذه الدول بنفاد الموارد التي لم يتم تطوريها بل فقط جمعها بالقوة.

ومن المعلوم مثلا أن الجزية المتحصلة من رعايا الدولة غير المسلمين كانت جزءا من الموارد، ولهذا كان بعض الحكام يعيقن أو يحجمون عدد الداخلين في الإسلام حتى لا تقل الجزية. ولا يهمنا هنا الجانب الأخلاقي من الموضوع. بل طبيعة الاقتصاد التي كانت تدفع الدولة إلى التناقض الأخلاقي مع ذاتها، أو مبأها المعلن.

لم يكن التجار ولا الملاك قادرين على المنافسة السياسية التي تمثلت في نخب تعزل نفسها بشعارات النسب إلى آل البيت أو النسب النبوي. حتى المراجع الدينية كانت خاضعة لسلطة الحاكم يختار من يشاء ويعزل من يشاء ويوعز بالفتاوى التي تمكن سلطانه. ولم يكن للقوى التي نسميها الآن مدنية أو دينية هياكل تنظيمية أو موارد كافية ولا قدرة شعبية أو عسكرية للوقوف بازاء الحكام، ولهذا تمثلت الشورى المزعومة في مجرد نصائح غير ملزمة، بل ان الفقهاء في معظمهم برروا الخضوع لولاية الفاسق خوفا من ما أسموه (الفتنة) واعتبروا الحكم نوعا من الغلبة، أي بحكم الأمر الواقع.

الدولة الحديثة نشأت على تراكم دائم لرأس المال وانتاجه وليس على جنيه وتحصيله، بدأت بالتجارة في الذهب والفضة خاصة بعد اكتشاف الامريكيتين، وبانتاج المحصول الواحد على مساحات شاسعة والتجارة الاحتكارية فيه كما حدث مع القطن والقمح والشاي والبن والمطاط وقصب السكر وغيرها. حدث هذا في أسبانيا والبرتغال ثم دخلت سائر الدول على الخط. هذه المرحلة المسماة بالرأسمالية المركانتلية ساهمت بنسب متفاوتة في نشوء طبقة متوسطة تملك موارد واسعة، في الوقت الذي كانت تتسم به الدولة في الغرب بنوع من الضعف مكن فيما بعد وإثر صراعات طويلة من قيام نوع دولة التوافق المعتمدة أساسا على الاعتراف بالاختلاف، وتمثيل المصالح المتباينة. وظهر علة السياسة المدني رافعا عنها هالة القداسة الزائفة، ومعترفا بكونها صراعا على مصالح.

وحين اكتشفت الميكنة أو الثورة الصناعية كان انقلابا مخيفا، لعدة أسباب:

كانت التجارة القديمة تعتمد على ملكية أراضي شاسعة ولو خارج حدود الدولة (مستعمرات)، وكان بإمكانها تسخير عمالة مستعبدة بكثافة عالية. لكن الثورة الصناعية تركزت في المدن واحتاجت إلى منظومة إدارية صارمة، وانتاج واسع منظم، وتعليم نظامي لتأهيل الكوادر العاملة في كل مجال، والأهم فلسفة حياة تعتمد على: تقديس العمل، العقلنة اعتمادا على القوانين العلمية والتجريبية،نظم مالية وضريبية، حرية فردية تسمح بالإبداع والتفكير المنطلق واحترام المجتمع وكفالته لهذه الحرية، والتعبئة للقوى العاملة ومن هنا جاءت فكرة القومية. كانت القومية هي الشكل أو الإطار الثقافي لتركز قوى الانتاج تحت شعار أخلاقي لم يكن موجودا بهذا المعنى.

هكذا بزغت الدولة القومية التي تعتمد على: حدود واضحة، نظام قانوني، حقوق مواطنة متساوية لا تعتمد على الأصل الديني أو العقائدي انما من تجمعهم هذه المساحة من الأرض. ومن ثم عزل الدين عن فكرتها. ورغم أن اللغة والثقافة الخاصة هي إحدى المقومات التي دعمت القومية لكنها لم تستخدم إلا عند الضرورة أو كغطاء ثقافي للولاء للمشروع الكبير، فكرة المواطنة كانت الحاكم الفعلي للنظام، الذي تمثل في وحدة انتاجية كبرى، يتعايش أفرادها بناء على قوانين لا تقررها الأغلبية فحسب بل تمنع هذه الأغلبية من إقرار أي مبدأ مسبق لا يشكل جامعا مشتركا ولا يكفل حق الفرد والأقلية. والديموقراطية الغربية بهذا المعنى ليست كما يفهم خطأ حكم الأغلبية، بل هو أيضا كفالة حق الأقلية على أساس عقلاني.

أصبحت الدولة “القومية”، مع شيوع النمط الرأسمالي وتحوله الى النمط الوحيد مع الوقت، هي النموذج العالمي الذي على أساسه تتم المعاهدات، والاعترافات الدولية بالكيانات السياسية وعمليات التبادل التجاري والاقتصادي.

ومن ثم بدأت الكيانات السياسية القديمة في كل أنحاء العالم تحذو هذا الحذو بداية من الدولة العثمانية ذاتها، والحقيقة التاريخية أن نموذج محمد علي كان منقولا عن التطورات في النموذج العثماني. انتهت دولة الخلافة وصارت الدولة قومية.

المشكلة لدينا أن أهل النظم القديمة وممثلوها وكل أصحاب المصالح في بقائها، والذين كانوا مضطرين تحت ضغط التحولات الكبرى إلى تعديل المنظومة، أقاموا عملية تحديث هجين؛ فرضوا بحدود الدولة القومية وبتعبئة البشر والتعامل معهم كمنتجين، بنيت المدارس وأعد الجيش وظهرت كوادر نظامية من الموظفين، لكن بخلاف النمط الرأسمالي قامت السلطة باحتكار النشاط الاقتصادي ومن ثم قبضت على السلطة كلها في يدها، بدلا من أن تقيم التحديث بتشجيع ظهور طبقة وطنية واعية حرة ومنفتحة، قامت بتوسيع دائرة حكمها عن طريق بيروقراطية واسعة تلتهم المجتمع بحيث يدخل المجتمع كله في الجسم الوظيفي للدولة، دون أن يكون له أي استقلال حقيقي عنها، ودون أن يتمكن من التعرف على ذاته إلا من خلالها. دخلت الدولة كوسيط في كل العلاقات الاجتماعية. مع العلم أنها لم تمثل مصالح هؤلاء بل مصالحها التي جندتهم لأجلها، مع بقاء بنائها الأساسي شخصانيا متمثلا في حاكم أو زعيم أو حتى نخبة من المستفيدين.

وهذا أحد أسباب الارتباك الشديد بعد الثورة. فلا مفاجأة إطلاقا في أن الغالبية من الناس رغم اجماعها على الثورة وفساد النظام لا يعرف أفرادها بعضهم بعضا، ولم تكتشف بعد لغة مشتركة تعطلت طويلا، لقد كانت الدولة أباهم (ولو كان فاسدا ومستغلا). والآن يبدون كأبناء ساقطين من السماء بلا أجنحة.

الثقافة والسياسة

تلاعبت هذه الدولة منذ محمد علي ومن تلاه بالثقافة التعبوية للمجتمع بحسب الحاجة. فهي ترفع شعارات التحديث على نسق أوربي حينا، وتستنهض القيم الاجتماعية ما قبل المدنية كالعائلة والعشيرة. ويقدم السادات نموذجا فريدا وكاشفا للجمع بين احياء فكرة الدين والتقاليد الريفية (دولة العلم والإيمان وأخلاق القرية) وهو جمع له دلالته الحاسمة التي تحتاج لتفصيل في غير هذا المكان.

ظهرت فكرة “الوطنية” لا فكرة المواطنة كوسيلة تعبئة للناس، بل يشير البعض إلى أنها ظهرت بداية من حملة نابليون، فمن المدهش أن نابوليون كان يخاطب “المصريين” باعتبارهم شعبا يملك مقومات أمة خاصة ذات تاريخ وأن يرتبط هذا باستقلالها، بالطبع عن الدولة العثمانية في ذلك الوقت.

وهو ما تكرر بكيفيات أخرى في عهد محمد علي ومن بعده. نشأت الوطنية كشعار لصالح تشغيل الناس في مشروع كبير تحتكره الدولة، والدولة نفسها تتجسد في شخص. نموذج فريد من التهجين بين الأنظمة أثبت فشلا مروعا.

فحين تعرض محمد علي للتآمر لم تكن وراءه طبقة قوية من مصريين المدافعين عن اقتصاداتهم، ويملكون تعبئة القوى لمواجهة النفوذ الرأسمالي الذي يفرض عليهم دور التبعية. ومن ثم خضع محمد علي للشروط. والأسوأ انه مثله مثل كل الحكام العرب الذين أتوا بعده فانه حين يتعرض مشروعه للانهيار يظهر جانبه الشخصي، متمثلا في اشتراطه أن يحتفظ هو واسرته بحكم مصر. وتدريجيا سمح خلفاؤه ببدايات التدخل الاقتصادي عن طريق الامتيازات ثم الديون وبدأت السلسلة التي لا تنتهي.

من الفئات المستفيدة بالأوضاع القديمة كان رجال الدين الذين مثل صعودهم وارتقاؤهم في الأزهر فرصة للحصول على اقطاعات واسعة ومن ثم كانوا مستفيدين من بقاء السلطة الدينية، وكانوا دائما في حالة تعاون مع الحكام في تبادل اسباغ كل منهم الشرعية على الآخر، وكانت مواقفه الوطنية تتعلق بمصالح نخبته في الغالب. وبإعادة انتاج منظومته والثقافة التي يمثلها والتي تكرس له دورا ونوعا من الوصاية. فكما ثار على الاستعمار أحيانا خوفا من ثقافة جديدة ونظام يلغيان دوره، فقد تواطأ معه أحيانا حين آنس امكانية بقاء مصالحه وهذا يحتاج إلى تفصيل.

كان الأزهر فرصة صعود طبقي بالنسبة للريفيين الذين عزلهم الحكم منذ دخول الاسلام مصر عن المشاركة في الحكم وحتى في الجيش. وأغلق عليهم كل فرص الترقي الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. ومن ثم كان دفاعهم عن الثقافة الدينية الممزوجة بتقاليد ريفية هو دفاع عن وجودهم ومكانتهم الروحية والاجتماعية ومكتسباتهم أيضا.

نسخة غير أصلية

لم ينقل النظام الرأسمالي للدول التابعة نسخته الأصلية، لتكون تكرارا أو امتدادا له، بل لقد تمكن بمرونته من التعايش مع انظمة قبل رأسمالية وأنماط من الثقافة التقليدية، بل لقد دعمها وكرس لها باسم “الحفاظ على الخصوصية” أحيانا، أو عدم أهلية المجتمعات للتحديث الكامل أحيانا أخرى.

وفكرة “الخصوصية” بالذات والتي تأكدت وشاعت في نهايات القرن الماضي. وجدت فيها كل التيارات الرجعية لقيتها الثمينة للدفاع عن وجودها. وكان الدين بطبيعة الحال أحد عناصر هذه الخصوصية.

وماذا الآن؟

.

الآن حين نتحدث عن الإخوان نتساءل قبل ان نعرف مدى صلاحيتهم: ما هو نوع الدولة التي يمكن أن تعيش وسط التجمع العالمي وتتمكن من العمل والتبادل؟

إذا كنا نعترف مثلا بالدولة القومية فكما قلت أن الدولة القومية أساسها اقتصادي بغطاء قانوني وتأتي الثقافة كسمة اجتماعية لا تؤثر على طبيعة البنيان القانوني أو الاقتصادي. ومن ثنم يمكننا الكلام على الثقافة في فرنسا أو أميركا أو اليابان أو استراليا دون أن يعني ذلك التأثير على مجموعة من الأسس الثابتة: المصدر النهائي للتشريع هو الشعب، المواطنة، الديموقراطية، حقوق الفرد التي يحميها القانون ولا تتدخل فيها الثقافة الشائعة أو العرفية أو أي مبادئ مسبقة، حرية التملك والتجارة، حقوق التعليم والتعبير والرأي والممارسة السياسية إلى آخر القائمة. وتبقى الاختلافات الطفيفة داخل هذا الاطار العام.

أما انشاء دولة على أساس ديني فانه لا يقوم على أن أصحاب هذه المساحة من الأرض شركاء متساويين، فالعقيدة الدينية لا أرض لها أصلا، و لاتتعلق بلغة ولا بمكان، وأساس بنيانها ليس على المنافع اليومية التي تشكل القاسم المشترك بين البشر، بل على مبادئ أخلاقية بنظر أصحابها. ومن ثم فهو يقلب مفهوم الدولة رأسا على عقب. ولهذا فشل لا الإخوان وحدهم بل كافة الجماعات الأصولية في اعداد مشروع واضح لدولة تستنجيب للشرط العالمي لأنه يناقضها من الأساس

وهو يقوم على نص مقدس بنظر أصحابه غير خاضع للنقاش بينما المبادئ الدولية القانونية خاضعة للنقاش والرد والتعديل والاعتراض.

ما سيحدث حين يتولى الإخوان الحكم هو انهم سيسيرون قدما في حالة التلفيق التي نسميها التوفيق، سيكونون رأسماليين دون أن يملكوا معايير الرأسمالية السابق ذكرها، وسيحاولون اظهار اختلافهم بتشجيع بعض الشعائر والمظاهر الدينية كالحجاب وخلافه، لكن هذا سيمح لجماعات أخرى ذات مصدر ديني أن تتهمهم بالتقصير والخضوع للشروط الدولية للكفار، وستنتهز فرصة أن الأساس الديني هو المعلن للدولة لتقدم تفسيرها الخاص للدين. وهو ما حدث في أفغانستان والصومال والباكستان وهو نماذج لا حاجة إلى الكلام عنها ولا عن فشلها.

ستكون هناك فرصة للمجتمع الدولي للضغط على مصر أو غيرها بزعم حقوق الأقليات أوعدم احترام الحقوق الفردية أو حقوق المرأة.

سيجد الإخوان أنفسهم مثلا في مأزق أمام السياحة كمصدر اقتصادي اساسي. وأمام التعامل مع اسرائيل التي لن يسمح المجتمع الدولي بتجاوز حدود معينة في التعاطي معها.

ان مشروع اي دولة دينية لا يمكن أن يتقبل الأساس الرأسمالي الذي يعتبر أن الحياة هنا والآن، وأن مقياس الإنسان هو ما ينتج أو يملك أو يستهلك، بينما العقيدة لا تشترط ذلك بل السلامة الأخلاقية من منطلق عقائدي. وأن هدف الحياة هو الآخرة لا الدنيا، النظام الرأسمالي موضوعي مادي لا علاقة له بعقائد الأشخاص، بينما المنظومة الدينية قائمة على الفصل الحاد بين البشر على أساس الإيمان وعلى ثنائية الكافر والمؤمن.

أفكار غير واقعية

نتيجة غياب الممارسة والتربية السياسية الفعلية والتعليم الناضج والاعتماد على نوع من الثقافة البدائية الشفوية تنتشر أفكار يتم تناقلها أو الترويج لها كحلول سياسية منذ فترات طويلة ليس من الإخوان فحسب بل أحيانا قوى سياسية أخرى وأشخاص عاديين.

الدولة: ان أهم ما شهده العصر الحديث في فكرة الدولة هو تحولها إلى كيان متجرد لا شخصي، فهي مجموعة من المؤسسات والقوانين التي تمثل مصالح الكل، بغض النظر عن من يتولى مسؤليتها من الأشخاص. فالدستور والقانون من جهة، وانتخاب الأشخاص على أساس حزبي وبرنامج سياسي من جهة أخرى يعني أن الحكم للفكرة وليس للشخص.

وهو تماما عكس ما شهده التاريخ العالمي كله قبل التطورات الحدثية. فامتلاك شخص أو أسرة للحكم وانفرادها به على خلفية القوة كما سبق، كان يعني ارتهان السياسة بمصالح ورؤى شخصية. ولهذا كانت الممالك القديمة تتعرض دائما لاهتزازات قوية ما تلبث أن تصعد حتى تنهار . ومن المفارقات أن كلمة “دولة” في تراثنا العربي تحمل معنى التقلب، بأكثر مما تحمل من معاني الاستقرار. فنقول الأيام دول، ودالت دولته أي زالت.

الخطورة أنه مازال في تصورات الناس بصفة عامة وليس مؤيدو الإخوان فحسب أن الحكم يتوقف على نزاهة شخصية. وهذا خطأ فادح. يترتب عله خطأ أكثر فداحة وهو اجتزاء مواقف من سير حكام أو خلفاء لإبراز شكل من العدالة النموذجي مع الادعاء بان هذه الفئة أو الجماعة أو تلك تتبنى المسلك نفسه.

وهذا بالإضافة إلى أنه تدليس تاريخي لأن الأحداث التاريخية لا يمكن التدليل عليها باخراجها من سياقها الكلي إلا إنه يبرز من جهة أخرى المسافة المرعبة بين الوعي الشعبي والديني من جهة تصوراتهما السياسية، وبين ما يدور في العالم وحتى في كواليس السياسة في بلادنا المرتبطة باتفاقات ومعاهدات لا علاقة لها بتبدل الأشخاص. وبطبيعة النظام الذي تخضع له وتدعي كل يوم مواجته ثقافيا بينما هي مرتهنة به وجوديا. بل تجهل أيضا مصدر الثقافة التي تحدرت إليها وكيف تلونت واختزلت ليعاد استخدامها سياسيا بطريقة أفسدت السياسة والفكر معا.

“احنا مشكلتنا”!

إذا ركبت مع سائق تاكسي وبدأ معك حوارا حول “البلد” وأحوالها سيقول لك بعد قليل “احنا مشكلتنا يا استاذ..” ثم يكمل.

في هذه الجملة القصيرة خطآن كبيران: الأول في ضمير الجمع “احنا”. لأن المجتمع الذي هو موضوع السياسة ليس واحدا ابدا، ولا في أي مكان من العالم رغم القوانين المتجردة التي تحدثنا عنها. فعمليا هناك دائما قوى متنازعة أو مختلفة في المجتمع بحسب تأويلها للقانون وتفسيرها للسياسة الحاكمة ومصالحها أيضا.

تعترف الديموقراطية الغربية بفكرة تنازع الرغبات والمصالح. وهي وان كانت تضع اطارا عاما لها يضمن عدم وصول التنازع إلى العنف، لكنها أيضا تتيح تداول السلطة من خلال التنافس والجدل السياسي، الذي يقرب بين هذه المصالح مع الوقت ولذلك نرى الأحزاب الغربية شبه مستقرة، وتبدلها لا يعني تغيرا جذريا في السياسة العامة. كلمة “احنا” تختزل المجتمع كأن كل شخص يتصور أنه الممثل الحقيقي له. ومن ثم يصبح السؤال أكبر من حدوده، والإجابة عنه مستحيلة.

وليس معنى ذلك عدم استخدام الكلمة فهو طبيعي لكن استخدامها كاقتراح مع الوعي بمن تمثله وقابلية تعديل تصورنا عن من يمثلهم هذا الضمير الجمعي.

الخطأ الثاني في الجملة هو كلمة “مشكلتنا” وكأن الدولة أسرة تعاني من ضائقة. دون ادراك للمعنى المركب للدولة والمجتمع على السواء، وهو يؤكد أننا نعيش في مجتمع ما قبل التخصص. لقد تورط الكثيرين جريا وراء سهولة التشبيه، إلى تشبيه الدولة بالجسم الإنساني الذي يلعب كل عضو فيه دوره. ولا يؤدي هذا التشبيه أي نتيجة في فهم طبيعة الدولة على الإطلاق، بل قد يؤدي إلى فهم تراتبي جامد ومزيف. كما لا يكشف الطبيعة المركبة والمرنة في تداخل المصالح الدولية مع فئات داخل الدولة نفسها. فالتصور الزائف عن الاستقلال استسهل مثل هذه التشبيهات بل جعلها قاعدة للفهم، يسهل ترويجها وتحويلها إلى شعار مفرغ من المعنى.

حياة التخصص

بدأ من “تقسيم العمل” شديد الدقة والضبط بدا وكأن التخصص لازمة من لوازم مجتمع حديث.

والحديث الفضفاض الذي يمكن تلمسه في سجالاتنا التي تشهدها الصحف والندوات والفضائيات.

يستهين تماما بهذه الفكرة، ويعود إلى نظام “المصطبة”، متراجعا عن الصياغة والتعرف الدقيق للموضوعات والمشكلات، ومتخبطا بالتالي في عدد لا يحصى من المغالطات، وموحيا أنه من حق الجميع الإدلاء بالرأي في أي موضوع يملكون انطباعا عنه، في غياب أرضة من المعلومات والأداء المنهجي.

الأسوأ اعتبار ملخص الأزمة التي نمر بها “أخلاقيا” لا بنيويا، لأن الأخلاق تفترض ارادة الفرد الكاملة وسيطرته على ما ينتجه وما يمارسه، بينما حقيقة الأمر أن الفرد في كل مكان الآن جزء من عجلة لا تخضمه تماما. هكذا تسبب هذه النصائح الأخلاقية وقوع الأشخاص في أزمات تناقض. دون أن يدركوا لها حلا، ودون أن يتفهموا أن المشكلة ليست في الأخلاق ولكن في منظومة العمل المركبة التي يمكن أن تكون معطوبة، أي أنها مجموعة مشاكل لا تحلها كلمة ولا سماع خطبة أو برنامجج تلفزيوني، أو عبارة على مقهى.

الإسلام هو الحل:

تأتي عبارة “الإسلام هو الحل” ترتيبا على الوعي الشائع السابق الذي يفترض أن لنا مشكلة واحدة أو موحدة، وأن حلها يكمن في كلمة مثل مفتاح الباب: الإسلام.

وتتضمن هذه الجملة عددا من المغالطات تبدأ من كلمة الإسلام. يبني مطلق الجملة هذه الكلمة على اعتبارها أمرا مفهوما وواحدا بالنسبة للجميع وهي ليست كذلك أبدا لا تاريخيا ولا علميا ولا عند التطبيق العملي. فلم تكن كلمة الإسلام في أي وقت من التاريخ تعني الشيء نفسه بالنسبة للمؤمنين بها. فأي إسلام نقصد؟ اسلام السنة أم الشيعة؟ وأي سنة نعني الإخوان أم السلفيين أم تنظيم الجهاد أم القاعدة؟ هل نخرج المتصوفة من الحساب؟ وماذا نفعل لو ظهر لك تيار اعتزالي مثلا؟

وهنا نعود إلى فكرة التيارات الأصولية المعاصرة كلها إخوان وغير إخوان وطريقة تعاملها المتعسفة والكاذبة مع فكرة الإسلام. فهي تقفز فوق تراث عمره 1400 سنة لتنتقى منه على هواها بلا وازع من ضمير علمي أو ديني.

وتحاول أن تقدم للناس هذا “الإسلام” كما لو كان تاريخا متماسكا واحدا موحدا. متجاهلة المعارك الفكرية والعقائدية. وأن الانشقاقات في فهم الإسلام كعقيدة وسياسة، بدأت مع حروب الردة، وتبعتها مآسي لا حصر لها. وأن من يسمون بالصحابة العدول وقف أحدهم ازاء الآخر في مواقع مشهودة. وأن التكريس لما يسمى “السنة والجماعة” انما جاء قسرا ليس لأمر ديني بل لأمر قومي عشائري، حيث أراد العرب الحاكمين أن يحصروا تفسير الدين وفق بيئتهم ولغتهم، بحيث يمتلكون مفتاح تفسيره الوحيد. ومن هنا جعلوا مرجعية الدين كالنسب بالراوية عن السابق فالسابق، وليس بمسؤولية الإنسان عن علاقته مع الله التي سيسأل عنها وحده أمامه. عقيدة أهل السنة عقيدة قومية مغلفة برداء ديني. كما أن عقيدة الشيعة كانت يوما ما عقيدة فارسية برداء ديني آخر. وكلاهما تحتشد كتبه بالأكاذيب عن الآخر. باختصار كيف سيعامل الأخوان أهل التفسيرات الأخرى للإسلام نفسه؟.

المصيبة الكبرى أنه مع تحدد منازل اهل السنة والشيعة وتصفية معظم التيارات الأخرى بالاضطهاد والقتل والتشريد وحرق الكتب والمنع من المعايش والتضييق على أصحابها. انتهى الجدل العقائدي “الذي يسمى أحيانا التوحيد” والذي هو أصل الدين ومبدأه. انتهى الى خلاصلات محفوظة ساذجة قضت على الجدل الغني الذي شهدته الحضارة الإسلامية في ازدهارها. وتعين الإسلام في “الفقه” وحده الذي هو في النهاية مجموعة طقوس شكلية لا تميز مؤمنا عن غير مؤمن الا بالحركات والسكنات والتعليمات الأخلاقية السطحية.

ومن المدهش أنه رغم الصخب العالي لحركات الإسلام السياسي بجميع طوائفها لم تحاول أبدا وضع تصور وتفسير متكامل ينطلق من اعادة النظر في الأفكار العقائدية وينتهي بالتشريعات. والأدعى للدهشة أنها تجاهلت التخصص الذي كان عليه الأقدمون منذ ألف سنة؛ هذا محدّث، وهذا فقيه، وهذا أصولي، إلخ لتصبح كلمة “داعية” هي البديل المائع للدرس الديني. البديل الريفي لثقافة المصاطب.

كان المفترض أنتنمو التخصصات لا أن تنكمش مع تعقد الجدل ازاء نظريات كبرى ظهرت في العالم منذ خمسمائة عام وهي تعمل وتطور ضمن حياتنا دون أن ندرك حتى كنهها، ولا أننا في الحقيقة جزء منها بما في ذلك التيارات الإسلامية نفسها.

وهكذا تعمل هذه التيارات، بل والوعي الشعبي كله وكثير من تياراته السياسية الأخرى التي تدعي تمثيله، تماما كالمغفل بالمعنى الحرفي للكلمة.

لكن ثالثة الأثافي كما يقولون هي أن التيارات الدينية وهي تروج لشعارها تمني الناس بالحياة الغنية للحضارة الإسلامية القديمة غافلة عن أن غنى هذ الحضارة انما كان نابعا من هذا التنوع الثقافي، والصراع العقائدي، والاختلاط المكثف وغير الموتور بالحضارات الأخرى. والسؤال: إذا كان الإخوان قد أثاروا ضجة كبرى على “ألف ليلة وليلة”، وكانوا يقيمون مظاهرات على كلمة أو عبارة في رواية لم يقرأوها. فماذا سيصنعون، مع التراث الحضاري؟ ماذا سيصنعون مع أبي نواس وأبي العتاهية وكتاب الأغاني؟ ماذا سيصنعون مع كتابات السهروردي والحلاج وابن الفارض؟ ماذا سيصنعون مع مؤلفات ابن سينا وابن رشد واخوان الصفا؟ ماذا سيصنعون اذا جاءت جماعة لتزايد عليهم بأن تماثيل الفراعنة شرك عظيم واوثان جاهلية؟ ماذا سيصنعون مع تراث نجيب محفوظ، وماذا لو اتى روائي في قامته أو شاعر أو فنان بأفكار لا يقبلونها هذا اذا كانوا يفهمونها أصلا؟ كيف يواجهون العالم حين يصادرون الكتب أو يمنعون معارض أو احتفالات؟ هل سيفتتح وزير الثقافة الإخواني مهرجان السينما والمسرح التجريبي؟

ما تصورهم عن الحضارة الإنسانية؟ عن الفن؟ عن الأدب والثقافة؟ عن النظريات العلمية التي لن يتمكنوا من التوفيق بينها وبين العقيدة إلا على حساب إحداهما.

الإسلام والسياسة:

رغم غنى التراث الإسلامي القديم بالسجالات العقائدية والتفسيرية واللغوية والبلاغية إلخ. لم تظهر، نتيجة طبيعة الحكم الاستبدادي، نظرية سياسية في الإسلام. وحين نقول “نظرية” سياسية نعني بناء محكما متماسكا من الأفكار التي تبدأ بتعريف الإنسان نفسه وعلاقة الفرد بالمجتمع، ومعنى المجتمع وحدوده، وطبيعة المسؤولية السياسية، مصدر الأحكام والتشريعات، وتنتهي بكيفية إدارة هذا المجتمع، وبالتالي يخرج عن هذا تلك الشذرات المتناثرة على ألسنة التيارات الدينية بشاهد من هنا وشاهد من هناك. كما يخرج عنه أيضا ما كتبه عدد من العلماء المسلمين القدامى الذين كانت تآليفهم في السياسة غير مكتملة، ومتعلقة بما يمكن تسميته “الآداب السلطانية” وهي مجموعة نصائح وارشادات للحاكم، لكن معظمها موجه إلى الوزراء والحاشية مثلما هو الحال في كتب الماوردي.

واللافت أن أبواب الفقه رغم أنها تتناول عددا من التشريعات اليومية وبعض الأمور الخاصة بما سمي “المعاملات” لم تسخر مجالا خاصا للسياسة، وكأنها اعتبرتها شيئا يحدده الحاكم وحده. أما مبدأ الشورى فكما قلنا انه إضافة إلى أنه يترك للحاكم تحديد من هم أهل المشورة، أي أنه ينتقيهم على هواه، فانه في النهاية غير ملزم له بأي حال. وعلى خلاف المسيحية الكاثوليكية مثلا، لم توجد في تاريخ الإسلام هيئة دينية مستقلة تقوم بتحديد صلاحيات الحكم والحاكم وتكون أعلى منه وذات سلطة عليه. ولو عدنا إلى أسباب زوال الدول في الإسلام فلن نجد مثلا أنها زالت بسبب ثورة على حاكم قادها علماء أو صفوة، وانما تنازع على الحكم والثورة بدعاوى أحقية الوراثة.

والحقيقة أن الارث الاسلامي السياسي في مجال الحكم يتلخص في مناخ المؤامرات والدسائس، وتميكن الحكم بالحيلة مرة والقوة مرات وهو لا يختلف في ذلك عن أسلوب الحكم في بقاع أخرى كثيرة في هذا التاريخ.

موضع الشاهد أنه لا التاريخ الإسلامي يقدم نموذجا جديرا بالالتفات، ولا التراث الفكري يقدم نظرية في السياسة يمكن البناء عليها.

ولم تظهر النظريات السياسية المتكاملة البناء والصياغة إلا تدريجيا، وكان أهم ركن فيها فصل مجالها عن غيره من المجالات العقائدية، مثلما حدث في سائر العلوم. على أي أساس مثلا ستقيم معاهداتك الدولية، اذا كنت تعترف بالديموقراطية فأصلها له جانب فلسفي أيضا. اذ توصلت الفلسفة الغربية إلى الإقرار بأن الإنسان يستطيع اعتمادا على عقله الوصول للحقيقة، التي يتم تصويبها باستمرار باستخدام وسائل لا تخرج عن حدود العقل والتجربة والوسائل العلمية. ومن ثم كان الاعتراف بأهلية الإنسان لأن يحكم نفسه ويقرر طبيعة الحكم الذي يقبله. من هنا يأتي اتساق الفكرة المتكاملة من النظرة للإنسان إلى شكل الحكم.

أما أن نؤمن بديموقراطية ذات مرجع ديني فهو كلام مفرغ من أي مضمون ومتناقض مع ذاته. اذ بينما نعترف بحقيقية قبلية خارج العقل وادراكه تحدد الصواب والخطأ نعود فتقول ان من حق هذا الإنسان أن بقرر مصيره وحياته وفق عقله هو. وتكون النتيجة أن تصل إلى حل مشوه مثل المسخ. واذا كنا سنتستطيع انفاذ هذه المرجعية الدينية محليا ماذا سنصنع مع العالم واتفاقياته، هل سنقول في مستهلها أيضا قال الله وقال الرسول؟ أو سننطق بهما في سرنا؟ أم سنصبح مزدوجين متواطئين مع أنفسنا ؟

ومن ثم فان كلمة الاسلام هو الحل تتضمن استهتارا واعيا أو غير واع بمفهوم النظرية السياسية وكسل معن انجاز مثل هذه النظرية والجدل الواسع والمفتوح بشأنها، وتدليس لا يغتفر على الناس البسطاء باستغلال احتياجهم إلى حل سهل لمشكلاتهم، بتقديمه في جملة فارغة من أي محتوى محدد، فلا الإسلام كلمة تحدد مجالا من الأفكار لا خلاف عليه كما أوضحنا سابقا، ولا السياسة كانت ضمن اطاره النظري والبحثي في يوم من الأيام.

خلاصة:

ان التيارات الدينية الحالية رغم أنها تتصور نفسها امتدادا للحضارة الإسلامية إلا انها لا تفطن إلى أنها في الواقع لا صلة لها بها لا من جهة تنظيمها الاجتماعي ولا السياسي ولا الثقافي. لقد انتهت تلك الحقبة إلى الأبد. وكل ما يحدث هو أن الفئات المهضومة نتيجة الصراعات الدولية والوطنية الحديثة، ونتيجة تحديث غير مكتمل دفعت هذه الفئات ثمنه دون أن تنال مكاسبه، ودون أن يكون لديها اطار قانوني أو سياسي للمطالبة بحقوقها وازالة شعورها العميق بازدواج الولاء والضمير بحثت عن حل سهل مختصر، يتلاءم مع ما تبقى من ثقافة دينية مختزلة وسطحية إلى أبعد حد ، ووعي يكاد يكون منعدما بطبيعة العالم الي تعيش فيه، ومستوى تعليمي لا يؤهل الا لتخريج مجموعة من الكتبة الموظفين لا الاختصاصيين ولا الباحثين ناهيك عن المبدعين. وجدت هذه الفئة نفسها قادرة من خلال هذا الشعار الديني، المختلط بوعيها الريفي وعدائها وخوفها من المختلف، وشكها الدائم فيه، وجدت نفسها من خلال هذا الشعار قادرة على تعبئة شعورية ووجدانية، لكن الفشل هو مصيرها المؤكد، والأصعب لن يكون ذلك بل صدمتها في نفسها عند الاختبار الفعلي وحجم الأكاذيب الذي ستضطر إلى ابتلاعه كالإهانة المرة.

فتنة الغضب

تبدأ المسألة بتجنيد الشعب لصالح أغراض النظام، ويتضح أن هناك استعداداً لذلك من جانب قطاع عريض من المعدمين والمجرمين والعاملين في الحكومة سواء رسمياً أو “من تحت لتحت”. لكي تَخرج “مليونيات” على الجانب الآخر من الحائط اللامرئي الذي قام بين “الميدان” وما سواه، يصبح هناك بلطجية يسمونهم “مؤيدي مبارك” إلى أن يعترفوا، وبعد إخفاق المصلحة في مواجهة الإرادة، بأنهم بلطجية وأنهم مسلحون. ليس فقط نتيجة إخفاق المصلحة أمام الإرادة، وبدليل أنهم لا يعترفون بتعاون البلطجية مع أجهزة الأمن ولا يسعون لتمييزهم عن المتظاهرين واللجان الشعبية (المفترض أنها محايدة) حتى بعد أن يُعلن عن سقوط مبارك. بالتدريج يصبح هناك شيء اسمه بلطجية، ويصبح هذا الشيء سبباً ليس فقط في أن يرتعب الناس عامة من “الانفلات الأمني” فينادوا بعودة الشرطة ويحملّوا المتظاهرين مسئولية حدوثه ولكن أيضاً في البطش بالمحتجين ما إن تقل أعدادهم بما يكفي لفعل ذلك في خفاء نسبي. وحتى المثقفون والمسيسون و”شباب الغضب” أنفسهم، لكي لا يغامروا بتحالفهم المفترض مع المجلس العسكري الذي تولى عن نظام مبارك مسئولية حفظ الأمن والاستقرار – لكي لا يعترفوا بأن المجلس العسكري ليس سوى نظام مبارك – يمتنعون عن التظاهر في غير الأوقات المتفق عليها ويتبرأون من خارقي حظر التجوال (علماً بأنه لولا خرق الحظر في الفترة من 28 يناير إلى 11 فبراير، لما “نجحت” الثورة أساساً). يصبح الاحتجاج السلمي مع الوقت بلطجة يعاقب عليها القانون. تتحول الثورة وبعد “نجاحها” إلى فتنة

Enhanced by Zemanta

الكاتب الفرد وعائلته

الكاتب الفرد وعائلته

gun-to-head.jpg

سألني أحدهم، وسط اللغو الدائر: هل توافق على ترجمة أعمالك إلى العبرية ونشرها في إسرائيل؟ بعد لحظة صمت لاحظت أنني فعلاً ليس عندي إجابة. كانت هناك، بالطبع، الإجابة اللاإرادية (أن لا) لكنني حين سؤلت لأول مرة بهذه المباشرة وجدتني أقاوم التكييف والإشراط الذي تدربنا عليه جميعاً مثل كلب بافلوف – ليس لأنني حريص على أن يقرأني من لا يعرف سوى العبرية، ليس لأن لي موقفاً إيجابياً من التبادل الثقافي مع الإسرائيليين، وليس (أو ليس فقط) لأنني نافر من دوغمائية وضحالة الخطابات المناهضدة لمثل هذا التبادل. كنت أقاوم الإجابة اللاإرادية لأنني اكتشفت على نحو مفاجئ كم أنا خائف في الحقيقة من رد فعل الآخرين في حال كانت إجابتي: نعم، أوافق. وراعني أن لا تتوفر لي – حتى بيني وبين نفسي – مساحة بها من البراح والهدوء ما يمكّني من التفكير في الأمر والوصول إلى رأي يخصني. فوجئت بأنني ككاتب عربي بصدد سؤال لا علاقة له بالكتابة، ودون أن أدري بالضرورة، مقموع إلى هذا الحد – تماماً مثل مسلم علماني أو ملحد (أو لعله ليس سوى شخص لا اهتمام له بالدين) يداهمه جماعة ملتحين أشداء بالسؤال: هل ترى أن الصلاة فرض عين؟ – والأكثر أن قمعي هذا لا تمارسه حكومة أعارضها أو جماعة سياسية تهدد بقتلي وإنما آبائي وإخوتي من النقاد والصحفيين والمثقفين، نفس الناس المفترض أن أشتبك معهم فكرياً وإبداعياً على الأصعدة الشائكة.

لهذا السبب أفكر الآن أن زوابع الفناجين التي تثار في الأوساط الثقافية بمعزل عن القرار السياسي من شأنها أن تسلب الكتاب حقهم البسيط ليس في التبادل الثقافي مع الإسرائيليين ولكن في التفكير، مجرد التفكير في الأمر دون خوف من النفي والاغتيال المعنوي والتهميش المنظم. وأظن ما عانته إيمان مرسال من سوء فهم وعدوان منذ أعلنت – بشجاعة يفتقدها أكثرنا – عن قبولها ترجمة شعرها إلى العبرية، يكفي لإثبات أن استعداد الأوساط الثقافية المصرية لهذه الممارسات ضد الكاتب الفرد يظل أكبر بكثير من استعدادها للتغاضي عن خطر الاختلاط الثقافي بإسرائيل. من هنا أسأل من يعنيهم السؤال – وليس من يثيرون هذه الزوابع ويستغلونها لأغراض شخصية أو سياسية – كيف يختلف هذا الوضع عن كل ما نعانيه من أوضاع قامعة للحريات والحقوق كمواطنين عرب مفكرين، بما في ذلك حق الاعتراض على التبادل السياسي والاقتصادي (في مقابل التبادل الثقافي) مع الإسرائيليين؟

497768.jpg