مينا ناجي: مختارات من أسبوع الآلام

عن كتاب “أسبوع الآلام” (قيد النشر): مينا ناجي

.

((وَثَقُوا يَدَيَّ وَرِجْليَّ. أُحْصِي كُلَّ عِظَامي)) – مزمور 22

.

فرحتنا. فرحتنا التى لا تسع شيئاً

ولا تستجيب إلا لنا.

فرحتنا أول الصيف. أول الموسم المغطى بالعشب الذى يكسو جدران الحمام وغرف النوم والطُرقة وجلودنا التى تنبهت أخيراً إلى وضعية أشد خطورة من مسك الليل. حان وقت فرحتنا التى أبكتنا كثيراً فى انتظارها الموقوت.

هلم نتحاجج: فرحتنا أولى بنا من جلدة بنى آدم. هكذا ظهر لنا ما كان صريع الوقت. القيامة المجيدة. الهتاف العَذب. الخوف المؤسي. العنبر الليلي الذى اختفى وراء أضغاث المدينة. رعب المرايات والشبابيك. هلم نتحاجج. فرحتنا أهم من موتنا. أهم من رعب الصيف. أهم من خضروات السوق التى تنمو من قلوبنا. أهم من المأساة التى تشكلت عبر وعينا حين فهمنا ما فى الأرض. المأساة الجميلة. الحقيرة. المغرضة. التافهة. الخبيئة. الوسيعة. هلم نتحاجج إذن: إذا كان رب البيت نائماً فباطلاً بنى البناءون. إذا لم يبن الرب البيت فباطلاً نام النائمون. هلم نتحاجج يا كلبي العزيز. ما كان سوف يكون. ما سقط صريعاً لن يقوم ثانية. ولن تسع الأرض شيئاً سوى فرحتنا. التى لا تسع سوانا.

.

wpid-img_7094-2013-05-8-00-27.jpg

.

تلك التي قبلتني علي خدي

ونحن في ذروة السُكر

لأني سكبت زجاجة البيرة

شعرت أنها تواسيني في محنة ما

خيال مشترك

استدعته بالضرورة – أو من غير ضرورة –

رغاوي البيرة علي سطح الزجاج.

كانت قبلة مفاجئة

علي خدي الساخن

استجلبتها مرة أخرى بسكبي جرعة جديدة.

في المرة الثالثة

نبهتني في نبرة ذنب أنها ستعترف لصديقها

لم أعرف إن كانت تتحدث بجدية

أم تمرر لي رسالة

عليَّ أن أفهمها.

.

في غمرة عربدتي

ارتميت علي الأرض

وأخذت أصيح بصوت عال وأغني

شعرت بذراعين ترفعانني وتجلسانني علي الكرسي

في هدوء

(تذكرت أمي وهي ترفعني أثناء اللعب

وأنا طفل صغير)

ولوهلة

شعرت بالدفء في قلبي.

.

وجدتها هي. والطفل وحيدٌ وسكران.
.

wpid-img_7090-2013-05-8-00-27.jpg

.

كنا فى آخر أيام القتال

وكانت أبواب الجحيم مفتوحة

بردٌ وضبابٌ يملأ الرئتين

والموت يبتسم ابتسامته الاخيرة

واقفين نحصي قتلانا.

.

wpid-img_5774-2013-05-8-00-27.jpg

.

لماذا ارتجت الشعوب واهتزت الأمم

ولماذا كان الرب سليطا علينا

نحن رجال البر… رأينا وجه البحر الغاضب

يزحف نحونا… وسلك الشمس مقطوع منذ شهور.

.

wpid-2013-02-2720-24-26-2013-05-8-00-27.jpg
.

أقول لكَ:

أسماكٌ هي الفُرص الضائعة

التي نلتقطها بصنَّارة الوقت

نمسكها بيدينا، ترتعشُ

ننظر إلي عينيها نصف الميتة

نكاد أن نشرع في البكاء

لانعكاس تعاسة وجوهنا عليها

ثم نرميها في المياه

ونبدأ فعلياً في البكاء.

.

أسماكٌ هي أفكارنا البائسة

تلمع بقشريات تزيدها ظلافة

تكاد أن تسد شرايين أدمغتنا

نرجوها مرةً لو تُخرج خاتماً

أو ترحمنا من طعم المياه

المالحة في حلوقنا

أسماكٌ هي أرواحنا الغارقة.

.

wpid-img_6484-2013-05-8-00-27.jpg

.

هذا الرقم الذي يدل على العشق ولا يدل على الوحدانية. فى ليالينا الحارة بانتظار عيد القيامة الشرقي – كأن الله قام مرة فى الغرب ومرة فى الشرق – تناقشنا نحن الأثنان حول ما إذا كان الحب يستلزم الموت. فى خضم حوارنا التخيلي عبر شبكات الاتصال ران فى نفسي هذا السؤال الذى يأتي كل عام: لماذا لابد من أسبوع آلام كامل قبل كل قيامة؟ لماذا الألم كشرط للفرح؟ لماذا الموت فى قلب الحب؟ إن لم تقع حبة الحنطة فى الأرض وتمت فسوف تظل وحدها. الإثنين هو الزحف المقدس نحو المأساة. ليس غريباً أن يكون ثنائياً. نذهب جميعاً إلى المأساة أزواجاً حتى نصلها فنصبح وحدنا تماماً. وحدنا فى قلب المأساة. المركز.

.

wpid-img_7379-2013-05-8-00-27.jpg

.

رجلٌ مغمى عليه في الشارع. العجائز أصدقاؤه يتبادلون النظرات القلقة وجس النبض ومسك الذراع. أنا وصديقي للمرة العاشرة بعد المائة نحاول إمساك النسيان في صراع الدخان، جالسين، بيننا وبين الرجل زجاج المقهي الشفاف، يحاول أصدقاؤه دعك صدره وواحدٌ منهم تبدو عليه أمارات الفزع. أحاول التماسك والكتابة. فشلوا في إفاقته ومع وصول طبيب كان جالساً بالصدفة حملوه ومضوا. صديقي غنى لي في نشوة الحشيش أغنية عن رفض دخول البريء من بوابات العالم. دعنا نصل حتي لا يحترق الخزين.

.

wpid-img_0439-2013-05-8-00-27.jpg

.

يوماً ما سوف يحبنا الله، سترين

سيحملنا على سحابه مع أتقيائه

سيتبخر سوء حظنا وتعاستنا

سنضحك ونجري ونقضم كل تفاحة

تقع تحت أيدينا من أى شجر كان.

سنلهو بلا قلوب مدخنة…

تبدو للعين مثل فجوات ممتلئة بالحمص والياسمين.

سنركب مراكب ورقية ونجدف بكفينا على الرمال.

يوماً ما سيموت العالم فَزعاً من ضحكاتنا

ستموت المأساة مخنوقة

ويشجب السواد قلة التعاسة وطغيان البهجة

ستنشر الفتاة ثياب الفرح الداخلية

علي مرأى من الجميع

وتمشي عارية

علي شواطئ ومراسي لا تنتهي

وسأنتقل مثل قرة قلب عصفور من مكان إلي آخر

وأهمس في أذن حُوت هاديء

بكل كلمات الحب التي أعرفها

ولا أعرفها

لم أطلب منكِ شيئاً…

طلبت منكِ ان لا تبكى أكثر

فأنا لم أعد أرى شيئاً…

.

نصوص مينا ناجي

الصور ليوسف رخا

تهامة الجندي عن التماسيح

رواية «التماسيح» ليوسف رخا: جاءت الثورة كقطار أخير وتركتنا على رصيف المحطة

wpid-img_4689-2013-04-1-01-36.jpg

«بعد عشرة أعوام أو أكثر – بينما حزب النور السلفي وحزب الحرية والعدالة التابع للإخوان المسلمين يربحان الانتخابات التي بدأت، والأمن لا يزال يقتل وينهب في الشوارع، وفيالق الشرطة العسكرية من قواتنا المسلحة تسحل المتظاهرين وتجردهم من ملابسهم وتميتهم ضرباً، ثم تجر الجثث إلى أكوام الزبالة فضلاً عن قنصهم وتعذيبهم داخل المنشآت العامة – أصبحتُ أعرف أن الشر يبدأ من حيث يتصور الإنسان أنه بمعرفة أو عقيدة أو هوية، يمكنه أن يغيّر مجرى حياة سقطت على كتفه مثل حقيبة» (ص179).

المقطع السابق يقع في سياق الصفحات الأخيرة من رواية «التماسيح»، للكاتب المصري يوسف رخا. لكن الرواية بحد ذاتها لا تتحدث عن ثورة المصريين، بقدر ما تحاول استشراف الظروف والمسببات التي أدت إلى حدوثها، ومن ثمة، إخفاقها في تحقيق مطالب الشارع المنتفض، ذلك من وجهة نظر شاعر ينتمي إلى جيل التسعينيات، يستعيد ذاكرة العقدين الأخيرين، ويعاين تجارب ومصائر أقرانه من النخب المثقفة، على اعتبار أنها طليعة المجتمع المصري، ومرآته، التي بإمكانها أن تعكس السلبيات والإيجابيات، كما التشوهات والأزمات على اختلاف تجلياتها.

يبدأ الزمن الروائي في العشرين من حزيران 1997، وهو تاريخ مفصلي سوف تتقاطع في تضاعيفه واقعتان: من جهة، انتحار المناضلة اليسارية رضوى عادل، وهي في السادسة والأربعين من عمرها، بعد أن أحبطها مآل الحركة الشيوعية وتقلبات الرفاق. ومن الجهة الأخرى ولادة حركة «التماسيح» للشعر المصري السري. أو كما يمكن أن يُقال أن الواقعتين هما ثنائية الموت والحياة. مع ذلك، فإن الرواية لن تقف عند هذه الثنائية، ولن تحتفي بتاريخ النضال أو حركة الشعر السري، كما يمكن أن يُخيّل للقارئ، بل سوف توغل في تعقب وتأويل ملابسات العلاقات المركّبة التي ربطت ما بين الشخصيات، سيما الأعضاء المؤسسين للحركة، وتحديدا العلاقات الحميمة مع الجنس الآخر، على اعتبار أن الجسد لا يكذب: «كنت أعرف أن أجسادنا تدلّنا، تكشف لنا أسرارنا، وتملي علينا هويتنا الأصدق في الحياة، وأن هذا فضلها حتى بعد أن تفسد أو تشيخ» (ص166).

wpid-img_4478-2013-04-1-01-36.jpg

الراوي الملقب بالفيتس، وباولو الأشقر دائم الامتعاض، ونايف الأسمر الجميل كعمر الشريف، أسماء وهمية لثلاثة أصدقاء في العشرينات من أعمارهم أسسوا حركة «التماسيح» التي لم تستمر فعليا لأكثر من عام، ثلاثتهم كانوا من المتمردين الحانقين على واقعهم، يتعاطون المخدرات، وكانوا بمثابة «غرفة مغلقة مصنوعة من التطلع إلى الشعر أو حياة تشبه قصيدة» وكانوا أيضاً «أكبر تماسيح البركة حجماً وأكثرها نشاطاً في اصطياد الثدييات الصغيرة الآتية للشرب ثم التناوب على قضمها بشهية لا تعرف الرحمة» ص (17-18). هؤلاء الشعراء سوف يقعون في هوى نساء متزوجات أكبر منهم عمرا: صبا الحقوقية المعروفة، نرجس الفنانة التشكيلية الجريئة ومون الشاعرة الغامضة، وسوف يكون لهؤلاء النسوة حكايات متشابهة وإن تباينت التفاصيل: «من تسلط أسرة فقيرة إلى إهانات ذوي اليد العليا في أماكن العمل المؤقت والفضاءات الثقافية أو شبقهم» (ص31) إلى رغبة في التحقق وإثبات الذات تفوق كل الرغبات، وتستغل كل الممّكنات، سوف تبدأ الصداقات والعلاقات الغرامية واعدة، وتنتهي جميعها بمزيج من الخيبة والمرارة مع بداية الألفية الثالثة، بعد أن عبرت شواطئ الفرح ومتع الجسد إلى محطات الخيانة والشجار والعنف.

هي شخصيات فاعلة بالمعنى الاجتماعي والثقافي، تتطلع إلى الانعتاق من تابواتها الاجتماعية، وتسعى إلى إنتاج وعي من نوع جديد، يحمل مؤثرات عصرها، تنعطف بالقارئ من خلال هواجسها وتجاربها الحياتية والإبداعية تارة نحو أسماء شعرية هامة مثل ألن غانسبرغ وبرهان ولي، وأخرى نحو تيارات حديثة كـ»الهيفي ميتال»وتجربة الأمن المصري في اعتقال «عبدة الشيطان»، وثالثة نحو نصوص جميلة من قبيل الذي كتبته علية عبد السلام سنة 1998: «أمام الله سأعترف /أن دموعي قريبة/ والحكام أوغاد/ وأن الحب مرض/ والناس شياطين صغيرة» (ص11) أو من قبيل القصيدة التي كتبتها مون في بداياتها: «اليوم أيضا/ زهور الخشخاش الحمراء الفاقعة/ تتفتح داخل ملابس/ لا يراها سواك/ وأعلى من وشيش السيارات المسرعة في الخارج/ صوت إيديث بياف/ يخبرني أن هذا الوجع/ هو طفلك الذي لن ألده…» (ص21).

وهي أيضا شخصيات تنتمي إلى شبكة واسعة من الفعاليات الثقافية، وترتبط بأشخاص معروفين يظهرون بأسمائهم الحقيقية. ومع كل علاقة وتجربة، كانت تفتح الباب على إشكالات اجتماعية ونفسية وسياسية، يعاني منها ليس فقط المجتمع المصري بل عموم المنطقة العربية، ليس أولها الكبت، وليس آخرها القمع وكم الأفواه. إشكالات أدت إلى وضع العصيّ في عجلات التغيير والإخفاق في نقل الذات والمحيط إلى مطارح أفضل: «كأن الأولوية ليست لتغيير الشيء قدر ما هي لإبقائه مشوّهاً أو مكسوراً» ص(149).

wpid-photo-1-2013-04-1-01-36.jpg

مع ذلك، هنا لا يمكننا الحديث عن شخصيات روائية مكتملة، لا بالمعنى التقليدي للكلمة ولا بمعناها الحداثي، كذلك هي الحال فيما يخص ترسيم المكان وبناء الحبكة وتشييد عمارتها، فالأحداث لا تكترث كثيرا بحيّز وقوعها، والتفاصيل لا تتوزع على فصول أو مشاهد أو عناوين، بل تندرج متتابعة في سياق أربعمئة وتسعة مقاطع بلا توقف أو استراحة. ما ينهك القارئ ويسلبه متعة التفكير في تضاعيف ما يقرأ، كأنه متن كُتب دفقة واحدة حتى اللهاث، يجتاز الأمكنة والأزمنة بلا تسلسل أو شكل، محكوماً بآلية التداعي وتناسل الأفكار، التي قد تتكرر في أكثر من موضع وتبعث شيئا من الملل، على الرغم من شعرية اللغة وعمق الدلالات.

ومع أن الرواية تنطق بضمير الأنا، غير أن الراوي يسلك سلوك السارد الخارجي العليم مع أناه وبقية الشخوص، إذ يضعهم على مسافة من وعيه، كي تتضح الرؤية أكثر، وتفسح مجالا أوسع للتأمل والتأويل، لكنه وهو يفعل ذلك يقع في فخ أحكام القيمة القطعية والجائرة أحيانا، سيما فيما يتعلق بالشخصيات النسائية، على الرغم من جماليات الصياغة: «بلا كلام أو حتى تفكير فهمنا أن ما نصدّره إلى المحيطين قناع، وأننا متميزون بالقدرة على ارتداء أقنعة من قبل أن نبلغ العشرين. وكان إنجازنا الحقيقي، وإن لم ندركه وقتها، أننا لم نخلط أبداً بين الأقنعة التي نرتديها ووجوهنا»… «إن نرجس نكتة، وصبا شعار، ومون كليشيه» (ص90).

رواية خاصة بمذاقها وآليات تشكيلها، معظم شخوصها من المبدعين، ومعظم أحداثها وقعت بالفعل، لكن الأفكار والتأملات حول التجارب والوقائع العامة والخاصة هي البطل فيها، والمحرّك الأساس. إنها أشبه بقراءة في محطات من سير شخصيات معروفة، قضت نحبها أو ما زالت على قيد الحياة. هي أشبه برؤية المستقبل بالنظر إلى تجارب الماضي، في زمن من الانقلابات المصيرية، التي اختلفت إزاءها ردود أفعال البشر من المشاركة إلى الصمت، وصولا إلى التأمل وإعادة تقييم ما عايشوه وعانوه في أزمنة الركود المطبق. وقد اختار الكاتب أن يكون من المتأملين المحبطين والمتشائمين: «بعد عشرة أعوام – وأنا أتابع من بعيد تطورات ثورة انتظرناها ونحن لا نعرف أننا ننتظرها، وحين جاءت مارقة كقطار أخير تركتنا مشدوهين على رصيف المحطة – أفكر في كوننا كلنا أصبحنا حالة أو مأساة: إن بقيت لنا ذكرى، ستظل فحوى ذكرانا في فضائح الحب والموت والإنجاب. وهل كان هذا كله من أجل أن نكون مادة مناسبة لنميمة عدد أكبر قليلاً من الناس؟ أشعر بجسدي غارقاً في الحساء وأنا أتساءل: كلّ هذا؟» (ص180)

تهامة جندي

المستقبل – الاحد 31 آذار 2013 – العدد 4647 – نوافذ – صفحة 14

 

عقل العويط: ليتني أملك أن أقتلك يا أبي

أريدكَ، يا أبي، يا داود بن عقل بن داود العويط، أن تموت. بل آمركَ، بالحبّ الذي أكنّه لكَ، وبالصداقة التي نتفرّد بها، آمركَ بأن تموت. وفوراً. وبدون أيّ إرجاء.

wpid-2013-02-1823-46-13-2013-03-29-14-14.jpg

ويا داود أبي، من أجلكَ، لا من أجلي، يجب أن تموت. يليق بكَ، أيها الشيخ الجميل الأنوف، أن لا تظلّ تموت كما أنتَ فاعلٌ منذ ثلاث سنوات وأربعة أشهر. لكأنكَ عائشٌ أيّامكَ حقاً، بدون أن يساوركَ قنوطٌ من هذه الحياة التي لا تزال تحبّها، كما لو أنها ماثلةٌ أمامكَ في المقبل من الأيام، لا في الوراء البعيد.

وإذ أُكاتبكَ باسم نفسي، فظنّي أنّي أنوب، من باب العرفان، عن كلّ الذين لم يعد في مستطاعهم أن يسكتوا على موتكَ اليومي البطيء، وعلى شعوركَ العظيم بهذا الموت المهين.

wpid-2013-02-1911-47-08-2013-03-29-14-14.jpg

لا أنانيةً، أريد هذه الإرادة، بل حبّاً وصداقةً. وها أنا أقول لكَ بالقلب المترع، وبالعقل المترع، إننا لم نعد نريد، لا أنا، ولا أخواتي، ولا إخوتي، ولا أمّي، ولا أحبابكَ الكثر، أن تكون شاهداً، ولا أن تكون شهيداً.

كلّ لحظةٍ من عينيكَ التائهتين، كلّ لحظةٍ من كبريائكَ الجريحة، كلّ لحظةٍ من جسدكَ المهيض، تجعلني قتيلكَ، يا أبي. فليتني أستطيع الآن، في هذا الليل بالذات، وقبل صياح الديك، أن أكون أنا قاتلكَ، يا أبي، ليكون هذا صنيعَ حياتي الذي لا يعدله صنيع. لكنّي لا أملك أن آتي عملاً عادلاً وكريماً ونبيلاً كهذا، لأني جبانٌ حقاً، وضعيفٌ حقاً، ولأني ربّما لا أستحقّ أن أُدعى لكَ ابناً. فيا لهشاشتي!.

إسألْ مسيحكَ، كم ينبغي لهذا المسيح، الذي لا تزال تؤمن بأنه يقيم في صدركَ، أن يأخذكَ إليه للتوّ. إنني لا أعرف حقاً، أيّ حكمةٍ، بشريةٍ أو سواها، في أن تُترَك على خشبة جسمكَ المفعم بالعذاب المجحف هذا.

wpid-2013-02-2000-49-21-2013-03-29-14-14.jpg

عشية جلجلتكَ السنوية الرابعة هذه، وعشية فصحه هذا، إسأله أن يأخذكَ أخذاً رقيقاً لطيفاً سخيّاً، وعلى غفلة، لتنضمّ إليه في جبل زيتونه القدسي، فتسهر سهرتكَ الأنيقة هناك، بدون نعاسٍ أو نومٍ أو مهانة، وتكسر الخبز والخمر معه، على هدي إيمانكَ القويّ، إلى آخر الأزمان.

وإذ أكتب إليكَ هذه الرسالة الملأى بالفجاجة الغريبة، في هذا الهزيع المتأخر من الليل، فرجائي أن تكون قراءتكَ المثلى لها هي فقط مغادرتكَ المرتجاة لجسدكَ المهزوم هذا، الذي لم يعد لا المكان، ولا البيت اللائق بفروسية حياتكَ النادرة.

سلامي إليكَ.

 

عقل العويط

كتبتُ هذا المقال، فيما أبي في حشرجاته الأخيرة، قبل أن يستسلم الاستسلام الأخير.

CREST: Heba Farouk Elnahhas (with lines from Ibn al Farid)

IMG_3485 (1)

تَمَسّكْ بأذيالِ الهوَى ، واخلَعِ الحيا، *** وخَلِّ سَبيلَ النَّاسكينَ ، وإنْ جَلُّوا

IMG_3486

عسَى عَطفَةٌ منكمْ عَليَّ بنظرةٍ, *** فقدْ تَعِبَتْ بَيني وبَينكمُ الرُّسلُ

IMG_3487

وإنْ ذُكرَتْ يَوْماً ، فخُرُّوا لذِكرِها *** سُجوداً ، وإنْ لاحتْ ، إلى وجهها ، صَلُّوا

IMG_3488

وتَعذيبُكمْ عَذبٌ لدَيَّ ، وجَوْرُكمْ *** عليَّ ، بما يَقضي الهَوَى لكُمُ ، عَدلُ

IMG_3489

أحِبَّةَ قلبي ، والمَحَبَّةُ شافِعي *** لدَيكمْ ، إذا شِئتُمْ بها اتَّصَلَ الحبلُ

***

Update Required To Play MediaUpdate your browser to a recent version or update your Flash plugin.

***

IMG_3490

تَبَالَهَ قومي ، إذْ رأوني مُتيَّماً، *** وقالوا : بمنْ هذا الفتى مَسَّهُ الخَبْلُ

IMG_3491

وقدْ صَدِئتْ عَيني برُؤيةِ غَيرها، *** ولَثمُ جُفُوني تُربَها للصَّدا يجلو

IMG_3492

وقالَ نِساءُ الحَيِّ : عَتَّا بذِكرِ مَنْ *** جَفانا ، وبعدَ العِزِّ لَذَّ لهُ الذلُّ

IMG_3495

وما ليَ مِثْلٌ في غَرامي بها ، كما *** غَدَتْ فِتْنَةً في حُسنِها ، ما لها مِثلُ

IMG_3496

أخَذتُمْ فؤادي ، وهوَ بَعضي ، فما الَّذي *** يَضُرُّكمُ لوْ كانَ عِندَكُمُ الكُلُّ

***

Heba Farouk Elnahhas: Crayon on Paper

قصة محمد فاروق: القضية الفلسطينية

wpid-img_3206-2013-03-6-05-57.jpg

هناك سبب آخر خاصٌّ جدًّا يمنعني من الزواج، يجعل الرجال يهربون مني. هذا السبب هو اسمي. اسمي يسبب لي مشاكل إضافية. اسمي ليس “نرمين” يا مصطفى، وقبل أن تتهمني بالجنون تفضل بطاقتي، مدون بها اسمي الحقيقي: اقرأ… نعم. لا تفرك عينيك… هذا هو اسمي الذي تقرأه: القضية الفلسطينية عبد الفتاح شكري، رقم قومي: 2109876- سجل مدني بولاق- تاريخ الإصدار 17-10-2005… هل صدقت الآن؟؟

أنا امرأة عادية تحلم كأي فتاة، بذلك الفارس الوسيم القوي الذي يعبر الصعاب ليخطف قلبها، لكنها كأي فتاة أيضًا، ستقبل أن تتزوج من رجل بدين، أصلع، عابس، تستيقظ في الصباح على رائحة فمه، ويقض مضجعها فساؤه الليلي تحت اللحاف- ويتميز أنه دائمًا ما ينسى سوستة بنطلونه مفتوحة في المناسبات الاجتماعية المهمة.

كل مشكلتي، أني أريد الزواج؟ أريد أن أتخلص من هذا “النزناز”؟ أريد أن أرتاح؟ لماذا أنت مندهش؟ وهل عيب أن تعلن امرأة عن ذلك؟ لا ينقصني شيء لكي أتزوج، أنا جميلة كما ترى، ومتعلمة، وبنت ناس طيبيين، لكن الرجال يهربون مني بمجرد أن يعرفوا اسمي، سامحه الله أبي، قال إنه أسماني بهذا الاسم؛ لأنه يريد أن تكون القضية الفلسطينية حية في الوجدان!. طيب كيف ذاك، وكلنا سنموت يا مصطفى؟؟

أستحلفك بالله يا شيخ، لا تحملني ما لا طاقة لي به، لا تأخذ كلامي أنني أتحدث في السياسة – لا تعتبرني رمزًا للمقاومة، وللكرامة، والوطن السليب، وهذا الكلام الذي يسد النفس، أنا لا أحدثك عن مشكلة اللاجئين، بل عن امرأة لجأت إليك، تطلب العون. أنا لا أريد حصتي من الأنروا، أريد حصتي من الحياة، فهل هذا كثير، هل هذا كثير يا مصطفى؟ عاملني كأني إنسانة من لحم ودم، امرأة تريد أبسط حقوقها: أن تعيش بشكل طبيعي. هل فهمت يا مصطفى؟. أنا أحدثك عن مشكلة إنسانية- عن نفسي – عن القضية الفلسطينية الجالسة أمامك، وليس عن القضية الفلسطينية الحقيقية.

أنا عايزة أفضفضلك كصديق، ربما لا تتذكرني، لكني أعرفك منذ أكثر من عشر سنوات، لكن دعك من ذاك الآن، سأخبرك أين ومتى تقابلنا – فقط اتركني أعبر عن مشاعري، أريد أن أستلقي هنا على الكنبة، وأحكي لك، أريد من يسمعني- من يتعاطف معي، من يعطيني دواءً لحالتي. آه يا مصطفى، أنا امرأة عاشت مشاعر مبتورة، وقصصًا متشابهة غير مكتملة. كانت آخرها، وأقساها قصتي مع عادل.

“لا شيء سيقف في طريق حبنا يا نرمين، هذه الجملة التي نسمعها في الأفلام وتثير سخريتنا، يكون لها وقع مختلف عندما تسمعها المرأة، نظرت إلى عيني عادل، ورأيت لمعة الصدق فيهما، كان قلبه يقول نفس الجملة “لا شيء سيقف في طريق حبنا يا نرمين!”. فجاوبته سينمائيًّا أيضًا حتى أعيش تلك اللحظات الصادقة : “بجد يا عادل؟”..فضغط على يدي: بجد يا نرمين!

عادل يعمل موظفًا في إدارة التسويق في شركة كيماويات. شاب جاد، وطموح، ومتدين، ومن نفس مستواي الاجتماعي. تعرفت عليه عندما كنت أنشئ موقعًا إلكترونيًّا للشركة التي يعمل بها. آه نسيت أن أخبرك: أنا مهندسة برمجيات، أعمل في تصميم المواقع الإلكترونية. كان عادل يرسل إليَّ الإيميلات، يطلب تغيير شيء في التصميم، أو تعديل شيء آخر، ثم نجلس سويًّا نتحدث في كل تفصيلة، بعد شهرين انتهيت من إنشاء الموقع، وانتهى هو من إنشاء صورة له سلبت فؤادي. تقابلنا بعد ذلك كثيرًا، ثرثرنا، ضحكنا، صمتنا، حدثته عن كل شيء إلا عن اسمي، طلب مني أن أحدد له موعدًا مع بابا. فوجئت. لا أعرف لماذا هكذا نحن الفتيات بالرغم من التوقع، والتخطيط، فإننا نُفَاجَأ عندما نسمع هذا الطلب. كان عليَّ حينها أن أخبره بالحقيقة، “لو بيحبني لشخصي، مش هيفرق معاه موضوع الاسم”، أليس كذلك يا مصطفى؟

انتهزت فرصة الحرب على غزة لأفتح الموضوع – موضوع مستقبلي – مستقبل القضية الفلسطينية عبد الفتاح شكري – قلت له ما رأيك فيما يحدث في غزة يا عادل؟ – ولم أكد أكمل السؤال حتى انفجر في نوبة حماسة وطنية، لعن النظام الذي يحاصر غزة، شتم حركة فتح، وكان متحفظًا في تحميل حركة حماس المسؤولية، قال أنهم أنضف من حركة فتح، على الأقل دول متديِّنين- لكنه قال: لكن هذا إلى زوال إن شاء الله، والنصر قادم، وسنهزم إسرائيل، ثم قال: ليس بأيدينا الآن سوى أن ندعوا لهم، في المساء أرسل لي رسالتين الأولى تقول : حبيبي ماشي حافي الأرض بتلسعه\ يا ريتني كنت شبشب كنت أقدر أنفعه \ ورسالة الأخرى تقول : أحبتي في الله – أدعوكم إلى صيام يوم الاثنين، وتوحيد الدعاء عند الإفطار لأهلنا في غزة – حتى تنال الثواب، ويتحقق النصر.

لم أكن أعرف أن عادل لديه هذا الشعور النبيل نحو القضية الفلسطينية، أو لديه أي اهتمام بالشأن العام. لم أعرف أبدًا أنه له آراء سياسية، لم يقل لي من قبل على سبيل المثال: هبة أنا نفسي أحرر القدس، بل قال “فاطمة” أنا نفسي أشتري عربية هيونداي- من بنكCIB. لكن وطنيته الجميلة أذهلتني، لهذا صارحته بكل ثقة بعد أن اكتشفت هذا الجانب من شخصيته، وقلت له: عادل أنا ماسميش “نرمين” أنا اسمي القضية الفلسطينية.

wpid-img_3156-2013-03-6-05-57.jpg

بالطبع بدأ الأمر بنوبة ضحك، ثم ابتسام، ثم أمام ملامحي الجادة تحول إلى وجوم، ولما شاهد بطاقتي الشخصية، تحول الوجوم إلى غضب، والغضب إلى ثورة، لكنه قال ببرود وتلامة، وباقتباس سخيف من فيلم سينمائي لا أذكره: إذا كنت خبيتي عليا اسمك، يا ترى مخبية إيه تاني؟

حاولت أن أشرح له، أن أخبره، أن اسمي كان سيبعده عني، أقسمت أني لم أخف عنه شيئًا آخر، صمت، هجرني فترة، ثم عاد وقال لقد فكرت كثيرًا في موضوعنا، بصراحة إن اسمك سيمنعني من التواصل معك، فلا أتخيل مثلًا أن أقول لك: أحبك أيتها القضية الفلسطينية، أو شفتاك جميلتان أيتها القضية الفلسطينية. ثم أردف أن قناعته تمنعه من الزواج بامرأة تسمى القضية الفلسطينية. قلت له: كيف؟ فقال لي: لا أستطيع أن أتخيل أني، أضاجعك. الحقيقة أنه لم يقل ذلك قال شيئًا آخر، ولكن يمنعني الحياء.

حاولت أن أقنعه أنه لا علاقة لي بالقضية الفلسطينية الحقيقية من قريب أو بعيد، بل هو مجرد تشابه أسماء، فصمم على رأيه. قلت له أن يناديني نرمين، هويدا، فاطمة، مريم، فرفض، شعرت بإهانة بالغة من توسلي له، صرخت فيه: اذهب إلى الجحيم لا أريدك، لن أموت بدونك. ومضى، وبعد أن غادر بكيت… بكيت بكاءً مُرًّا، ولكنه ليس بمرارة الألم الذي تركه في نفسي.

عشت أيامًا كئيبة، تركت العمل، تسكعت في الشوارع التي شهدت حبنا- أتذكر أيامنا الحلوة معًا، هذه التسعة شهور التي مرت كلحظات خاطفة في حياتي، أقرأ الخواطر التي كنت أكتبها فيها- كنت أجهش بالبكاء بصوتٍ عالٍ، ولم أنتبه إلى أنني كنت أجلس في نفس المكان “سيلانترو” جامعة الدول، إلا عندما قال لي النادل: اتفضلي يا أفندم، الموكا والتشيز كيك اللي حضرتك طلبتيهم.

هكذا نسيني، فقدت الأمل، ومن ثم استبدت بي الشهوة. تقضي علي، وأتوهم أني أقضي عليها، فهي لا تنطفئ بالعبث بجسدك، فالخيالات تسبب الضجر بقدر ما تفرز السوائل، تثبط انتفاضة أعضائك، لكنها لا تريح القلب.

لو ولدت في زمن آخر، لبُذل فيَّ أغلى المهور. لهذا استسلمت لكلام أمي، ومررت كغيري على زواج الصالونات، فغشيني منه ما غشى غيري، فلا داعي للتذكير بما هو مكرر، إلا أنه كان أقسى عليَّ، وأشد على نفسي، يتركني الرجال بمجرد أن يعرفوا اسمي، يهربون، ويتذرعون بالنصيب. بكت أمي، حزن أبي، وقال ” مفيش حل لازم تغيري اسمك”. لكني رفضت بشدة، لقد صار الاسم جزءًا مني، لن أتنازل عن اسمي، رغم نصائح صديقتي ياسمين: “القضية مش في الاسم… لابد أن تفكري بشكل براجماتي وعقلاني”، لقد جاوزتِ الثلاثين، وفرصتك تقل في الزواج ” صدقيني اسمك ليس بهذه الأهمية… خالص”.

***

أرأيت، إن لي من اسمي نصيبًا، يا مصطفى، إلا أن القضية الفلسطينية الحقيقية أوفر حظًّا مني. القضية الفلسطينية ستحل إن عاجلًا أو آجلًا، نحن في آخر الزمان، وسيأتي فارس يخرج من هذه الظلمة، يقود الجيوش وينشر العدل، سيأتي المهدي المنتظر، ويحررها من اليهود، هذه قضية إيمان، ألستَ بمؤمن يا مصطفى؟

أما أنا فمن ينتظرني؟ لا أحد يريد أن يطبع العلاقات معي، أريد التطبيع يا مصطفى، التطبيع لا أكثر ولا أقل، لكن الوقت ليس في مصلحتي. القضية الفلسطينية لن ينقطع عنها الطمث يا مصطفى، لكن أنا سينقطع عني الطمث.

هيا امسك يدي، قبـِّل وجنتي، ضمني، راقصني يا مصطفى… راقص القضية الفلسطينية، أنا معجبة بك جدًّا، تزوجني يا مصطفى- أنا أحبك، أنا لست غريبة، أنت تعرفني. لقد التقينا من قبل كما أخبرتك، ألا تذكر؟ منذ عشرة سنوات. ألا تتذكر اليوم الذي وقعت فيه أمك من أتوبيس 4 بشرطة، ألا تتذكر الفتاة التي حدثتك في التليفون فأتيت وأنت مضطرب، “بالأمارة” كنت تقود سيارة ريجاتا بيضاء، وحملتها معك إلى مستشفى، هل تذكرتني الآن؟. كنت ألبس بلوزة خضراء، وجيب جينز طويلة، أنا الفتاة الشقراء، أنظر تحت الطرحة، نفس الخصلات الذهبية الطويلة.

نعم… أنا الفتاة التي جمعت حبات الخيار، والطماطم، وكيس المكرونة، والفرخة التي كانت تحملهم أمك قبل أن تسقط من الأتوبيس. أنا التي أمسكت بيد أمك، وأجلستها على كرسي السيارة، أنا التي وضعت الأكياس في شنطة السيارة، ألا تذكر يا مصطفى، شنطة السيارة كانت بها سجادة صلاة قديمة، وشبشب بني، وكانت مفروشة بالجرائد، ألا تذكر مانشيت الجريدة يا مصطفى: فوز الأهلي على مزارع دينا 3 صفر، كان يوجد أيضًا كتاب التشريح للفرقة الثالثة في كلية الطب، ألا تتذكر يا مصطفى، ألا تتذكر كتابك؟… أرأيت الآن أني أعرفك، وأعرف طنط سميرة، عرفتك عندما وجدتك استأجرت هذه العيادة في شارعنا منذ شهور، هيا يا مصطفى، أنا لم آتيك بصفتك طبيب نفسي، أنا أتيتك بصفتك رجل، أحضني يا مصطفى أرجوك، قبِّلني، لا تخف، لا تحدثني بالإنجليزية، أرجوك، لا تقل لي كما قال عادل :-

I cannot fuck you? I cannot fuck the Palestinian issue!

wpid-img_3153-2013-03-6-05-57.jpg

محمد فاروق (من مجموعة سينما قصر النيل، دار ميريت)

التصوير والجنس يا باشا: فقرة من “الأسد على حق”، الجزء الثاني من رواية التماسيح

IMG_5164

أريد أن أحكي لك عن الصلة بين التصوير والجنس يا باشا، عن غواية امتلاك قد تؤدي حقاً إلى القتل قبل أن تؤدي إلى ميتة صغيرة مثلما يقول الفرنسيون. وقد تؤدي إلى القتل لا سيما في مكان كهذا، حيث فرقاء المجتمع – كما ترى – يزايدون ليس على الحريات والحقوق بل على نفيها والتبرؤ من ورطة الدفاع عنها؛ والمتورطون يراكمون عنفاً قد ينبثق كشلال في أية لحظة؛ فما فشل ثورتنا إلا أنها لم تنفث فيكم وأمثالكم عنفاً كافياً في الحقيقة، أليس كذلك؟ ونحن المتورطون رغماً عن بيوضنا في الحقوق والحريات – نحن الشعراء العشاق الثوار المصورون المجبولون على التخفي والتحايل أو مصير مأساوي (هو ذا ما يقوله الفتيس لو لم أخطئ) – فينا عنف خرافي برغم إيماننا بالتحضر. عنف ربما أبشع من عنف الإسلاميين لكن لا شيط فيه وهو إذ ينبثق لا يتفجر؛ يكون رقراقاً ورقيقاً رقة حبيبين، كشلال. والآن وأنت صاحب اليد الطولى وفي كامل أبهتك، دعني أعلّمك العنف على أصوله سعادتك. وأنت تملك سلطة غير محدودة علي، اسمع ممن روحه في يدك كلمتين عن السلطة: إنك إذ تُصوّر جسداً فأنت تمتلكه على نحو أعمق مما يحدث عندما تقضي داخله وطرك وقد رأيته يتلوى بالشهوة فيما تُعمل فيه أعضاءك مثل مُغيّب أو مدفوع بالغيب؛ إنك بتصويره إنما تُركّبه كما تشاء وأنت واثق عبر بقاء الصورة من بقاء تركيبك. ولا مناص من إثبات التهمة على نفسي بمثل هذا الكلام – بل في كثيرٍ مما تجده على المدونة دليل إدانة ضدي، فثمة علمي بأدق تفاصيل ما حصل لمون ليلة قتلها مثلاً – غير أن تعويلي على أن تصدّقني؛ لئن لم تصدقني فلآخذ حكم إعدام… وما الذي يحقّقه موتي لك أو لغيرك بعد أن تنجلي جميع ملابسات الجريمة؟ صورة الجسد العاري، أقول لك: امتلاك. أريد أن أحكي لك عن غواية مون كموديل وليس كامرأة جذابة صارت صديقة – وهي الغواية التي تعبر عن شخص قلبه فوتوغرافي أكثر من أية غواية سواها – فأفنّد لك، على مدى الأحداث وتفاقمها خلال عشرة أسابيع تقريباً، كيف درّبتُ مون وأنا لا أدري على أن تُصَوَّر فتُمتَلَك بما يتيح ذبحها: كيف حوّلتُها إلى جسد عار بلا وجع يتلوى، فنقلتها إلى حيث يكون عمل الرجل الأسد بروحها امتداداً رقراقاً للغرام.

شتوي

IMG_2612

 

المرأة تريد الأزل
والرجل يريد السماء
وأحياناً قليلة
في التقاء الإرادتين
يصبحان سحابة
وأحياناً أقل
يموتان فعلاً
قبل أن تمطر
فتظل الدنيا ناشفة
ويكون كل شيء
على ما يرام

وردة جبيل: نصان لبثينة سليمان

wpid-272649552988215311_6860517-2012-09-6-06-04.jpeg

في الطريق إلى جبيل

( ملك ميت

لم يكن المخيخ على حاله
مشى على حجارة القلاع القديمة 
ظنَّ بانه مَلك
إكتملَ المخيخ 
اكتفى بالمشي 
لم يعد يهتم لِلَقبَ ملكٍ ميت) دلخواز حوج

قلعة

في رأسي قلعة

طريق

الطريق إلى جبيل طريق الحواس الخمس

وحاسة سادسة تعمل بجهد إضافي

مسافة

المسافة الزمنية التي افترضها العاشق كانت أقل بكثير مما احتاجه صديقه الشاعر حتى يصل لامرأته التي شغف بها في خياله عقدين من الزمن

لغة السنوات

هنا يتكلم التاريخ لغة السنوات ، أرقام لا يقف عندها السواح الهواة طويلا ، يتابعون الأرقام بدهشة و يعددون الشعوب التي مرت ثم يعبرون كما عبر الأسلاف دون جلبة. ما تبقى من مبان وأسوار ومدافع أو جرار، وجه أسد و حائط معبد أدراج ضخمة تصل القاع بأعلى ، يكفي لأن يأتي السواح دون دليل سياحي يدفعون ما يكفي الدولة حتى تنهض بمواقعها السياحية . ولا تنهض.

قافلة

في الوقت المتأخر بعد الثانية والنصف ليلا وبعد الأربعين و ثلاث سنوات لا ينفع أن تماطل

تجر قافلة الزمن مثل جندي شجاع حاملا رايات ثمان و عشرين نجمة تضيء ناحية القلب و الأطراف

رنين

دلخواز،

صوت ديمة وهي تنادي عليك، مثل رنين 
الذين نحبهم نخاطبهم بالمودة وننادي عليهم 
أحيانا بالصوت وأحيانا بالكلمة

الطريق إلى جبيل

يلفح الموج الوجوه في ظل زيتونة

داخل المراكب قلوب صغيرة وحواس خمس بأبعاد ثلاثية لجيوش تنتظر وداع الراعي لحبيبته

في الطريق إلى جبيل

إعلان

كيف لا أغرم بك وأنت تسحب سكاكين المطابخ و المطارق وتشد النهر من خاصرته نحو قاع القلعة ثم تركع رافعا يديك إلى أعلى مثل لاعب كرة قدم وقد فزت بي.

قلت لك

قلت لك : كنت رضيت برجل تافه على أن أعلق مصيري برجل جاهل لا يعرفني

أو رضيت بخيانتي لرجل يكرهني على هكذا مصير يخربط كيمياء المخ

لا أهرب من خياراتي ولا انعدام توازني وإن عجزت أكثر أكون باختياري أنكسر

روحي ظمآنة وأنت مثلي تائه في ممالك أحلامك حيث أنا هناك في المملكة الوسطى

ستظل تدور عند الأطراف وأنا محشورة في الوسط حيث القلب

وهذا ما يعزيني

هاتف

حيث أقف الآن في مواجهة البحر استطيع أن استعيد شريط حياة بكاملها

ابنة الجيران السمينة منشغلة بهاتفها وأنا أرتب جملي حتى لا تسيء فهم مديحي

***

wpid-272649201589426187_6860517-2012-09-6-06-04.jpeg

في يدي وردة

“في يدي وردة تذبل/ فأنا لا أعرف لمن أعطيها في هذه الأرض الغريبة” 
(من أشعار النساء البشتونيات)

إلى عماد
عندما حل الصيف الفائت واختفيتَ على عادتكَ، قطعتُ على نفسي وعداً بأن أخفف من الارتباط الوجداني والنفسي بكَ، وأنت الذي يغيب من دون مقدمات. هكذا فعلتُ حتى لا أتألم وأشتاق. في النهاية ستظل أنتَ حيث أنتَ، وأنا حيث أنا، ولأنك بعيد جداً لا أريد أن أكون رهن مشاعري وامرأة بداخلي تحتاج الى المودة والى من يدللها.
مات في ذلك الصيف صديقي الذي يعيش في الهند. لم يمت بل وضع حداً لهذه الحياة. لم أعرف الطريقة التي فعل بها هذا ولم اسأل أخته. كتب لي قبل أن ينتحر بأيام، أن الضوء اللامع يخرج من قلب الظلام. فاتني هذا النور أنه قادم من مكان آخر يتطلع إليه. أراه اليوم في الضوء اللامع، هناك، لا أجرؤ على تخيله جثة متأكلة. أحاول أن أصير أكثر ألفة مع هذا المشهد من تحلل الأجساد التي نعلق بها. أذهب بعيداً عما أحاول أن أقوله لك. ربما صرتُ مثله الآن أتطلع إلى ذلك النور الخارج من قلب الظلام. أتذكر المساء الذي توفيت فيه جدتي. كان القمر بدراً تلك الليلة. بثّ موتها في قلبي حزناً سكن بين ضلوعي وتشكل مع سنواتي اللاحقة وصار حزناً بلون القمر. في الليلة ذاتها دوّى صراخ مولودة أخي في أرجاء المستشفى، فبات طعم الموت يشبه طعم الولادة. إنها مسألة مهمة حين أستعرض احتمالات الموت أو الغياب، تكون الفكرة حاضرة، آسرة، تلحّ عليّ. 
في غيبتكَ مرّ وقت كنت أنا فيه أقفز هنا وهناك. مرّ الوقت على عجل. ثم عدتَ وأخبرتني بمرضكَ وأخبرتني أشياء كثيرة وأخبرتكَ عن الرجل الذي تسلل إليَّ ولم يتجرأ، ظل في المسافة المواربة وضحكنا معاً أن ثمة رجلاً يغازلني. ثم غبتَ ثانية. لم تغب طويلاً هذه المرة وخرج لي جنّي من القمقم وتربّع فوق حوضي وملك أنفاسي، جنّي ظريف، كان عليَّ أن أدرك أن تلك الضحكة التي كانت تصلني منه، فيها من الأنوثة ما يفوق أنوثتي، وفيها من المرارة ما سيعكّر حياتي. صرت شمسه وعمره وصرت الأغاني واللذة والخيال. وأنتَ في هذا كله منشغل عني، تلملم أطراف الحياة التي باعدت بيننا. صرنا آلات ميكانيكية، قوالب جاهزة للحياة. نمارس دورين متشابهين، منغمسين بالأمومة والأبوة والتضحية. 
ماذا حل بنا الآن؟ صرتَ لي مثل الطبيب، مثل الأخ والصديق الذي يخاف عليَّ فيراني بعين طيبة وبقلب صاف. أشتاق الى حياتنا الأولى قبل نوبات الغياب وقبل العاشق الخجول وقبل الجنّي الذي سرقني وقبل أن يصير لنا أولاد وقبل أن تسحقنا الحياة.
- ماذا سيحل بنا؟
- لا تفكري اليوم في شيء. هذا يوم بلا تفكير مقلق. امنحي نهارك ابتسامة. 
في المقهى تمسك بيدي وتشير إلى الشجرة الضخمة وتقول:
- هذه الشجرة كنت أرقبها كل يوم. كانت قبل أيام بلا ورقة واحدة وخلال أسبوعين فقط أصبحت بهذا الجمال. اكتست حلة نضرة من الأخضر.
أشعر بالمأساة. سيمرّ الوقت وأتجاوز كل هذا الألم. لا تزال روح لاهية في داخلي رأت في الشجرة حلاوة الحياة. تكون عيناك، وأنت ترقبها، منحتاها الدفء فأورقت، وكما كنت تراها كانت تراك.
- أحبك وأحب شجرتك. اليوم في هدنة. 
- اشربي قهوتك واستمتعي بهذا الربيع المزهر.
ضوء الشمس أضاء الشارع وألبس الناس نورا دافئا، خفف من الإحساس بالحرارة المتدنية. 
أستطيع أن أفكر في أمور كثيرة وأستطيع أن أبتسم وأن أخبرك عن الرجل الذي أشتهيه وأنني أواعد الغرباء وأنني أحتفظ بأسراري لك، وأن قلبك الطيب لما أشار إلى تلك الشجرة محا كل آلامي. الحياة ليست عادلة معي ومعك.
تبدو لي وأنت جالس في ضوء الشمس من هذا اليوم الربيعي، مثل نادل سعيد بنهاره يوزع الأمل في الأكواب والأطباق بديلا من القهوة ورقائق الخبز المحمص.

بثينة سليمان

هو الحب

Edward Weston, 1925

هُوَ الحُبّ فاسلمْ بالحشا ما الهَوَى سَهْلُ فَما اختارَهُ مُضْنًى بهِ، ولهُ عَقْلُ
وعِشْ خالياً فالحبُّ راحتُهُ عناً وأوّلُهُ سُقْمٌ، وآخِرُهُ قَتْلُ
ولكنْ لديَّ الموتُ فيه صبابة ًحَياة ٌ لمَن أهوَى ، عليّ بها الفَضْلُ
نصحتُكَ علماً بالهوى والَّذي أرَى مُخالفتي فاخترْ لنفسكَ ما يحلو
فإنْ شِئتَ أنْ تحيا سَعيداً، فَمُتْ بهِ شَهيداً، وإلاّ فالغرامُ لَهُ أهْلُ
فَمَنْ لم يَمُتْ في حُبّهِ لم يَعِشْ بهِ، ودونَ اجتِناءَالنّحلِ ما جنتِ النّحلُ
تمسّكْ بأذيالِ الهوى واخلعْ الحيا وخلِّ سبيلَ النَّاسكينَ وإنْ جلُّوا
وقلْ لقتيلِ الحبِّ وفَّيتَ حقَّهُ وللمدَّعي هيهاتَ مالكحلُ الكحلُ
تعرّضَ قومٌ للغرامِ، وأعرضوا، بجانبهمْ عنْ صحّتي فيهِ واعتلُّوا
رَضُوا بالأماني، وَابتُلوا بحُظوظِهِم، وخاضوا بحارَالحبّ، دعوَى ، فما ابتلّوا
فَهُمْ في السّرى لم يَبْرَحوا من مكانهم وما ظَعنوا في السّيرِعنه، وقد كَلّوا
عن مَذهَبي، لمّا استَحَبّوا العمى على الهُدى حَسَداً من عِندِ أنفُسِهم ضَلّوا
أحبَّة َ قلبي والمحبَّة ُ شافعي لدَيكُمْ، إذا شِئتُمْ بها اتّصَل الحبلُ
عسَى عَطفَة ٌ منكُمْ عَليّ بنَظرَة ٍ، فقدْ تعبتْ بيني وبينكمُ الرُّسلُ
أحبَّايَ أنتمْ أحسنَ الدَّهرُ أمْ أسا فكونوا كما شئتمْ أنا ذلكَ الخلُّ
إذا كانَ حَظّي الهَجرَمنكم، ولم يكن بِعادٌ، فذاكَ الهجرُ عندي هوَ الوَصْل
وما الصّدّ إلاّ الوُدّ، ما لم يكنْ قِلًى ، وأصعبُ شئٍ غيرَ إعراضكمْ سهلُ
وتعذيبكمْ عذبٌ لديَّ وجوركمْ عليَّ بما يقضي الهوى لكمُ عدلُ
وصبري صبرٌ عنكمْ وعليكمْ أرى أبداً عندي مرارتهُ تحلو
أخذتمْ فؤادي وهوَ بعضي فما الَّذي يَضَرّكُمُ لو كانَ عِندَكَمُ الكُلّ
نأيتمْ فغيرَ الدَّمعِ لمْ أرَ وافياً سوى زفرة ٍ منْ حرِّ نارِ الجوى تغلو
فسهديَ حيٌّ في جفوني مخلَّدٌ ونومي بها ميتٌ ودمعي لهُ غسلُ
هوى ً طلَّ ما بينَ الطُّلولِ دمي فمنْ جُفوني جرى بالسّفحِ من سَفحِه وَبلُ
تبالَهَ قومي، إذ رأوني مُتَيّماً، وقالوا يمنْ هذا الفتى مسَّهُ الخبلُ
وماذا عسى عنِّي يقالُ سوى غدا بنعمٍ لهُ شغلٌ نعمْ لي لها شغلُ
وقالَ نِساءُ الحَيّ:عَنّا بذكرِ مَنْ جفانا وبعدَ العزِّ لذَّ لهُ الذلُّ
إذا أنعَمَتْ نُعْمٌ عليّ بنَظرة ٍ، فلا أسعدتْ سعدي ولا أجملتْ جملُ
وقد صَدِئَتْ عَيني بُرؤية ِ غَيرِها، ولَثمُ جُفوني تُربَها للصَّدا يجلو
وقدْ علموا أنِّي قتيلُ لحاظها فإنَّ لها في كلِّ جارحة ٍ نصلُ
حَديثي قَديمٌ في هواها، وما لَهُ،     كماعلمتْ بعدٌ وليسَ لها قبلُ
وما ليَ مِثلٌ في غَرامي بها، كمَا فإن حَدّثوا عَنها، فكُلّي مَسامعٌ،
حرامٌ شفاسقمي لديها رضيتُ ما بهِ قسمتْ لي في الهوى ودمي حلُّ
فحالي وإنْ ساءَتْفقد حَسُنَتْ بهِ     وما حطّ قدري في هواها به أعْلو
وعنوانُ ما فيها لقيتُ ومابهِ شقيتُ وفي قولي اختصرتُ ولمْ أغلُ
خفيتُ ضنى ً حتَّى لقدْ ضلَّ عائدي وكيفَ تَرى العُوّادُ مَن لا له ظِلّ
وما عثرَتْ عَينٌ على أثَري، ولم تدعْ لي رسماً في الهوى الأعينُ النُّجلُ
ولي همَّة ٌ تعلو إذا ما ذكرتها وروحٌ بذِكراها، إذا رَخُصَتْ، تغلُو
جَرَى حُبُّها مَجَرى دمي في مَفاصلي، فأصبَحَ لي، عن كلّ شُغلٍ، بها شغلُ
فنافِس ببَذلِ النَّفسِ فيها أخا الهوَى ، فإن قبلتها منكَ ياحبَّذا البذلُ
فمَن لم يجُدْ، في حُبِّ نُعْمٍ، بنفسِه، ولو جادَ بالدّنيا، إليهِ انتهَى البُخلُ
ولولا مراعاة ُ الصِّيانة ِ غيرة ً ولو كثروا أهل الصَّبابة ِ أو قلُّوا
لقُلتُ لِعُشّاقِ الملاحة ِ:أقبِلوا إليها، على رأيي، وعن غيرِها ولّوا
وإنْ ذكرتْ يوماً فخرُّوا لذكرها سجوداً وإنْ لاحتْ إلى وجهها صلُّوا
وفي حبّها بِعتُ السّعادة َ بالشّقا ضلالاً وعقلي عنْ هدايَ بهِ عقلُ
وقُلتُ لرُشْدي والتّنَسكِ، والتّقَى : تخَلَّوا، وما بَيني وبَينَ الهوَى خَلّوا
وفرغتُ قلبي عنْ وجودي مخلصاً لَعَلّيَ في شُغلي بها، مَعَها أخلو
ومِن أجلِها أسعى لِمَنْ بَينَنا سَعى ، وأغدو ولا أعدو لمنْ دأبهُ العذلُ
فأرتاحُ للواشينَ بيني وبينها لتَعْلَمَ ماألقَى ، وما عندَها جَهلُ
وأصبو إلى العذّال، حُبّاً لذكرِها، كأنّهُمُ، مابينَنا في الهوى رُسلُ
فـإن حـدثوا عـنها،فكلي مـسامع وكُلّيَ، إن حَدّثتُهُمْ، ألسُنٌ تَتلو
تَخالَفَتِ الأقوالُ فينا، تبايُناً، برَجْمِ ظُنونٍ بَينَنا، ما لها أصلُ
فشَنّعَ قومٌ بالوِصالِ، ولم تَصِل، وأرجفَ بالسِّلوانِ قومٌ ولمْ أسلُ
فما صدَّقَ التَّشنيعُ عنها لشقوتي وقد كذبَتْ عني الأراجيفُ والنّقْلُ
وكيفَ أرجّي وَصْلَ مَنْ لو تَصَوّرَتْ حماها المنى وهماً لضاقتْ بها السُّبلُ
وإن وَعدَتْ لم يَلحَقِ الفِعلُ قَوْلها ؛ وإنْ أوعدتْ فالقولُ يسبقهُ الفعلُ
عِديني بِوَصلٍ، وامطُلي بِنَجازِهِ، فعندي إذا صحَّ الهوى حسنَ المطلُ
وَحُرْمة ِ عَهْدٍ بينَنا، عنه لم أحُلْ، وعَقـدٍ بأيدٍ بينَنا، ما له حَلُ
لأنتِ، على غَيظِ النّوى ورِضَى الهَوَى ، لديَّ وقلبي ساعة ً منكِ ما يخلو
ترى مقلتي يوماً ترى منْ أحبُّهمْ ويَعتِبُني دَهْري، ويَجتمِعُ الشَّملُ
وما برحوا معنى ً أراهمْ معي فإنْ نأوا صورة ً في الذِّهنِ قامَ لهمْ شكلُ
فهمْ نصبَ عيني ظاهراً حيثما سروا وهمْ في فؤادي باطناً أينما حلُّوا
لهمْ أبداًَ منِّي حنوٌّ وإنْ جفوا ولي أبداً ميلٌ إلَيهِمْ، وإنْ مَلّوا

قصائد جديدة، ٢٠١١-٢٠١٢

wpid-untitled-2012-05-23-06-36.jpg

ثلاث قصائد قصيرة جداً مختبئة في تويتر هذا الصباح

دم

مستشفي الدمرداش تحتاج الآن

لكل فصائل الدم

علي من يستطيع التبرع بالدم أن يتوجه

إلي مستشفي الدمرداش

استغماية

معتصمو الدفاع

يطاردون البلطجية

في الشوارع الجانبية

أهم حاجة

لو حد حيجيب امدادات للميداني

أهم حاجة حالياً

إبر وخيوط

جراحة،

هولدر،

شاش قطن بيتادين فولتارين

حقن،

آنتي بايوتك

سبراي

تعويذتان ضد التأسلم

(١)

أيها المتجهمون فوق حيطان المزابل

المستعيضون عن الأخلاق بلحية

الخائفون من وجوه البنات

تعبئّون الله في أجولة

وتهيلونه على الأحياء

أنا العلماني الكافر

أنا المرتد العميل

سأبقى إلى آخر جسد تدفنونه

أقض مضاجعكم بالخيال

(٢)

نحن أبناء أباليسكم

يا من تكتفون بأسماء الأسماء

سنظل نذكّركم

بأن المئذنة قضيب والقبة نهد

والماء الصافي خمر في أفواه العاشقين

يا من تكتفون بطقوس الطقوس

نحن ملائكة متخفون

وقد حلفنا أن نلفظكم

عند أول إشارة مرور

في الطريق إلى الجنة

جاعلين آخرتكم مثل دنياكم تماماً

نصائح ملك الموت إلى ثكلان

بالكاد دقيقة وأنت تخطو مغبّش العينين

هل نفد صبرك في دقيقة؟

اسمع

لا شيء في الكون كله يرحمك

لا شيء يوقف المنشار في عظام هيكلك

اجلس قليلاً

ولا تثقل علي

لا تجعل فجيعتك نداء إلي

وأنت تعلم

أنني عبد المأمور

أحمل على كتفي نحيب الكرة الأرضية

مضاعفاً ألف مرة

لا تظنني أملك معنى لشيء

فحيث تصبغ الأسفلت الدماء

لا أرى سوى بقعة داكنة

وإن شعرتُ بما تشعر به مضافاً إليه

كل من كان مثلك

أنا الذي أصاحبكم لحظة بلحظة

ولا أستطيع أن أفرح لفرحكم

لأنني أعرف وجعكم كاملاً

حتى في أشد اللحظات لذةً

كل ما أستطيع أن أعدك به الآن

أنك حين تنظر

لن تجد للفقيد أثراً في السرير

وكخدمة إضافية مني

لن تجد سريراً في الغرفة

بل لن تكون غرفة هناك

إلى أن تمسي بلا شيء أمامك

لا شيء مطلقاً

وكل ما أطلبه في المقابل

تذكّر

أن الحياة ليست سوى انتظاري

أنا الذي أطحن القلوب طحناً

ولا أستريح برهة

من سماع نبضها

البلد

إلى مهاب نصر

كل هذه السنين يا صاحبي

وكأننا هنا عن طريق الخطأ

ننتظر حتى تَفرغ الشوارع

لنقود مركبات غير مرخّصة

ونواجه جنود المعابر

بالضحكة الصفراء والنقود

نحلم بأماكن ولو وُجدت


نحن لا ننفع لها يا صاحبي


مضطرين أن نخالط التماثيل

أن نبادلهم حديثهم
أن نندس وسطهم


بأطراف مجمّدة ننظر ولا نرى


وبرؤوس منكّسة في بيوتنا

نعتذر عن ارتياد المحاجر
لنجرّب التكاثر سراً

ونبكي سلالتنا المهدّدة

كل هذه السنين حتى نجرؤ

على إعلان أننا لسنا تماثيل

لنسقط مقطوعين على قواعدهم

ميتين برؤوس مفلطحة

بعيون معصورة كالمحار

بثقوب في عظامنا

كيف يا صاحبي كل هذه السنين


ومازالنا لا نُخرج سوى حشرجة

“الصحراوي” ليلاً

“بلاي ستيشن”
والهدف – بلا ضوء –


أن تظل سائراً

دونما تصطدم بأجسام معدنية


ترعد على جانبيك


ولا تحيد إلى هلاكك


عن خط من دوائر فوسفورية

يظهر ويختفي
في الظلام


الموت الرحيم – قالت حبيبتي


ثم شهقت للمرة العاشرة

وأنا لا أستطيع
أن أنظر إلى وجهها –


هذا هو
طريق التحدي


هل حينها حدّقتُ من جديد؟

نور الكشافين في أوج احتدامه

بالكاد يكشف مترين


سأقطعهما في ثوان

ولا آخِر للسواد المتحول من بعده


كالتلال أو العجين

كأن الأرض خلف الزجاج


والجسد مستسلم للجاذبية


أنت عطشان للفوانيس

تفتش عيناك خلف ظلال


تحسبها أشخاصاً يعبرون


عن سراب التماعات

برتقالية وعالية


وحين نصمت عبر نفق آخر
من اللا ضوء

حين تتصلب عضلات كتفينا


وتتسع أعيننا

فوق البئر الأفقية

نعرف كم هي قريبة غايتنا


لحظة شرود


في السرعة أو الزاوية

يمكن أن تضع حداً للتهاوي
و

كم سيكون جميلاً في الحقيقة


أن تتوقف الحركة

كم هو رائع يا صغيرتي

أن ينتهي الطريق

نيرون يوم الحريق

إلى الهوب

“في الليل على فراشي طلبتُ من تحبه نفسي…” – نشيد الأنشاد ١،٣

إذا كنتَ نائماً في تلك الغرفة وصحوتَ على خبرِ زواجك


في منتصف الليل، إذا كنت نائماً وصحوت على رؤوسٍ صغيرةٍ قرعاء


تنبت في المساحة الفاصلة بين مقهاكَ الاعتيادي والمخدّة

أو جوعٍ لعروسِك عاريةً في برواز الباب


أقول وقد صَرّتْ “سرينة” كأنها حكّةُ المعدن في الزجاج


ودُجِّج الجنود في طريقهم إلى لقاء المسيرة

إذا كنت نائماً وصحوت على خبر زواجك يا حبيبي، لا تفزعْ


***

لكن زملائي الساخطين، حال تُسمَع أصوات القادمين من بعيد


سيهرولون إلى أسفل ليذودوا عن غنائمَ بعجلات

ويلعنوا أولئك القَتْلى المزعجين، مسلّمين أمرهم إلى الله والقَتَلَة

وسأُمسي في محلّ عملِي الشاغر “نيرون” يوم الحريق


أسحب قوسي فوق الكمنجا بينما روما تنسحق

مثل ورقة في قبضة متسخة، سرعان ما تغيب في المخلّفات


أسحب قوسي وأغنّي يا عروسي، وأنت تبحثين عن فستان الزفاف

***

لا تفزع. انتظرْ يا روح عروسك حتى يعود يُفتح المقهى


ولا يضيرنك أن تستبصر نظرةَ نشّالٍ حرمك فلوسَك أول أمس


مثلما حرمتْك زوجة عبوس ولداً ألّفت اسمه قبل أن تطلّقها

ضع كفّك على رأس النشال من دُبُرٍ فوقَ سطحٍ حاد

ضع قدمك على صدره؛ وعند تفاحة آدم، في عنقه، ضع ركبتك


أقول وقد دُقّتْ ذراعُك بندولاً يولّد رشاش الدم ليُزيلَ الملامح

المهم أن لا تعود ترى وجه النشال

***


حقاً يخطر لي الآن أنه أحوج مني إلى الفلوس

مع أنني أنا الذي على وجه زواج، فأغفر له خديعته يا “توتة”


ولتعلمي: فيما الجنود المخمورون بانتصارهم على المسيرة

يدهسون القادمين مثل قطيع جاموس وحشي

من شأنه أن يهدّد أمن السيارات، سأكون فوق الدنيا


أغني. صبري حتى أستقلّ ركناً في مقهاي


لأرى ضحكة عيني حبيبة يلدغني الجُحْر ثانيةً من أجلها


***


الدنيا حجرات متصلة مكيفة الهواء، والناس على ألوان مشروباتهم

هذه حجرتك. اذكر يا بابا أن السير في الشوارع ليلاً

بات يستوجب عناقاً غير مخطط، يفقد المرء إثره أولاداً أو فلوساً أو حياة

وأنت جالس هكذا مع قهوة المعدة الفارغة يغويك كوب عميق

بالسمنة، وأنت تنتقل بناظريك بين يمام محجب ودجاجة تقود “مرسيدس”

اذكر أن لك طائراً يمكنك امتطاؤه إلى حيث الاحتجاجات


تطالعها من علٍ وأنت تمسح دموعه.


***


ولأن قلبك يتسع للفجيعة، لأننا مسلسلون على باب الله يا ماما


ويُقال إنه يعمل لنا ما فيه الخير، سنعيش لنفتح بيوتاً فيها غرف كهذه

نموت على أسرتها بلا دماء. لا يرتسمن الذعر على شفتيك

إذن، ولا تبكي آباءنا الميتين، لا تبكي آباءنا أمام رأس كأنه كرة مبططة

اقضمي ذَكَري فقط وأنت تدندنين، كما سأغني لك في شرفة المبنى الشاهق


وهم يقتلون، اقضمي ذكري ودندني عن طعام سنأكله سوياً

أو غيط وسطه غدير. ثم انفثي نحيبك في ذروتي


***


إذا صحوت والفجيعة تنخر صدرك، وبينما الناس يشجعون “الزمالك”

الضحايا يُحاكَمون، إذا كنتَ نائماً ثم صحوتَ على فجيعة يا “كوكي”


والذاهبون إلى الجنازة يرفعون أعلام فريق كرة قدم سيُهزَم

في مباراة أقيمت رغم أنف الحِداد، اعلم أن وجهك ينطبع على بطني


ويخبئ  شعباً بديلاً هناك، إذا كنت نائماً وصحوت على جنود يبيدون مسيرة

افرح بقصر فيه جارية هي وحدها تملك حياتك


ترقص على نغمك أنت والقاهرة تحترق

الثورة بجد

عن قصيدة “الأسد على حق” لألن جينسبرج

“ليس فردوس رضاك يا زئير الكون كيف اصطفيتني”

أرجع من الإسكندرية عبر طنطا لأجد الثورة أسفل سريري

ومَثنيَّ الجذع على ضوء أبجورة الكومودينو، وجهي بمحاذاة المُلّة

أتبين الملايين تركض وتدافع عن نفسها بالحجارة، كل واحد عقب سيجارة لا يزال مشتعلاً

يرفعون لافتات كالطوابع ويحفرون شعارات أكبر من أجسادهم على الباركيه، أتسمّع هتافهم

***

وكأس الفودكا الأخيرة لم تتبخر من جمجمتي منذ واحد سكندري لم يُعمَل في رشدي

عظمي المخمور يقرقع وأنا أغالب البكاء ممزِّقاً ملابسي في الشباك:

الثورة حصلت يا أولاد القحبة، الثورة حصلت بجد!

***

وقد تركتُ حبيبتي في شارع بن الفارض عند بتاع المخلل تستقبل الفلول

مفتقداً لا الواحد ولا البحر، لا وجه أمها المترمل منذ ساعات ولا أباي الميت قبل عشر سنين

ولا خلف مقهى الأحمدية ولياً كان ذَكَرُه – ضمن الكرامات – أكبر من هراوات الشرطة العسكرية

بل أذني التي ابتلت في الأظاريطة لأن دموعها كانت تقطر من سماعة الموبايل

***

ألطّخ ملابسي بالحبر الأحمر وأُسرع إلى العمل لأرقد على عتبة المدير

لم تكن الثورة مع الزملاء ولا في المترو ولا حتى في حناجر شهداءٍ يُبعَثون بلطجيةَ أمنٍ مركزي

هائماً في ملكوت سكك حديد مصر كيف لم أضبطها حتى هربتْ إلى غرفتي؟

***

مضعضعاً بعدما نمت ليلتي في حمام المصلحة أوشوش عامل البوفيه: بلا ثورة، الحياة لا تُحتَمَل

هل تعرف أن ابن الفارض قال إن موت العاشق حياة والقتل أفضل من الهجر

المؤسف أنه كما أن لا تغيير بلا مذابح كذلك لا زمن بلا انتظار، هل تعرف الملائكة…

الملائكة؟ يسألني متهكماً وهو يتحسس صلعة كالجلمود ويطالعني بشفقة، يقرضني خمسة جنيه

***

أسعى إلى إحدى اللبؤات أسداً يحمل كشكولاً لأخبرها بأن الثورة ليست في ميدان التحرير

ومحتسياً فرابيه من مؤخرة سموذي بعد ثالث دابل إسبريسو في أحد فروع سيلانترو

أزعق في كاتوليكي مراهق من فوق شاشة اللابتبوب: لا شيء اسمه الغيرة القضيبية!

***

من الدقي إلى التحرير مرات عديدة صحبة شاعر شاب هو الآخر من طنطا

أتأكد من فشل الجهود حين لا ترد حبيبتي على الموبايل وهي ثكلى

وإذ جلس زيزو مع فتاة أردنية ليلة جاءني التليفون، هل كان مصابها المفاجئ عقد ارتباطنا؟

***

عندما ترد أخيراً أقنع صاحبي الشاعر أن اعتصاماً بجد في غرفتي، ننطلق بلا سلاح

وزاحفاً ورائي على ركبتيه من جنب الكومودينو بشورته البرميودا كمندسّ يتلصّص

جموع المحتجين حول كعكة حجرية هي عبارة عن نعل قديم، مثلما كنا تماماً

الدبابات علب ثقاب والإف-١٦ كالدبابيس وغوغائيون سفلة، بين المُلّة والمرتبة قناصون بالليل

***

نضاجع المخدات بعد أن أقول لصاحبي إن الله في القضبان والثورة بلا واي-فاي

أتخيل حبيبتي راكعة أمامي ببلوزتها السوداء، فجيعتنا الفردوسية وأنا أقذف في حلقها

وحين توقظنا أمي في الصباح لا أقاوم، أرى الخادمة ومكنستها الكهربائية عليها ختم النسر

أرى العَلَم يرفرف في أيدي مخلوقات فضائية وأعرف أننا لن نهزم إسرائيل

يغتاظ صاحبي والقذى في عينه حين يمتد خرطوم المكنسة تحت السرير

مع ظهور الخيش والصابون أمنعه عن الخادمة بصعوبة: لا فائدة من اغتصابها!

الآن ليس سوى صوت المكنسة وهو يبكي، لا دم ولا حديد يعود باركيه الغرفة نظيفاً وخالياً

وحيث كانت الدواوين على الرفوف زجاجات ديتول وبليدج، إسفنجات وخرق منمقة

فجأة يشهق سريري على صوت السرينة، تشتعل الملاءات وتنفجر المرتبة

يتفصد الكومودينو عن أسد هصور يزأر ويختفي صاحبي والكتابة على الحيطان:

سنوري حين يمارس الجنس يقذف كل عشرين دقيقة ولسانه أخشن من ورق الصنفرة

***

أيتها الحبيبة المنتحبة يا مانحتي الأورجازم النهائي لقد انعقدت حياتانا بالموت

لقد رأيتُ الآتين والغادين قبّلت ذوي اللحى وجريت من شاهري السنجة على سلالم المترو

حملتُ سيدي مجاهد إلى ظلمة القبر لأُطمئن أباك ونعست مقرفصاً بين مقصورتين

لقد وجدتُك أسفل سريري وجيش أمي في الغرفة، سلّمت رقبتي لفم الأسد.

٢٠١١

فبراير

بريق اللافتات. والصاخبون. والذين تركتُهم مطمئناً. وللمرة اﻷولى منذ اجتمعنا. والمخيمات التي يسكنونها. وطعم الهواء خلف الحواجز. والذين تركوا أشغالهم ليجمعوا الزبالة. وبائعو اﻷعلام مع بائعي التسالي. ولينظمونا صفوفاً في الدخول والخروج. والذين “عزّلوا” بعائلاتهم. والنائمون تحت الدبابة. علامة النصر باﻹصبعين. والذين يفتشونك ويعتذرون. والنائمون في العراء. وكذب المحطات الرسمية. وفي أحضان الله. والكلام المقيّئ. والذين يقبّلون الجنود. والخيانة على صفحات الجرائد. والخيانة بلا أجندات. وحاملو اﻷرغفة والفواكه. الشاي في الكوب البلاستك. والسيجارة المشتعلة من سيجارة. وصورة تذكارية مع الدبابة. الذاهب واﻵتي. و“مرحباً باﻷبطال“. ومَن راح حسه وهو يهتف. والخوذة المرتجلة في النار. والكوكاكولا لغسيل الوجه. وفي الطوب والحوافر والعصي. الجري ثم الرجوع. وأحضان الثكالى. والمتليف جلده بالشظايا. أوجع قلبه ما حدث لهم. والكوكاكولا بثلاثة جنيهات. ومع علبة كشري صغيرة. ولا يجد حرجاً أو غضاضة. ولن يقبل اﻹملاءات اﻷجنبية. ويقولون إننا مضللون. حاملو الجرحى عبر المداخل. وخراطيم المياه على الساجدين. والساجدون على اﻷسفلت. والذقن والشعر واﻷحذية. ويقولون إنه على كلٍ رئيسنا. سائق التاكسي الخائف. ورافعو الصليب المقدس. وسائق التاكسي الخجول. والذين دهستهم العجلات. صورة الرئيس مع الحذاء. ومشيعو اﻷجساد واحداً بعد واحد. والذي مات قابضاً على الطلقة التي أخرجها من عنقه الطبيب. والذي اختطفوه وأحرقوا وجهه بالسجائر. والذي مات في المرة الثانية. من يهتف لا يمت. والقنص من فوق أسطح الفنادق. والقنص تحت ستار الليل. والشعارات في الرصاص. والذي واجه المضرعة لوحده. والقلق على البلد ككلام المأجورين. وتحت غطاء الليل. أكثر من معنى لجبهة. واستغاثات اﻷطباء. والنازفون على السلالم. وخسّة الشرطي. ومَن حمل القنبلة وقذفها عليهم. ومِن وسط دخان التشنج. ومن حل محلهم وهم يركضون. والذي منع زميله من ضربهم بالحجارة. والنيل ليلاً. والجندي الذي قال لي: كيف أضربكم وأخي بينكم. وضابط الجيش الذي غمرني بذراعه. والشعب يريد إسقاط النظام. ودقات الطبول إيذاناً بشيء. والكارثة. والساحات المدمدمة كالمناحل. ودقات لتنغيم الشعار. الانتظار والذراع مرفوع بالبطاقة. ومن كان شرطياً سيُذبَح. والجلوس على الرصيف. والموت ضرباً. والموت بالنهار. والمطر على الجباه. الشعب يريد محاكمة الرئيس. وعيون الخارجين من المساجد. وأطفال العشوائيات. وما يبقى من السيارة بعد أن تحترق. والانفلات اﻷمني. والرشاش في المرحاض. وأفواج اﻵتين بعد أن يأمنوا. واﻵتون مع أصدقائهم. واﻵتون مع أقاربهم. واﻵتون لوحدهم. ويسقط مبارك.

إبريل

السموات الخلابة. المثقلة بآفاقها. كأنها الخلفية الجاهزة للوحة تصور حقول “الميموزا”. والمقننة بالـ”فوتوشوب”. الزاحفة على زجاجة سدادتها جليد. بلا عمود فقري. سموات لـ”وليام ووردزورث” إثر رجوعه من “الباستيل”. وسموات “الحنجرة” القديمة. التاريخ تحت إبطها ورصيدها الائتماني لا يكفي فنجان قهوة على الشاطئ. سموات هي الأسقف الخلابة للشاطئ. والتي تغمض على درجات الرمادي تحت زوايا مثلثاتها المتفصدة بالبخار. والتي ليست زوايا. سموات تضع أفيونة تغيير العالم تحت لسانها ثم تنحني لليخوت. أقرب إلى البنفسجي من الأصفر. ورغم أنف زهرة الميموزا. السموات التي هي سلالم موسيقية للنظر. جعلت من الله عصفوراً (كما يقول “وديع سعادة”) ولم تدعه يزقزق للشعوب. السموات المنتهَكة. المؤثرة رغم ابتذالها. المبتهجة بالغيم. “ليه يا بنفسج بتبهج”. وتهدُّج “عبد الحليم حافظ” على الوطن والعيون السود. سموات الشِعر الرومانتيكي. رموشهم ليل. ولا مكان لـ”عبد الناصر”. الحالمة بتغيير العالم. التي تثقلها آفاقها. الأفيونة لا تفارق لسانها فيما الشعوب تنتظر الزقزقة. سموات الحرية. سموات المساواة. سموات الإخاء. التي حين تأتي الشمس تشيح بقسم من وجهها عن القمم الغائصة في الزبد فيفوح الصنوبر أخضر وقريباً من الأمواج. الدين للثورة المضادة والوطن للمصطافين. وسموات الأمواج أيضاً. المبحرة بلا شوارع. الباقية بعيداً. والزرقاء رغم أنفها. الزرقاء بلا دماء. الزرقاء بحق الاحتجاج السلمي. والزرقاء بالأبيض وأسود كذلك. الزرقاء بالليل.

يخطر لي أننا هنا من زمان

في منتجع ليس كالدنيا

يرتدي النزلاء سواراً بلون البرتقال

علامة أنهم دفعوا

حق كل ما يمكن أن يجرعوه

وحيث الطعام والشراب، النزلاء قرية

أطفال كالطحالب وعجائز هيبيون

أنصاف عاريات يكركرن على الضفاف

وعلى رسغ كل منهم ذات الشريط

ذلك الذي لا يمكن خلعه

بلا آلة قاطعة

في منتجع لعله كالدنيا قليلاً

فلاحة ما كادت تولد حتى أنجبت

واصطحبت شعباً باكياً

إلى حيث سفينة واحدة بيضاء

تقسم الأفق نصفين

***

برتقال الشمس حليب الهلال

وفي الليل كل النجوم

الطعام ليس طيباً رغم كل شيء

لكن النزلاء متجاورون على اختلافاتهم

وكلهم كلهم يرتدون السوار

كأن ليس لهم رأي في الحكاية

في منتجع يخلط اللغات أو مخلفاتها

أعثر على لون المياه

فيما أنتظر قدح قهوة

غير مدرج في حقوق الإقامة

وأتابع الأرسغ المطوّقة

ختم يجُبُّ حتى الحجاب

في استطاعته أن يقول عنك شيئاً

بينما أنت ساكن كالمناشف

والدنيا بعيدة وسافلة

***

يخطر لي

أننا معتقلون في الصحراء

كفوا عن تعذيبنا من سنين

واكتفوا بمتابعة أيامنا

عوضاً عن الاعترافات

وهم يلهوننا بالغناء والسباحة

يعلمون متى نأكل أو ننام

أين نذهب لو غادرنا المبنى المركزي

وكيف تتلاحق خطواتنا على الطريق

سوار برتقالي في رسغ كل منا

يعرّفهم مَن نكون

يخطر لي

أننا حبساء مصحة عقلية

يجمعنا وهم مشترك

إننا مصطافون في نزهة على الشاطئ

أتينا منذ أيام وبعد أيام نروح

فيما الحقيقة أننا هنا منذ الأزل

ولا أمل في العودة قبل أن نموت

سوار برتقالي يحدد إقامتنا

ويُعلِم العاملين أننا مرضى

لا يجب أن يواجهونا أبداً بالحقيقة

***

في منتجع هو الدنيا، يا حبيبتي

نراهن على مشروب مثلج

أو مباراة كرة طائرة على الرمال

بينما السوار في رسغنا

والموجة تبتعد

تحميل PDF


جانيت ماري: حــبـل

نص جانيت ماري:

حــــــــــــــــــــبــــل

—————

wpid-dvs28a-2012-04-26-20-21.jpg

فقط القريبين يعرفون كيف أبرع و باقتدار في استغلالي لنفسي، ربما معرفتي باستغلالي لي هي في حد ذاتها أسوء من الاستغلال نفسه، كم سيكون سهلاً لو أنني فقط لا أعي كل ما أفعله بي أو أنني أغبى من أن أتعرف إلى حقااتي وضعفي.

 *

كلهم أشجار صامتة غبية. نعم تبدو الأشجار جميلة، لكنها لا ترتعش، وإن ارتعشت فهي ترتعش فقط بفعل شتاء قاس أو خريف أهوج. ومهما ارتعشت الأشجار فهي لن تقدر أن تجعلني أرتعش.

كلهم كلمات ملقاة في نوتة كتاباتي التي فرغت من كلماتها الشعرية حين رحل، كلهم محاولات شعرية مراهقة. وكأن قلمي لم يسطر حرفاً، أو كأن قلبي لم يعرف ماهية الحب.

كلهم دُمى أستغلها في عهر أنثوي فاجر. وكأن خطيئة رفضه هي خطيئتي، وكأنني يجب أن أغسل ذلك الجسد مراراً بأن أبقيه سجين “مَطْهَر” أجسادهم الغبية.

*

كلهم يعرفون. سعداء بتلك اللحظات القليلة التي ستجمعهم بي. لو يجهلون، ما كانوا ليرتضوا جسداً بارداً في مهمة خاصة من التذلل والتفنن في إشباع رغباتهم الحمقاء، وتحت شروطي. لو يجهلون، لما ارتضوا بأن لا تتلاقى الأعين، لما ارتضوا أن لا ينعموا بقبلات ساحرة في أعينهم… لكن رغباتهم الغبية أقوى من تمني العشق الصريح.

لا تستثيرني وجوههم، القبح سيد الموقف. حتى الأسرّة تبدو وضيعة للغاية. أجسادهم غير مثيرة، أعضاؤهم غير مثيرة، تلك الإثارة المنتهية حين تتوسل أعينهم بأن لا أتوقف… غير مثيرة. أشفق عليهم قليلاً وحين أنتهي، أشفق على نفسي.

أود أن أتوقف عن الإشفاق عليهم. أن أحتفظ بالشفقة لنفسي، لأنني سأحتاجها يوم يطردني المَطْهَر بلا رجعة. ربما وقتها لن تكفيني شفقتي، وربما تحل محلهم شجرة أخرى مُشفقة لتتكرر دائرة العذاب المفرغة التي ابتدأتها يوم رحل.

*

هل كانت مهمة التعذيب الذاتي هذه لتكون أسهل لو قررت أن أنظر في عيني أحدهم، لو أن أحدهم استطاع أن يقترب من جسيماتي الدقيقة التي أصبحت شعيرات ضوئية طويلة جداً؟ ربما لو قررت يوماً أن أستثير بعض الرغبات بداخلي حتى يتملكني الضعف الدافع الى إخمادها… ربما حينها سأتخلص من دائرة التعذيب؟ أم سيحدث – ربما – لو قرر أحدهم أن يرفض تسلطي المختبىء خلف ما أقدمه من سعادة وقتية؟

 *

ما معنى الرغبة في التحول لأداة أمريكية الصنع؟ ربما أن تكون يداي أخشن قليلاً من المطاط؟ هل هي الرغبة في التحول للمطاط إذن، بعد أن تحولتُ لشعيرات ضوئية؟

 *

تمتليء نوتة كلماتي بالأسماء. أعجز عن التذكر، أحياناً أنسى أنني على موعد لأجد نفسي مضطرة لإتمام مهمتين من العذاب الذاتي في وقت قليل، أنتشي من كثرة التعذيب… ربما هذا ما أستحقه لقاء هجره لي، ربما أستحق أكثر فتُمعن الأقدار في تعذيبي بجعلي أنسى الموعد. أستيقظ أياماً لأتساءل إن كان هناك شيء عالق في أحشائي لأتذكر ان أحداً لم يصل يوماً إلى أحشائي. أتساءل في غباء إلى أين وصلوا، إلى أين سيصلون؟

*

أتوقف مرات قليلة قبل أن تمتد يدي إلى هاتفي ليلاً لأطلعه على أنني ظننت هناك شيئاً ما بأحشائي ليلة أمس؛ أعرف أن هذا سيهلعه… ربما يكون هذا هو السبب الوحيد لأن يشعر بندم شديد على تحمله تلك الخطيئة الكبرى في تلك الأراضي الثلجية التي لا تشرق فيها شمس “الصفح”؛ ربما سيتعذب وقتها في مَطْهَر الذنب؟

ربما إن عرف سأجد لنفسي سبباً مقنعاً لتركه لي؟ وقتها فقط لو خلطتُ بعض الأيام: قدمت بعضها وأخرت أخرى، سأقول لنفسي إننا غير متشابهين على الإطلاق، فأنا لست وفيّة إلا لمهامي الأبدية كعمر سيزيف!

نعم أعرف أن هذا ما يدور بداخلي. أعرف أنني أقمع نفسي بداخلي يوماً بيوم حتى أتشوه كليةً وأبدو غير مشابهة لتلك القديمة التي أحبها، ليبدو من المستحيل أن يقع في حبي لو – كما قلت – خلطنا بعض الأيام.

تترك يدي الهاتف مسرعة لتطلب رقماً آخر من الأرقام التي ملأت ذاكرته وتأبى أن تتعرف إلى ذاكرتي…

 *

أتساءل إن كان مقدراً لي أن أتوقف عن معاملتي بهذه الخسة… لتأتي الإجابة الخسيسة إنه طالما لن يتوقف هو عن الهجر، فلا فائدة من التفكير أصلاً.

جانيت ماري

“الصحراوي” ليلاً

wpid-ws_highway_1920x1200-2011-11-20-02-36.jpg

“بلاي ستيشن”

والهدف – بلا ضوء -

أن تظل سائراً

دونما تصطدم بأجسام معدنية

ترعد على جانبيك

ولا تحيد إلى هلاكك

عن خط من دوائر فوسفورية

يظهر ويختفي

في الظلام

الموت الرحيم – قالت حبيبتي

ثم شهقت للمرة العاشرة

وأنا لا أستطيع

أن أنظر إلى وجهها -

هذا هو

طريق التحدي

هل حينها حدّقتُ من جديد؟

نور الكشافين في أوج احتدامه

بالكاد يكشف مترين

سأقطعهما في ثوان

ولا آخِر للسواد المتحول من بعده

كالتلال أو العجين

كأن الأرض خلف الزجاج

والجسد مستسلم للجاذبية

أنت عطشان للفوانيس

تفتش عيناك خلف ظلال

تحسبها أشخاصاً يعبرون

عن سراب التماعات

برتقالية وعالية

وحين نصمت عبر نفق آخر

من اللا ضوء

حين تتصلب عضلات كتفينا

وتتسع أعيننا

فوق البئر الأفقية

نعرف كم هي قريبة غايتنا

لحظة شرود

في السرعة أو الزاوية

يمكن أن تضع حداً للتهاوي

وكم سيكون جميلاً في الحقيقة

أن تتوقف الحركة

كم هو رائع يا صغيرتي

أن ينتهي الطريق

*

ثنائي الأبعاد أو المنمنمة، بالفيديو

أنا وأنت، أنتنا، أننت – سركون بولص

الضفدع الغضبان الذي أفتح منه حاوية الملفات

بنقرة لا تحَس على سطح افتراضي

يرغي ويزبد حال يلامسه السهم

السهم الصغير الذي يساير أنملتي مللي بمللي

كأن عصباً يربطهما يَشْغَل أبعاداً

أعقد من أن يدركها استيعابي الهندسي

الآن يتوارى خلف الهَبّة البرمائية

لمخلوق لا يمتد في الفضاء

ولا ترجف أطرافه بالشهوة

ليس في كونه ضفدعاً سوى خدعة منظور

ضوء وظل

ينتفش في وجهي أخضر ثائراً

فأكاد أجاوب الوعيد في عينيه

وأراك مكانه بحجم عقلة إصبع

صوتك متراكم النغمات في دبيب ذراعك

عود ثقاب يقول كل شيء

لكنني أتذكر أن الضفدع نفسه

مجرد «أيقونة» على سطح المكتب

منزوعة الملمس والرائحة

ولا تستطيع أمام طاقة الدفع هذه

أن تصنع أي شيء

*

في غرفتي حين تلجّ الميكروفونات

بصلوات طويلة يسمونها التراويح

فأتذكر أنه بَعد الُمتمّ لشعبان

لا تدخين خارج البيت

ولا ملاذ من قذائف صغيرة

سيطلقها الأطفال في شارعنا

تبدو الشاشة الراجفة بإيكولوجيا الضفادع

عوضاً جديراً عن أي سطح بدونك

يمكنني أن أحفر كوعيّ في عرصاته

وإذا لكمته أشعر بالوجع

في غُرَّة رمضان يوم المغادرة

خلعت الزجاجات الخضر شارات «ستلا»

عن أجساد ستضجر بسوائلها

طوال ثلاثين يوماً لا يُسمح بشم الهواء

أحيت «الكلكسات» موكباً مهرجانياً

نكايةً بالفَسَقَة أمثالنا

لكن مراسم الاحتفال كانت أشبه

بمعركة بذيئة في حي عشوائي

جُبلتُ على الإقامة في جواره

ضاق القمر المدوّر كالفطيرة

ولم يبشّر الزجاج المهشم على العتبات

بسَكينة محتملة

أعرف أنني قبل هذا النهار

اكتملت أعضائي

وكنت صحيحاً ورائعاً

حتى أنني جرؤت على حذف بعض «الملفات»

معلناً بداية هولوكوست في دماغي

لشعب آخر مختار

غيرتُ ألوان القوائم وحجم الحروف

وصرخت في ضفدعي المذعور على شاشته

أن يعمرّها بمفرده لو يشاء

كانت الفرحة برتقالاً رغم أنفك

حين راق ظهري قرب بحر صغير

ورأيت الهرم فوق كتفك بعيداً جداً

لم أجد صعوبة في إغلاق الشيش

ليتصبب ضوء الصباح من مسامه

إلا لأنني نسيت أن أفك الشنكل

الشنكل الذي أشرفتُ على تركيبه شخصياً

ليلة نصبنا سكنانا هنا للأبد

في ذكرى سيتسنّى اختراعها دون جهد

مع شاي يديك حين انقسمنا

لأول مرة في التاريخ ما بعد الاستعماري

كنتُ مضطجعاً على كنبة تخصني

وأنت zigzag ممدد عبر كرسيين

رقاقة ظننت من سمكها أنه يمكن طيها

في جيبي الخلفي

لتكون جوازي إلى هناك

مجرد رقاقة

هي كل ما أطالب به الدنيا

في العتمة ألوانها لم تقل لي

إن الغرفة التي نؤوب من بلكونتها

خيمة غجري

*

لن أخبرك بأنني منذ التقينا

ما عاد لي صبر على ترجمة الحواديت

قرب مقهى ملتبس الهوية في «الزمالك»

كان كَفّي في ذراعك مغارة

لكن عدد «الحرامية» أكثر من أربعين

وأنا لا أريد أن أكون علي بابا

ثمة أمير رافق الموت مدة

ليُخرِج له الموت من بطن الأميرة تنيناً

لم يكن قد شك في وجوده

كل هؤلاء الفقراء سيصبحون ملوكاً

شرط أن يمتثلوا لاختبارات

ليس لله نفسه القدرة على اجتيازها

لن أخبرك بأنه وكَفّي في ذراعك

ثمة مَن يحلم أثناء عرس أخته

بضب أغراضه لبيت الزواج

وإلى أن أترجم حدوتة مليئة

«بالسكربينات» و«الجزادين»

«كلسات» لابد من دفسها في «الشناتي»

و«كبوط» من الفرو أيضاً

خليق بمناخاتك الباردة

سيكون علي أن أتململ أمام الشاشة

لتظهري وحيدة بحجم عقلة إصبع

خطواتك السريعة المثابرة

ووجهك الواشي بجدية المعلمات

لحظة ينفك سحر العجوز القبيح جداً

فيصير شاطراً ليس في حسنه وجماله

يصبح بريق عيني طفلة

تعيد اكتشاف المشي في الممر

قدماها الحافيتان قطرة

في بحر فردتي حذاء

الحواديت تتكرر

وثمة دائرة كالكون

قطرها دمعة ستُذرَف في الشتاء

*

وأنت أول الأمر جلد على عظم

لم يكن لقماش فستانك نفس النعومة

لعلني انتظرت ملمساً مغايراً

ما كدت أقنع أن هذا العضو متناهي الوداعة

الأطرى من فُلة وليس أكبر كثيراً

خرج من طياته طفلان

وإلى أن شعرت به يستميت

ممعناً في عصيان أمرك بالانتظار

دونما يبتعد خجلك عن قوائم السرير

ولا حاجتك هذه التي تميتني

إلى إرادة فوق إرادتك

ثم يغلبك آخر الأمر مخلّفاً عقصة هزيمة

تليق بوجهك الموسيقي

كنت حائراً في تأويل النشيج

وضربات قبضاتك على كتفيّ

ضوء بلا ظل يلمّنا

ذكرني بأسطح المنمنمات

الغائص سحرها في الحزن

ولم أرد شيئاً سوى أن أظل مشتاقاً إلينا

أنا وأنت

في العتمة هذه

يوم نزفت يداي على قماش الفستان

*

الآن مع ضفدعي جلوت الحاوية

عن الطعام المتاح من صور أو نصوص

بالكاد تقيم أود القبائل المشردة وراءنا

مثل رُحّل ما بعد حداثيين ينقّبون في الصحارى

عن ينابيع لا تظل شخصية حتى النهاية

يستدعي طريقنا خطوط الأغاني (أو دروب الأحلام)

أقصد المسارات الموسمية التي يتبعها السكان الأصليون

للقارة الأسترالية

مغنين مثلنا بلغات نصف حية

هكذا مع ضفدعي اعتدت أن أقود جحافل

تتكاثر باطراد ولا تشبع أبداً

دونما تعرف دائماً أي بقعة من «القرص الصلب»

يجب أن تُغير عليها

حريصيَن على رصد معدلات الآبار

ودرجة انحدار الأرض

أن الشَمَال في خرائط الإدريسي أسفل البوصلة

أن الوجه المخبّأ في المنمنمات هو النبي

أن الهلال أصلاً راية سبأية

مؤونة القبائل وحسرة فراقك

كأن الضفدع في ضلوعي يحتضر

كأن حية في السهوب لا تسعى على ترقوة

مبذورة بالشامات

*

لكي أغيّر جواً يغص بالنقيق (هذا المستنقع الآسن)

أجرجر جعبتي على سلالم عمارتنا بعد الإفطار

متناسياً أن للدفتر الأحمر المائل على جدارها

حجم أسودك وماركته

وقبل أن تطوقني كتيبة الانتحاريين

بالرشّاشات البلاستك و«البُنْب» العنقودي

أخط طريقي إلى الجراج على رصيف مكدس

يشبه صالون البدروم المطل عليه

ناوياً أن «أفوّل» في أول محطة

وأشد الحزام على صوت «عدوية»

لعل إنجليزيتك التي يذوبني نطقها تستوطن أذني

في الشوارع الدامسة «للمعادي»

لعل في انعكاسات الفتارين

طيف مخلوق برمائي قابلته تائهاً

وما كدنا نتعارف حتى صرنا صديقين

هناك بالقرب من عمودك الفقري

(ما كان يصح أن يجول بخاطرك أنني لم أنتبه له)

الحبيبات أسماك أو طيور

إما يُمِتنني غرقاً أو يوسّعن رئتي

والآن تحت ماء بركة أتدلى من حافتها

كيف يمكنني التنفس بهذه البساطة

أنت خرافية الجمال بالتأكيد

وإن رأى الناس في بلادنا غير ذلك

أنت الشيء الذي يبصره البدناء غليظو الملامح

حين يتأملون الشروق على الشاطئ

وقد باعوا أرواحهم لشيطان الأمل

*

هسسست الآن واسمعيني

برواز الضحية الذي يثير غثيانك

ليس سوى «شباك دردشة» جنب ضفدع غضبان

بك أو بدونك يفضي إلى أمنيات

الملهمات مَن نستمني على أشباحهن

ولا شيء في الدنيا أقبح

من فريسة لا تحتفل باصطيادها

الملهمات مثل مصاصي الدم يبتن في التوابيت

لكن العشق أنسب موضوع للكتابة

وليس أروح «للكيبورد» من غرام مؤجل

لأن الأثير رمادي بما يناسب

خمسة عشر عاماً من الاحتياج

الملهمات يمُتن مقدماً وأنت ستُقتلين

بدم بارد تحت ناموسية هفهافة

كان لابد أن تتوقي للصفع والسوقية

للإهانة المبللة بالحليب

كان لابد من سلخ هذا الجلد

وسبر ماورائه بسكين المطبخ

وصولاً إلى ثلاث كليات

أعصر أكبرها حتى أنتزع شهقة الولاء المطلق

في تمثيل أوبرالي لامتلاكك

أنت كلك على بعضك هكذا لست إلا

وبيدين داميتين وأسنان قادرة

على قضم أطراف شعرك المعرضة للتقصف

وإيداعها مخازن لا تشبع من عظامك

بيدين ليس أحن منهما خلف المحيط

وسط رشاش أحمر وأسود وoff white

وعرق لا يرد عشقَه هوسُ الإزالة

أثبّت انفلاتك في نقطة واحدة

لأسحبك من أذن لا يجب أن يضيرك

أن طرفها مدى العمر طابع بريد

كان لابد من كل هذه الأشياء

لأعرف في عينيك ذهول المهاجرين

وأسمع في بعض ضحكاتك فقط

مرارة ما ادخرتِه من موت

أسكّن أوجاع ضرس حالم بالانخلاع

في قصائدك

وأمارس أبوة حُرمتُها مرتين

ممزوجة بالشبق المباح

على التواءة وركين لهما ما لبطن الرضيع

من أمومة

لماذا كان لابد أن تروحي أيضاً

لأعود بعد هذا إلى ضفدعي الغضبان

أغريه بقوالب سكر رومانتيكي

لم تكن لتذوب في لعابك

أو بسحبة أنملة تستبطن الحنين

عليه أن يجد معي وسط شتات الجحافل

فتاة أسقطت السماد عن ظهر حمارها

هسسست اسكتي ولا كلمة

فتاة بوجه سارح على «زراعية» كالميناء

هرعت تاركة حملها الثمين حين انتصب الحمار

فأدركت أن في الدنيا أعضاء جنسية

وتعلمت أن تخبئ حياءها في الكتابة

وحده خوفها تلبّس خرائط

مازلت أحبو إلى مكاني في خطوطها

بديع

عادة

عار

شاحب

ملآن

ألفة النعوت شيء بدل لا شيء

لكنها لا تشبه احتضانك

ومن تصرخ أبسط الألفاظ من فمه الدقيق

بأنه جاء من حيث جاء أبي

عليه فعلاً أن يكون لي

أطمئن نفسي بأن كل هؤلاء الصاخبين حولك

ليسوا سوى التطور الانتقائي للسماد ذاته

السماد الذي جلست بجانبه تبكين

ولم يجئ سواي عبر غيط أراه فوسفورياً

ليشد من أزرك بتقبيل يدك

هسسست أرجوك اسمعيني

الألم ليس شرطاً معرفياً ليس ملوى لأوتار الوعي

الألم فقط ضرورة تقنية

لتلاصقنا الآن عبر قارتين

كان لابد أن نتألم كلانا

لكي أصبح بطلاً مجنحاً بالسيبرالكس

وتصبحي امرأة ناضجة وعملية

تلفظها المقاهي في الخامسة صباحاً

*

أحلم الآن أن ينام الضفدع

وأنا أطوي الشاشة حتى النهاية

فأشد الغطاء على كمبيوتر نعسان

وإلى حيث أحصل على منمنمة بديعة

من شاهنامة ضائعة

أنظر إليها وأندهش مثل راشد صديقي

في نهاية الركعة الأخيرة من صلاة الجماعة

حين يسأل

على من يسلم كل هؤلاء

فأخالنا أنا وأنت من شخوصها

رماة السهام والسلاطين

العشاق المطهمون مع ندمائهم

حصان باهر يطارد سحابة

طافياً في نقوش كأنها السجاجيد

داخل برواز لا يدّعي الاستقامة

ألوانه بقع من بشرتينا

ومن حولنا ذبذبات الخط الفارسي

مرتبكة الاتجاهات

فقط حياة لا يستبد بها المنظور

هي كهرباء الحركة الثابتة في المسافة

كأننا نقوش أصابتها طفرة جينية

فهجرنا أندادنا المتشبثين بالسطوح

وقبِلنا بدكنة الألوان في مكان آخر

المهم أن نتذكر

أن وجودنا لا يعتمد على التظليل

ولن يُنقص من شأننا أبداً

أننا ثنائيا الأبعاد

*

لتحميل ديوان “يظهر ملاك” كاملاً

Reblog this post [with Zemanta]

هو الحب

wpid-france357-2011-09-30-04-08.jpg

هُوَ الحُبّ فاسلمْ بالحشا مَا الهوَى سَهْلُ *** فما اختارَهُ مُضْنىً به ، وله عَقْلُ
وعِشْ خالياً فالحبُّ راحتُهُ عَناً، *** وأوَّلهُ سُقمٌ ، وآخِرهُ قَتْلُ
ولكنْ لَديَّ المَوْتُ فيهِ ، صَبابَةً، *** حَياةٌ لمنْ أهوَى ، عليَّ بها الفَضْلُ
نَصَحتُكَ عِلماً بالهوَى ، والَّذي أرَى *** مُخالَفتي ، فاختَرْ لنَفسِكَ ما يحْلو
فإنْ شِئتَ أنْ تحيا سَعيداً ، فَمُتْ بهِ *** شهيداً ، وإلاَّ فالغرامُ لهُ أهْلُ
فمنْ لمْ يَمُتْ في حُبِّهِ لمْ يعشْ بهِ، *** ودونَ اجتِناءِ النَّحلِ ما جنتِ النَّحلُ
تَمَسّكْ بأذيالِ الهوَى ، واخلَعِ الحيا، *** وخَلِّ سَبيلَ النَّاسكينَ ، وإنْ جَلُّوا
وقُلْ لقتيلِ الحبِّ : وَفَّيتَ حَقَّهُ، *** وللمدَّعي : هيهاتَ ما الكَحَلُ الكَحْلُ
تعرّضَ قومٌ للغرامِ ، وأعرَضوا *** بجانبهمْ ، عنْ صِحّتي فيهِ ،و اعتَلُّوا
رَضُوا بالأماني ، وابتُلوا بحُظوظِهمْ، *** وخاضُوا بحارَ الحبِّ ، دعوَى فما ابتلّوا
فهمْ في السُّرى لمْ يَبرَحوا منْ مكانهمْ *** وما ظَعنوا في السَّير عنهُ ، وقدْ كلُّوا
وعنْ مَذهَبي ، لمَّا استحبُّوا العمى على الْ *** هُدى حَسَداً منْ عِندِ أنفُسِهمْ ضلُّوا
أحِبَّةَ قلبي ، والمَحَبَّةُ شافِعي *** لدَيكمْ ، إذا شِئتُمْ بها اتَّصَلَ الحبلُ
عسَى عَطفَةٌ منكمْ عَليَّ بنظرةٍ, *** فقدْ تَعِبَتْ بَيني وبَينكمُ الرُّسلُ
أحِبَّايَ أنتمْ ، أحسَنَ الدَّهرُ أمْ أسا، *** فكونوا كما شِئتمْ ، أنا ذلكَ الخِلُّ
إذا كانَ حَظِّي الهَجرَ منكمْ ، ولمْ يكنْ *** بِعادٌ ، فذكَ الهجرُ عندي هوَ الوَصْلُ
وما الصَّدُّ إلاَّ الوُدُّ ، ما لمْ يكنْ قِلىً، *** وأصْعَبُ شئٍ غيرَ إعراضِكمْ سَهلُ
وتَعذيبُكمْ عَذبٌ لدَيَّ ، وجَوْرُكمْ *** عليَّ ، بما يَقضي الهَوَى لكُمُ ، عَدلُ
وصَبريَ صَبرٌ عنكُمُ ، وعليكُمُ، *** أرى أبداً عِندي مَرارَتَهُ تَحْلُو
أخَذتُمْ فؤادي ، وهوَ بَعضي ، فما الَّذي *** يَضُرُّكمُ لوْ كانَ عِندَكُمُ الكُلُّ
نأيتمْ ، فغَيرَ الدَّمعِ لمْ أرَ وافياً، *** سوى زَفرَةٍ ، منْ حرِّ نارِ الجوَى ، تغلو
فسُهديَ حَيٌّ ، في جُفوني ، مُخَلَّدٌ، *** ونَومي بها مَيتٌ ، ودمعي لهُ غُسْلُ
هَوىً طَلَّ ما بَينَ الطُّلولِ دمي فمنْ *** جُفوني جرى بالسَّفحِ منْ سَفحِهِ وَبلُ
تَبَالَهَ قومي ، إذْ رأوني مُتيَّماً، *** وقالوا : بمنْ هذا الفتى مَسَّهُ الخَبْلُ
وماذا عسى عنِّي يُقالُ سِوى غَدا، *** بنُعمٍ ، لهُ شُغلٌ ، نعَمْ لي بها شُغلُ
وقالَ نِساءُ الحَيِّ : عَتَّا بذِكرِ مَنْ *** جَفانا ، وبعدَ العِزِّ لَذَّ لهُ الذلُّ
إذا أنعَمَتْ نُعْمٌ عليَّ بنظْرةٍ، *** فلا أسعدتْ سعدَى ولا أجملتْ جُملُ
وقدْ صَدِئتْ عَيني برُؤيةِ غَيرها، *** ولَثمُ جُفُوني تُربَها للصَّدا يجلو
وقدْ عَلِمُوا أنِّي قَتيلُ لِحاظِها، *** فإنَّ لها ، في كلِّ جارحَةٍ ، نَصْلُ
حَديثي قديمٌ في هواها ، وما لهُ، *** كما عَلِمتْ ، بَعْدٌ ، وليسَ لها قبلُ
وما ليَ مِثْلٌ في غَرامي بها ، كما *** غَدَتْ فِتْنَةً في حُسنِها ، ما لها مِثلُ
حَرامٌ شِفا سُقْمي لديها ، رضيتُ ما *** بهِ قسمَتْ لي في الهوَى ، ودمي حِلُّ
فحالي وإنْ ساءَتْ فقدْ حَسُنَتْ بهِ، *** وما حطَّ قدري في هواها به أعْلوا
وعُنوانُ ما فيها لقيتُ ، وما بهِ *** شَقيتُ ، وفي قولي اختَصرْتُ ولمْ أغلُ
خَفيتُ ضَنىً ، حتَّى لقدْ ضَلَّ عائدي، *** وكيفَ ترَى العُوَّادُ مَنْ لا لهُ ظِلُّ
وما عَثَرَتْ عَينٌ على أثَري ، ولمْ *** تَدَعْ ليَ رَسماً في الهوى الأعينُ النُّجلُ
ولي هِمَّةٌ تَعلو ، إذا ما ذَكَرْتُها، *** وروحٌ بذِكراها ، إذا رَخُصَتْ ، تغلُو
جَرَى حُبُّها مَجرَى دمي في مَفاصِلي، *** فأصْبَحَ لي ، عنْ كلِّ شُغلٍ ، بها شغلُ
فنافِسْ ببَذلِ النَّفسِ فيها أخا الهوَى، *** فإنْ قَبِلَتْها منكَ ، يا حَبَّذا البَذلُ
فمَنْ لمْ يجُدْ ، في حُبِّ نُعْمٍ ، بنفسِهِ، *** ولوْ جادَ بالدُّنيا ، إليهِ انتهَى البُخلُ
ولَولا مراعاةُ الصِّيانةِ ، غَيْرَةً، *** ولو كَثُرُوا أهْلُ الصَّبابةِ ، أو قلُّوا
لقُلتُ لِعُشَّاقِ الملاحةِ : أقبِلوا *** إليها ، على رأيي ، وعَنْ غيرِها وَلُّوا
وإنْ ذُكرَتْ يَوْماً ، فخُرُّوا لذِكرِها *** سُجوداً ، وإنْ لاحتْ ، إلى وجهها ، صَلُّوا
وفي حُبِّها بِعْتُ السَّعادةَ بالشَّقا، *** ضَلالاً ، وعَقْلي عنْ هُدايَ ، بهِ عقلُ
وقُلتُ لرُشْدي والتَّنَسّكِ ، والتُّقى: *** تخَلُّوا ، وما بيني وبينَ الهوَى خَلُّوا
وفَرّغْتُ قلبي عنْ وجوديَ ، مُخلِصاً، *** لَعَلِّيَ في شُغلي بها ، مَعَها أخلُو
ومِنْ أجلِها أسعى لِمَنْ بَينَنا سَعى، *** وأعْدو ، ولا أغدو لِمَنْ دأبُهُ العَذْلُ
فأرتاحُ للواشينَ بَيني وبَيْنَها، *** لتَعْلَمَ ما ألقَى ، وما عندَها جَهلُ
وأصْبوا إلى العُذَّالِ ، حُبّاً لذِكرِها، *** كأنَّهمُ ، ما بيننا في الهوَى ، رُسْلُ
فإنْ حَدّثوا عَنها ، فكلِّي مَسامعٌ، *** وكلِّي إنْ حَدَّثتُهُمْ ، ألسُنٌ تَتلُو
تَخالَفَتِ الأقوالُ فينا ، تبايُناً، *** برَجْمِ ظُنونٍ بَينَنا ، ما لها أصلُ
فشَنَّعَ قومٌ بالوِصالِ ، ولمْ تَصِلْ، *** وأرْجَفَ بالسِّلوانِ قَومٌ ، ولمْ أسلُ
فما صَدقَ التَّشنيعُ عنها ، لشِقْوَتي، *** وقد كذبَتْ عنِّي الأراجيفُ والنَّقلُ
وكيفَ أُرَجِّي وَصْلَ مَنْ لو تَصَوَّرَتْ *** حِماها المُنى ، وَهْماً ، لضاقتْ بها السُّبلُ
وإنْ وَعَدَتْ لمْ يَلحَقِ الفِعلُ قَوْلَها، *** وإنْ أوْعدَتْ فالقولُ يَسْبُقُهُ الفِعلُ
عِديني بِوَصْلٍ ، وامْطُلي بِنَجَازِهِ، *** فعِندي ، إذا صَحَّ الهوَى ، حَسُنَ المطلُ
وحُرْمةِ عَهْدٍ بَينَنا ، عنهُ لمْ أحُلْ، *** وعَقْدٍ بأيْدٍ بَينَنا ، ما لهُ حَلُّ
لأنتِْ ، على غَيظِ النَّوَى ورِضَى الهوَى، *** لدَيَّ ، وقلبي ساعةً منكِ ما يخلُو
تُرَى مُقلتي يوماً تَرَى مَنْ أُحِبُّهمْ، *** ويَعْتِبُني دَهْرِي ، ويجتمِعُ الشَّملُ
وما برِحوا مَعنىً أراهُمْ مَعي ، فإنْ *** نأوا صورَةً ، في الذِّهنِ قامَ لهمْ شكلُ
فهمْ نَصْبُ عيني ، ظاهراً ، حيثُما سرَوا، *** وهُمْ في فُؤادي ، باطِناً ، أينما حلُّوا
لهمْ أبداًَ مِنِّي حُنُوٌّ ، وإنْ جَفَوْا، *** ولي أبَداً مَيْلٌ إلَيْهِمْ ‪‬وإنْ مَلُّوا

wpid-img_1264-2011-09-30-04-08.jpg

رياليزم: قصيدة آية نبيه

آية نبيه

wpid-france54-2011-09-20-06-23.jpg

مطرٌ خفيف كان كافيًا ليلمع الطريق أمامنا والذي بقميص أسود على الرصيف المقابل وقف يضبط ساعته الرخيصة. لم يكن يشغلني ساعتها سوى فكرتي الأخيرة عن الانسحاب. صوت الراديو الذي لم أستطع أن أحدد مصدره مشوش ويقاطع الفكرة، والذي بقميص أسود لا يبدو أنه يسمعه. الأمر أبسط من ذلك، أنا – حرفيًا – لم أعد أعني شيئًا لأحد. المتطفلون يئسوا مني فانسحبوا من حولي، ونسي أصدقائي الكلام فانسحبوا مني، أما العابرون فلم يعنني اللجوء إليهم وأتوقع أنهم كعادتهم مشغولون بالبحث عن أرواح أكثر رحابة. ما الذي أنتظره إذن.

أنا أحدثك عن عدم جدوى الكتابة، وأنت ترد بكلامٍ عن البراكتيسينج. أنا لا أفهم أي شئ، لا أفهم لماذا أقوم لأمشي من هنا إلى هناك، لا أعرف لماذا نتدرب وما الذي تقصد أن علينا أن نتدرب عليه… أفكر في معنى محتمل لما تقوله وأفيق على كلامك عن احتقاري للحياة ولا أرد إلا بـيمكن، يمكن. ولو كنت انتظرت قليلًا كنت جزمت لك بعكس ما تعتقد وأخبرتك كيف بدت لي على طريق السفر طيبة كزجاج شفاف لا شئ خلفه.

الذي فشل في ضبط ساعته يفشل في جذب انتباهي ليسألني عن الوقت، وأنا تأكل بالي السحب التي تتقاطع في الظلام؛ ترسم عن قصد خرائط جديدة.

الأسد على حق

ألن جينسبرج 1926-1997


كن صامتاً من أجلي، أيها الإله المتأمل

***

عدتُ إلى بيتي لأجد في الصالة أسداً

وهرعتُ إلى بئر السلم أصرخ: أسد! أسد!

السكرتيرتان الجارتان، عقصت كل منهما شعرها الأدكن. وبصفقة ارتدت نافذتهما مقفلة

أسرعتُ إلى بيت أهلي في باتيرسون، ومكثت نهارين

.

هاتفت طبيبي النفسي، تلميذ “رايخ”

كان قد حرمني من الجلسات عقاباً على التحشيش

“حصل،” هكذا لهثتُ في أذنه: “في صالة بيتي أسد.”

“للأسف، لا مجال للمناقشة،” وضع السماعة

.

ذهبتُ إلى حبيب قديم وسكرنا بصحبة حبيبته

قبّلتُه. وبومضة مخبولة في عيني أعلنت أن عندي أسداً

انتهى بنا الأمر نتقاتل على الأرضية. جرحتُ حاجبه بأسناني فطردني

في سيارته “الجيب” المصفوفة أمام البيت كنت أستمني متأوهاً: “أسد.”

.

عثرتُ على “جوي” صديقي الروائي وزأرتُ في وجهه: “أسد!”

نظر إلي مهتماً وقرأ علي أشعاره العفوية الراقية المكتوبة كما يكتب “الإيجنو” (والإيجنو شخص يعيش مرة وإلى الأبد. وينام في أسرة الآخرين)

أنصت في انتظار أن أسمع اسم الأسد. لم أسمع سوى الفيل، التيغلون – ابن النمر واللبؤة – والهبغريف، الحصان أحادي القرن، النمل

لكنني عرفتُ أنه فهمني حين تناكحنا في حمام “إيجناز ويزدوم”

.

في اليوم التالي مع ذلك أرسل إلي قصاصة من عزلته في “سموكي ماونتين”

“إني أحبك يا نونو وأحب سباعك الذهبية الرقيقة

بيد أنه لا روح ولا حجاب، إذن فإن حديقة حيوان أبيك الغالي ليس فيها أسد

قلتَ لي إن أمك جنت قبل أن تموت، فلا تنتظر مني وحشاً خرافياً يكون عريساً لك.”

.

حائراً ودائخاً، مرتقياً هذه الحياة كلها تذكرتُ الأسد الحقيقي يتضور جوعاً وسط نتنه في هارلم

وفتحت باب الغرفة لأجابه انفجار قنبلة غضبته

يزأر جائعاً في وجه جص الجدران، لكن أحداً عبر الشباك لا يسمعه. التقطتْ عيني الطرف الأحمر للعمارة السكنية المجاورة واقفة في سكون يصم

وأطلنا النظر بعضنا إلى بعض. عينه الصفراء العنيدة وسط هالة الفرو الأحمر

أنا من أصابني رمد العينين لكنه توقف عن الزئير وأشهر ناباً يحيي

واستدرت أطهو البروكالي للعشاء على موقد الغاز الحديدي

غليتُ ماء وتحممتُ بماء ساخن في الوعاء المعدني أسفل الحوض

.

لم يأكلني، ورغم أنني حزنت لتضوره في وجودي

في الأسبوع التالي كان الهزال قد جعل منه بساطاً سقيماً تملأه العظام. تتساقط سنابل شعره

عينه المحمرة حانقة وهو مقع يتألم برأسه المشعر في كفي أسد

وقرب المكتبة المصنوعة من صندوق بيض. المملوءة بمجلدات نحيفة لأفلاطون وبوذا

.

كنت أسهر جواره كل ليلة أشيح بعيني عن وجهه الجائع المعثوث

وكففت أنا الآخر عن الأكل. يضعف ويزأر بالليل بينما تجيئني الكوابيس

مأكولاً من جانب أسد في مكتبة الحرم الفضائي لجامعة كولومبيا، أسداً محروماً من الطعام من جانب البروفيسور كانديسكي، أحتضر في نُزُل حقير داخل سيرك الأسد

وكنت أصحو في الصباحات والأسد لا يزال مضافاً إلى وجودي يحتضر على الأرضية. “أيها الحضور الرهيب!” صحت. “كلني أو مت!”

في ذلك العصر نهض وسار إلى الباب وكفه على الحائط الجنوبي يحافظ على توازن جسده المرتجف

أطلق صريراً كليماً خلع قلبي من سقف حلقه الذي لا قعر له

وهدر كالرعد مغادراً أرضيتي إلى السماء أثقل من بركان في المكسيك

دفع الباب ليفتحه وبصوت حصبائي قال: “ليس هذه المرة يا صغيري، لكنني سأعود مرة ثانية.”

.

يا أيها الأسد الذي يأكل عقلي الآن منذ عقد ولا يعرف سوى الجوع

ليس فردوس رضاك يا زئير الكون كيف اصطفيتني

لقد استمعت إلى وعدك في الحياة الدنيا وصرت جاهزاً للموت

خدمت حضرتك الأبدية الميتة جوعاً أيها الرب. أنا الآن في غرفتي أنتظر رحمتك.

 باريس، مارس 1958

ترجمة يوسف رخا، 2011

كالي: يظهر ملاك

لتحميل “يظهر ملاك” – شعر http://yrakha.files.wordpress.com/2011/07/yadharmalak.pdf

wpid-wmudfigure-2011-07-26-05-212.jpg

“ويا نار أحشائي…”

– عمر ابن الفارض

-1-

عند الهندوس إلهة تقيء الثعابين،

تتكلل بالرؤوس المشجوجة (زيت شعرها

عجين الأمخاخ) وتفترش القبور الجماعية

على سبيل التنزه.

يعتقدون أن لا شيء يعطّل شرها

إلا شلال دم.

لو اقتربت من هذه الإلهة،

لو دخلت دائرتها،

لو جثوت أمام الأعضاء المبتورة

العالقة بذقنها،

سوف ترى فتحة فمها أسفل عينيها،

محجري النار،

بئراً مبطنة بالسكاكين.

ورغم أنها في الأصل إلهة طيبة،

ترعى الزرع والعاشقين،

وليس هذا الرعب إلا صورتها الغاضبة

(لأن الآلهة عند الهندوس، سبحان الله،

لكل منهم أكثر من صورة،

ولكل صورة اسم)

الأفضل أن تصلي لها وهذا اسمها…

-2-

يا سيدة التقطيع والغواية،

محتاج أن أكون الله، ولو لليلة،

محتاج أن أعيد خلق شخص واحد في هذه الدنيا

ليستقيم وجودي. وعندما أمتلك ذلك الشخص

كما تمتلكين الليل والمجاعة،

لن أكتفي بالوقوف في صف من المؤمنين

رأيته رؤى العين في نيبال –

كان أكثرهم فقراء لا يملكون ثمن الكبش أو اللاما

كذبيحة تليق بامتعاضك

سيدهنون تمثالك بما تلتقطه أصابعهم

من غدران دمائها البطيئة،

ولم تخرج الضحايا التي يحملونها

عن بطة ممصوصة أو قطة نفقت في حادث سيارة،

قرد انقصم عموده الفقري إثر قفزة غير محسوبة

أو ديك أعمى يريد أن يصل إلى عرفه بمنقاره –

لن أكتفي بالوقوف في صفهم

وتأمُّل الرقاب الصغيرة تنكسر بين الأصابع.

سأكون من الصفاء والتجلي

بحيث أقدّم نفسي إليك صحيحاً وكاملاً

بلا خوف أو فجيعة.

يا سيدة التقطيع والغواية،

ليصير مخي عجيناً يحفظ أطراف شعرك من التقصف،

لتكون عظامي رماحاً تنشبينها في أجساد الأبرياء،

وقلبي “بونبونة” في فمك،

محتاج أن أكون الله.

لتحميل “يظهر ملاك” – شعر http://yrakha.files.wordpress.com/2011/07/yadharmalak.pdf

The Revolution for Real-الثورة بجد

عن قصيدة “الأسد على حق” لألن جينسبرج

“ليس فردوس رضاك يا زئير الكون كيف اصطفيتني”

Continue reading

عنبنا الترف

 

ردتك .. ولو كذاب

ردتك .. تطش بعمري صم عتاب

ردتك .. ولو شباك يملي حياتي تراب

 

ردتك ولو صبيًرة حمره .. تفيً وجهي من حكي الغيًاب

كذاب.. كذاب يا ثعلب عِنبنا الترف

ونعزًك ولو كذاب

دكيت بابي .. وعشبت بابي فرح

والخشب عطب وذاب

 

خدي اشتعل .. والروح شبت ورد فلفل

والتراجي ذابن بتيزاب

واصهلت مرجحت .. الكصايب يا حبيبي

يا حبيبي.. يا حبيبي

ومتت مثل الباب

جم دوب .. موكلنه القلب بطًل

ومنك تاب .. كذاب

يا قلبي يا ثعلب .. من قبل كذاب

Enhanced by Zemanta