ياسر عبد اللطيف: نصان

في المدينة الشهباء

وصلتُ إلى حلب قادماً من بيروت عن طريق البر. كلما تقدمنا نحو سوريا، بدت بوضوح أكثر ملامح “الدولة”على الرغم من تدهور حال الطريق عمّا كان عليه داخل الحدود اللبنانية: لافتات إشارية، وأكشاك لعسكر وشرطة، وألوان موحدة لأطلية المرافق.. في الطريق، كان راديو السيارة يبث على الهواء مباشرةً وقائع مؤتمر دولي للآباء المارونيين من كنيسة الجبل، وأعلن المذيع وصول وفدٍ من حزب الله كضيوف على المؤتمر برئاسة نائب الأمين العام نفسه. أخذ رئيس الوفد الشيعي الميكرفون ليلقي كلمةً. قال بصوت جهوري: ” جئنا لننزع عن المؤتمر صفته المارونية.. ليكون المؤتمر مؤتمرا لبنانيا وطنياً..” أغلق سائق السيارة الراديو بينما كنت أتساءل: كيف يحل ضيوف على مكان لينزعوا عنه صفته الأساسية؟

وصلنا قبل هبوط المساء. بزغت حلب من قلب البراري، بيوتاً بيضاء مشربة بلون وردي وقد انعكست عليها إشعة الشمس الغاربة، وفهمت سر تسمية المدينة بالشهباء. قضيتُ ليلتي في حي يعرف بـ”الدبلوماسيين”، بجوار مستشفى يحمل اسم الطبيب العربي القديم أبو بكر الرازي. وفي الصباح التالي ذهبت لزيارة المدينة القديمة و”خان الصابون” وقلعة حلب؛ جددها السلطان المملوكي الغوري، على الرغم من أنه جركسي بوضوح كان يتكلم التركية الطورانية، إلا إني حسبته مصرياً لما له من عظيم صنع في المعمار حدانا في القاهرة، وشعرت حيال ذلك البناء الصرحي بقرابة روحية، وجلست بأحد مقهيين تحت أقدام الحصن أحتسي القهوة وأطلق أفكاري في الهواء.

wpid-img_0187-2013-04-23-03-16.jpg

واصلت المشي بالجوار. مشيت ومشيت، حتى بلغتُ مقبرةً تقع في قلب حي سكني. شواهد القبور فيها نُحِتت بشكل فني وقد تم طلاؤها بألوان متعددة مع نقوش بأسماء الموتى وتواريخ ميلادهم ووفياتهم. وتتدرج أرض الجبانة من أعلى لأسفل، فتبدو الشواهد كأنها تصطف صفوفاً خلف بعضها، الأعلى خلف الأدنى في تدرج متناسق وبألوان مبهجة تدحض كآبة الموت وتحيلها متعة بصرية.

أخذني السير حتى بلغت حياً بدا كما لو كان في مكان ما بالاتحاد السوفيتي السابق.. لافتات المحال مكتوبةٌ بالروسية إلى جوار العربية. طبعاً: الشريك التجاري الأساسي لسوريا البعث. ولكن بعد مسيرة دقائق طالعتني لافتات تحمل اللغة الأرمنية التي تشبه حروفها اللغة الأمهرية. شطحت في العلاقة بين الأرمنية والأمهرية الحبشية. بين أرمينيا وأثيوبيا. كلتاهما دولتان مسيحيتان أرثوذكسيتان في محيط من الجيران المسلمين. وتقف كل منهما في تاريخ الحضارة الإنسانية بمفردها، معزولةً تقريباً عن محيطها. و هناك فوق ذلك تشابه خط الكتابة لديهما. حيث الحروف تشبه قطعاً من الحبال. فلو كانت الكتابة في بلاد ما بين النهرين القديمة بالخط المسماري، فهذا هو الخط الحبالي.

wpid-img_0190-2013-04-23-03-16.jpg

الغرض.. أدركت أني أسير في الحي الأرمني الشهير بحلب، المدينة الواقعة على تخوم آسيا الصغرى. والتي استقبلت موجتين كبيرتين من اللاجئين الأرمن في بدايات القرن الماضي، حتى أصبحوا يشكلون ـ في فترة ما ـ ربع سكانها. ولفرط ما سرت انتابني جوع عنيف.. قلت سأبحث عن أقرب مطعم لأتناول شيئاُ. فإذا بي أمام دكان صغير تحمل لافتته اسم “هاكوب”، مكتوب تحتها بخط أدق “بسطرمة ونقانق وكفتة” قلت هذا هو عين المطلوب، ودخلت إلى المكان بعد أن نزلت درجتين إلى أسفل. كان المطعم من الداخل صغيراً شبه مظلم.. وقد وقف في عتمته خلف ثلاجة زجاجية شابان يتكلمان بلغة ليست العربية. سألتهما مبتسماً: هل هذه هي اللغة الأرمنية؟ رد على أحدهما بجهامة نافياً وقال: “لا.. نحن أكراد!”. تطلعت إلى الثلاجة وسألته عما هو جاهز لديه من طعام . فرد عليّ بأنهم لا يبيعون الآن. كان هناك شيء ما في الموقف يقول أنه كاذب، وأنه يمتنع بشكل ما من العمل.. وعندها ظهر رجل مُسن شديد البياض، عرفت فيه الأرمني صاحب المحل. نهر الشاب وقال له “بعه ما يريد”. انصاع الشاب وسألتي عمّا أريد.. وأردف معتذراً “أنا آسف.. ظننتك سودانياً”. جاء يكحلها فعماها. تذكرت أن بشرتي سمراء، وهو أمر غير مألوف في هذه البلاد. وتذكرت أني في مدينة المتنبي، الذي أخذ على الوالي الإخشيدي كافور لونه الأسود ضمن ما أخذ، وتذكرت متنبئاً آخر معاصر من هذه البلاد أيضاً أسمى المصريين إبان الوحدة مع سوريا بـ”غربان أفريقيا الجائعة”. نعم، كنت في هذه اللحظة غراباً أفريقياً جائعاً في أزقة الشهباء.. وأنقذني من الجوع والغبن تدخل الأرمني الشيخ. فكرتُ في مغادرة المكان وقد ارتفع مؤشر غضبي، لكنني فضلت البقاء احتراماً لتدخله، وتذوقت أفضل بسطرمة أكلتها في حياتي مخلوطةً بطعم العنصرية البغيض. ونفحت الكردي الشاب بقشيشاً سخياً، كنوع من رد الإهانة.

***

لا يوجد قمر فوق بوربون ستريت

اليوم هو “ثلاثاء الدسم” أو “ماردي جرا” كما ينطقها أهل المدينة بالفرنسية، التي لم تعد هي لغة الشارع هنا. نعم، هذه مدينة في الولايات المتحدة الأمريكية كانت تتكلم الفرنسية.

هو الثلاثاء الذي يسبق أربعاء الرماد في المعتقد المسيحي، حيث من المفترض أن يأكل الناس وجبةً دسمة قبل الصوم الكبير. تتكون عادة من أرز “الچامبالايا” بالسجق وحبات الفاصوليا الحمراء وأهلة الجمبري الذهبية. بالمدينة أيضاً طابع كاريبي يسيطر على طريقها الساحلي. بالطبع أنا لم أقصد أن أصل إلى نيو أورليانز في يوم كرنفالها، ولكن السائحين، وأنا منهم، يجعلون من كل يوم من أيام هذه المدينة كرنفالا، أو”ماردي جرا” دون أن يعقبه بالضرورة أربعاء رماد أو صوم كبير.

محال كثيرة بشوارع “الحي الفرنسي” تبيع فولكلوريات السحر، وأدوات طقوس الفودو الغامضة، سواء للاستعمال الشخصي أو للتذكارات السياحية: عرائس صغيرة من الخزف أوالعاج، بشعور مضفرة كالحة السواد، وعيون من خرز تعكس نظراتها رعباً صامتاً. لو رصصت هذه العرائس وفقاً لنظام معين قد تؤثر في مصير شخص ما. هناك أقنعة لموتى، وجماجم بأحجام مختلفة من مادة بيضاء تشبه العظم، وجفنات فرعونية محشوة بأحشاء المومياوات، وخفافيش من مواد لزجة بدماء سائلة على خطومها الجرذية.

wpid-img_0191-2013-04-23-03-16.jpg

أتخيل نفسي مصاص دماء يهيم على وجهه بعد انتصاف الليل بهذه المدينة السحرية، متلفعاً بمعطف أسود طويل، يختبئ وجهي خلف ياقته العالية تطاردني تلك الأغنية القديمة متسربة من زمن الثمانينيات. نحن الآن في عام 2009، وذلك الفتى الإنجليزي الذهبي الذي كان في وقتها مُدرساً متمرداً يقارب حركات البانك، يبدو الآن كنجم عاطفي يلهب قلوب العذارى على طريقة عبد الحليم حافظ، فيما أنا مواطن مصري يسير مُجرجراً خطواته في شوارع مدينة أمريكية يتباطأ عندها نهر المسيسبي قبل نهايته في مستنقعات موحلة تسكنها تماسيح القاطور الضخمة… “إنك لن ترى أبداً ظلي.. ولن تسمع وقع خطوتي.. عندما يكون القمر ساطعاً فوق بوربون ستريت..”

جئت إلى هذه المدينة تلاحقني شهرة شارع بوربون ستريت، بنوادي الموسيقى وبارات الاستماع؛ هذه مدينة الچاز، وهنا منشأ هذه الموسيقى الساحرة أعظم ما أنتجته الولايات المتحدة. كل من هم في هذا الشارع من السائحين، وتستطيع تمييزهم بسهولة، أمريكيين وأجانب. الأمريكيون تسيطر عليهم روح السياحة أكثر من الأجانب. جاءوا من مدن الغرب الأوسط المحافظة، حيث “الرقاب الحمراء” ورعاة البقر وقد فقدوا أسطورتهم، إلى هذه المدينة المتحررة، يجرعون البيرة في أكواب بلاستيكية من مقاس “الباينت” على قارعة الطريق، وهو ما لا يتاح في مدن وبلدات البراري. الأضواء الحمراء، ونساء خرجن من روايات فلوبير يقفن على أبواب البارات يدعونك للدخول. “لا أملك خياراً سوى أن أتبع للنداء”.

wpid-img_0226-2013-04-23-03-16.jpg

لو أنك تعرف مدينة شرم الشيخ المصرية، فهناك بها شارع اسمه “خليج نعمة”. هو ليس شارعاً في الحقيقة، هو ديكور منقول من استوديوهات هوليوود في الخمسينيات لشارع على نمط أفلام الويسترن: واجهة شارع، أو شريطان متقابلان من واجهات المحال: بارات طبعا، وصالونات حلاقة وأندية للقمار.. هناك تغسل أكثر من مافيا أموالها وتديرها في اقتصاد معزول عن الاقتصاد الحاضن.. واجهات المحال، تعكس فكرة تعميق ما هو سطحي، وفقاً لمصطلح رولان بارت، فذلك الشريط الرفيع من الواجهات تغوص خلفه بطون علب الليل الساهرة على تدوير عجلة اقتصاد المتعة المسروق من سياق ملتهب.. وهنا في بوربون ستريت، نفس التعميق لما هو سطحي، وإن كان أكثر أصالة وإيغالاً في العمق لبطون تلك العلب التي تتمحور حولها عجلة اقتصاد أكبر حجماً.

لم يعد الچاز هو الموسيقى المنتشرة بنوادي الشارع الشهير، فباراته تقدم نوعاً رخيصاً من الروك آند رول السياحي. وعليك إذا أردت أن تستمع إلى چاز حقيقي أن تبتعد قليلاً.. فررت من شارع “بوربون ستريت” بصخبه الملون، وانزلقت منحرفاً إلى شارع بإضاءة خافتة، الجو مُشبَّع بالندى.. “أري وجوهاً بينما هي تمر تحت أضواء الفوانيس الشاحبة”.. ربما إلى شارع “فرينش مِن”، أي الرجال الفرنسيون. الإنسان هنا لا يقابل المراهقين الصاخبين كباقي المدن الأمريكية، من تراهم في الأغلب كهول فوق الأربعين من الجنسين.. ومن الجنبات يتردد نعيب ساكسفون سوبرانو يبكي إعصاراً ضرب هذه المدينة مخلفاً مئات الضحايا والمشردين، وكانت حتى ذلك اليوم، لا تزال تتعافى من آثر ذلك الحدث الجلل.

wpid-img_0227-2013-04-23-03-16.jpg

ثلاثيات ورباعيات وخماسيات من العازفين في نوادي الفرينش مِن، بيانو وجيتار ودرامز، وساكسفون أو ترومبيت، وكونتر باص غليظ يطن بأوتار كالحبال. هنا التقليد القديم للچاز. يجلس المنصتون يحتسون مشروباتهم بانهماك في السماع. ويدخلون في عاصفة من التصفيق في أعقاب كل وصلة ارتجال. ينفرد عازف، وليكن البيانيست بالتيمة الأساسية للّحن، ثم يبتعد عنها بمقدار خطوتين.. ثم ينوع على هذا الابتعاد، ثم يبتعد بمقدار أربع خطوات.. وينوع أيضاً.. ويوغل في الابتعاد بارتجالات متطرفة حتى تكون قد نسيتَ اللحن الأصلي، فإذا به يعود إليه مرة واحدة ويعزف التيمة الرئيسية بمفرداتها المكتملة، لتنفجر عاصفة التصفيق ويعود شمل العازفين ليلتئم في مجرى المقطوعة. وتكون قطعة ثلج قد ذابت في كأسك.

عند عودتي بنهاية الليل، أمر بمقهى ساهر، فأقرر أن أشرب قهوةً للطريق، لتستجمع أصداء الموسيقى قبل أن يطويها النوم. القهوة الأمريكية رقيقة كالشاي، لا يصدمك كافيينها بدفقة الإفاقة المشعة، ولا تُذهب النوم من العيون، هي فقط تضع النقاط فوق حروف الكؤوس التي جرعتها الليلة. في الداخل ينعس على أحد مقاعد المقهى مشردٌ بملابس رثة؛ بالتأكيد لا ينتمي لجمهور الچاز الوقور، ولا لصخب المدينة السياحي. ربما كان ينتمي لإعصار كاتارينا الذي ضرب المدينة منذ ثلاث سنوات. فوق رأس النائم كان ثمة ملصق كبير يعلن أن الاحتفال الشعبي الخاص بانتهاء الكرنفال قد تم نقله من ساحة المدينة إلى فندق الماريوت، وذلك للظروف التي خلفها الإعصار! وهكذا تستعيد الرأسمالية الديثرامب المسيحي الأفريقي الأغريقي بفضل الطبيعة وغضبها لتدعم معابدها الشامخة…

* الجُمل بالفونط الثقيل من أغنية “القمر على بوربون ستريت 1985“، للموسيقي البريطاني جوردون سَمنر الشهير بستينج.

ياسر عبد اللطيف

يونيو (حزيران) 2003

Monaco Mini Exhibition-أغنى بلد في العالم

؏

ضِعتُ في طريق العودة من موقف عبود
قال لي سائق آخر وسط عطلة المرور: أنت الآنَ خارج القاهرة
كان له ملامح موظف أرشيف يطل وجهه مُضجِراً من أحد شبابيك المُجَمّع
الجوع في بطني ولا أشعر بغير الوهن
كانت الأبواق تدفعني بلا رحمة عكس وجهة بيتي إلى الأمام وكلما بلغت تقاطعاً وغيّرت وجهتي أنتهي إلى الطريق ذاته حيث السيارات مسرعة ولا أحد
عبرت “الزراعي” إلى “الصحراوي” وما زلت ذاهباً إلى الإسكندرية
بدأت السيارة تحذّرني من نفاد البنزين ولا “يوتيرن” في الأفق أو مضخة
وقبل أن يبدأ الارتجاف تذكرتُ موناكو
ذهبنا من نيس بلا سيارة وقال صديقي إن ثمة شيئاً كئيباً في محطات القطار: حتى هنا يا أخي
وكنا نركض
في محطة أغنى بلد في العالم
لنلحق قطاراً يعيدنا قبل أن نضطر إلى المبيت في المطر
لكن صديقي ليس هنا الآن ولا نيس ولا موناكو ولا حتى موقف “عبود” واللهاث ليس في الرئة ولكنْ في بطني حيث يجب أن أشعر بشيء آخر وأنا ثابت أرتجف
أضواء الطريق برتقالية وإذا وقفت السيارة فلن يأتي أحد لنجدتي

تحميل مجموعة يظهر ملاك


 

 

 

وديع سعادة: شاعر روحه من زجاج

wpid-img_2556-2012-07-1-02-32.jpg

أنديرا مطر- بيروت

نستعير الصورة من إحدى قصائده. رجل يمشي في ثنايا ردائه. وكدت أكتب أن روح وديع سعادة من زجاج، قبل أن يفاجئني بقوله «ان الشعر سلبني الرغبة في أن أكون قليل الأحلام والأوهام، وفي أن أكون أقل رهافة لئلا تكون روحي من زجاج».

أخذنا علماً بأن روح الشاعر الذي لا يزال، منذ ربع قرن في استراليا وزار لبنان أخيراً لبعض الوقت، أو لبعض الغياب، من زجاج. ولكن ماذا عندما يتحدث عن عمره على أنه مجموعة هائلة من السنوات وعليه أن يبيدها بمطرقة!

الأكثر رقة من قصائده الرقيقة والجميلة، الشاعر الاقرب الى اللامرئي.

● نلحظ في قصائدك شذرات ونتفاً من سيرة ذاتية، هل وديع سعادة يؤرخ حياته من خلال شعره، هل القصيدة وثيقة شخصية؟

- لا يكتب الشاعر إلا ذاته، وذاته شبيهة بذوات ناس كثيرين. ذلك يعني أن كتابة الذات هي كتابة الآخر أيضاً، وإذ يؤرخ الشاعر حياته يكون كذلك يؤرخ حياة الآخرين. من هنا فإن الشاعر لا يكتب وثيقة شخصية فحسب إنما وثيقة جماعية كذلك.

● ثمة مناخ رثائي حزين في معظم قصائدك. بسهولة، ينفذ حزنك الى روح الآخر، متى يفرح وديع سعادة ويكتب هذا الفرح؟

-لا أظن أن الشاعر في مقدوره أن يفرح وهو يرى أحزان البشرية وآلامها وانكساراتها المتتالية. كيف يفرح أمام كل هذا الدم الذي يراق في الحروب، وأمام مليارات الجائعين، والعاجزين عن شراء دواء، والمقموعين، المحبطين، والمشردين؟ الشاعر الرائي لا يفرح. من يفرح هو الذي لا يرى.

 

عائلة واحدة

● مفردات الطبيعة تكتسب في قصائدك دلالات معاكسة لتلك التي تملكها عادة، الشجرة تصير انساناً والغصن شرياناً يسري فيه الدم، أي علاقة تربط وديع سعادة بالطبيعة وكيف أنسنتها وادخلتها في مناخات شعرك؟

- ولدتُ في قرية وادعة، حيث كان الناس يعيشون مع أشجارهم وحقولهم كعائلة واحدة. الناس هناك قطعة من الطبيعة والطبيعة قطعة من أجساد الناس وأرواحهم. إذا ذبلت شجرة يذبل صاحبها وإذا مرض صاحبها تمرض هي… كبرتُ، وكبرت تلك القرية في روحي وصارت كأنها هي العالم كله. وهكذا، على الأرجح، صارت الأشجار في شعري بشراً والبشر أشجاراً تمشي.

● وديع سعادة انت وحيد، وهذا يبدو جلياً في شعرك؛ كيف تعيش وحدتك في الغربة، استطراداً هل وحدة الشاعر مختلفة عن وحدة الناس العاديين؟

-لا تختلف الوحدة بين إنسان وآخر إلا بقدر ما يحمل صاحبها من مشاعر مرهفة. لا أقول إن الشاعر هو الأكثر إرهافاً من سواه، فثمة ناس عاديون تخالهم زجاجاً ينكسر بأقل ملمس. وإذ تضاف الغربة الجغرافية إلى الغربة الروحية تصير الوحدة بلا شك أكثر إيلاماً.

 

بعيدا عن التنظير

● هل سلبك الشعر الذي كرست له كل حياتك، حلماً أو رغبة ما؟

- سلبني الشعر رغبة أن أكون قليل الأحلام والأوهام، وأن أكون أقلَّ رهافة لئلا تكون روحي من زجاج.

● لماذا يتجنب وديع سعادة الحديث عن الشعر، أشكاله، أساليبه، مدارسه ، هل تتجنب التنظير ؟ وكيف تنظر للحراك الشعري الشبابي او لجيل التسعينات؟

- لا أحب التنظير في الشعر أو ربما أنا فاشل في ذلك. لكني أعتقد أن الشعر هو فوق التنظير وفوق الأشكال والمدارس. وبالنسبة إلى الحركة الشعرية الشبابية فلا يمكن الحديث عنها في المطلق، إذ ان فيها أصواتاً عديدة ومختلفة ولا يجوز تقييمها كأنها كتلة واحدة. يمكنني فقط القول، عموماً، ان الكلام عن قطيعة هذه الحركة، أو أي حركة أخرى، عما سبقها، هو كلام يفتقر إلى الدقة. فلا قطيعة في التاريخ الشعري، ولا أحد يولد من عدم.

● نلاحظ انك متمسك بقصيدة الصورة.. بأي عدسة تلتقط صورك الشعرية؟

- لا أعتقد أني متمسك بقصيدة الصورة. ربما يصح القول «قصيدة الرؤية»

الأمران مختلفان. فأنا أعتقد أن الكاميرا لا يجوز أن تكون هي عين القصيدة.

 

شاعر اللامكان

● وديع سعادة تنقلت بين مدن عدة، باريس لندن بيروت سدني، اي المدن اقرب اليك ولماذا ؟ استطرادا يشعر القارئ انك تنتمي الى.. اللامكان.

- لا أظن أن للشاعر مكاناً. هو يبحث عن مكان، ولا أعتقد أنه سيجده.

● تعمل في الصحافة منذ زمن، ما هو تأثير الصحافة في الشعر، هل هو سلبي أم ايجابي؟

- الصحافة، بما أنها معاينة يومية لما يجري في العالم، فإن أثرها في الشاعر هو أثر إيجابي، إذ أن الشعر هو معاينة يومية للعالم أيضاً. هذا ما أراه شخصياً وما أجده في تجربتي الشعرية، وكذلك في تجارب شعراء – صحافيين آخرين.

● تقيم في استراليا منذ 25 سنة. هل كان لانعكاس الثقافة الاسترالية على شعرك أي أثر في معجمك اللغوي وطريقة بنائك للصورة؟

- أي إقامة في أي مكان تترك روحاً ما في نفس الشاعر. وأستراليا تركت في نفسي روحاً أكثر مما تركت أثراً في معجمي اللغوي أو في طريقة بناء قصيدتي.

● في حوار لنا مع الشاعر محمد علي شمس الدين ابدى اعجابه بشعرك وقال تجربتك الشعرية مكثفة غير صارخة فيها ظلال ومساحات من الغيب. البيئتان مختلفتان من الجنوب اللبناني الى استراليا والمدرستان مختلفتان من الكلاسيكي الى المنعتق..هذا يعني ان الروح الشعرية واحدة ولو تعددت الاساليب؟

ـ أشكر الشاعر محمد علي شمس الدين على هذا الإطراء، وأعتقد أن كلامه هذا هو خير دليل على أن الروح الشعرية هي واحدة، نعم، ولو تعددت الأساليب.

 

استنسخَ طريقاً من حذائه *

وطوى الطريق، طيَّة طيَّة، ووضعها في جيبه.

وصار، عوض أن يمشي على الطريق، يمشي في ثنايا ردائه.

لم تكن هناك طريق، ولا حذاء له ولا ثوب. لكن قال ذلك كي يكون له مشي.

لم يكن له شيء. كان له القول فقط. كان له القول، والمشي في القول.

وقطعَ الدروب كلَّها مشياً على الكلام.

لا تلفظِ الكلمة الأخيرة، لا تقلْ الكلمة التي في آخر الطريق. قد يسمعها أحد في أوَّل الطريق ولا يعود يمشي.

وإذ تطوي الطريق وتضعها في جيبك، تيقَّنْ أنْ لا أحد ماشٍ عليها. هكذا يخفُّ حمْلك.

وهكذا لا تزعج الماشين.

وإنْ أردتَ رفيقاً، فأيُّ رفيق أعزُّ من وحدتك؟

 

* (من المجموعة الأخيرة «قل للعابر أن يعود نسي ظله هنا»)

wpid-67070-2012-07-1-02-32.gif

وديع سعادة

عن جريدة القبس

النهار 28 نوفمبر

اعتذار

سألتَني ماذا أريد أن أكون في عينيك

قلتُ الله

لبعض الوقت أنعمتُ عليك وعاقبتُك

فهل كنتَ تهرب من حسرتي حين لم تخبرني

بأن لك رباً ديوثاً يمنّ عليك هذا الوقت

كيف لم تقبل باسمي على قورتك

إذا ما كنتَ مصمماً على العبادة

وهل ظننتَ خلقك هيناً إلى هذا الحد

يا ابن الغانية

لماذا تركتني أحرث وأنت ستحرق الغيطان

السيرك

شخص ما سيعلّمني كيف أجعل كرهك محبة، ويذكّرني بأن ما دفعنا على التقليب في براميل الحياة فرحتنا أو أنني مخطئ بنفس القدر. وحتى مضارب اللوعة والمَسبّات التي أنستني لحظة التلاقي، ستحفر سكّة إلى غفران ربما لا يناسبكَ لكنه كلُ شيء. يا من تحوّطك البهلوانات في سيرك نصبتَه بيديك: أنا صفوتُ حين كففتُ عن سماع صوتك؛ صرت أرجو لك الخير. ولعله يصلك وأنت تتنصل للأذى أو تناضل، رجائي. وحين تعوي وحدتُك وسط جلبة القرود والكلاب ذات الفرو المنمق، تَرَى كيف صرتُ أسكن إليك: بلا أي رغبة أو إرادة، بلا إشارة إلى أنك هناك أو أننا كنا معاً والتأمنا أو حلمنا بإفراغ البراميل في المحيط وأنت باختيارك انتهيت. يا من تجلس وحيداً ومقتنعاً بعد جولة أخرى أمام “بلياتشو” يقودك بأنك انتصرت، تعتصم ضد كل أكروبات فضائي وتحرّض النمور على العصيان، وأنت تدس منشورات ثورتك الخرافية في خرطوم فيل بارك في الممر، وباسم الممكن الذي لا يمكن تُضرِب عن الطعام، أنت: شخص ما سيعلّمني كيف أرجو لك الخير

.

أنتِ والتنين

بينما تزقزقين في “رُبع غير معلوم الحال” (هكذا تُعَنوَن الأماكن المجهولة على الخرائط القديمة)، صارت كلمة “التنين” تُستخدم بغرض المبالغة، كأن يُقالَ – بدلَ “حزن شديد”، مثلاً – “حزن التنين”. وخطر لي لأول مرة إثر سماعها أنه لابد من طريقة أخرى لخرق المتاريس. كنتُ على بوابة مرقص غادرتُه جرياً منذ خمسة عشر عاماً. وبعد خمسة عشر عاماً، والموسيقى نفسها تسحبني – مع أنني لست راقصاً ولا أحب الرقص – كانت عيني تنسل إلى الأضواء اللفّافة بالداخل. هذه المرة أيضاً لن يذهب اللقاء أبعد من عتبةٍ “كعبلتني” وأنا أخطو إلى الوراء مذعوراً بينما الراقص الوحيد الباقي ينفث في وجهي النار. وفكّرتُ أنه على الأرجح من طول احتمائي ضد عوامل التعرية والتعرض أنْ صار يسحرني الجلد الأخضر لزواحف الشوارع، تلك المخلوقات المفرّغة: أخالني في الدنيا لأملأها. عليك أن تدركي أنني لم أنس زقزقتك لحظة وإن قبلت بلغة تجعل من المخلوق الخرافي أداة توكيد. والآن أيضاً سأجري بعيداً عن بوابة المرقص، وستغفرين لي شرودي إلى هناك بأن تبصقي حزناً لا يركب على بهجة شفتيك. هل تعرفين كم كنتُ أبكي ابتسامتك وأنا أصارع التنين؟

البكاء على كوبري أكتوبر ∞

لا تظنني غافلاً عن ما ينهش رأسك

وأنت ساهم هكذا وسط العجلات

لا تظنني ناسيك لحظة

أنا الذي نحيّتُ عنك حزام الأمان

ودرّبتك على “الفرملة” المتكررة

زارعاً في صدرك بذرة الوهم

بأن آخِرة الأسفلت عتبة كالسرير

الصوت الذي يبقبق في أذنك الآن

بأنغام طفولة حفظتْ طزاجتها

وسط ألف أقنوم آخر يشبهون نقطة انطلاقك

حين تعلّمتَ أن تتحاشى المطبات

الصوت الآسر بموازاة احتياجك

الخارج على إطار ترى الدنيا خلاله

أنا الذي أغويتك بانفجاراته المسكرة

وبينما تتبوّل على حز الطريق في الظلام

دسستُ في “الدبرياج” أسطورتين

أن لكل نصف نصفه

وأن على الأرض تفاحة صحيحة

تكفيها قضمة واحدة منك

أنا الذي كنت أعلم

أنك ستمل تكسير الأقانيم

ولا تسأل بالاهتمام الكافي عن جراج

إلى أن تصبح الأسطورتان إثر مخابرة هاتفية

مجرد سبب للبكاء

بينما أنت هائم على واجهة سيارتك

فوق كوبري يشبه حياتك.

∞ بوحي قصيدة “ملاحظات إلى السندباد من شيخ البحر” لسركون بولص

الثورة

لولا أعراف الكتابة التي تحكمني لبدأتُ بقول إن لبشرتينا لونين يعكسان تفضيلنا لليل والنهار. أنا وجه الغّمر وأنت رفة المياه في الخراب. ومستبدلاً “نحن وهم” كذلك بـ”أنا وأنت”، ربما تماديتُ على طريقة “محمد الماغوط” وأغنية “الشيخ إمام” الشهيرة، لا لأمجّد الفقر ولكن لأتذكر أن الشبه أكذوبة والتوحد ليس ذروة شاردة في بيت المرايا حيث انعكاسات مشوّهة لأشياء تحكمني. أنت الورق وأنا الحبر أنت الشمس وأنا الزرع أنت الهواء وأنا الغبار أنت الفراشة وأنا دودة القز أتغوط حريراً لا يشبه الشَعر النابت بين إليتيك. لولا الأعراف لكتبتُ أن موالاة تجسدينها أقرب إلى اليوتوبيا من معارضة ناضلتُ في صفوفها سنين، أن الثورة سمكة والفجر غصن والحب قط ضائع في متاهة التماثيل

.

جامع الفنا بدونكِ

حين هجم شابان على فضلة عشائنا

فوق طاولة مستطيلة من صفيح

وقبل أن يصرفهما الطهاة

إلى برتقالات مشتعلة وطائرة

وخوف خطوات رفيقتي عبر الساحة

لا يدرأ وجهك عن الظهور دامعاً

في هذه اللحظة بالذات

كانت تنهاني عن تدوير المشهد

لأنها نوت أن تكتب قصيدة

حول الشابين وشيء آخر نسيتُه

وقد تتأخر قصيدتها أعواماً

لكنها ستكون الكلمة الحاسمة

وكان الشابان بعزم ميكانيكي

يغيّبان ما تركناه في بطنيهما

ووجهاهما خاليان من الشعور

كأنهما إنسان آلي مبرمج

على إفراغ الدنيا من الطعام