سموات الريفييرا: ثورة: زهور

السموات الخلابة. المثقلة بآفاقها. كأنها الخلفية الجاهزة للوحة تصور حقول “الميموزا”. والمقننة بالـ”فوتوشوب”. الزاحفة على زجاجة سدادتها جليد. بلا عمود فقري. سموات لـ”وليام ووردزورث” إثر رجوعه من “الباستيل”. وسموات “الحنجرة” القديمة. Continue reading

فيكتور بيليفن في مجلة العربي

لنعوِ الليلة معاً على جليد استبسكم يا زميلْ…

wpid-the-sacred-book-of-the-werewolf-2012-12-17-03-29.png

ككاتب من مصر ما بعد ١١ سبتمبر، لم أكن أحسب أن لي معادلاً في روسيا ما بعد سقوط سور برلين. وبما أن روايتي الأشهر “كتاب الطغرى: غرائب التاريخ في مدينة المريخ” (٢٠٠٧) بصدد أن تُترجم إلى الإنجليزية، أتمنى أن تلاقي الرواج الذي لاقته بتلك اللغة الرواية الأشهر لـ”فيكتور بيليفن” (Виктор Пелевин): “الكتاب المقدس للمستذئب”، The Sacred Book of the Werewolf أو Священная Книга Оборотня (٢٠٠٥). كانت الإنجليزية هي طريقتي الوحيدة في التعرف إلى وجود مرادفي الروسي ذاك أو اكتشافه على غير انتظار، حيث لا أعرف الروسية وليس ثَمّ من يترجم لي بيليفن إلى العربية. كيف كنت لأدرك أنني وإياه – هكذا أحس على كل حال – متشابهان؟ وهو الأمر الذي أكد لي وعيي بالكتابة كنشاط ملاصق للتاريخ ومع ذلك عابر للثقافات.

فلعل لقاء قاهرتي قبيل ربيعها العربي مع مدينة هذا الموسكوفي بعد سقوط أصنام الشيوعية رشفة أخرى مدوّخة من كأس الألغاز ذاته. وكم يتوق عالم الأدب المعاصر الضيق ضيق رأس “معمَّرة” إلى مدمني الارتشاف!

*

ولد فيكتور بيليفن في نوفمبر ١٩٦٢ في موسكو، حيث لازال يعيش حد علمي مع زيارات متكررة إلى مواطن البوذية التي يهتم بها دون أن يعتنقها بالمنطق التقليدي؛ وبدأ الكتابة في منتصف العشرينيات من عمره، فكان أن عُرف ككاتب قصة أولاً في بداية التسعينيات في أعقاب السقوط المفاجئ للاتحاد السوفييتي، حيث درس وعمل في الهندسة بضع سنين تحت حكم تشيرينكو ثم جورباتشوف، تعرّض خلالها ومنذ الطفولة إلى آليات الدولة الشمولية في زعم الإنجاز العلمي ومصادرة الحقيقة. كان أبوه ضابط جيش دون أن يكون عضواً في الحزب الشيوعي، الأمر الذي جعله “غراباً أبيض” – حسب كلام بيليفين نفسه في حديثه الصحفي الوحيد المتوفر بالإنجليزية للمدعو ليو كروبويانسكي Leo Kropywiansky في المجلة الأمريكية البديلة BOMB سنة ٢٠٠٢ – وحرمه ما لنظرائه وأسرهم من نفوذ.

في عمر الخامسة عشر، كان بيليفن قد قرأ العمل الأشهر للعبقري الساخر (وإلى عهد قريب، بسبب الرقابة السوفييتية، مهضوم الحق) “ميخائيل بولكاجوف” (Михаи́л Булга́ков)، رواية “السيد ومارجريتا” (Ма́стер и Маргари́та، ١٩٦٧) والتي وجد فيها حسب قوله فكاكاً فورياً من قيد تلك الآليات:

“إن السحر الشرير لأي نظام شمولي يستند إلى قدرته المفترضة على احتضان وشرح الظواهر في كليتها، لأن الشرح هو السيطرة. إذن لو وُجد كتاب يُخرجك من كلية الأشياء المشروحة والمفهومة هذه فسوف يحررك، لأنه يكسر استمرارية الشرح ومن ثم يزيل أثر العزائم والتعاويذ. إنه يسمح لك بالنظر في اتجاه آخر لوهلة واحدة، لكن هذه الوهلة كافية لإدراك أن كل ما كنت تراه من قبل هلوسة (مع أن ما تراه في الاتجاه الآخر لن يكون هو أيضاً سوى هلوسة). كان ’السيد ومارجريتا‘ هو بالضبط ذلك النوع من الكتب ومن بالغ الصعوبة أن تشرح تأثيره الرهيف لمن لم يعش في الاتحاد السوفييتي. كانت كتب سولجينيتسن [Алекса́ндр Солжени́цын] معادية للسوفييتية بشدة، لكنها لم تحررك؛ كانت فقط تجعلك أكثر عبودية إذ تشرح لك إلى أي درجة أنت عبد. لم يهتم ’السيد ومارجريتا‘ حتى بأن يكون معادياً للسوفييتية، لكن قراءة هذا الكتاب كفيلة بجعلك حراً على الفور.”

سنة ١٩٩٢، حين أصدر بيليفن أولى رواياته “أومون را” (Омон Ра: العنوان يلعب على اسم الإله الفرعوني ولكنه إشارة إلى وكالة الفضاء السوفييتية OMON – موضوع سخريته الجادة كرمز أو صورة للواقع السوفييتي البطولي – مضافاً إليه اسم شهرة البطل-الراوية)، كنتُ في الإجازة الصيفية الفاصلة بين السنتين الأخيرتين من تعليمي الثانوي أشعر بقيود عدد من منظومات “شرح كلية الظواهر” على مستقبل حياتي أو احتمالاتها، وقد قررتُ أن أكون كاتباً فتنازلت عن التأهل لدخول الكليات العلمية وشرعتُ في تدمير عقائد تربيتي والخروج العنيف على “ثوابت” لازلت – لشديد الأسف – مضطراً للجدل مع المدافعين عنها حتى اليوم، بعد قرابة عامين على السقوط الرمزي للجمهورية الأولى المستقلة عن الاستعمار، أو بقاياها.

وخلال أعوام السفر الصعب للاستعاضة بإحدى جامعات المستعمر ذاته (على حساب أهلي “الغلابة”) عن تعليم أسوأ من قلّته وإن كان “مجانياً”، والبحث عن تفاعل إنساني خارج روتينات “وطن” لم يتخلص من شمولية تبدو لي أقدم وأعمق بكثير من دولة الاستقلال التي أعرفها: الطبقية المهلهلة ببيروقراطياتها المخترقة (الاشتراكية) والغيبية المسطحة (العادات والتقاليد) والشعور الممنهج بأنك – كمواطن ماش في الشارع – شخص مذنب وعليك أن تكون ممتناً لأنك أفلت من العقاب (الأمن)، ثم غياب أي مساحة خصوصية أو اختلاف (الأصول)، كان يتكون لدي ذلك الاستعداد المركّب لكتابة أشياء يكون من شأنها أن تجعلك حراً، أن تدفعك إلى إعادة النظر في مسلمات أشاركك معرفتها فتدرك أنها هلوسة دون أن تظن أن نظرتك الجديدة أوقع أو أكثر موضوعية…

wpid-img_2268-2012-12-17-03-29.jpg

في “الطغرى” تتحول مفاهيم مجردة وظواهر اجتماعية ووقائع تاريخية – الخلافة الإسلامية، الزواج والطلاق، الخرائط، الخط العربي، “الإنترنت”، الفتح العثماني لمصر، التطور الجغرافي للقاهرة خلال التسعينيات والألفينيات، تأسلم الطبقة المتوسطة – إلى شخصيات وأحداث درامية لها حضور وخفة الواقع بتنوع لغاته. لكن لا يحدث هذا بهدف التوصل إلى معنى يجب المعاني العبثية أو الزائفة الملتصقة بتلك المكونات في خبرتها اليومية. إنه محاولة للتخلص من تلك المعاني، لتحييدها ووضعها على مسافة من عقل الفرد التائه في غياهبها، ولقول إن أي معان بديلة بما في ذلك ما يطرحه النص نفسه، قابلة للتحول إلى العبث والزيف. كان خلق معادلات حرفية لمجازات خطابية كمجاز الصحوة الإسلامية مثلاً على سبيل الدهشة والضحك وغيرهما من العواطف وردود الفعل الإنسانية ولكن كذلك على سبيل استجواب هذه المجازات لكشف حدودها وإبراز الجنون – اللاعقلانية – التي تستند إليها. إن في هذه المتعة أو شيء من قبيلها كل غاية الأدب، أليس كذلك؟

*

في “المستذئب” كذلك هناك مجازات يمكن مقارنتها بمجازات الطغرى وإن ابتعدت عنها في محتواها فلم تجاور التاريخ والتأريخ بالقدر نفسه، وعبر هذه المجازات يقارب بيليفن واقع موسكو في بداية الألفينيات فيحيّده دون أن ينفيه: سطوة المافيا وشبكات الدعارة وعمل البوليس السري بوازع “قومي” بات عبثياً أو أسطورياً في مواجهة خطر انفلات السوق المتوحشة عن سطوة المتنفذين. إن بيليفن يلجأ مباشرة إلى الأساطير القديمة ولا يرعوي عن تعديلها وخلطها بمعطيات ميثيولوجيا “البوب” Pop ذاتها التي استحضرتها في الطغرى:

بطلة-راوية الكتاب هي داعرة محترفة فائقة الجمال ولا يبدو أنها بلغت بعد العشرين، غير أنها في الحقيقة “متثعلبة” ذات أصل صيني عمرها جاوز الألفي عام؛ وهي لا تمارس الجنس مع عملائها الأكبر سناً في الواقع وإنما تنومهم مغنطيسياً فتقنعهم بأنهم يستمتعون بالنوم معها مستعينة بذيلها المختبئ في ملابسها (فإن كشفها أحدهم لابد من قتله على الفور)… والوقائع التي تسردها عبر مخطوطتها هذه التي تم العثور عليها بعد موتها على “لابتوب” مهمل في حديقة عامة إنما هي – في شكلها الخارجي – قصة حبها الغرائبية مع ضابط كبير في جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB الـ أو ФСБ، وريث “الكيجيبي” – KGB) يتضح مع الوقت أنه وفريق عمله من المستذئبين القادرين على التحول إلى ذئاب – بمساعدة المخدرات أحياناً – لاستخراج البترول من باطن الاستبس عن طريق العواء من علٍ في الليالي المقمرة.

يستعرض بيليفن من خلال التاريخ الشخصي لبطلته جوانب يعنيه تداخلها مع حياة موسكو اليومية من الحضارات الآسيوية والأوروبية عبر العصور، ويستطيع أن يتأمل الدوافع الإنسانية (والروسية على وجه الخصوص) على مسافة مناسبة من خبرته المباشرة بها بل ويعرض لفلسفته البوذية من خلال تماهيها مع أسئلة الثقافة المعاصرة من واقع افتراضي وهوس استهلاكي ورأسمالية فاسدة.

لا أعرف إن كانت سجلات الروسية في “المستذئب” تتعدد قدر ما يحدث في “الطغرى”، لا أعرف إن كان ثمة علاقات لغوية بنصوص أقدم أو استدعاءات في هذا السياق، لا أعرف إن كانت الرواية تشبه نصوصاً أخرى معاصرة باللغة نفسها وإلى أي حد. الذي أعرفه هو أن الترجمة لم تحرمني التعاطي مع التحولات المفاهيمية-الدرامية ولا تحجب عني عملية عزل التاريخ أو وضعه في “كرنتينا” جمالية (كما سعيت أنا إلى أن أفعل). ثمة شعر في الدراما وعلاقات الصور والتكوينات السردية بعضها ببعض، وثمة إدانة جمالية لواقع مديني معاصر من خلال شخصيات مقنعة. ثمة طرح – أيضاً – لحل هو ليس بحل، أو مخرج من واقع خانق عبر نفق المتعة العقلية التي لا تعد بأكثر من تعديل وعي حبيس من أجل تحريره فورياً. وثمة مشاعر، وإن أحستها مخلوقات ليست بشرية، قادرة على الإضحاك والإبكاء.

*

لبيليفن عشر روايات متراوحة الطول وعدد كبير من المجموعات القصصية والكتب ذات المحتوى غير المختلق (non-fiction). لقد كتب عن غرفة تحكم الكريملين الواقعة في باطن الأرض، عن مبادئ الـ”زين” البوذية (Zen Buddhism) في دهاليز “الدردشة” على الشبكة العنكبوتية، عن شبح “تشي جيفارا” وأسطورة “الخوذة المعربة”…

wpid-untitled-2012-12-17-03-29.jpg

عزيزي فيكتور، – ساقطاً بين لغتين مكنتني إحداهما من التعرف إليك، أكتب لك بالأخرى. وأنا لا أعلم في الحقيقة إن كانت مساحة تقاطع وجودنا بالاتساع أو العمق الذي أتصوره، لكنني وجدته من الواجب أو المستحب أن أسجل كوني أراك زميلاً معتبراً وأقول لك كلمتين عن الواقع الذي أعيشه الآن: الوضع صعب يا فيكتور؛ لا يعكس “النجاح” الأدبي فهماً حقيقياً لما يُكتب، ولا يوجد من يقدّر المخاطرة الضرورية لجعل الأدب مخرجاً؛ الناس مشغولة في التحول السياسي، لكن لا يحدث تحول سياسي. الناس جعلت من حلم التغيير واقعاً أضيق حتى من الواقع الذي أدى إليه، والكتاب الذين لا يعرفهم أحد مازالوا “يعكّون” في كلام خائب عن “دور المثقف”. قلتَ ذات مرة إنك لست روسياً، إن كونك روسياً لا يعدو أن يكون صدفة وجودك في هذا المكان وهذه اللغة. وأنا أشعر بالمثل أنني لست مصرياً. غداً صباحاً سنذهب إلى سوق جمالنا في قرية برقاش، نعرق وتلوث ملابسنا الرمال حتى نتحول إلى مخلوقات فضائية، ولكن إلى أن يحدث – لنعو الليلة معاً على جليد استبسكم يا زميل!

القاهرة – يوليو ٢٠١٢ في عدد ديسمبر ٢٠١٢ من مجلة العربي

أغاني لندن، شتاء ٢٠١٠



تدخين (Willesden Green)

لحظة الاختلال المفاجئ – 
ويدي التي فارقها للتو
كتاب القصائد الأخيرة، 
تتشبث بالزجاج 

–  هل لأنني تخيّلتُ 
رائحة "سيلفيا بلاث" 
في أنف "تيد هيوز" 
كدتُ أفقد توازني؟

على الحافة السميكة
للشباك الوحيد 
الذي يمكن فتحه، 
عالياً قرب سقف غرفتنا
حيث جهاز إنذار الحريق متأهب 
لأي سيجارة أُشعلها، 
والطقس سجن أو سحاب، 
كنتُ ملفوفاً في المعطف الطويل 
ورأسي في "الفريزر"،
أزفر دخاني وأقرأ 
لاهياً عن وضعي الأكروباتي

حين انزلقت قدمي. 

ودونما يوقظك ارتطامه – 
فقط تمتمتِ بشيء كالسؤال،
 قبل أن يعود نَفَسك 
يغيب في الأغطية السميكة 
وأنت تتقلبين من جنب إلى جنب،
ويهب شيء من رائحتك، 
أو هكذا خُيّل لي

– سقط على الأرض الكتاب.

كل ما أذكره أنك نائمة 
وأنا أقول لنفسي:

"فضلاً عن الغرام واللاغرام، 
الشِعر واللاشِعر، 
وألف شيء غالٍ 
لابد أنه أصبح رخيصاً؛ 

فضلاً عن الشهرة التي يقول لها 
في إحدى قصائده 
إنها ستجيء كما أرادتها تماماً – 
ستجيء الشهرة، 
هكذا يقول لها في القصيدة، 
ولكن بعد أن تكوني 
قد دفعت ثمنها: 
سعادتك، 
زوجك، 
حياتك – 

فضلاً عن الناشر 
والطبيب النفسي، 
المكتبة وقاعة المحاضرات، 
مَن المسئول عن الخلاف 
ومَن يعتني بالطفلين 
(كان أصغرهما قد مات منتحراً 
قبل عام من لقائنا: 
عالم أحياء مائية "ملو هدومه" 
في السابعة والأربعين) 
وعن ترهات الـفيمينيزم  
واللافيمينيزم أيضاً، 
بعد عقود من وفاتها؛ 

فضلاً عن كل ذلك" – 
هكذا أقول لنفسي
 
– "لابد أن رائحتها في أنفه 
كانت أبسط وأروع
من أن يقدّرها سواه." 

ودونما أتذكر أنني 
قبل أسابيع أو شهور، 
دخّنت بالطريقة نفسها في مالطة 
ولم أحس بالسعادة،
مع أن الطقس موسيقى
وموقع الشباك لا يضطرني
إلى الأكروبات – كانت أخرى 
لا رائحة لها في أنفي
نائمة مكانك، 
وبدا أن مالطة كلها
في الوقت نفسه
مكدسة وخاوية 

– شعرتُ الآن أنني 
محلّق في الأعالي
لأنني مازلتُ واقفاً
وأنا وأنت في غرفة واحدة 
بعد أو بالرغم من كل شيء، 
ووجدتني أنظر
إلى حيث وقع الكتاب؛

ودونما أدير وجهي 
إلى جسدك النائم،
أشهق وأهمس لك:

"نجونا يا جميل!"

    
"عبّوطة" (Victoria)

شيءٌ ما في مشيتكِ بعد أن نحّفتْكِ الغُربة
توازن صعب أو فقدان توازن 
بين ملبن هيكلك والأرض التي تحمله
ميل في لا أو أكثر من اتجاه
بالحذاء الرياضي والمعطف المدبوغ
مع الفرو حيث الخياطة أنت أصغر حجماً
وسط كل هذه الشخوص والمركبات 
على جانبي طريق بلا أهمية الآن
أربع عيون خائفة عبر الجليد
نصف دورة أخرى وذراعاك تائهان 
كأنك تبحثين عن شيء لاحتضانه 
بين بكاء لم تمسسه الأسئلة الوجودية
وبكاء من أن الفرحة مؤقتة
ألف صوت أتعرف بها على نفسي
دونما يبرح اسمي شفتيك
وألف صورة للطفولة ذاتها في الضوء
الآن وقد كبرتِ واشتد عود وحدتك 
حتى هضمتِ أملاحاً أنا بثثتها في كليتيك
وعاودك التساؤل عن مصيرنا
شيء ما في اختلال ركبتيك حفظ السر
وأن ما ينتهي لابد أن ينتهي 
أنت على رصيف كهذا كل مرة تبدأين 
بينما بعد يومين أو أسبوعين أودّعك 
وقد عثر الذارعان على إبطي.


وسواس (Harley Street)

حَذَرُكِ يشل الرغبة
وأنا أقطع طريقي
تبدو استحالتُنا بسيطة
وأسمع ألف بظر يشخلل
مثل ألف صَدَفَة في جوال
أحمله على كتفي.


المولد (The merryーgoーround at South Bank)

لا يعرف لها اسماً بالعربية: 
لعبة الملاهي الأثيرة 
في القصص الخيالي وأفلام الرعب، 
حيث جياد من خشب أو بلاستك 
تدور على قاعدة مستديرة 
والأطفال في الظلام 
على أضوائها يركبون. 

احتفالات الشتاء على ضفاف النهر: 

"المولد" في ألطف منطقة 
في لندن. 
وبينما حبيبته تبحث عن هدايا 
لأشباح ساكنين في ربع ثالث 
من عالم يفصلهما ويدعوهما للقاء 
بضعة أيام فقط وسط الفراق،
بينما في المبنى المشرئب فوقهما 
مثل عملاق من Meccano 
أو "روبوت" معماري، 
معرض فوتوغرافيا الصحافة – 

صور الصومالي الذي يرجمونه 
بأمر المحاكم الشرعية 
ستؤرّق "أبو الليل" شهوراً لأن الرأس 
وهو الشيء الوحيد البائن 
من جسد مدفون في التراب 
بدأ يغير لون الحصى بالدم، 

ولأن هؤلاء كما ظن نفسه ذات يوم 
هم أيضاً مسلمون 

– اشترى الحبيب ساعة جيب من نحاس 
على وجهها تنين 
ثم دفتراً سميكاً له غلاف قماشي 
يوحي بأنه كشف حساب 
من أيام "ليوناردو دافينشي"؛
ومن مكتبة كأنها المصران الغليظ 
 Royal Festival Hall للـ، 
ديوان شعر وحافظة أوراق ملوّنة. 

كانت حبيبته مبتهجة بالأكشاك؛
وبرغم أنها تترقب لقاءً، حتى هنا، 
يكون من شأنه 
أن يغيّر لون الجليد، 
تفط على كعبيها كعصفور 
فوق البلاطات، بين النهر والدرج. 
وبدون سابق اتفاق، وهي تفعل،
يلاعبها "غمّيضة" – 

هكذا تسميها حبيبته 
كما تقول "سكربينة" و"جزدان"، 
ولا تتورع عن نعت "حرارة" على الشفاه 
بأنها "طفشِة حِمّى" – 
فلا يقبض على كتفيها من وراء 
إلى أن يرى الخوف في شعرها
تحت حز طاقيتها الكبيرة؛
حينئذ يثبّتها تحت ذقنه،
تصبح للحظة أو يزيد 
"عروسة حلاوة" هو "حصانها"...

ثم يواصلان حركتهما آمنين 
وسط أشباح ليس من شأنها 
أن تغير شيئاً،
يتداولان أمر المكان الأمثل للعشاء. 

وحتى يبلغا لعبة الملاهي هذه 
South Bank في طريق مغادر
على غير انتظار، ويكونا قد تداولا 
الشالات والأقراط كذلك، 
خاتماً بفصٍ، حقيبةً مشرشرة...

بلا كلام يسترسلان في التساؤل
عن مصير ذلك الذي دام 
دونما يستجمع قوة دفع كافية 
للوقوف حيث يمكن
أن تتحلق حوله أشباح...
 
مع أنه لم يتردد يوماً في التجدد،
ذلك الذي دام بينهما، 
ولا عمل حساباً للـ"موالد"
أو محاكم تشرئب بالأسمنت من فوقها... 

 merryーgoーround يتوقفان أمام الـ. 

لا يعرف لهم اسماً ولا حبيبتُه: 
فرسان الخيال الصغار هؤلاء
يصرخون بفرحة أو رعب، 
وكأنهم يتعقبون مصائرهم 
في دائرة مفرغة. 

من صائد الغزلان إلى قائد الجحافل، 
والهائم في البراري 
يغني غراماً مستحيلاً:
صاروا كلهم أمام الحبيب فجأة
على صهوات جيادهم، 
يدورون بلا توقف حيث بدا 
أن أجساداً بلا عدد
يمكن أن تُدفن إلا رؤوسها. 

وإذا به يحوّط حبيبته بفزع 
من أن تغيب مرة أخرى 
أثناء "غميضة" يلعبانها
فلا يعود يجدها 
في ألطف منطقة في لندن
حيث جياد من خشب أو بلاستك 
تُمتطَى على ضفاف النهر
إله Royal Festival Hall والـ 
يثبّت تحت ذقنه الخليقة.


عشاء (Baker Street)

برغم الجليد المتراكم 
فتاتاً من الصوف الأبيض
وكونكَ لا يمكن أن تدخن
في مكان دافئ
اللقاء فرح عابر القارات
وتناغم النكهات عبقري حقاً
في المطعم الطلياني

كل ما في الأمر أن "البيتزا" 
جاءت حارة بدرجة مستحيلة
ما دفع النادل إلى الاعتراف
بأنه لا يختار لنفسه هذا الصنف
إلا حين يمتلئ خَزّان دموعه 

آكلها على العشاء – 
هكذا أخبرك النادل – 
ثم أُمضي الليلة أبكي 

هكذا ولو للحظة 
كان لابد من اجترار موتاك
أو كما يقول كفافيس
الذين فقدتهم 
وكأنهم ماتوا
ودونما تفسد الفرحة 
امتد خيطان شفافان 
كالثلج أو الكريستال
من وجهك إلى طبق "باستا" جديد
طلبتَه خالياً من الشطّة.

 

تدخين

elbadil | December 29, 2010 | التصنيف : إبداعات 

 

Willesden Green

إلى حنتوسو

 

لحظة الاختلال المفاجئ –
ويدي التي فارقها للتو
كتاب القصائد الأخيرة ،
تتشبث بالزجاج

– هل لأنني تخيّلتُ
رائحة “سيلفيا بلاث”
في أنف “تيد هيوز”
كدتُ أفقد توازني؟

على الحافة السميكة
للشباك الوحيد
الذي يمكن فتحه،
عالياً قرب سقف غرفتنا
حيث جهاز إنذار الحريق متأهب
لأي سيجارة أشعلها،
والطقس سجن أو سحاب،
كنتُ ملفوفاً في المعطف الطويل
ورأسي في “الفريزر”،
أزفر دخاني وأقرأ
لاهياً عن وضعي الأكروباتي

حين انزلقت قدمي.

ودونما يوقظك ارتطامه –
فقط تمتمتِ بشيء كالسؤال،
قبل أن يعود نَفَسك
يغيب في الأغطية السميكة
وأنت تتقلبين من جنب إلى جنب،
ويهب شيء من رائحتك،
أو هكذا يُخيّل لي

– سقط على الأرض الكتاب.

كل ما أذكره أنك نائمة
وأنا أقول لنفسي:

“فضلاً عن الغرام واللاغرام،
الشِعر واللاشِعر،
وألف شيء غالٍ
لابد أنه أصبح رخيصاً؛

فضلاً عن الشهرة التي يقول لها
في إحدى قصائده
إنها ستجيء كما أرادتها تماماً –
ستجيء الشهرة،
هكذا يقول لها في القصيدة،
ولكن بعد أن تكوني
قد دفعت ثمنها:
سعادتك،
زوجك،
حياتك –

فضلاً عن الناشر
والطبيب النفسي،
المكتبة وقاعة المحاضرات،
مَن المسئول عن الخلاف
ومَن يعتني بالطفلين
(كان أصغرهما قد مات منتحراً
قبل عام من لقائنا:
عالم أحياء مائية “ملو هدومه”
في السابعة والأربعين)
وعن ترهات “الفيمينيزم”
واللافيمينيزم أيضاً،
بعد عقود من وفاتها؛

فضلاً عن كل ذلك” –
هكذا أقول لنفسي

– “لابد أن رائحتها في أنفه
كانت أبسط وأروع
من أن يقدّرها أحد سواه.”

ودونما أتذكر أنني
قبل أسابيع أو شهور،
دخنت بالطريقة نفسها في مالطة
ولم أحس بالسعادة،
مع أن الطقس موسيقى
وموقع الشباك لا يضطرني
إلى الأكروبات – كانت أخرى
لا رائحة لها في أنفي
نائمة مكانك،
وبدا أن مالطة كلها
في الوقت نفسه
مكدسة وخاوية

– شعرتُ الآن أنني
محلّق في الأعالي
لأنني مازلتُ واقفاً
وأنا وأنت في غرفة واحدة
بعد أو بالرغم من كل شيء،
ووجدتني أنظر
إلى حيث وقع الكتاب

ودونما أدير وجهي
إلى جسدك النائم
أشهق وأهمس لك:

نجونا يا جميل

يوسف رخا



Enhanced by Zemanta

لندن

برغم الجليد المتراكم

فتاتاً من الصوف الأبيض

وكونك لا يمكن أن تدخن

في مكان دافئ

اللقاء فرح عابر القارات

وتناغم النكهات عبقري حقاً

في المطعم الطلياني

 

كل ما في الأمر أن البيتزا

جاءت حارة بدرجة مستحيلة

ما دفع النادل إلى الاعتراف

بأنه لا يختار لنفسه هذا الصنف

إلا حين تمتلئ خزانات دموعه

آكلها على العشاء

هكذا قال النادل

ثم أمضي الليلة أبكي

هكذا ولو للحظة

كان لابد من اجترار موتاك

أو كما يقول كفافيس

الذين فقدتهم

وكأنهم ماتوا

ودونما تفسد الفرحة

امتد خيطان شفافان

كالثلج أو الكريستال

من وجهك إلى طبق “باستا” جديد

طلبتَه خالياً من الشطّة

 

غريمي

المجنونة. كم مطباً في طريق احتضانها؟ أنتَ أيضاً تشممتَ إبطها في الظلام. أحنيت رأسك لتجتر لحماً لا يشك الناظر في وجوده تحت الملابس، دعك من طراوته في الشفاه. وأبصرت ألحاناً في خطوط تتقوس لعينيك وحدك، تماماً كما أبصرتُ القصائد. أنت أيضاً صافحتَ الله ونصف روحك في جب الفجيعة، فالتأمت. صدّقت وعد السعادة الممكنة وارتحت للأبد المقنن. أنت أيضاً جَبَرتْك الرائحة.
كسور الأديم المجمّد في المروج المتاخمة لبيتكما الطالع من “فيري تيل” لم تتمكنا من تأليفها… ولرشاش الدم لون فاقع على الجليد، لهبة «الشكمان» نفس الأزيز في المسارات. الكسور الناعسة حيث توجد أيضاً أشجار، لعلها أقرب إلى صحارى التراب المنمنمة على الأسفلت مما ظننا.
يا من تسرع إلى الطبيب لإصلاح ذات البين، أمسك عن أكسجين عمر كامل في جنونها، قل وداعاً للتعاسة. ومثلما أتحمّل فراقها بلا مساعدة من هزيمتك، اعزف موسيقاك جيداً. في روحاتها الجامدة من أمامك حين تبدو صغيرة وضائعة ومحتاجة الحنان، تذكّر أن بيني وبينها مسافة بطول التي بينكما على هذه الأرض. وخلال هدنتك التي توجعني، رحلة الفكاك المميتة، اشكر الجغرافيا والأطفال.
الآن أوقن أنك هناك ترمقها وتعرف أنني هنا أعرف أنها عندك وأنتظر النهاية، وأن هذه فعلاً مصيبة… المجنونة. حين أنزع هذه الورقة من دفتري، سأستحضر كل ما ألوي عليه من فضول أو مودة تجاهك، أي تلوين خصوصي كي تصدق أنني جاد تماماً، قبل أن أطويها في مظروف خيالي على سطحه عنوانك، وأكون توّجتُها باسمك مسبوقاً بكلمة «عزيزي». كم مطباً لأعترف بالكذبة الجوهرية في الرسالة:
أنني أكتب لك لأقترب من حبيبتي؟

http://www.annahar.com/content.php?priority=4&table=adab&type=adab&day=Sun

Reblog this post [with Zemanta]