جسد

لقد أتوا من بعيد ليحاكموا جنسنا: قصائد ميشيل هولبيك ترجمة صلاح باديس

michel_houellebecq

.

1
كنت وحيدا خلف مقود البيجو 104
مع ال 205 كنت لأبدو أكثر لؤما
كانت تمطر بغزارة و أكره أن أتشاجر مع نفسي،
بقي عندي 3 فرنكات و 55 سنتيم.
.
ترددتُ أمام تفرّع “كولمار”
هل كان من الحذر أن أترك الطريق السريع؟
رسالتها الأخيرة تقول: سئمت منك و من مشاكلك.
سخافتك تقززني.
.
علاقاتنا باختصار عرفت نوعا من البرود،
الحياة دائما ما تفرِّقُ العشاق.
مُطرطقا أصابعي ومن دون أن أفقد عزيمتي
أخذتُ في إنشاد مطلع « Vie de Bohéme »


Continue reading

عقل العويط: سكايبينغ

IMG_9030

 

إلى عقل العويط زاعماً أنّه الشخص الثاني في هذا الحوار

- حسناً. سأفترض أنّه الفجر، أو ما بعد منتصف الليل. يحلو لي أن أُحاور أمزجتكِ كما لو أنّكِ لا تزالين نائمة. كما لو أنّكِ تحلمين. أوهِميني فقط أنّكِ هنا، وأنّ غرائزكِ تنمو في الليل، مثلما تنمو شياطين على حافة هاوية. كلِّميني بإشارةٍ من جسدكِ، كي لا أبقى أكلّم نفسي، كما أفعل مذ وُلدتُ، وكما يفعل ممثّلٌ وحيد على خشبة مسرح… في العرض الذي يسمّونه بالإنكليزية “وان مان شو”.

Continue reading

صلاح باديس: عيد ميلاد في مول باب الزوار

عشرون عاما (ع ع)

هكذا كتب على الأوراق الادارية في محفظته

عيد ميلادك العشرون زارك وحيدا

حيث تعمل في مول مفتوح 24/ 24

لم يكلمك حتى لا تنزعج مديرتك

- جلس ينتظر-

فأمضيت اليوم تعمل حتى نسيته

ونسيت أن تهنأ

جسدك الذي يطوف بك منذ سنين/ ولم يعد جديدا

روحك المتعلقة بأشخاص عاشوا في زمان بعيد

لن نتكلم عن قلبك

لنتكلم عن المول

Continue reading

في ذم الثورة: هكذا يصير الفرد أقل من إنسان وأكبر من الإنسانية

wpid-photo-1-2013-06-29-06-58.jpg

.

في ذم الثورة

أو كيف جعل لي الشعار في جسدي وفي نفسي شغلاً

“ولتستقيمن لي أو لأجعلن لكل امرئ منكم في جسده وفي نفسه شغلاً.” – من خطبة الحجاج بن يوسف الثقفي في ولاية العراق؛ نص كتاب الأوائل، أبو هلال العسكري (توفي سنة ١٠٠٤ م)

عيش

جئتُ إلى هنا، إلى هذه اللحظة، من حيث كان وقت ضائع يكفي لملء الكون. هناك، في المكان الذي جئتُ منه، كنا كأننا في برزخ فضائي وإشارات المركبات تومض عشوائياً ككلاب عملاقة من معدن تعوي في الفراغ. كان الكلام معزولاً عن الواقع مثل الأذان: أنكر الأصوات في المكبرات. وكان الواقع نفسه قبيحاً إلى حد العمى عن تفاصيله.

النظر مؤلم، والانتظار مؤلم. فهل يهم حقاً ما سوى ذلك من “شرط مادي”؟ وماذا يعني القول مثلاً إنك من الطبقة الوسطى؟

Continue reading

قصة محمد ربيع: أحمال

في الأول من فبراير عام 1957، وفي مدخل قصر الأمير عبد المنعم، توقف ضابط شاب مواجهًا الأمير بصرامة معتادة. أخبره أن عليه الرحيل، عليه ترك القصر فورًا. بدون أن ينطق حرفًا، عاد الأمير إلى الداخل، ثم خرج وفي يده حقيبة، ابتسم للضابط، وتحرك نحو السور الجنوبي للقصر.

Continue reading

ناهد نصر: أربعة نصوص عن الموت

بدرجات الأسود

wpid-img_8896-2013-04-7-14-05.jpg

Continue reading

عقل العويط: ليتني أملك أن أقتلك يا أبي

أريدكَ، يا أبي، يا داود بن عقل بن داود العويط، أن تموت. بل آمركَ، بالحبّ الذي أكنّه لكَ، وبالصداقة التي نتفرّد بها، آمركَ بأن تموت. وفوراً. وبدون أيّ إرجاء.

wpid-2013-02-1823-46-13-2013-03-29-14-14.jpg

Continue reading

مانهاتن: كيف كففت عن الحشيش وتركت حبيبتي

«الذين يستحبون الموت على الكفر…» – أسامة بن لادن

«وعمرَّ الله موضع خروجها من آدم بالاشتياق إليها، فحن إليها حنينه إلى نفسه لأنها جزء منه، وحنت إليه لأنه موطنها الذي صدرت عنه» – ابن عربي

«فلم تهوني ما لم تكن في فانيا» – ابن الفارض

ذات يوم، اضطررت للكف عن الحشيش.

كان لي قرابة العام مفجوع في أبي، زاد استهلاكي خلالها بصورة كبيرة. عندي موسوعة مصوّرة عن النبات الذي أحبه، عرفت منها أن أحد أسمائه في الهند «مسكّن الفجيعة». خمس سنين منذ انتظمت على التدخين، وكل يوم أكتشف له مزايا جديدة. عيبه الوحيد أنه يقصيني. لم أعد أنتبه لحديث الآخرين. بعد وفاة أبي، خصوصاً، حدست أني أتعامل مع الناس في مساحة ضيقة وبعيدة. الجنس نفسه خلا من المشاركة، ما كان يزيده إمتاعاً مجرداً من المعنويات.

Continue reading

روجيه عوطة يقرأ التماسيح

wpid-IMG_0838-2012-11-12-21-22.JPG

التماسيح ليوسف رخّا رواية برّ المجتمع الآسن وماء الشعر المغرِّق
روجيه عوطة
النهار، 2012-12-18

wpid-tamasih1-2012-11-11-18-36.jpg

***
في 20/6/1997، انتحرت المثقفة والمناضلة الطالبية رضوى عادل في أحد أحياء القاهرة. بعد ساعات قليلة على قفزها من الشرفة، ولد الشعر السري المصري بين مجموعة من الشباب الشعراء. تهجس رواية يوسف رخا، “التماسيح”، الصادرة عن “دار الساقي”، بالتوازي الزمني بين الحدثين، وتتساءل عن مدلول التلاقي بين انتحار أشهر أعلام الحركة الطالبية من جيل السبعينات، وولادة جماعة شعرية سرية، أطلق عليها إسم “التماسيح”، في تسعينات القرن الماضي. 
بينما يترقب الروائي، الذي كان واحداً من مؤسسي الحركة السرية، إلى جانب صديقيه نايف وباولو، استكمال ثورة 25 يناير بأخرى، تطيح الديكتاتورية العسكرية والإخوانية الناشئة، يفتح الملف الأول من “حاوية التماسيح”، وينشر مقاطعه السردية، متسائلاً عن تبدل الأحداث والوقائع المرتبطة بالشعراء “العشاق”. فالعلاقة التي تجمع انتحار رضوى عادل، وولادة الحركة الشعرية السرية، وموت الشاعر الشاب نايف في حادث سير، لا تنطوي على تقاطع زمني فحسب، بل تشتمل على تجاذب في الإجتماع المقفل من جهة، وتنازع في السائد الثقافي من جهة أخرى. وكانت “التماسيح”، وقبلها الحركات الطالبية والنضالية، قد سعت إلى اختراق الثقافة الإجتماعية من ناحية الهوامش العاطفية والجنسية والسياسية وغيرها. يقرأ رخا محاولات التخطي والقطع المختلفة كأنها مصبوبة في سياقات تاريخية واحدة، وتمهد بأغلبها إلى انفجار البنى المسحوقة في مصر. فالتفجر المجتمعي الذي جرى عام 2011، يؤمّن للأحداث السابقة عليه، ولاسيما التي جرت شعرياً في الخفاء، معاني ودلالات حديثة. 
من خلال الأبعاد الدلالية الجديدة، يسرد رخا الحكاية البرمائية للشعراء “التماسيح”، بين بر المجتمع الآسن، الذي وقعت جثة عادل فوقه، وماء الشعر المغرِّق، الذي غاصت أجساد الشعراء الشباب فيه. إذ يبلغ هؤلاء الثلاثة المؤسسون، يوسف “الفتيس” المجهول ونايف المهووس بالبيتنيكس وباولو المحمض الفوتوغرافي، إلى أقاصي شعريّتهم بالتخلي عن الأخلاقية المجتمعية، وممارسة عصيانهم العاطفي والجنسي، عبر التمرد على قواعد الإجتماع ومعاييره. ولأنهم حضروا في مرحلة زمنية، الخلو الإيديولوجي عنصرها الوحيد، خصوصاً بعد سقوط جدار برلين وتفتت المنظومة الشيوعية عالمياً، بات من الأفضل للشباب أن ينحوا إلى البحث عن نموذج يناسب ظروف تمردهم. فبعدما ختمت رضوى عادل حقبة النضال الطالبي، وأعلنت بانتحارها فشل التجربة الثورية السابقة، ظهرت الجماعة الشعرية السرية، لتشغر موقتاً المكان الخالي الذي خلفه الإنعدام الإيديولوجي. فاستبدلت عبارة “رايح الاسكندرية” التي درجت في تلك الآونة بين الشعراء، تعبيراً عن العطالة والضجر، بفضاء لغوي وإجتماعي آخر، يمكن التعبير فيه عن الرغبات المسحوقة عبر المخدرات، والحب الجنسي، والشعر المخفي عن الخارج.
بمعنى سردي آخر، وصلت رضوى عادل إلى شقة قريبتها، لاعبت أولادها، ثم استأذنتها ودخلت إلى غرفة النوم. أقفلت الباب، خرجت إلى الشرفة، وجلست على الحافة، تزحل بجسدها نحو الخلو الذي يفصلها عن الأرض. ثم وهبت جسدها للهواء، وقبضت بكفيّها على الحافة، قبل أن تفردهما، فترتطم بالإسفلت وتموت. أما الشعراء “التماسيح”، فقد كانوا في الداخل، مثل أولاد القريبة في الصالة، لا يبالون بانتحارها، ولا يخطر ببالهم أو يصدّقونه: “لم يعلّق أحد على أن رضوى عادل ماتت يوم إعلان الجماعة، ولعل أحداً لم ينتبه إلى تزامن الحدثين”. لكنهم ولدوا، مثل نايف، لحظة ارتطامها بالأرض، وانتقلوا من الصالة الداخلية كي يسكنوا في المسافة الشعرية التي تفصل الشرفة عن الإسفلت، بحيث لا يختبئون في الشقة، ولا يقفزون إلى الشارع، بل يلازمون مكانهم السري بين الداخل والخارج. 
مثل “المبسورون”، عنوان الكتاب الشعري الوحيد الذي نشرته المناضلة المنتحرة، أي الكائنات التي لا علم لها إذا كانت منسوبة إلى عالم الفجاجة، أو إلى عالم النضج، ولدت “التماسيح” في زمن رمادي، وفي مكان- مسافة، وحين يمارس أعضاؤها الشعر، يكتشفون أن “الكتابة أمامه”. تالياً، كانت قصيدتهم غير المكتوبة شكلاً من أشكال السلوك العصياني، فتحوّلت على إثرها العلاقات العاطفية والجنسية التي خاضوها إلى نصوص شعرية، لغتها إيطيقية وجسدية على السواء. فحبيبة نايف، مون، “كانت شعراً خالصاً”، وعشيقة باولو، صبا، “عبارة عن قصيدة سرية”. في المقابل، كان شعرهم المكتوب يصبح واقعاً، نتيجة الهوس التمردي وتدخين الحشيشة وتعاطي الكيوف الكيميائية، الـ LSD مثلاً. فقد تحول “أسد” ألن غينسبرغ، الذي ترجم نايف بعض قصائده، إلى كائن حاضر أمامه، يزأر وينهش لحم الواقع، كما تحولت “الكعكة الحجرية”، التي كتب أغنيتها أمل دنقل، إلى مساحة رخامية تحل مكان البيت العائلي. 
لكن، سرعان ما بدأت “التماسيح” تزحل نحو تفككها، ولاسيما أن الجماعة تأسست لحظة نهاية حقبة محددة، أي أنها شيِّدت فوق النهايات، وشكّل الموت، المتمثل في انتحار رضوى عادل، بنيتها اللاواعية. ففي 11/9/2001، يوم الإعتداء على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، انطلق نايف بسيارته نحو مكان حبيبته المازوشية مون. في الطريق الصحراوية، سيفاجأ بأسد غينسبرغ في المقعد المجاور، فتضطرب قيادته، وتدهسه إحدى الشاحنات، قبل أن يصاب بنزيف رأسي، ويموت عند الساعة الثانية بعد الظهر. 
على إثر هذه الحادثة، تقترب جماعة “التماسيح” من نهايتها، فلا تعود المسافة الشعرية قادرة على احتمال الضغط الخارجي الشارعي، ولا جدوى السرية الداخلية. يجيء موت نايف كإشارة إلى تجاوزه المكان الشعري، وعبوره إلى الإسفلت، بعدما ارتفع، نتيجة الصراخ الواقعي، إلى مستوى الشرفة. للمرة الأولى، يتلاقى الداخل والخارج، ويواجه الشعر الواقع المسحوق، فالشعراء برمائيون، لكن دموعهم لا تنهمر كدموع التماسيح لحظة التهام الفريسة، كما لو أنها دلالة على عقدة ذنب تاريخية.
في هذا المعنى الشعري الجديد، سيظهر نايف في ميدان التحرير عام 2011، إلى جانب المنتفضين ضد ديكتاتورية الأمر الواقع آنذاك، وفي مقابله، سيظهر الأسد بين الحيوانات المفترسة في “موقعة الجمل” الشهيرة. ولكن، بعد وصول “الإخوان المسلمين” إلى الحكم، سيحاولون القضاء على الشاعر، وتهديده باعتقاله أو إعادته إلى مرحلة الإنغلاق السري، لذا سينتظر رخّا اندلاع الثورة الثانية ضد الإستبداد الديني. في المناسبة، لحظة كتابة هذه القراءة في رواية “التماسيح”، يتظاهر الثوار، ومنهم نايف، في الميدان، ضد الديكتاتور الناشئ محمد مرسي، ويرفعون أعلاماً، طُبعت عليها صور المناضلين الراحلين، مينا دانيال وجابر جيكا… ورضوى عادل أيضاً

جانيت ماري: حــبـل

نص جانيت ماري:

حــــــــــــــــــــبــــل

—————

wpid-dvs28a-2012-04-26-20-21.jpg

فقط القريبين يعرفون كيف أبرع و باقتدار في استغلالي لنفسي، ربما معرفتي باستغلالي لي هي في حد ذاتها أسوء من الاستغلال نفسه، كم سيكون سهلاً لو أنني فقط لا أعي كل ما أفعله بي أو أنني أغبى من أن أتعرف إلى حقااتي وضعفي.

 *

كلهم أشجار صامتة غبية. نعم تبدو الأشجار جميلة، لكنها لا ترتعش، وإن ارتعشت فهي ترتعش فقط بفعل شتاء قاس أو خريف أهوج. ومهما ارتعشت الأشجار فهي لن تقدر أن تجعلني أرتعش.

كلهم كلمات ملقاة في نوتة كتاباتي التي فرغت من كلماتها الشعرية حين رحل، كلهم محاولات شعرية مراهقة. وكأن قلمي لم يسطر حرفاً، أو كأن قلبي لم يعرف ماهية الحب.

كلهم دُمى أستغلها في عهر أنثوي فاجر. وكأن خطيئة رفضه هي خطيئتي، وكأنني يجب أن أغسل ذلك الجسد مراراً بأن أبقيه سجين “مَطْهَر” أجسادهم الغبية.

*

كلهم يعرفون. سعداء بتلك اللحظات القليلة التي ستجمعهم بي. لو يجهلون، ما كانوا ليرتضوا جسداً بارداً في مهمة خاصة من التذلل والتفنن في إشباع رغباتهم الحمقاء، وتحت شروطي. لو يجهلون، لما ارتضوا بأن لا تتلاقى الأعين، لما ارتضوا أن لا ينعموا بقبلات ساحرة في أعينهم… لكن رغباتهم الغبية أقوى من تمني العشق الصريح.

لا تستثيرني وجوههم، القبح سيد الموقف. حتى الأسرّة تبدو وضيعة للغاية. أجسادهم غير مثيرة، أعضاؤهم غير مثيرة، تلك الإثارة المنتهية حين تتوسل أعينهم بأن لا أتوقف… غير مثيرة. أشفق عليهم قليلاً وحين أنتهي، أشفق على نفسي.

أود أن أتوقف عن الإشفاق عليهم. أن أحتفظ بالشفقة لنفسي، لأنني سأحتاجها يوم يطردني المَطْهَر بلا رجعة. ربما وقتها لن تكفيني شفقتي، وربما تحل محلهم شجرة أخرى مُشفقة لتتكرر دائرة العذاب المفرغة التي ابتدأتها يوم رحل.

*

هل كانت مهمة التعذيب الذاتي هذه لتكون أسهل لو قررت أن أنظر في عيني أحدهم، لو أن أحدهم استطاع أن يقترب من جسيماتي الدقيقة التي أصبحت شعيرات ضوئية طويلة جداً؟ ربما لو قررت يوماً أن أستثير بعض الرغبات بداخلي حتى يتملكني الضعف الدافع الى إخمادها… ربما حينها سأتخلص من دائرة التعذيب؟ أم سيحدث – ربما – لو قرر أحدهم أن يرفض تسلطي المختبىء خلف ما أقدمه من سعادة وقتية؟

 *

ما معنى الرغبة في التحول لأداة أمريكية الصنع؟ ربما أن تكون يداي أخشن قليلاً من المطاط؟ هل هي الرغبة في التحول للمطاط إذن، بعد أن تحولتُ لشعيرات ضوئية؟

 *

تمتليء نوتة كلماتي بالأسماء. أعجز عن التذكر، أحياناً أنسى أنني على موعد لأجد نفسي مضطرة لإتمام مهمتين من العذاب الذاتي في وقت قليل، أنتشي من كثرة التعذيب… ربما هذا ما أستحقه لقاء هجره لي، ربما أستحق أكثر فتُمعن الأقدار في تعذيبي بجعلي أنسى الموعد. أستيقظ أياماً لأتساءل إن كان هناك شيء عالق في أحشائي لأتذكر ان أحداً لم يصل يوماً إلى أحشائي. أتساءل في غباء إلى أين وصلوا، إلى أين سيصلون؟

*

أتوقف مرات قليلة قبل أن تمتد يدي إلى هاتفي ليلاً لأطلعه على أنني ظننت هناك شيئاً ما بأحشائي ليلة أمس؛ أعرف أن هذا سيهلعه… ربما يكون هذا هو السبب الوحيد لأن يشعر بندم شديد على تحمله تلك الخطيئة الكبرى في تلك الأراضي الثلجية التي لا تشرق فيها شمس “الصفح”؛ ربما سيتعذب وقتها في مَطْهَر الذنب؟

ربما إن عرف سأجد لنفسي سبباً مقنعاً لتركه لي؟ وقتها فقط لو خلطتُ بعض الأيام: قدمت بعضها وأخرت أخرى، سأقول لنفسي إننا غير متشابهين على الإطلاق، فأنا لست وفيّة إلا لمهامي الأبدية كعمر سيزيف!

نعم أعرف أن هذا ما يدور بداخلي. أعرف أنني أقمع نفسي بداخلي يوماً بيوم حتى أتشوه كليةً وأبدو غير مشابهة لتلك القديمة التي أحبها، ليبدو من المستحيل أن يقع في حبي لو – كما قلت – خلطنا بعض الأيام.

تترك يدي الهاتف مسرعة لتطلب رقماً آخر من الأرقام التي ملأت ذاكرته وتأبى أن تتعرف إلى ذاكرتي…

 *

أتساءل إن كان مقدراً لي أن أتوقف عن معاملتي بهذه الخسة… لتأتي الإجابة الخسيسة إنه طالما لن يتوقف هو عن الهجر، فلا فائدة من التفكير أصلاً.

جانيت ماري

إبراهيم السيد: قصيدة للكريسماس

قصيدة للكريسماس

wpid-chagall_nativite-2011-12-25-01-40.jpg

لأن الفاشية التي نمت في المدارس

تغزو الشوارع الآن

ستخاف صديقتي من جسدها

جسدها المحايد

كحليف غير مأمون تماما

في معركة المحبة .

السحالي تملأ الطرقات

و الدولة شبح

يضغط فوق أصابعنا الصلبة .

قبل الكريسماس

الأشجار تبدو أصغر حجما و صينية الصنع

و للزينة الحمراء

رائحة ثمار فراولة يغطيها طبقة بيضاء لزجة من العفن .

هكذا سنترك المدينة خلفنا

متجهين للصحراء

مصّدات الموج الأسمنتية القبيحة تسد الرؤية علي الجانبين

و الشاطئ خلفنا

ملء بهياكل جيلاتينية تنبض في الظلام

لقناديل بحر

باغتتها موجة باردة .

إبراهيم السيد

خريف 2000

The Citadel and tombs in Cairo, Egypt in the l...
Image via Wikipedia

سُرقت شقة شحاتة، وأنا في الآستانه: لم يقل لي أحد. وعندما عدت كانت الحملة الفرنسية تقوم في رأس أبي. فكرت أن المماليك دائماً ما يرجعون، وأنه طالما هناك وافدون من غير أولاد الناس، لا أحد يخلصنا من الاستعمار الأوروبي أبداً.

لا أعرف ما الذي دفعني للتفكير في عمل واحد أو اثنين مع الآنسة قشحويري، نفس الآنسة التي كان يهابها صديقي. ففرحت عندما تلفنت لي، لكنني تعاملت معها ببرود مبالغ.

واستنتجت أنني كنت مشغولاً عنها بأوضاع المنطقة: إن كان الباب العالي يسترد صحته دون أن يلبي نداء مصطفى كامل (الوطني) بإعادة الاستحواذ على أراضيه المصرية، كما ادعى أبي، فإنما يفعل ذلك بناء على التجارة بالهوية وتغيير الخط. ومع هذا، كنت أكن لمصطفى كمال (أتاترك) إجلالاً داخلياً لا أستطيع أن أنكره، وأعتقد أنني إذا ما كنت مكانه لفعلت نفس الشيء.

راح من شحاتة تلفزيون وفيديو ومروحة، كذلك كاميرا حلوة وألفا جنيه. فحسدت الآستانه على استقرارها.

وفي المعمعة الدائرة ما بين عمارة مدبولي (صاحب المكتبة) والدور الخامس من قصر العيني الفرنساوي (حيث رسا الأسطول الاستعماري أول ما رسا)، اكتشفت:

أن شيئاً لا يجذبني إلى الآنسة قشحويري سوى أن صديقي يهابها؛

أن أولاد الكلب أصبحوا متآمرين، وأنهم، ضاربين عرض الحائط بأراضيهم المصرية، سينضمون للاتحاد الأوروبي على آخر الزمن؛

أن أبي بصدد واحد أو اثنين لن يستطيع أن يعملهما مع الممرضة الشقراء؛

وأن شيئاً من هذا كله لا يعنيني مطلقاً.

في الطريق إلى مقهى سأقابل شحاتة على عتبته، فكرت أننا هنا، وعلى الرغم من كل محاولات التجارة بالهوية، لن نتمكن أبداً من تغيير الخط

Grass-roots night life in Cairo is photogenic in a unique way. While some may think its charm is in its exotic qualities, the truth is that such sights, to the wandering Cairene, are more or less commonplace.

It is their strange, gritty beauty that you are after – a beauty in which you tend to recognize less visible aspects of yourself, your ancestry, the collective memory of your society.

The whole process is always rewarding enough so long as something of the character of the subjects comes through: the ancient electric fan keeping shisha coals aglow, for example, typifies the small downtown hideaway of a café in which it was taken in a particular, immediate way.

So does the smile of Karam, that café’s amiable ahwagy, a character worthy of a book-length photo essay in his own right.

Many have commented that the picture of the tea house, taken in Gamaleya, not far from Bait Al-Sehiemi, towards the end of 2002, looks like it belongs to a bygone age, an age before electricity. In fact the only light source in the picture was a 60-watt tungsten bulb located above the central figure’s head outside the frame.

(cairolive.com)

سفر الوجوه

سَفَر الوجوه

2.L

«فكل ضد خلاف وليس كل خلاف ضد» – ابن عربي، «كتاب الأسفار»

ممسكاً بزمام الأمور، يبدو أبي رومانسياً في صورة بطاقته العائلية. أعرف أنه لم يكن يحملها أثناء مسيره في شوارع القاهرة – هل كان الإعراض عن حملها إيماءة تحدٍ مجهضة؟ – فعدم حملها ذلك لم يخفف وعيه بالمجتمع البوليسي. من غير وثيقة مختومة – يقول – يظل إنسان هذه البلاد عرضة الإلغاء المادي. (استنتجت أنه يقصد الاعتقال أو التصفية، في العموم: إحدى حلقات سلسلة لانهائية من التنويعات المحتملة على هذين المصيرين، واقعاً أو خيالاً كابوسياً في عقله.) وكأنه لم يسمع أن هناك ضباطاً يمزقون البطاقات في وجوه أصحابها، بغض النظر! كنت أحس، عندما أفكر في كلام أبي، أن تمزيق البطاقة لا يعدو أن يكون مسرحة لفعل الإلغاء المسيطر على عقله، على مستوى رمزي. لكن الخلاف بين الإعراض عن الشيء والإيمان بضرورته رسّب شكاً، راكمه أكثر من تناقض، في انفلات الزمام من قبضة الرجل العجوز. (لم أعهد أبي مرة يحمل تحقيق شخصية، لكنني لليوم أكاد أسمع صوته: «إوعَ تمشي في الشارع من غير بطاقة!») إن أمامي أقل من عام حتى أولد، وقت التقطت الصورة، سنة 1975. وأظن، من هذه الناحية، أنها وثيقة الصلة بوجودي، كونها جزءً من أول بطاقة عائلية يستصدرها الرجل الذي أنجبني. ومع هذا، من شأن نظرتها الحالمة – «رومانسيتها» غير المتوقعة هذه – أن تجعل الشخص الذي يطالعني فيها مفارقاً لذكرى أبي في اضطرابه وانطفاء عينيه: زوج يتحايل على الحياة العائلية بالنوم أطول وقت ممكن، ولا أراه يلمس المرأة التي يعيش معها أبداً، أو يعبر عن أي مشاعر تجاهها. كانت أشياء بيولوجية، كلها – آثار مرض السكر على أطرافه والشيخوخة المبكرة في وجهه، أو نمطية علاقته بعالم نادراً ما يتجاوز حدود شقتنا – تلك التي صاغت معرفتي بأبي. ولفترة أطول مما يجب، بسببها، ظلت صورته الذهنية (ذكراه) أصدق من صورة البطاقة. على أن الوجه الرومانسي، بدوره، كشف عن أبعاد مجردة. أصبح النظر إلى البطاقة بمثابة رؤية أبي من بعيد، أو من خلال شاشة تزيل وطأة السنين عن وجهه. في البطاقة كان وجهه، بمعنى شخصي جداً، يتأطر. حتى استقر في مكان خاص من رأسي تحوطه فراغات مستطيلة. أصبح أول بورتريه.  فالبورتريه – هذه شطحتي – هو المساحة الملتبسة بين صورتين: واحدة على ورق أو قماش، والثانية في المخزون البصري للرأس. تعريف مبدأي، إذن: أن أسأل نفسي، وأنا أقيس خبرة حاضرة على معرفة توجع، أيهما أصدّق؟

Continue reading

يماني يتعلم الكلام

ديوان أحمد يماني الأخير (أماكن خاطئة) – أكثر من أي عمل سابق له – يعكس المسافات الجغرافية والزمنية واللغوية لشخص يعيش خارج بلده، الأمر الذي يثري عملية إعادة اختراع اللغة التي يمارسها منذ بداياته. لهذا، لأن اللغة في تجددها وتولدها شيء يفرح (وهو التعريف الوحيد الممكن للشعر) أتى الديوان هدية مبهجة رغم كآبة الجزء الأكبر من محتواه. أتى بالبريد الإلكتروني في أبو ظبي، قبل أن ينشر عن دار ميريت بأسابيع أو شهور. وأذكر أنني - وأنا أطبعه، في محل عملي هناك – كنت كمن ينتظر وليمة يعرف أنه سيمضي الليل كله يأكلها. رحت، قبل أن أسلم نفسي لحالة توقعت صواباً أن ترحمني من القحط العاطفي لحياة الخليج، أسترجع بداية معرفتي بهذا الشاعر المقيم في إسبانيا من سنين كثيرة.

كان قد خضني منزل أحمد طه، في اجتماع مجلة الجراد الوحيد الذي حضرته، قبل أن أغادر مصر في عمر السابعة عشر ولا أعود حتى سن الرشد. لا أذكر إن كنت التقيت به ليلتها. الذي أذكره هو أن قصيدة (شوارع الأبيض والأسود) ظلت، من وقتها تقريباً، أقوى تجسد للقيم الجمالية التي عبر عنها (جيل التسعينات) في مصر، في الجراد والكتابة الأخرى وغيرهما، أنقى تعبير عن فرضيات كنت أتفاعل معها بما يكفي للشعور بالألفة فعلاً، إلا أنني – في هذا العمر، قبل أن تلطشني الحياة – شعرت، بالأكثر، أنني ساذج ومدلل، وكدت أندهش من كوني تفاعلت مع نصوص هؤلاء الناس. والحق أنها كانت تعبر عني بشكل استشرافي، أو قل تضيف إلى وعيي أوجاعاً لم أكن قد جربتها، فتكمّله. المهم أنه، بداية من الاعتراف بمادية الواقع – إلقاء الأيديولوجيا في الزبالة، على الأقل – لغاية القطع الشجاع ليس مع تراث الأدب العربي ولكن مع أكثر من حالة لبس لم تحسمها حداثتنا المجهضة، بدا يماني النموذج الأنقى، الأكثر عفوية واقتراباً من الأرض، الأرك بأسمى معاني الركاكة.

يماني ليس عنده، مثل ياسر عبد اللطيف، هاجس الصياغة اللغوية؛ ولا يهتم اهتمام إيمان مرسال ببناء النص (وهما بالنسبة لي أهم شاعرين أخرجهما ذلك المحيط). يبدو أقرب إلى محمد شكري أو حتى بابلو نيرودا من زاوية أنه يعرّف عالمه بما يكتب، بالثقة الخارجة من الخبرة المباشرة، بلا حاجة إلى سياق: عندما يقول شجرة، مثلاً، لا يعود في الدنيا كلها سوى الشجرة التي يتحدث عنها، يتجدد معنى كلمة شجرة لدرجة الشعور بأن أحداً لم يقل شجرة أبداً قبل ذلك، فيفرح الواحد بالشعر.

أعتقد أننا لا نهتم بما يكفي بأحمد يماني.

002.jpg