لقد أتوا من بعيد ليحاكموا جنسنا: قصائد ميشيل هولبيك ترجمة صلاح باديس

michel_houellebecq

.

1
كنت وحيدا خلف مقود البيجو 104
مع ال 205 كنت لأبدو أكثر لؤما
كانت تمطر بغزارة و أكره أن أتشاجر مع نفسي،
بقي عندي 3 فرنكات و 55 سنتيم.
.
ترددتُ أمام تفرّع “كولمار”
هل كان من الحذر أن أترك الطريق السريع؟
رسالتها الأخيرة تقول: سئمت منك و من مشاكلك.
سخافتك تقززني.
.
علاقاتنا باختصار عرفت نوعا من البرود،
الحياة دائما ما تفرِّقُ العشاق.
مُطرطقا أصابعي ومن دون أن أفقد عزيمتي
أخذتُ في إنشاد مطلع « Vie de Bohéme »


Continue reading

عقل العويط: سكايبينغ

IMG_9030

 

إلى عقل العويط زاعماً أنّه الشخص الثاني في هذا الحوار

- حسناً. سأفترض أنّه الفجر، أو ما بعد منتصف الليل. يحلو لي أن أُحاور أمزجتكِ كما لو أنّكِ لا تزالين نائمة. كما لو أنّكِ تحلمين. أوهِميني فقط أنّكِ هنا، وأنّ غرائزكِ تنمو في الليل، مثلما تنمو شياطين على حافة هاوية. كلِّميني بإشارةٍ من جسدكِ، كي لا أبقى أكلّم نفسي، كما أفعل مذ وُلدتُ، وكما يفعل ممثّلٌ وحيد على خشبة مسرح… في العرض الذي يسمّونه بالإنكليزية “وان مان شو”.

Continue reading

صلاح باديس: عيد ميلاد في مول باب الزوار

wpid-photocopy6-2013-07-4-05-53.jpg

عشرون عاما (ع ع)

هكذا كتب على الأوراق الادارية في محفظته

عيد ميلادك العشرون زارك وحيدا

حيث تعمل في مول مفتوح 24/ 24

لم يكلمك حتى لا تنزعج مديرتك

- جلس ينتظر-

فأمضيت اليوم تعمل حتى نسيته

ونسيت أن تهنأ

جسدك الذي يطوف بك منذ سنين/ ولم يعد جديدا

روحك المتعلقة بأشخاص عاشوا في زمان بعيد

لن نتكلم عن قلبك

لنتكلم عن المول

Continue reading

في ذم الثورة: هكذا يصير الفرد أقل من إنسان وأكبر من الإنسانية

wpid-photo-1-2013-06-29-06-58.jpg

في ذم الثورة

أو كيف جعل لي الشعار في جسدي وفي نفسي شغلاً

“ولتستقيمن لي أو لأجعلن لكل امرئ منكم في جسده وفي نفسه شغلاً.” – من خطبة الحجاج بن يوسف الثقفي في ولاية العراق؛ نص كتاب الأوائل، أبو هلال العسكري (توفي سنة ١٠٠٤ م)

عيش

جئتُ إلى هنا، إلى هذه اللحظة، من حيث كان وقت ضائع يكفي لملء الكون. هناك، في المكان الذي جئتُ منه، كنا كأننا في برزخ فضائي وإشارات المركبات تومض عشوائياً ككلاب عملاقة من معدن تعوي في الفراغ. كان الكلام معزولاً عن الواقع مثل الأذان: أنكر الأصوات في المكبرات. وكان الواقع نفسه قبيحاً إلى حد العمى عن تفاصيله.

النظر مؤلم، والانتظار مؤلم. فهل يهم حقاً ما سوى ذلك من “شرط مادي”؟ وماذا يعني القول مثلاً إنك من الطبقة الوسطى؟

Continue reading

قصة محمد ربيع: أحمال

في الأول من فبراير عام 1957، وفي مدخل قصر الأمير عبد المنعم، توقف ضابط شاب مواجهًا الأمير بصرامة معتادة. أخبره أن عليه الرحيل، عليه ترك القصر فورًا. بدون أن ينطق حرفًا، عاد الأمير إلى الداخل، ثم خرج وفي يده حقيبة، ابتسم للضابط، وتحرك نحو السور الجنوبي للقصر.

Continue reading

ناهد نصر: أربعة نصوص عن الموت

بدرجات الأسود

wpid-img_8896-2013-04-7-14-05.jpg

Continue reading

عقل العويط: ليتني أملك أن أقتلك يا أبي

أريدكَ، يا أبي، يا داود بن عقل بن داود العويط، أن تموت. بل آمركَ، بالحبّ الذي أكنّه لكَ، وبالصداقة التي نتفرّد بها، آمركَ بأن تموت. وفوراً. وبدون أيّ إرجاء.

wpid-2013-02-1823-46-13-2013-03-29-14-14.jpg

Continue reading

مانهاتن: كيف كففت عن الحشيش وتركت حبيبتي

«الذين يستحبون الموت على الكفر…» – أسامة بن لادن

«وعمرَّ الله موضع خروجها من آدم بالاشتياق إليها، فحن إليها حنينه إلى نفسه لأنها جزء منه، وحنت إليه لأنه موطنها الذي صدرت عنه» – ابن عربي

«فلم تهوني ما لم تكن في فانيا» – ابن الفارض

ذات يوم، اضطررت للكف عن الحشيش.

كان لي قرابة العام مفجوع في أبي، زاد استهلاكي خلالها بصورة كبيرة. عندي موسوعة مصوّرة عن النبات الذي أحبه، عرفت منها أن أحد أسمائه في الهند «مسكّن الفجيعة». خمس سنين منذ انتظمت على التدخين، وكل يوم أكتشف له مزايا جديدة. عيبه الوحيد أنه يقصيني. لم أعد أنتبه لحديث الآخرين. بعد وفاة أبي، خصوصاً، حدست أني أتعامل مع الناس في مساحة ضيقة وبعيدة. الجنس نفسه خلا من المشاركة، ما كان يزيده إمتاعاً مجرداً من المعنويات.

Continue reading

التصوير والجنس يا باشا: فقرة من “الأسد على حق”، الجزء الثاني من رواية التماسيح

IMG_5164

أريد أن أحكي لك عن الصلة بين التصوير والجنس يا باشا، عن غواية امتلاك قد تؤدي حقاً إلى القتل قبل أن تؤدي إلى ميتة صغيرة مثلما يقول الفرنسيون. وقد تؤدي إلى القتل لا سيما في مكان كهذا، حيث فرقاء المجتمع – كما ترى – يزايدون ليس على الحريات والحقوق بل على نفيها والتبرؤ من ورطة الدفاع عنها؛ والمتورطون يراكمون عنفاً قد ينبثق كشلال في أية لحظة؛ فما فشل ثورتنا إلا أنها لم تنفث فيكم وأمثالكم عنفاً كافياً في الحقيقة، أليس كذلك؟ ونحن المتورطون رغماً عن بيوضنا في الحقوق والحريات – نحن الشعراء العشاق الثوار المصورون المجبولون على التخفي والتحايل أو مصير مأساوي (هو ذا ما يقوله الفتيس لو لم أخطئ) – فينا عنف خرافي برغم إيماننا بالتحضر. عنف ربما أبشع من عنف الإسلاميين لكن لا شيط فيه وهو إذ ينبثق لا يتفجر؛ يكون رقراقاً ورقيقاً رقة حبيبين، كشلال. والآن وأنت صاحب اليد الطولى وفي كامل أبهتك، دعني أعلّمك العنف على أصوله سعادتك. وأنت تملك سلطة غير محدودة علي، اسمع ممن روحه في يدك كلمتين عن السلطة: إنك إذ تُصوّر جسداً فأنت تمتلكه على نحو أعمق مما يحدث عندما تقضي داخله وطرك وقد رأيته يتلوى بالشهوة فيما تُعمل فيه أعضاءك مثل مُغيّب أو مدفوع بالغيب؛ إنك بتصويره إنما تُركّبه كما تشاء وأنت واثق عبر بقاء الصورة من بقاء تركيبك. ولا مناص من إثبات التهمة على نفسي بمثل هذا الكلام – بل في كثيرٍ مما تجده على المدونة دليل إدانة ضدي، فثمة علمي بأدق تفاصيل ما حصل لمون ليلة قتلها مثلاً – غير أن تعويلي على أن تصدّقني؛ لئن لم تصدقني فلآخذ حكم إعدام… وما الذي يحقّقه موتي لك أو لغيرك بعد أن تنجلي جميع ملابسات الجريمة؟ صورة الجسد العاري، أقول لك: امتلاك. أريد أن أحكي لك عن غواية مون كموديل وليس كامرأة جذابة صارت صديقة – وهي الغواية التي تعبر عن شخص قلبه فوتوغرافي أكثر من أية غواية سواها – فأفنّد لك، على مدى الأحداث وتفاقمها خلال عشرة أسابيع تقريباً، كيف درّبتُ مون وأنا لا أدري على أن تُصَوَّر فتُمتَلَك بما يتيح ذبحها: كيف حوّلتُها إلى جسد عار بلا وجع يتلوى، فنقلتها إلى حيث يكون عمل الرجل الأسد بروحها امتداداً رقراقاً للغرام.

روجيه عوطة يقرأ التماسيح

wpid-IMG_0838-2012-11-12-21-22.JPG

التماسيح ليوسف رخّا رواية برّ المجتمع الآسن وماء الشعر المغرِّق
روجيه عوطة
النهار، 2012-12-18

wpid-tamasih1-2012-11-11-18-36.jpg

***
في 20/6/1997، انتحرت المثقفة والمناضلة الطالبية رضوى عادل في أحد أحياء القاهرة. بعد ساعات قليلة على قفزها من الشرفة، ولد الشعر السري المصري بين مجموعة من الشباب الشعراء. تهجس رواية يوسف رخا، “التماسيح”، الصادرة عن “دار الساقي”، بالتوازي الزمني بين الحدثين، وتتساءل عن مدلول التلاقي بين انتحار أشهر أعلام الحركة الطالبية من جيل السبعينات، وولادة جماعة شعرية سرية، أطلق عليها إسم “التماسيح”، في تسعينات القرن الماضي. 
بينما يترقب الروائي، الذي كان واحداً من مؤسسي الحركة السرية، إلى جانب صديقيه نايف وباولو، استكمال ثورة 25 يناير بأخرى، تطيح الديكتاتورية العسكرية والإخوانية الناشئة، يفتح الملف الأول من “حاوية التماسيح”، وينشر مقاطعه السردية، متسائلاً عن تبدل الأحداث والوقائع المرتبطة بالشعراء “العشاق”. فالعلاقة التي تجمع انتحار رضوى عادل، وولادة الحركة الشعرية السرية، وموت الشاعر الشاب نايف في حادث سير، لا تنطوي على تقاطع زمني فحسب، بل تشتمل على تجاذب في الإجتماع المقفل من جهة، وتنازع في السائد الثقافي من جهة أخرى. وكانت “التماسيح”، وقبلها الحركات الطالبية والنضالية، قد سعت إلى اختراق الثقافة الإجتماعية من ناحية الهوامش العاطفية والجنسية والسياسية وغيرها. يقرأ رخا محاولات التخطي والقطع المختلفة كأنها مصبوبة في سياقات تاريخية واحدة، وتمهد بأغلبها إلى انفجار البنى المسحوقة في مصر. فالتفجر المجتمعي الذي جرى عام 2011، يؤمّن للأحداث السابقة عليه، ولاسيما التي جرت شعرياً في الخفاء، معاني ودلالات حديثة. 
من خلال الأبعاد الدلالية الجديدة، يسرد رخا الحكاية البرمائية للشعراء “التماسيح”، بين بر المجتمع الآسن، الذي وقعت جثة عادل فوقه، وماء الشعر المغرِّق، الذي غاصت أجساد الشعراء الشباب فيه. إذ يبلغ هؤلاء الثلاثة المؤسسون، يوسف “الفتيس” المجهول ونايف المهووس بالبيتنيكس وباولو المحمض الفوتوغرافي، إلى أقاصي شعريّتهم بالتخلي عن الأخلاقية المجتمعية، وممارسة عصيانهم العاطفي والجنسي، عبر التمرد على قواعد الإجتماع ومعاييره. ولأنهم حضروا في مرحلة زمنية، الخلو الإيديولوجي عنصرها الوحيد، خصوصاً بعد سقوط جدار برلين وتفتت المنظومة الشيوعية عالمياً، بات من الأفضل للشباب أن ينحوا إلى البحث عن نموذج يناسب ظروف تمردهم. فبعدما ختمت رضوى عادل حقبة النضال الطالبي، وأعلنت بانتحارها فشل التجربة الثورية السابقة، ظهرت الجماعة الشعرية السرية، لتشغر موقتاً المكان الخالي الذي خلفه الإنعدام الإيديولوجي. فاستبدلت عبارة “رايح الاسكندرية” التي درجت في تلك الآونة بين الشعراء، تعبيراً عن العطالة والضجر، بفضاء لغوي وإجتماعي آخر، يمكن التعبير فيه عن الرغبات المسحوقة عبر المخدرات، والحب الجنسي، والشعر المخفي عن الخارج.
بمعنى سردي آخر، وصلت رضوى عادل إلى شقة قريبتها، لاعبت أولادها، ثم استأذنتها ودخلت إلى غرفة النوم. أقفلت الباب، خرجت إلى الشرفة، وجلست على الحافة، تزحل بجسدها نحو الخلو الذي يفصلها عن الأرض. ثم وهبت جسدها للهواء، وقبضت بكفيّها على الحافة، قبل أن تفردهما، فترتطم بالإسفلت وتموت. أما الشعراء “التماسيح”، فقد كانوا في الداخل، مثل أولاد القريبة في الصالة، لا يبالون بانتحارها، ولا يخطر ببالهم أو يصدّقونه: “لم يعلّق أحد على أن رضوى عادل ماتت يوم إعلان الجماعة، ولعل أحداً لم ينتبه إلى تزامن الحدثين”. لكنهم ولدوا، مثل نايف، لحظة ارتطامها بالأرض، وانتقلوا من الصالة الداخلية كي يسكنوا في المسافة الشعرية التي تفصل الشرفة عن الإسفلت، بحيث لا يختبئون في الشقة، ولا يقفزون إلى الشارع، بل يلازمون مكانهم السري بين الداخل والخارج. 
مثل “المبسورون”، عنوان الكتاب الشعري الوحيد الذي نشرته المناضلة المنتحرة، أي الكائنات التي لا علم لها إذا كانت منسوبة إلى عالم الفجاجة، أو إلى عالم النضج، ولدت “التماسيح” في زمن رمادي، وفي مكان- مسافة، وحين يمارس أعضاؤها الشعر، يكتشفون أن “الكتابة أمامه”. تالياً، كانت قصيدتهم غير المكتوبة شكلاً من أشكال السلوك العصياني، فتحوّلت على إثرها العلاقات العاطفية والجنسية التي خاضوها إلى نصوص شعرية، لغتها إيطيقية وجسدية على السواء. فحبيبة نايف، مون، “كانت شعراً خالصاً”، وعشيقة باولو، صبا، “عبارة عن قصيدة سرية”. في المقابل، كان شعرهم المكتوب يصبح واقعاً، نتيجة الهوس التمردي وتدخين الحشيشة وتعاطي الكيوف الكيميائية، الـ LSD مثلاً. فقد تحول “أسد” ألن غينسبرغ، الذي ترجم نايف بعض قصائده، إلى كائن حاضر أمامه، يزأر وينهش لحم الواقع، كما تحولت “الكعكة الحجرية”، التي كتب أغنيتها أمل دنقل، إلى مساحة رخامية تحل مكان البيت العائلي. 
لكن، سرعان ما بدأت “التماسيح” تزحل نحو تفككها، ولاسيما أن الجماعة تأسست لحظة نهاية حقبة محددة، أي أنها شيِّدت فوق النهايات، وشكّل الموت، المتمثل في انتحار رضوى عادل، بنيتها اللاواعية. ففي 11/9/2001، يوم الإعتداء على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، انطلق نايف بسيارته نحو مكان حبيبته المازوشية مون. في الطريق الصحراوية، سيفاجأ بأسد غينسبرغ في المقعد المجاور، فتضطرب قيادته، وتدهسه إحدى الشاحنات، قبل أن يصاب بنزيف رأسي، ويموت عند الساعة الثانية بعد الظهر. 
على إثر هذه الحادثة، تقترب جماعة “التماسيح” من نهايتها، فلا تعود المسافة الشعرية قادرة على احتمال الضغط الخارجي الشارعي، ولا جدوى السرية الداخلية. يجيء موت نايف كإشارة إلى تجاوزه المكان الشعري، وعبوره إلى الإسفلت، بعدما ارتفع، نتيجة الصراخ الواقعي، إلى مستوى الشرفة. للمرة الأولى، يتلاقى الداخل والخارج، ويواجه الشعر الواقع المسحوق، فالشعراء برمائيون، لكن دموعهم لا تنهمر كدموع التماسيح لحظة التهام الفريسة، كما لو أنها دلالة على عقدة ذنب تاريخية.
في هذا المعنى الشعري الجديد، سيظهر نايف في ميدان التحرير عام 2011، إلى جانب المنتفضين ضد ديكتاتورية الأمر الواقع آنذاك، وفي مقابله، سيظهر الأسد بين الحيوانات المفترسة في “موقعة الجمل” الشهيرة. ولكن، بعد وصول “الإخوان المسلمين” إلى الحكم، سيحاولون القضاء على الشاعر، وتهديده باعتقاله أو إعادته إلى مرحلة الإنغلاق السري، لذا سينتظر رخّا اندلاع الثورة الثانية ضد الإستبداد الديني. في المناسبة، لحظة كتابة هذه القراءة في رواية “التماسيح”، يتظاهر الثوار، ومنهم نايف، في الميدان، ضد الديكتاتور الناشئ محمد مرسي، ويرفعون أعلاماً، طُبعت عليها صور المناضلين الراحلين، مينا دانيال وجابر جيكا… ورضوى عادل أيضاً

قصائد جديدة، ٢٠١١-٢٠١٢

wpid-untitled-2012-05-23-06-36.jpg

ثلاث قصائد قصيرة جداً مختبئة في تويتر هذا الصباح

دم

مستشفي الدمرداش تحتاج الآن

لكل فصائل الدم

علي من يستطيع التبرع بالدم أن يتوجه

إلي مستشفي الدمرداش

استغماية

معتصمو الدفاع

يطاردون البلطجية

في الشوارع الجانبية

أهم حاجة

لو حد حيجيب امدادات للميداني

أهم حاجة حالياً

إبر وخيوط

جراحة،

هولدر،

شاش قطن بيتادين فولتارين

حقن،

آنتي بايوتك

سبراي

تعويذتان ضد التأسلم

(١)

أيها المتجهمون فوق حيطان المزابل

المستعيضون عن الأخلاق بلحية

الخائفون من وجوه البنات

تعبئّون الله في أجولة

وتهيلونه على الأحياء

أنا العلماني الكافر

أنا المرتد العميل

سأبقى إلى آخر جسد تدفنونه

أقض مضاجعكم بالخيال

(٢)

نحن أبناء أباليسكم

يا من تكتفون بأسماء الأسماء

سنظل نذكّركم

بأن المئذنة قضيب والقبة نهد

والماء الصافي خمر في أفواه العاشقين

يا من تكتفون بطقوس الطقوس

نحن ملائكة متخفون

وقد حلفنا أن نلفظكم

عند أول إشارة مرور

في الطريق إلى الجنة

جاعلين آخرتكم مثل دنياكم تماماً

نصائح ملك الموت إلى ثكلان

بالكاد دقيقة وأنت تخطو مغبّش العينين

هل نفد صبرك في دقيقة؟

اسمع

لا شيء في الكون كله يرحمك

لا شيء يوقف المنشار في عظام هيكلك

اجلس قليلاً

ولا تثقل علي

لا تجعل فجيعتك نداء إلي

وأنت تعلم

أنني عبد المأمور

أحمل على كتفي نحيب الكرة الأرضية

مضاعفاً ألف مرة

لا تظنني أملك معنى لشيء

فحيث تصبغ الأسفلت الدماء

لا أرى سوى بقعة داكنة

وإن شعرتُ بما تشعر به مضافاً إليه

كل من كان مثلك

أنا الذي أصاحبكم لحظة بلحظة

ولا أستطيع أن أفرح لفرحكم

لأنني أعرف وجعكم كاملاً

حتى في أشد اللحظات لذةً

كل ما أستطيع أن أعدك به الآن

أنك حين تنظر

لن تجد للفقيد أثراً في السرير

وكخدمة إضافية مني

لن تجد سريراً في الغرفة

بل لن تكون غرفة هناك

إلى أن تمسي بلا شيء أمامك

لا شيء مطلقاً

وكل ما أطلبه في المقابل

تذكّر

أن الحياة ليست سوى انتظاري

أنا الذي أطحن القلوب طحناً

ولا أستريح برهة

من سماع نبضها

البلد

إلى مهاب نصر

كل هذه السنين يا صاحبي

وكأننا هنا عن طريق الخطأ

ننتظر حتى تَفرغ الشوارع

لنقود مركبات غير مرخّصة

ونواجه جنود المعابر

بالضحكة الصفراء والنقود

نحلم بأماكن ولو وُجدت


نحن لا ننفع لها يا صاحبي


مضطرين أن نخالط التماثيل

أن نبادلهم حديثهم
أن نندس وسطهم


بأطراف مجمّدة ننظر ولا نرى


وبرؤوس منكّسة في بيوتنا

نعتذر عن ارتياد المحاجر
لنجرّب التكاثر سراً

ونبكي سلالتنا المهدّدة

كل هذه السنين حتى نجرؤ

على إعلان أننا لسنا تماثيل

لنسقط مقطوعين على قواعدهم

ميتين برؤوس مفلطحة

بعيون معصورة كالمحار

بثقوب في عظامنا

كيف يا صاحبي كل هذه السنين


ومازالنا لا نُخرج سوى حشرجة

“الصحراوي” ليلاً

“بلاي ستيشن”
والهدف – بلا ضوء –


أن تظل سائراً

دونما تصطدم بأجسام معدنية


ترعد على جانبيك


ولا تحيد إلى هلاكك


عن خط من دوائر فوسفورية

يظهر ويختفي
في الظلام


الموت الرحيم – قالت حبيبتي


ثم شهقت للمرة العاشرة

وأنا لا أستطيع
أن أنظر إلى وجهها –


هذا هو
طريق التحدي


هل حينها حدّقتُ من جديد؟

نور الكشافين في أوج احتدامه

بالكاد يكشف مترين


سأقطعهما في ثوان

ولا آخِر للسواد المتحول من بعده


كالتلال أو العجين

كأن الأرض خلف الزجاج


والجسد مستسلم للجاذبية


أنت عطشان للفوانيس

تفتش عيناك خلف ظلال


تحسبها أشخاصاً يعبرون


عن سراب التماعات

برتقالية وعالية


وحين نصمت عبر نفق آخر
من اللا ضوء

حين تتصلب عضلات كتفينا


وتتسع أعيننا

فوق البئر الأفقية

نعرف كم هي قريبة غايتنا


لحظة شرود


في السرعة أو الزاوية

يمكن أن تضع حداً للتهاوي
و

كم سيكون جميلاً في الحقيقة


أن تتوقف الحركة

كم هو رائع يا صغيرتي

أن ينتهي الطريق

نيرون يوم الحريق

إلى الهوب

“في الليل على فراشي طلبتُ من تحبه نفسي…” – نشيد الأنشاد ١،٣

إذا كنتَ نائماً في تلك الغرفة وصحوتَ على خبرِ زواجك


في منتصف الليل، إذا كنت نائماً وصحوت على رؤوسٍ صغيرةٍ قرعاء


تنبت في المساحة الفاصلة بين مقهاكَ الاعتيادي والمخدّة

أو جوعٍ لعروسِك عاريةً في برواز الباب


أقول وقد صَرّتْ “سرينة” كأنها حكّةُ المعدن في الزجاج


ودُجِّج الجنود في طريقهم إلى لقاء المسيرة

إذا كنت نائماً وصحوت على خبر زواجك يا حبيبي، لا تفزعْ


***

لكن زملائي الساخطين، حال تُسمَع أصوات القادمين من بعيد


سيهرولون إلى أسفل ليذودوا عن غنائمَ بعجلات

ويلعنوا أولئك القَتْلى المزعجين، مسلّمين أمرهم إلى الله والقَتَلَة

وسأُمسي في محلّ عملِي الشاغر “نيرون” يوم الحريق


أسحب قوسي فوق الكمنجا بينما روما تنسحق

مثل ورقة في قبضة متسخة، سرعان ما تغيب في المخلّفات


أسحب قوسي وأغنّي يا عروسي، وأنت تبحثين عن فستان الزفاف

***

لا تفزع. انتظرْ يا روح عروسك حتى يعود يُفتح المقهى


ولا يضيرنك أن تستبصر نظرةَ نشّالٍ حرمك فلوسَك أول أمس


مثلما حرمتْك زوجة عبوس ولداً ألّفت اسمه قبل أن تطلّقها

ضع كفّك على رأس النشال من دُبُرٍ فوقَ سطحٍ حاد

ضع قدمك على صدره؛ وعند تفاحة آدم، في عنقه، ضع ركبتك


أقول وقد دُقّتْ ذراعُك بندولاً يولّد رشاش الدم ليُزيلَ الملامح

المهم أن لا تعود ترى وجه النشال

***


حقاً يخطر لي الآن أنه أحوج مني إلى الفلوس

مع أنني أنا الذي على وجه زواج، فأغفر له خديعته يا “توتة”


ولتعلمي: فيما الجنود المخمورون بانتصارهم على المسيرة

يدهسون القادمين مثل قطيع جاموس وحشي

من شأنه أن يهدّد أمن السيارات، سأكون فوق الدنيا


أغني. صبري حتى أستقلّ ركناً في مقهاي


لأرى ضحكة عيني حبيبة يلدغني الجُحْر ثانيةً من أجلها


***


الدنيا حجرات متصلة مكيفة الهواء، والناس على ألوان مشروباتهم

هذه حجرتك. اذكر يا بابا أن السير في الشوارع ليلاً

بات يستوجب عناقاً غير مخطط، يفقد المرء إثره أولاداً أو فلوساً أو حياة

وأنت جالس هكذا مع قهوة المعدة الفارغة يغويك كوب عميق

بالسمنة، وأنت تنتقل بناظريك بين يمام محجب ودجاجة تقود “مرسيدس”

اذكر أن لك طائراً يمكنك امتطاؤه إلى حيث الاحتجاجات


تطالعها من علٍ وأنت تمسح دموعه.


***


ولأن قلبك يتسع للفجيعة، لأننا مسلسلون على باب الله يا ماما


ويُقال إنه يعمل لنا ما فيه الخير، سنعيش لنفتح بيوتاً فيها غرف كهذه

نموت على أسرتها بلا دماء. لا يرتسمن الذعر على شفتيك

إذن، ولا تبكي آباءنا الميتين، لا تبكي آباءنا أمام رأس كأنه كرة مبططة

اقضمي ذَكَري فقط وأنت تدندنين، كما سأغني لك في شرفة المبنى الشاهق


وهم يقتلون، اقضمي ذكري ودندني عن طعام سنأكله سوياً

أو غيط وسطه غدير. ثم انفثي نحيبك في ذروتي


***


إذا صحوت والفجيعة تنخر صدرك، وبينما الناس يشجعون “الزمالك”

الضحايا يُحاكَمون، إذا كنتَ نائماً ثم صحوتَ على فجيعة يا “كوكي”


والذاهبون إلى الجنازة يرفعون أعلام فريق كرة قدم سيُهزَم

في مباراة أقيمت رغم أنف الحِداد، اعلم أن وجهك ينطبع على بطني


ويخبئ  شعباً بديلاً هناك، إذا كنت نائماً وصحوت على جنود يبيدون مسيرة

افرح بقصر فيه جارية هي وحدها تملك حياتك


ترقص على نغمك أنت والقاهرة تحترق

الثورة بجد

عن قصيدة “الأسد على حق” لألن جينسبرج

“ليس فردوس رضاك يا زئير الكون كيف اصطفيتني”

أرجع من الإسكندرية عبر طنطا لأجد الثورة أسفل سريري

ومَثنيَّ الجذع على ضوء أبجورة الكومودينو، وجهي بمحاذاة المُلّة

أتبين الملايين تركض وتدافع عن نفسها بالحجارة، كل واحد عقب سيجارة لا يزال مشتعلاً

يرفعون لافتات كالطوابع ويحفرون شعارات أكبر من أجسادهم على الباركيه، أتسمّع هتافهم

***

وكأس الفودكا الأخيرة لم تتبخر من جمجمتي منذ واحد سكندري لم يُعمَل في رشدي

عظمي المخمور يقرقع وأنا أغالب البكاء ممزِّقاً ملابسي في الشباك:

الثورة حصلت يا أولاد القحبة، الثورة حصلت بجد!

***

وقد تركتُ حبيبتي في شارع بن الفارض عند بتاع المخلل تستقبل الفلول

مفتقداً لا الواحد ولا البحر، لا وجه أمها المترمل منذ ساعات ولا أباي الميت قبل عشر سنين

ولا خلف مقهى الأحمدية ولياً كان ذَكَرُه – ضمن الكرامات – أكبر من هراوات الشرطة العسكرية

بل أذني التي ابتلت في الأظاريطة لأن دموعها كانت تقطر من سماعة الموبايل

***

ألطّخ ملابسي بالحبر الأحمر وأُسرع إلى العمل لأرقد على عتبة المدير

لم تكن الثورة مع الزملاء ولا في المترو ولا حتى في حناجر شهداءٍ يُبعَثون بلطجيةَ أمنٍ مركزي

هائماً في ملكوت سكك حديد مصر كيف لم أضبطها حتى هربتْ إلى غرفتي؟

***

مضعضعاً بعدما نمت ليلتي في حمام المصلحة أوشوش عامل البوفيه: بلا ثورة، الحياة لا تُحتَمَل

هل تعرف أن ابن الفارض قال إن موت العاشق حياة والقتل أفضل من الهجر

المؤسف أنه كما أن لا تغيير بلا مذابح كذلك لا زمن بلا انتظار، هل تعرف الملائكة…

الملائكة؟ يسألني متهكماً وهو يتحسس صلعة كالجلمود ويطالعني بشفقة، يقرضني خمسة جنيه

***

أسعى إلى إحدى اللبؤات أسداً يحمل كشكولاً لأخبرها بأن الثورة ليست في ميدان التحرير

ومحتسياً فرابيه من مؤخرة سموذي بعد ثالث دابل إسبريسو في أحد فروع سيلانترو

أزعق في كاتوليكي مراهق من فوق شاشة اللابتبوب: لا شيء اسمه الغيرة القضيبية!

***

من الدقي إلى التحرير مرات عديدة صحبة شاعر شاب هو الآخر من طنطا

أتأكد من فشل الجهود حين لا ترد حبيبتي على الموبايل وهي ثكلى

وإذ جلس زيزو مع فتاة أردنية ليلة جاءني التليفون، هل كان مصابها المفاجئ عقد ارتباطنا؟

***

عندما ترد أخيراً أقنع صاحبي الشاعر أن اعتصاماً بجد في غرفتي، ننطلق بلا سلاح

وزاحفاً ورائي على ركبتيه من جنب الكومودينو بشورته البرميودا كمندسّ يتلصّص

جموع المحتجين حول كعكة حجرية هي عبارة عن نعل قديم، مثلما كنا تماماً

الدبابات علب ثقاب والإف-١٦ كالدبابيس وغوغائيون سفلة، بين المُلّة والمرتبة قناصون بالليل

***

نضاجع المخدات بعد أن أقول لصاحبي إن الله في القضبان والثورة بلا واي-فاي

أتخيل حبيبتي راكعة أمامي ببلوزتها السوداء، فجيعتنا الفردوسية وأنا أقذف في حلقها

وحين توقظنا أمي في الصباح لا أقاوم، أرى الخادمة ومكنستها الكهربائية عليها ختم النسر

أرى العَلَم يرفرف في أيدي مخلوقات فضائية وأعرف أننا لن نهزم إسرائيل

يغتاظ صاحبي والقذى في عينه حين يمتد خرطوم المكنسة تحت السرير

مع ظهور الخيش والصابون أمنعه عن الخادمة بصعوبة: لا فائدة من اغتصابها!

الآن ليس سوى صوت المكنسة وهو يبكي، لا دم ولا حديد يعود باركيه الغرفة نظيفاً وخالياً

وحيث كانت الدواوين على الرفوف زجاجات ديتول وبليدج، إسفنجات وخرق منمقة

فجأة يشهق سريري على صوت السرينة، تشتعل الملاءات وتنفجر المرتبة

يتفصد الكومودينو عن أسد هصور يزأر ويختفي صاحبي والكتابة على الحيطان:

سنوري حين يمارس الجنس يقذف كل عشرين دقيقة ولسانه أخشن من ورق الصنفرة

***

أيتها الحبيبة المنتحبة يا مانحتي الأورجازم النهائي لقد انعقدت حياتانا بالموت

لقد رأيتُ الآتين والغادين قبّلت ذوي اللحى وجريت من شاهري السنجة على سلالم المترو

حملتُ سيدي مجاهد إلى ظلمة القبر لأُطمئن أباك ونعست مقرفصاً بين مقصورتين

لقد وجدتُك أسفل سريري وجيش أمي في الغرفة، سلّمت رقبتي لفم الأسد.

٢٠١١

فبراير

بريق اللافتات. والصاخبون. والذين تركتُهم مطمئناً. وللمرة اﻷولى منذ اجتمعنا. والمخيمات التي يسكنونها. وطعم الهواء خلف الحواجز. والذين تركوا أشغالهم ليجمعوا الزبالة. وبائعو اﻷعلام مع بائعي التسالي. ولينظمونا صفوفاً في الدخول والخروج. والذين “عزّلوا” بعائلاتهم. والنائمون تحت الدبابة. علامة النصر باﻹصبعين. والذين يفتشونك ويعتذرون. والنائمون في العراء. وكذب المحطات الرسمية. وفي أحضان الله. والكلام المقيّئ. والذين يقبّلون الجنود. والخيانة على صفحات الجرائد. والخيانة بلا أجندات. وحاملو اﻷرغفة والفواكه. الشاي في الكوب البلاستك. والسيجارة المشتعلة من سيجارة. وصورة تذكارية مع الدبابة. الذاهب واﻵتي. و“مرحباً باﻷبطال“. ومَن راح حسه وهو يهتف. والخوذة المرتجلة في النار. والكوكاكولا لغسيل الوجه. وفي الطوب والحوافر والعصي. الجري ثم الرجوع. وأحضان الثكالى. والمتليف جلده بالشظايا. أوجع قلبه ما حدث لهم. والكوكاكولا بثلاثة جنيهات. ومع علبة كشري صغيرة. ولا يجد حرجاً أو غضاضة. ولن يقبل اﻹملاءات اﻷجنبية. ويقولون إننا مضللون. حاملو الجرحى عبر المداخل. وخراطيم المياه على الساجدين. والساجدون على اﻷسفلت. والذقن والشعر واﻷحذية. ويقولون إنه على كلٍ رئيسنا. سائق التاكسي الخائف. ورافعو الصليب المقدس. وسائق التاكسي الخجول. والذين دهستهم العجلات. صورة الرئيس مع الحذاء. ومشيعو اﻷجساد واحداً بعد واحد. والذي مات قابضاً على الطلقة التي أخرجها من عنقه الطبيب. والذي اختطفوه وأحرقوا وجهه بالسجائر. والذي مات في المرة الثانية. من يهتف لا يمت. والقنص من فوق أسطح الفنادق. والقنص تحت ستار الليل. والشعارات في الرصاص. والذي واجه المضرعة لوحده. والقلق على البلد ككلام المأجورين. وتحت غطاء الليل. أكثر من معنى لجبهة. واستغاثات اﻷطباء. والنازفون على السلالم. وخسّة الشرطي. ومَن حمل القنبلة وقذفها عليهم. ومِن وسط دخان التشنج. ومن حل محلهم وهم يركضون. والذي منع زميله من ضربهم بالحجارة. والنيل ليلاً. والجندي الذي قال لي: كيف أضربكم وأخي بينكم. وضابط الجيش الذي غمرني بذراعه. والشعب يريد إسقاط النظام. ودقات الطبول إيذاناً بشيء. والكارثة. والساحات المدمدمة كالمناحل. ودقات لتنغيم الشعار. الانتظار والذراع مرفوع بالبطاقة. ومن كان شرطياً سيُذبَح. والجلوس على الرصيف. والموت ضرباً. والموت بالنهار. والمطر على الجباه. الشعب يريد محاكمة الرئيس. وعيون الخارجين من المساجد. وأطفال العشوائيات. وما يبقى من السيارة بعد أن تحترق. والانفلات اﻷمني. والرشاش في المرحاض. وأفواج اﻵتين بعد أن يأمنوا. واﻵتون مع أصدقائهم. واﻵتون مع أقاربهم. واﻵتون لوحدهم. ويسقط مبارك.

إبريل

السموات الخلابة. المثقلة بآفاقها. كأنها الخلفية الجاهزة للوحة تصور حقول “الميموزا”. والمقننة بالـ”فوتوشوب”. الزاحفة على زجاجة سدادتها جليد. بلا عمود فقري. سموات لـ”وليام ووردزورث” إثر رجوعه من “الباستيل”. وسموات “الحنجرة” القديمة. التاريخ تحت إبطها ورصيدها الائتماني لا يكفي فنجان قهوة على الشاطئ. سموات هي الأسقف الخلابة للشاطئ. والتي تغمض على درجات الرمادي تحت زوايا مثلثاتها المتفصدة بالبخار. والتي ليست زوايا. سموات تضع أفيونة تغيير العالم تحت لسانها ثم تنحني لليخوت. أقرب إلى البنفسجي من الأصفر. ورغم أنف زهرة الميموزا. السموات التي هي سلالم موسيقية للنظر. جعلت من الله عصفوراً (كما يقول “وديع سعادة”) ولم تدعه يزقزق للشعوب. السموات المنتهَكة. المؤثرة رغم ابتذالها. المبتهجة بالغيم. “ليه يا بنفسج بتبهج”. وتهدُّج “عبد الحليم حافظ” على الوطن والعيون السود. سموات الشِعر الرومانتيكي. رموشهم ليل. ولا مكان لـ”عبد الناصر”. الحالمة بتغيير العالم. التي تثقلها آفاقها. الأفيونة لا تفارق لسانها فيما الشعوب تنتظر الزقزقة. سموات الحرية. سموات المساواة. سموات الإخاء. التي حين تأتي الشمس تشيح بقسم من وجهها عن القمم الغائصة في الزبد فيفوح الصنوبر أخضر وقريباً من الأمواج. الدين للثورة المضادة والوطن للمصطافين. وسموات الأمواج أيضاً. المبحرة بلا شوارع. الباقية بعيداً. والزرقاء رغم أنفها. الزرقاء بلا دماء. الزرقاء بحق الاحتجاج السلمي. والزرقاء بالأبيض وأسود كذلك. الزرقاء بالليل.

يخطر لي أننا هنا من زمان

في منتجع ليس كالدنيا

يرتدي النزلاء سواراً بلون البرتقال

علامة أنهم دفعوا

حق كل ما يمكن أن يجرعوه

وحيث الطعام والشراب، النزلاء قرية

أطفال كالطحالب وعجائز هيبيون

أنصاف عاريات يكركرن على الضفاف

وعلى رسغ كل منهم ذات الشريط

ذلك الذي لا يمكن خلعه

بلا آلة قاطعة

في منتجع لعله كالدنيا قليلاً

فلاحة ما كادت تولد حتى أنجبت

واصطحبت شعباً باكياً

إلى حيث سفينة واحدة بيضاء

تقسم الأفق نصفين

***

برتقال الشمس حليب الهلال

وفي الليل كل النجوم

الطعام ليس طيباً رغم كل شيء

لكن النزلاء متجاورون على اختلافاتهم

وكلهم كلهم يرتدون السوار

كأن ليس لهم رأي في الحكاية

في منتجع يخلط اللغات أو مخلفاتها

أعثر على لون المياه

فيما أنتظر قدح قهوة

غير مدرج في حقوق الإقامة

وأتابع الأرسغ المطوّقة

ختم يجُبُّ حتى الحجاب

في استطاعته أن يقول عنك شيئاً

بينما أنت ساكن كالمناشف

والدنيا بعيدة وسافلة

***

يخطر لي

أننا معتقلون في الصحراء

كفوا عن تعذيبنا من سنين

واكتفوا بمتابعة أيامنا

عوضاً عن الاعترافات

وهم يلهوننا بالغناء والسباحة

يعلمون متى نأكل أو ننام

أين نذهب لو غادرنا المبنى المركزي

وكيف تتلاحق خطواتنا على الطريق

سوار برتقالي في رسغ كل منا

يعرّفهم مَن نكون

يخطر لي

أننا حبساء مصحة عقلية

يجمعنا وهم مشترك

إننا مصطافون في نزهة على الشاطئ

أتينا منذ أيام وبعد أيام نروح

فيما الحقيقة أننا هنا منذ الأزل

ولا أمل في العودة قبل أن نموت

سوار برتقالي يحدد إقامتنا

ويُعلِم العاملين أننا مرضى

لا يجب أن يواجهونا أبداً بالحقيقة

***

في منتجع هو الدنيا، يا حبيبتي

نراهن على مشروب مثلج

أو مباراة كرة طائرة على الرمال

بينما السوار في رسغنا

والموجة تبتعد

تحميل PDF


جانيت ماري: حــبـل

نص جانيت ماري:

حــــــــــــــــــــبــــل

—————

wpid-dvs28a-2012-04-26-20-21.jpg

فقط القريبين يعرفون كيف أبرع و باقتدار في استغلالي لنفسي، ربما معرفتي باستغلالي لي هي في حد ذاتها أسوء من الاستغلال نفسه، كم سيكون سهلاً لو أنني فقط لا أعي كل ما أفعله بي أو أنني أغبى من أن أتعرف إلى حقااتي وضعفي.

 *

كلهم أشجار صامتة غبية. نعم تبدو الأشجار جميلة، لكنها لا ترتعش، وإن ارتعشت فهي ترتعش فقط بفعل شتاء قاس أو خريف أهوج. ومهما ارتعشت الأشجار فهي لن تقدر أن تجعلني أرتعش.

كلهم كلمات ملقاة في نوتة كتاباتي التي فرغت من كلماتها الشعرية حين رحل، كلهم محاولات شعرية مراهقة. وكأن قلمي لم يسطر حرفاً، أو كأن قلبي لم يعرف ماهية الحب.

كلهم دُمى أستغلها في عهر أنثوي فاجر. وكأن خطيئة رفضه هي خطيئتي، وكأنني يجب أن أغسل ذلك الجسد مراراً بأن أبقيه سجين “مَطْهَر” أجسادهم الغبية.

*

كلهم يعرفون. سعداء بتلك اللحظات القليلة التي ستجمعهم بي. لو يجهلون، ما كانوا ليرتضوا جسداً بارداً في مهمة خاصة من التذلل والتفنن في إشباع رغباتهم الحمقاء، وتحت شروطي. لو يجهلون، لما ارتضوا بأن لا تتلاقى الأعين، لما ارتضوا أن لا ينعموا بقبلات ساحرة في أعينهم… لكن رغباتهم الغبية أقوى من تمني العشق الصريح.

لا تستثيرني وجوههم، القبح سيد الموقف. حتى الأسرّة تبدو وضيعة للغاية. أجسادهم غير مثيرة، أعضاؤهم غير مثيرة، تلك الإثارة المنتهية حين تتوسل أعينهم بأن لا أتوقف… غير مثيرة. أشفق عليهم قليلاً وحين أنتهي، أشفق على نفسي.

أود أن أتوقف عن الإشفاق عليهم. أن أحتفظ بالشفقة لنفسي، لأنني سأحتاجها يوم يطردني المَطْهَر بلا رجعة. ربما وقتها لن تكفيني شفقتي، وربما تحل محلهم شجرة أخرى مُشفقة لتتكرر دائرة العذاب المفرغة التي ابتدأتها يوم رحل.

*

هل كانت مهمة التعذيب الذاتي هذه لتكون أسهل لو قررت أن أنظر في عيني أحدهم، لو أن أحدهم استطاع أن يقترب من جسيماتي الدقيقة التي أصبحت شعيرات ضوئية طويلة جداً؟ ربما لو قررت يوماً أن أستثير بعض الرغبات بداخلي حتى يتملكني الضعف الدافع الى إخمادها… ربما حينها سأتخلص من دائرة التعذيب؟ أم سيحدث – ربما – لو قرر أحدهم أن يرفض تسلطي المختبىء خلف ما أقدمه من سعادة وقتية؟

 *

ما معنى الرغبة في التحول لأداة أمريكية الصنع؟ ربما أن تكون يداي أخشن قليلاً من المطاط؟ هل هي الرغبة في التحول للمطاط إذن، بعد أن تحولتُ لشعيرات ضوئية؟

 *

تمتليء نوتة كلماتي بالأسماء. أعجز عن التذكر، أحياناً أنسى أنني على موعد لأجد نفسي مضطرة لإتمام مهمتين من العذاب الذاتي في وقت قليل، أنتشي من كثرة التعذيب… ربما هذا ما أستحقه لقاء هجره لي، ربما أستحق أكثر فتُمعن الأقدار في تعذيبي بجعلي أنسى الموعد. أستيقظ أياماً لأتساءل إن كان هناك شيء عالق في أحشائي لأتذكر ان أحداً لم يصل يوماً إلى أحشائي. أتساءل في غباء إلى أين وصلوا، إلى أين سيصلون؟

*

أتوقف مرات قليلة قبل أن تمتد يدي إلى هاتفي ليلاً لأطلعه على أنني ظننت هناك شيئاً ما بأحشائي ليلة أمس؛ أعرف أن هذا سيهلعه… ربما يكون هذا هو السبب الوحيد لأن يشعر بندم شديد على تحمله تلك الخطيئة الكبرى في تلك الأراضي الثلجية التي لا تشرق فيها شمس “الصفح”؛ ربما سيتعذب وقتها في مَطْهَر الذنب؟

ربما إن عرف سأجد لنفسي سبباً مقنعاً لتركه لي؟ وقتها فقط لو خلطتُ بعض الأيام: قدمت بعضها وأخرت أخرى، سأقول لنفسي إننا غير متشابهين على الإطلاق، فأنا لست وفيّة إلا لمهامي الأبدية كعمر سيزيف!

نعم أعرف أن هذا ما يدور بداخلي. أعرف أنني أقمع نفسي بداخلي يوماً بيوم حتى أتشوه كليةً وأبدو غير مشابهة لتلك القديمة التي أحبها، ليبدو من المستحيل أن يقع في حبي لو – كما قلت – خلطنا بعض الأيام.

تترك يدي الهاتف مسرعة لتطلب رقماً آخر من الأرقام التي ملأت ذاكرته وتأبى أن تتعرف إلى ذاكرتي…

 *

أتساءل إن كان مقدراً لي أن أتوقف عن معاملتي بهذه الخسة… لتأتي الإجابة الخسيسة إنه طالما لن يتوقف هو عن الهجر، فلا فائدة من التفكير أصلاً.

جانيت ماري

إبراهيم السيد: قصيدة للكريسماس

قصيدة للكريسماس

wpid-chagall_nativite-2011-12-25-01-40.jpg

لأن الفاشية التي نمت في المدارس

تغزو الشوارع الآن

ستخاف صديقتي من جسدها

جسدها المحايد

كحليف غير مأمون تماما

في معركة المحبة .

السحالي تملأ الطرقات

و الدولة شبح

يضغط فوق أصابعنا الصلبة .

قبل الكريسماس

الأشجار تبدو أصغر حجما و صينية الصنع

و للزينة الحمراء

رائحة ثمار فراولة يغطيها طبقة بيضاء لزجة من العفن .

هكذا سنترك المدينة خلفنا

متجهين للصحراء

مصّدات الموج الأسمنتية القبيحة تسد الرؤية علي الجانبين

و الشاطئ خلفنا

ملء بهياكل جيلاتينية تنبض في الظلام

لقناديل بحر

باغتتها موجة باردة .

إبراهيم السيد

خريف 2000

The Citadel and tombs in Cairo, Egypt in the l...
Image via Wikipedia

سُرقت شقة شحاتة، وأنا في الآستانه: لم يقل لي أحد. وعندما عدت كانت الحملة الفرنسية تقوم في رأس أبي. فكرت أن المماليك دائماً ما يرجعون، وأنه طالما هناك وافدون من غير أولاد الناس، لا أحد يخلصنا من الاستعمار الأوروبي أبداً.

لا أعرف ما الذي دفعني للتفكير في عمل واحد أو اثنين مع الآنسة قشحويري، نفس الآنسة التي كان يهابها صديقي. ففرحت عندما تلفنت لي، لكنني تعاملت معها ببرود مبالغ.

واستنتجت أنني كنت مشغولاً عنها بأوضاع المنطقة: إن كان الباب العالي يسترد صحته دون أن يلبي نداء مصطفى كامل (الوطني) بإعادة الاستحواذ على أراضيه المصرية، كما ادعى أبي، فإنما يفعل ذلك بناء على التجارة بالهوية وتغيير الخط. ومع هذا، كنت أكن لمصطفى كمال (أتاترك) إجلالاً داخلياً لا أستطيع أن أنكره، وأعتقد أنني إذا ما كنت مكانه لفعلت نفس الشيء.

راح من شحاتة تلفزيون وفيديو ومروحة، كذلك كاميرا حلوة وألفا جنيه. فحسدت الآستانه على استقرارها.

وفي المعمعة الدائرة ما بين عمارة مدبولي (صاحب المكتبة) والدور الخامس من قصر العيني الفرنساوي (حيث رسا الأسطول الاستعماري أول ما رسا)، اكتشفت:

أن شيئاً لا يجذبني إلى الآنسة قشحويري سوى أن صديقي يهابها؛

أن أولاد الكلب أصبحوا متآمرين، وأنهم، ضاربين عرض الحائط بأراضيهم المصرية، سينضمون للاتحاد الأوروبي على آخر الزمن؛

أن أبي بصدد واحد أو اثنين لن يستطيع أن يعملهما مع الممرضة الشقراء؛

وأن شيئاً من هذا كله لا يعنيني مطلقاً.

في الطريق إلى مقهى سأقابل شحاتة على عتبته، فكرت أننا هنا، وعلى الرغم من كل محاولات التجارة بالهوية، لن نتمكن أبداً من تغيير الخط

Grass-roots night life in Cairo is photogenic in a unique way. While some may think its charm is in its exotic qualities, the truth is that such sights, to the wandering Cairene, are more or less commonplace.

It is their strange, gritty beauty that you are after – a beauty in which you tend to recognize less visible aspects of yourself, your ancestry, the collective memory of your society.

The whole process is always rewarding enough so long as something of the character of the subjects comes through: the ancient electric fan keeping shisha coals aglow, for example, typifies the small downtown hideaway of a café in which it was taken in a particular, immediate way.

So does the smile of Karam, that café’s amiable ahwagy, a character worthy of a book-length photo essay in his own right.

Many have commented that the picture of the tea house, taken in Gamaleya, not far from Bait Al-Sehiemi, towards the end of 2002, looks like it belongs to a bygone age, an age before electricity. In fact the only light source in the picture was a 60-watt tungsten bulb located above the central figure’s head outside the frame.

(cairolive.com)

سفر الوجوه

سَفَر الوجوه

2.L

«فكل ضد خلاف وليس كل خلاف ضد» – ابن عربي، «كتاب الأسفار»

ممسكاً بزمام الأمور، يبدو أبي رومانسياً في صورة بطاقته العائلية. أعرف أنه لم يكن يحملها أثناء مسيره في شوارع القاهرة – هل كان الإعراض عن حملها إيماءة تحدٍ مجهضة؟ – فعدم حملها ذلك لم يخفف وعيه بالمجتمع البوليسي. من غير وثيقة مختومة – يقول – يظل إنسان هذه البلاد عرضة الإلغاء المادي. (استنتجت أنه يقصد الاعتقال أو التصفية، في العموم: إحدى حلقات سلسلة لانهائية من التنويعات المحتملة على هذين المصيرين، واقعاً أو خيالاً كابوسياً في عقله.) وكأنه لم يسمع أن هناك ضباطاً يمزقون البطاقات في وجوه أصحابها، بغض النظر! كنت أحس، عندما أفكر في كلام أبي، أن تمزيق البطاقة لا يعدو أن يكون مسرحة لفعل الإلغاء المسيطر على عقله، على مستوى رمزي. لكن الخلاف بين الإعراض عن الشيء والإيمان بضرورته رسّب شكاً، راكمه أكثر من تناقض، في انفلات الزمام من قبضة الرجل العجوز. (لم أعهد أبي مرة يحمل تحقيق شخصية، لكنني لليوم أكاد أسمع صوته: «إوعَ تمشي في الشارع من غير بطاقة!») إن أمامي أقل من عام حتى أولد، وقت التقطت الصورة، سنة 1975. وأظن، من هذه الناحية، أنها وثيقة الصلة بوجودي، كونها جزءً من أول بطاقة عائلية يستصدرها الرجل الذي أنجبني. ومع هذا، من شأن نظرتها الحالمة – «رومانسيتها» غير المتوقعة هذه – أن تجعل الشخص الذي يطالعني فيها مفارقاً لذكرى أبي في اضطرابه وانطفاء عينيه: زوج يتحايل على الحياة العائلية بالنوم أطول وقت ممكن، ولا أراه يلمس المرأة التي يعيش معها أبداً، أو يعبر عن أي مشاعر تجاهها. كانت أشياء بيولوجية، كلها – آثار مرض السكر على أطرافه والشيخوخة المبكرة في وجهه، أو نمطية علاقته بعالم نادراً ما يتجاوز حدود شقتنا – تلك التي صاغت معرفتي بأبي. ولفترة أطول مما يجب، بسببها، ظلت صورته الذهنية (ذكراه) أصدق من صورة البطاقة. على أن الوجه الرومانسي، بدوره، كشف عن أبعاد مجردة. أصبح النظر إلى البطاقة بمثابة رؤية أبي من بعيد، أو من خلال شاشة تزيل وطأة السنين عن وجهه. في البطاقة كان وجهه، بمعنى شخصي جداً، يتأطر. حتى استقر في مكان خاص من رأسي تحوطه فراغات مستطيلة. أصبح أول بورتريه.  فالبورتريه – هذه شطحتي – هو المساحة الملتبسة بين صورتين: واحدة على ورق أو قماش، والثانية في المخزون البصري للرأس. تعريف مبدأي، إذن: أن أسأل نفسي، وأنا أقيس خبرة حاضرة على معرفة توجع، أيهما أصدّق؟

Continue reading

زليخة

*

ناءت عانتها

لا لأن زوجها عنين

فالصبي الذي يهجع إلى حضنها

نصف ابن

الصبي الذي يناوش الكمال

في نموه

هشّم الخيال بوعد لذة

دونها الموت نفسه

ناءت

لأن عرقه المنساب

في سرتها

حِمل كالمصير

*

بشهوة كالأمومة

وهو نائم

تلعق القذى من عينه

كأن أنفاسه شعر مجعد

يمسده أنفها

وكعطشان غُلّقت شفتاه

حول صنبور مدور

تحلم بالعبّ

من شفتيه

16.jpg
عبد الهادي الجزار: عارية

يماني يتعلم الكلام

ديوان أحمد يماني الأخير (أماكن خاطئة) – أكثر من أي عمل سابق له – يعكس المسافات الجغرافية والزمنية واللغوية لشخص يعيش خارج بلده، الأمر الذي يثري عملية إعادة اختراع اللغة التي يمارسها منذ بداياته. لهذا، لأن اللغة في تجددها وتولدها شيء يفرح (وهو التعريف الوحيد الممكن للشعر) أتى الديوان هدية مبهجة رغم كآبة الجزء الأكبر من محتواه. أتى بالبريد الإلكتروني في أبو ظبي، قبل أن ينشر عن دار ميريت بأسابيع أو شهور. وأذكر أنني - وأنا أطبعه، في محل عملي هناك – كنت كمن ينتظر وليمة يعرف أنه سيمضي الليل كله يأكلها. رحت، قبل أن أسلم نفسي لحالة توقعت صواباً أن ترحمني من القحط العاطفي لحياة الخليج، أسترجع بداية معرفتي بهذا الشاعر المقيم في إسبانيا من سنين كثيرة.

كان قد خضني منزل أحمد طه، في اجتماع مجلة الجراد الوحيد الذي حضرته، قبل أن أغادر مصر في عمر السابعة عشر ولا أعود حتى سن الرشد. لا أذكر إن كنت التقيت به ليلتها. الذي أذكره هو أن قصيدة (شوارع الأبيض والأسود) ظلت، من وقتها تقريباً، أقوى تجسد للقيم الجمالية التي عبر عنها (جيل التسعينات) في مصر، في الجراد والكتابة الأخرى وغيرهما، أنقى تعبير عن فرضيات كنت أتفاعل معها بما يكفي للشعور بالألفة فعلاً، إلا أنني – في هذا العمر، قبل أن تلطشني الحياة – شعرت، بالأكثر، أنني ساذج ومدلل، وكدت أندهش من كوني تفاعلت مع نصوص هؤلاء الناس. والحق أنها كانت تعبر عني بشكل استشرافي، أو قل تضيف إلى وعيي أوجاعاً لم أكن قد جربتها، فتكمّله. المهم أنه، بداية من الاعتراف بمادية الواقع – إلقاء الأيديولوجيا في الزبالة، على الأقل – لغاية القطع الشجاع ليس مع تراث الأدب العربي ولكن مع أكثر من حالة لبس لم تحسمها حداثتنا المجهضة، بدا يماني النموذج الأنقى، الأكثر عفوية واقتراباً من الأرض، الأرك بأسمى معاني الركاكة.

يماني ليس عنده، مثل ياسر عبد اللطيف، هاجس الصياغة اللغوية؛ ولا يهتم اهتمام إيمان مرسال ببناء النص (وهما بالنسبة لي أهم شاعرين أخرجهما ذلك المحيط). يبدو أقرب إلى محمد شكري أو حتى بابلو نيرودا من زاوية أنه يعرّف عالمه بما يكتب، بالثقة الخارجة من الخبرة المباشرة، بلا حاجة إلى سياق: عندما يقول شجرة، مثلاً، لا يعود في الدنيا كلها سوى الشجرة التي يتحدث عنها، يتجدد معنى كلمة شجرة لدرجة الشعور بأن أحداً لم يقل شجرة أبداً قبل ذلك، فيفرح الواحد بالشعر.

أعتقد أننا لا نهتم بما يكفي بأحمد يماني.

002.jpg

مساء الخير-١

مانهاتن



manhattan_topo_18801.jpg

«الذين يستحبون الموت على الكفر…» – أسامة بن لادن

«وعمرَّ الله موضع خروجها من آدم بالاشتياق إليها، فحن إليها حنينه إلى نفسه لأنها جزء منه، وحنت إليه لأنه موطنها الذي صدرت عنه» – ابن عربي

«فلم تهوني ما لم تكن في فانيا» – ابن الفارض

ذات يوم، اضطررت للكف عن الحشيش.

كان لي قرابة العام مفجوع في أبي، زاد استهلاكي خلالها بصورة كبيرة. عندي موسوعة مصوّرة عن النبات الذي أحبه، عرفت منها أن أحد أسمائه في الهند «مسكّن الفجيعة». خمس سنين منذ انتظمت على التدخين، وكل يوم أكتشف له مزايا جديدة. عيبه الوحيد أنه يقصيني. لم أعد أنتبه لحديث الآخرين. بعد وفاة أبي، خصوصاً، حدست أني أتعامل مع الناس في مساحة ضيقة وبعيدة. الجنس نفسه خلا من المشاركة، ما كان يزيده إمتاعاً مجرداً من المعنويات.

أهتم بجسد فتاتي الأمريكية ربما أكثر من ذي قبل، لكن كمن يضغط أزرار ماكينة تنتج البلل واللدونة. شهقاتها كأنها كركرة محرك السيارة وعصف الهواء وأنت تسرع على طريق خاوية: وشائج التحكم في متعة القيادة. وحين تعقب المضاجعات سگاير ألفّها لي وحدي (فتاتي لا تدخن)، كنت أستشعر هوة مروعة أسفل السطح الذي جمع جسدينا. فأعاجل بجعلها تتأوه من جديد. كأننا في صندوق مختوم بعبارة «قابل للكسر». لا أدعه يتعطل لحظة عن الاهتزاز. إذا بكت وقالت إن كثرة المضاجعة أنهكتها، سأغادر إلى حيث يمكن أن أستمني دون أن أشعر بشيء.

فقط لا أنسى أن هذا يحدث في اليوم التالي على ابتلاع أقراص الإكستاسي (ليس وحدي، ولكن بلا فتاتي)، شرط أن يكون الحشيش جيداً وهي في مزاج شهواني. الإكستاسي من شأنها أن تشحذ حاسة اللمس وتدرأ الوهن إلى ما بعد زوال الحبور. لكن مع مرور الساعات، يحل بالجسد خواء كأنه تجويف خلفّه انخلاع ضلع ضروري.

حينئذ أوقن بفقدانها: الشرخ أوسع من أن يُرأب دونما أعود أدراجي عبر أنبوب أنسحب خلاله منذ خمس سنين. هذا الخواء سيستتبع حشيشاً أكثر، والإفراط في الحشيش يؤجج الشوق للإكستاسي. بعد وفاة أبي، حدست أن الحال مع فتاتي مثال على علاقتي بالعالم. وجع التعميم. ما عاد بوسعي إنكار أنني في سيارة لا أسيطر على سرعتها. لهذا، لأنني أوغلت حتى فقدت النطق، لأن المتعة الخرافية ما عادت تعوضني عن الناس، كان لابد أن أكف. واليوم، بعدما زالت الأقراص وتبخر كل قنب العالم، بعدما صارت الأمريكية تلك تهويمة تقلها أجيال من الذكريات، يحلو لي ادعاء أن انقطاعي عن الكيوف حدث بإرادتي.

فقط فجيعتي في مسكّن الفجيعة لا تترك شكاً أني اضطررت، جبراً وبأقسى سبيل محتمل، للكف عن الحشيش.

فتاتي المسكينة.

لو لم تقترن بضاضتها بمشهد أبي المتخشب ليلة الوفاة! وحده الإمتاع المجرد يدوزن الشهور السابقة على أيلول ٢٠٠١، أيلول نهاية العالم. يومذاك، قبل أن أعلم بشيء، سأفيق على طائرتين مارقتين تخترقان أعلى توأم معماري في دماغي، عاصمة الوعي.

يبدو أنهما تنفخان من جنباته مناطد الدخان الأسود المحفوفة أواسطها بالنار، غير أن البرجين والبناء الصغير الذي يتوسطهما تتفجر كلها من الداخل، تنطبق على نفسها في تكوين يشير إلى هدم منظم بالثيرمايت («نقبه على شونة» الشيخ أسامة).

مشهد الطائرتين ليس سوى تمهيد سينمائي لانهيار سيكلفني، بموازاة الأحداث، أكثر من حرب على الإرهاب. لقد رأيت الشعب العائش في رأسي يفنى. الناس بحجم حبات السمسم تقفز إلى حتفها المحقق من فرجات النوافذ. والمادة الرمادية قبالة جمجمة السماء من أسفل كأطلال البرجين التوأمين تبتلع أجسادهم (وكنت كالأجهزة السرية تماماً، أدبر للقتل الجماعي وأدعي اللاوعي، أبحث عن شياطيني المذنبة في ضمائر الآخرين). قبل أن أعلم بشيء، كان اللهب يتشبث بالثياب، والأسطح ترتج وتتصدع. السماء تنشق عن سواد مؤجل منذ مصرع الرجل الكبير. لم أُرهَب في حياتي بمثل هذه الحدة. الأحباب المقيمون عندي لا أكاد أتعرف عليهم من فرط ما شوههم الهدد. سألاحق المجرمين. (المجرمون الوهميون في كهوف الجبال البعيدة.) مثل هولاگو سآتي على بغداد. السمسم كله إن لم يكن معي فهو علي. كان يجب أن أنتبه لما يصير للشعب في غيابي. أعتني به. أحبه…

كل الأفق هلع وتراب.

حتى العراف الزنجي الراقد في قورتي منذ فطنت لضرورة المراجعة، هو الآخر فط جزعاً يروم الهروب. لعلني سمعته يتنحنح بصوت ما عدت أطيق غلاظته، أو تشوفت قبحه عن قرب لأول مرة منذ زمن طويل. زعق في وجهي بأنه ممتن لنجاته وعلى الفور شرع يتنبأ: تتوالى القذائف على أفغانستان ويُشنق صدام حسين وتُحرم النبات الذي تحبه. تركته يلوذ بالدنيا الواسعة من مخرج مائي أسفل عيني. لكنني مثل عجوز يلعن مُنجّم صباه الذي كاد ينساه، بعدما يتأكد من صدق تكهناته، سأعرف في الشهور التالية أن العراف كان على حق. وبنزق وجبروت المحافظين الجدد، أقاطع الأمريكية وتاجر الحشيش الصعيدي الذي أخلص لي طوال مدة ارتباطنا، رفاق الإكستاسي وبائعي البانقو. سأمر حذاء سراديب الغورية كآثم لا تسعفه قدماه على ارتياد محفل الاقتراف.

وعلى خطى هانم تتخفف من مصاغها، أتبرع بقطع ممتازة وأقراص غالية، مسحوق كأنه ذهب مطحون في الأكياس، وعبوات صغيرة مصفوفة بعناية: ثروة من الكيميائيات. سأرد الحقوق لأصحابها – مايستتبعخلافاتومآرب–ودونما أخبر أحداً بأمري، أقفّل الحسابات.

كمن يبتر ذراعه مكابراً بعدم حاجته إليه، سأختار كومة زبالة على وشك الزوال بالقرب من رصيف بعيد، أدفن في أطلالها علبة جميلة من خشب الصندل العطر منشأها فاس، كنت أحفظ في تلافيفها كل عدتي ومتاعي: الكيوف وورق البفرة وماكينة لف السگاير وقطع الكرتون والأكياس. بحركة واحدة هادئة في ذيل مشوار تافه، سأودع خمس سنين من عمري قبراً أقرب من مكان ما رأيت أبي ملفوفاً في القماش الأبيض. لكنه، عكس جبانة البلدة النائية، لا يمكن الرجوع إلى زيارته.

عشية الحادي عشر من أيلول، كانت القاهرة تشمت على استحياء في نائبة مانهاتن، عاصمة الدنيا.

وبدا لي أن التاريخ مجرد تمثيل باذخ لوعيي. حين أنظر إلى مفاتن فتاتي، أرى أبي ممدداً في جلبابه يلفه صمت وتصلب لم يبق معهما شك –لن يجيبني إذا وجهت له الكلام.

اليوم، رغم ارتباط الحشيش بالشبق، أجتهد لأتذكر من هذه الفترة أي شهوة. لا شيء سوى الانضباطعلى قضاء وطر بالغ الجفاف. جسم لا تولّد ألفته الأمان. وعاء خوف، بلا مودة. وبين العمل اليومي المسموم و«القعدات» التي ما عدت أنتظرها لأمارس طقوس التدخين (كما ينبغي) وسط حلقة أنس تبرر ترف البطء والسكون، يلهيني تلاحق المضاجعات عن هوة أنبأني عراف زنجي بحجم حبة السمسم أني أتهاوى إلى أعماقها في القريب العاجل. هواء عابر أنبوب الغياب، هكذا سمعته يتمتم من مضجعه الآسن في قورتي. أن أرقد من جديد على البوابة. بدأت رحلة الرجوع في الأنبوب.

وإن تعاطيته بمنطق الفناء، الجنس ليس غاية في حد ذاته… يومذاك لم تكن قد تراكمت في جوفي ذخيرة الروائح والتقاطعات. لم يكتملمعجم التنهدات وصرخات النشوى، أو يُتقَن تأثير تعديلات الوضع والحركة على إيقاع الزفير. تقديري الاستثنائي لسحبة القدم وميلي للألم المقنن كلاهما في موضع الاستشراف (أمارسهما من بعد كمن يسترد إرثاً مسروقاً أو يبصر محيطه بوجد بعد انجلاء الدخان). فبدا، بحسب الذاكرة الخائنة، أن كل خطوة أقطعها فتح جديد لجيوش دولة الحياة. لماذا إذن، في الاستعادة، لا يخالجني حسالمغامرةأوالاكتشاف؟

أجتهد لأسترجع جسد الأمريكية التي شهدت خبرتي الأولى بانتهاء عمر (لم يكن الموت قبل أبي سوى إعفاء عادة ما يكون محموداً من مسئولية اللقاء بالآخرين). خارج المخاطرة المعطوفة على ابتياع الكيف، لا شيء سوى زهوة السيطرة على جسد لا أحسه لي إلا في حدود ما أسيطر عليه. ولا تعبير عن هوية. جسد منزوع الروح، يتأود لأصابعي المدربة حديثاً كسيارة أقودها على طريق خاوية فأنتشي بكركرة المحرك وعصف الهواء. ومن المضاجعة تحت التأثير حتى الإياب التدريجي إلى حيث عادت اللذة مناسَبة للمعرفة بالوحدانية، تترامى كثبان المعاناة.

بين أيام الحشيش والآن، كل الأجساد فاترة وبعيدة.

وحده حاضري الجنسي يحضرني، مع صغيرتي التي أحبها، حيث بهجة توحّد البدن والدماغ. لأنني، في زهو أعيدت صياغته، أتملك روحها. بتطبيقها على صدري أسترد ضلعاً ضرورياً فقدته حين جئت الحياة. اليوم، بعيداً عن الذكرى الملتبسة، أستحضر اللحظة المعجزة حين رأيت جسد صغيرتي التي أحبها. عراء كالقرنفل. لحظة تتمثل ببهاء باهر.

أستثمرها في التأكد من أنه، خلاف الرهبة والفجيعة والإمتاع، لايزال في الدنيا سطح يمكن أن يجمع جسدي بآخر. أسفله صلب. ومعمار دماغي الرابض فوقه غير مهدد بهجمة إرهابية. أنفاسي أنفاسها. عضلة قلبي تضخ الدم في أوعيتها. أقول «أنتِ لي»، دونمايأسرنيسلطانالتحكم في جسد لا يهمني من حضوره سوى تعدين المتعة المتاحة. ثقلي فوق لحمها الخفيف كالأسود على الأبيض في صورة فوتوغرافية تتبدى معالمها أمام عيني. جيلاتين الفضة. وحين تجاور ذَكَري يدها الصغيرة كسمكة شبار تتراقص على الشاطئ، تغدو ذاكرة متحركة يحدوها تطور التفاصيل.

اليوم حياتي كلها شوق مشروط بالفراق. أموت كي لا يبرحأنفي أريج جلد الصغيرة!

بعد أن كففت عن الحشيش، أصبح تحميض الأفلام التي أصورها ضمن ضروب العلاج. أن أجعل لي آية. في وحدة الموجوداتالتيأرتد إليها مثل حيوان زاحف يتسلق الهرم الكبير،كأننيالربوالنبي معاً. وعلى درب تتدرج إنارته، هكذا، تجلت المحسوسات لوعيي الضامر في غياب مثيرها السحري. قبل بضعة أيام كان كل شيء فاتناً وكثيفاً، والآن لا شيء سوى فزع وغياب. انكسرت عيني. تعلمت أن أهجع إلى مساحة ضيقة غائصة في سوائل التظهير والتثبيت، رفقة مكبر متهالك أطبع عليه نتاج الأفلام التي حمضتها، نور أحمر ضعيف يدثرني.

وتتالت محسوسات أُشرف على نقلها من واقع بالكاد أحتمله إلى الضوء الثابت على ورق سميك. فضة زائلة. بتؤدة جنونية، آبت الشهوة إلى جسدي. كنت أتخبط، مع صف من النساء اللائي عرفتهن في هذه الفترة، أستكشف سبباً آخر للذة. الطاقة فيّ، لكن لا جبر في متعتهن، ولا آخر للشعور بالكسر. مرة بعد مرة أزايلهن إلى نفس الصورة. لعلني أستجمع الخبرة المبتغاة. بعد عمر آخر، لأُرضي الصغيرة. لعل الانهيار ضروري ليفوح أريجها.

ليس سوى حور عين، للشهداء. ولأن هذا ما صار معي، عملياً، بالتزامن مع أحداث أيلول الأمريكية: حين اضطررت للكف عن الحشيش استشهدت (أو انتصرت، ما الفرق؟) لم أتجاوز انهيار الأبراج الثلاثة فحسب، بل سارعت بوقف إطلاق النار في حروبي الجائرة على الإرهاب. سامحت أكثر من مجاهد بحجم حبة سمسم لمّا اكتشفت أنهم – حتى هم – يعملون لصالح المخابرات المركزية. وتحول شكل خريطة مانهاتن المألوف منذ أيلول ٢٠٠١ من شارة عذاب واقتتال إلى لواء انطلاق صادق.

أن أعترف، وقت أكون تعيساً، بحقيقة تعاستي.

مع الوقت، وأنا لأول مرة أحترم فجيعتي في أبي، وأتخذ من الطقوس المحيطة بالحشيش دون الحشيش نفسه سوقاً لتجارتي الجديدة، كأنني أُبعث عبر جهنم الانهيار والتوق الأخرق – مدة وجيزة تستبقها الرحمة – إلى فردوس لا تعتمد لذّاته على غير وعيي. وفرحت أن وعيي بريء براءة صغيرتي التي سألتقيها. كولد يتعلم المشي في غياب أبيه، كنت أعيد اكتشاف طعم السكر ولسعة البرد، طرب الموسيقى والنغم العفوي الذي تعزفه أصوات السيارات في المساء، ملمس الماء على الرأس ودفعة الحماس التي تجلبها القهوة. كل شيء جديد ومخيف، لكنه بديع على نحو دائم يجعله أقرب إلى الجنة بما لا يقاس. وأنا كل بضعة أشهر يهيأ لي الصعود إلى روضة أعلى.

أحسب فردوسي جزيرة أشبه بمانهاتن نيويورك، لكن رياضه درجات مثل طوابق توأم معماري سامق. وأنا ساكنها المنتقل من دور إلى الدور الذي فوقه، من انتصار تدمغه نهاية علاقة إلى انتصار لا يخلف شعوراً بالانخلاع، لأن شيئاً لم يعدني بالتئام في البداية، وإن كنت أخاطبهن دون نية بنفس اللغة. قبل شهور كنت تحت الأرض حيث المعدن المشتعل السائل (دليل استخدام الثيرمايت).

الآن رياضي الفردوسية مصفوفة عمودياً، لا أشعر بمسئولية كبيرة تجاهها. والأجساد الوافدة رغد جزائي. بضع لحظات فقط أحملها في رأسي، نادراً ما يتكرر فيها جسد سواي:

- فتحة الساقين التي تبرز فرج واحدة خرجت منها لتوي ونحن راقدان «خلف خلاف» حين لهاثها طلباً للمزيد: «أنا هأفطس».

- الانحناءة الفجائية لأخرى ضخمة تناولني مؤخرتها ونحن واقفان بثيابنا، ونفاد صبر مجرفتي آيس كريم الفانيليا بالفريز العملاقتين المنفلتتين من جينزها الأزرق نحو عانتي.

- خنوع وجه ثالثة خمرية إذ تجلس فوقي، تستمتع بتسول ذروتها وهي على وشك الحدوث؛ لا تنفق حتى أصفع وجهها فعلاً على سبيل الإيذان باللذة.

- أو شهقة رابعة حين أجعل ركبتها عند ثديها وثقل جلستي الجانبية يثبّت ساقها الأخرى مفرودة…

عرفت أنه، من غير النبات الذي أحبه، ما كان شيء ليبقيني مع الأمريكية التي ارتبطت بها قرابة خمس سنين. لكنها – وحدها – عرفت جسدي عشية الكارثة. ولولا اختلاط صورة فرجها بالفروج التي تومض لحظياً في ذاكرتي على امتداد فترة النقاهة، ما بعد انفصالنا، ربما ما كان الحادي عشر من أيلول ليستدعي جزيرة مانهاتن بمثل هذا الوضوح على هيئة فرج:

فرج كوني عملاق، استوعب طاقة الحشيش وطاقتي دونما يحقق شيئاً سوى إعلامي بضرورة الالتئام. (وطوال هذه السنين، أنا لم أر منهاتن.) أن تأتي صغيرة أحبها ترد لي ضلعي الضائع. أو تَعِد برده. سليماً. فلا تغيب. أو لا يكون غيابها بهذه البساطة.

أكتب لك أنتِ، حتى تعرفي.

ولكي لا يقول قراء السوء إني أحتفل بفتوحاتي. أي فتوحات تترك قائدها مفرّغاً ويتيماً؟ (النصر هزيمة اليائس، لكن ثمة من تستثيرهم ألوانه كأقاصيص أبضاي كاذب. يظنون سجل الألم مباهاة. هم أقرفوني. لا سبيل إلى حمايتك سوى افتراض أنهم ليسوا هناك.) أكتب – أقول – لطفولة عينيك، فرحة عينيك، حب الحياة وحب الحب في انطفاءتهما على نوم محكوم بالعناق. وللعناق ذاته، أكتب. ذلك التشبث الذي يصالحنى على الوحدانية. للهاثك وضحكاتك وانفلات جسمك (بغير غنج)، ثم غنجك الذي يشبه أريجك والبذاءات المهموسة كالبرق بخجل عنيف (لحظة وتسكتين، كأنك لم تنطقي الكلمة). أكتب لشَعر لا يُرى في بقاع غير متوقعة بامتداد جغرافيا يطمئنني ارتيادها من الطراوة إلى التماسك (وبالعكس)، أستشعره كمارد يؤوب للشجر. لانثناءة غير متوقعة وقلق قابل للاحتواء، أو لجنس هو غاية في حد ذاته… أكتب – يعني – للأمل المتحقق حيياً في مغادرة مانهاتن: الكف – من بعد الحشيش – عن السياحة بارتفاع توأم معماري لم تُسكِنني رياض فردوسه المصفوفة عمودياً في ذاكرة مدينة لم أزرها، وإن تزامنت مع خروجي من جهنم الرابضة أسفله، ما بعد انهيار أبراج دماغي.

لا شيء بعد الاستشهاد سوى الفناء. أكتب لك لأنك – هكذا – فنائي.

عشية موت أبي، كأنني كنت أعلم، صاحبت الأمريكية إلى بيتها حيث يمكن أن أطفئ شعلة خافتة جداً قبل أن تأتي المخابرة الهاتفية. كنا انتهينا لتونا من عشاء رسمي. خلعنا الملابس الضاغطة وبسرعة أدركنا ضرورتها كأنما بالسحر – بروتينية أيضاً – قبلتها وولجتها واهتززنا. ما كدنا نعتدل حتى رن هاتفي المحمول وسمعت صوت أمي، كما توقعته تماماً، أن تعال. بلا تفسير.

وما كان ثمة مجال لمجادلة جارنا الذي لحقني في غرفة أبوي، حيث وجدته في الجلباب الدرداري على ظهره إثر دخولي المتأني. أغلقت الباب، ممتناً لسكون البيت الذي فرضته أمي على الحضور: لا نحيب ولا صراخ. ما كان ثمة مجال لطرد الجار . إخباره أن لا شأن له. مناولته لكمة تعبر عن شعوري. في هذه اللحظة دون غيرها، أي خروج عن المألوف من جانب ولد المتوفي يصير ردة فعل عاطفية تستدعي تدخلاً من شأنه أن يزيدني غيظاً. لا أظنني تدبرت الأمر كما أحكيه اليوم، لكنني حدست بشروط اللحظة. وفي امتناني، كنت حريصاً على الوقار. أغلب الموجودين يوافقون جارنا الرأي، على كل حال: في الغرفة الآن ملائكة لا يصح إزعاجهم. لا أذكر صوت القرآن ولا وتعبيرات الوجوه. فقط وقفتي الممتعضة بعدما فتحوا الباب علينا، أنا وإياه، أنا وهو، أنهو… ولم أكن قد غنمت بغير دقيقة أو دقيقتين.

ما كان ثمة مجال لإنكار أن ملائكة تجاور الجسد المتيبس دون أن أراها، أو أن وجودي إلى جواره مزعج. فنظرت إلى أبي أتساءل إن كان يجب أن أقبله أو أسلم عليه؟ نظرت ولم أفعل شيئاً. الجسم الملقى على السرير يشبهه في كل شيء، لاحظت. كل تفصيلة في وجهه وأطرافه، نظرة عينيه وتوزيع شعر الذقن على وجهه. سحبة ذراعه ولون أظافره. حتى بثور مرض السكر على ساقيه… غير أنه – وهذا ما أهدرت عليه أهم لحظة في تاريخي الشخصي – ليس هو. ليس في الجسم الملقى على السرير شيء من أبي إطلاقاً. كأنه تابوت من البلاستك اللاصق مفصل على الجسد ومنجز بعناية معجزة. أبي ليس في جوفه رغم كل شيء. ولعلني أردت أن أصرخ فعلاً: «ماذا فعلوا بك يا بابا؟ أين خبأوك؟ الملائكة أولاد الكلب أخذوك قبل أن أقول إلى اللقاء؟» فقط صاحبت الجار إلى الخارج كما أراد. وحين ارتد الباب من خلفي، كنت على يقين بأن الغرفة بكل ما فيها ومن فيها، ليس فيها أبي.

كان عندي قطعة زيرو/زيرو شقراء من أجود أنواع «الملكي» المغربي. لابد أنني أومأت لأكثر من وجه متطفل. قبلت أمي ببرود ونفذت إلى غرفتي. وكنت سعيداً بأن عندي الليلة حجة جيدة توفر علي البيات عند فتاتي. على الفور وجدت علبة جميلة من خشب الصندل العطر منشأها فاس. فتحتها وأخرجت ورقة بفرة أفرغت فيها ثلث سيگارة. قربت شعلة الولاعة من الحشيش ورحت أفركه بين إصبعي. وارتحت لما رأيت فتاته مثل «بروة» الكاوتشوك تسقط على التبغ بغزارة، تسقط وتسقط فوق دخان السيگارة في قلب ورقة البفرة. تركتها لحد ما غطته.

يوسف رخا، أبريل 2009 ​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​​logo1.png