حوار عبد المنعم الشنتوف

يعتبر يوسف رخا واحدا من العلامات المتميزة في المشهد الإبداعي العربي المعاصر، ويتسم بتنوع منجزه النصي بين أدب الرحلة والقصة والرواية علاوة على التحقيق الصحافي. درس يوسف رخا بجامعة هال في بريطانيا قبل أن يعود إلى مصر ويحترف العمل الصحفي. يشتغل حاليا مسؤولا عن الملحق الأسبوعي لجريدة ‘الأهرام’ الصادر باللغة الإنجليزية. أصدر الكاتب عددا من الأعمال نذكر من بينها: ‘أزهار شمس’، ‘بيروت شي محل’، ‘غرب القاهرة شرق الفيليبين’،’ بورقيبة على مضض’ علاوة على ‘الطغرى’ و’التماسيح’.
تتميز التجربة الإبداعية للرجل باستثمارها الدال للتهجين على مستوى الأشكال التعبيرية علاوة على التوظيف الذكي لتنويع من السجلات اللغوية تتوزع بين العامية المصرية ولغة المصنفات التاريخية القديمة واللغات الأجنبية من قبيل الإنجليزية وهو ما نتمثله في رواية ‘الطغرى’ تحديدا. يمكن النظر إلى هذه الرواية ولاحقتها ‘التماسيح باعتبارهما تمثيلين قويين للأدب المعبر عن ثورة 25 يناير التي أطاحت بنظام الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك. في هذا السياق، إذن، يشكل الحوار مناسبة للاقتراب من العوالم الإبداعية لهذا الكاتب الذي يتميز بمفارقة تجربته الإبداعية للمألوف والسائد…

wpid-cairo-metro4-2012-05-15-04-59.jpg

1-بدأت الكتابة عام 1999 بإصدار أول مجموعة قصصية بعنوان “أزهار شمس” عن دار شرقيات. وازى ذلك اشتغالك في الصحافة باللغة الإنجليزية تحديدا، حيث عملت في الإصدار الإنجليزي الأسبوعي لمؤسسة الأهرام ثم ككاتب تحقيقات في أبو ظبي لمدة عام قبل أن تعود إلى الأهرام. هل تعتقد أن اشتغالك الصحفي قد أفادك في الكتابة الأدبية، وهل يمكن أن تحدثنا عن نقاط الاتصال والانفصال بين هذين السياقين في الكتابة؟

أيام مراهقتي عقدتُ العزم على أن أكون كاتباً. كان هذا يعني أن تصبح الكتابة مسار حياة بما في ذلك الجانب المهني منه. ولا أعرف فيم كنت أفكر بالضبط: هل كنت أدرك أن الأدب في حد ذاته لا “يؤكّل عيشاً”؟ كان قراراً أهوج ربما فيما أملاه علي لاحقاً، لكنني لازلتُ فخوراً بوضوحي مع نفسي والعالم في رفض ذلك السيناريو المتكرر في بلادنا – أن يكون للكاتب مهنة “جادة” تحفظ له حداً من العيش الكريم والمكانة الاجتماعية؛ ظاهرة الكاتب الطبيب والكاتب المهندس والكاتب السفير – وكأن الكتابة مزحة أو نشاط هامشي يفتقر إلى الجدية بتعريفه، وكأنها ليست “شغلانة” بما يكفي، أو كأن هيامك على وجهك لتكتب نهايته الأليمة محسومة مسبقاً! صدرت “أزهار الشمس” على نفقتي بالتزامن مع حصولي على وظيفة في الأهرام تقريباً – كان الحصول على وظيفة رضوخاً للـ”مجتمع” متمثلاً في أبوي، ولكنه كان أيضاً وعداً بأن أحقّق حلمي في العيش مما أكتب وإن بلغة أخرى، في سياق ليس أدبياً؛ وحيث كنت ساذجاً بما يكفي لأنتظر أن يستقبل كتابي “قراء” و”نقاد” لا أعرفهم فيقيّموه بنزاهة، أحبطني الصمت المطبق والغياب التام لأي نشاط ترويجي أو تسويقي من جانب الناشر. مع الوقت بدا لي السياق الأدبي منفّراً في مقابل سياق صحفي كنت أحقق فيه نجاحات مُرضية مادياً ومعنوياً… أما من الناحية التقنية فالصحافة في بعض أشكالها أدب وهي في كل أشكالها تدريب على الأدب. أظنني تحدثت عن ذلك بما يكفي من قبل: الصحافة لا يمكن أن تكون منتهى الطموح لكنها يمكن أن تساعد كثيراً.

2- انتقالك إلى أدب الرحلة أو محكيات السفر مسألة تستحق المناقشة. ونحن نعرف أنك درست في جامعة هل البريطانية وتنقلت بين بلدان مختلفة. هل كان اختيارك لهذا الشكل التعبيري محصلة هذه التجربة في “الترحال” واكتشاف عوالم مغايرة لما ألفته عيناك في بلدك الأصلي. راكمت في هذا السياق مجموعة من التحققات النصية الجميلة: “بيروت شي محل”، “بورقيبة على مضض”، “شمال القاهرة غرب الفيليبين”. هل يمكنك أن تحدثنا عن هذا الاختيار التعبيري؟

كنتُ منزعجاً من زيف وغباء “الانفجار الروائي” في مصر، هذا من ناحية. أردت أن أمارس أدبيتي بشكل يخرج على ذلك الخطاب كلياً ويكسر هايراركية الأشكال المدشنة بل وينفتح على احتمالات قد تقترب من ذائقة جمهور قراء معطّل، ولعله فعل بدرجة ما (وإن كان يبدو لي أمر القراء غاية في الارتباك والتعقيد إثر ثورة كان من تبعاتها أن تسهّل مهمة الإسلاميين في قمع الحراك الاجتماعي والأخلاقي والفردي؛ ثم أين كتاب المعارضة النجوم غير الإسلاميين من مستقبل الكتابة وهم ربما أكثر انغلاقاً وتفاهة حتى من نظرائهم الموالين للدولة؟) من ناحية أخرى ربما كنت أحتاج شكلاً “غير أدبي” أعود من خلاله إلى اللغة العربية، حيث انقطعتُ عن الكتابة بالعربية على نحو شبه كامل لفترة تجاوزت ست سنوات. بالطبع كان ثمة ما يؤهّل لمثل تلك الكتابة نتيجة تعدد الأسفار وتراكم الإحساس بالأماكن، كما أن فضاء جديداً للنشر – مجلة “أمكنة” السكندرية التي كتبت لها أول تلك النصوص، مثلاً – بدأ يهتم بما يمكن أن يسمى النص المفتوح أو الريبورتاج الأدبي. ثمة حياة في مكان آخر أو نظرة أخرى إلى الحياة؛ وكما في الحياة كذلك في الكتابة. ممتطياً “ركوبتي” الصحفية، شعرتُ أنني أدخل أرضاً لم يردها أحد قبلي…

3-لاحظت وأنا أصاحب تجربتك الابداعية استثمارك الدال لأسلوب كتابة التحقيق الصحفي بما يستلزمه ذلك من التقاط ذكي للتفاصيل واستنطاق لتواريخ الأمكنة مع استلهام قوي لمساحة واسعة من التخييل. وما أثارني في هذه النصوص انفتاحك فيما يشبه تهجين الأشكال التعبيرية على الرسم والفوتوغرافيا والشعر والتاريخ؛ وهو ما يتجلى بقوة في كتابك “شمال القاهرة غرب الفيليبين”. هل يمكن الوقوف عند هذا الاختيار موصولا برغبتك في التمرد على الشكل النمطي للكتابة؟ هل يمكنك أن تسلط الضوء على هذه الإشكالية؟

أنت تستعمل كل ما لديك في الكتابة، كما تستعمل ما لديك في معركة البقاء على قيد الحياة. كانت تقنيات الصحافة أداة فعالة في الاستقصاء وإن لم أقصر استخدامها على الموضوعات الصحفية بالطبع. بالنسبة إلى الجانب البصري من هذه الكتب، أعتقد أنه يمثل محاولة لاستلهام المساحة في النص الأدبي؛ وقد تم استثمار هذه المحاولة على نحو أوضح في “كتاب الطغرى” باختلاق خريطة للقاهرة وإدراج رسوم على علاقة بتلك الخريطة في متن النص. لعلها مساع لاستخراج “جغرافية” النص في مقابل تاريخيته الحاصلة بطبيعة الحال، سوى أنني أمارس الفوتوغرافيا أيضاً وقد كان لذلك أثر في كتابتي على مستويات متفاوتة. لكن هناك جانباً ربما لم يتسن ذكره من قبل وهو الدفاتر التي أحتفظ بها وأودعها الكتابة والرسوم والقصاصات والتذكارات تحايلاً على مرور الوقت والنسيان؛ لقد قيل عني قبل أعوام إنني “آخر الوراقين”. ومنذ الطفولة وهاجس “عمل كتاب” يراودني؛ كنت أخترع كتباً “علمية” صغيرة بما يتوفر من قرطاسية في البيت. المؤسف أن الإخراج البصري نادراً ما يحوز اهتمام الناشرين العرب مع أن لفنون الكتاب كما تعلم تقاليد خلابة في التراث العربي الإسلامي ومن الممكن استنهاض تلك التقاليد بتقنيات حديثة.

4- “بيروت شي محل” الصادر عن مجلة أمكنة عام 2006 تمثيل واضح لتداخل الكتابة الصحفية والكتابة الإبداعية. وقد سعيت من خلاله إلى الاقتراب من عوالم هذه المدينة التي تعتبر القلب النابض للبنان والتحولات التي طالته بعد نهاية الحرب الأهلية. يعج هذا المحكي الجميل بتفاصيل تنقل السارد الرحالة بين العديد من الأمكنة داخل بيروت أو في الجنوب ولقاءاته بالناس. كيف يتمثل يوسف رخا الاشتغال التخييلي على موضوعة “المكان” في ارتباطها بالذوات الإنسانية التي تقيم أو تعبر فيه؟

لم يكن التخييل في “بيروت شي محل” – ولا في نصوص المدن العربية من بعده باستثناء، ربما، المنامات المغربية – سوى توليفياً، لغوياً. فيما بعد، في “الطغرى”، اكتشفت إمكانات الاختلاق والتلفيق على مستوى الأحداث والمعلومات. وكان السبب الرئيسي وراء انصرافي إلى الشكل الروائي هو إدراكي التدريجي أن القاهرة هي موضوع كتابتي الحقيقي وأنني لا يمكن أن أقارب القاهرة بلا تخييل جذري من هذا النوع، وهو ما يستلزم سياقاً أقرب إلى سياق الرواية. لعل كتابة السفر كان دافعها الأعمق في اللاوعي أن أتمكن من رؤية القاهرة أدبياً عن طريق مقارنتها بمدن عربية أخرى أو جعلها مرجعية رئيسية لرؤية تلك المدن التي تشبهها وتختلف عنها في الوقت ذاته. قناعتي أن للكتابة بطلاً من اثنين بغض النظر عن سواهما من أبطال: إما المكان، أو الزمن. كان من شأن اهتمامي بالقاهرة وانطلاقي إلى الرواية من كتابة الأماكن أن يصبح المكان هو بطلي الأول. لا يعني هذا أن الزمن غائب عن نصوصي ولا أنني أتهاون في احترام اللوحة الزمنية التي أرسم عليها العمل – أو أركّبه – ولكنه يعني أن المكان ربما أهم… لكن الوجود في بيروت في ذكرى الحرب الأهلية الثلاثين بصفة نصف صحفية كان دافعاً على الكتابة في حد ذاته وهو ما أدى إلى استشراف احتمالات تحويل المكان إلى موضوع كتابة. المكان بالطبع ليس مساحة جغرافية (طبيعية، معمارية) وإن كان أيضاً كذلك. إنه وجود في محيط ولقاء بأشخاص واحتمال أن تكون أنت شخصاً جديداً نتيجة ذلك.

5- أود أن أتوقف معك مليا عند كتابك الأخير الصادر في بحر السنة الفارطة عن دار الشروق القاهرية. قرأت الكتاب بمتعة حقيقية وأنا أجد في داخلي انجذابا إلى تعدد سجلاته اللغوية وأشكاله التعبيرية. ثمة هذا الاستثمار الدال للمصنفات التاريخية التي اهتمت تحديدا بتاريخ مصر عموما والقاهرة بشكل خاص. وقد لاحظت قي هذا الصدد ركونك الدال صوب استعمال لغة هي مزيج من العامية والفصيح إسوة بمصنف الجبرتي في تاريخ مصر. كيف يمكن تفسير هذه الاستعادة؟

لم تكن لغة الرواية استعادة أو استدعاء بقدر ما كانت إحياء لسجل غائب من سجلات العربية المكتوبة: اللغة الوسطية التي أُرّخ بها للقاهرة لقرون من قبل الجبرتي، والتي أُهملت أو اندثرت إثر المد القومي لصالح فصحى مفتعلة إن لم تكن ركيكة ومنفصلة عن عمقها المعاش. العامية جانب عضوي من اللغة العربية وربما الجانب الحي منها، كما أن الكلمات الوافدة من لغات غير عربية مصدر رئيسي للغة. بدا السجل الرئيسي من ثَمّ مناسباً لكتاب يطمح إلى تصوير القاهرة وتصنيفها على غرار “الخطط” القديمة وإن بمنطق معاصر ومختلق. لكن لم ينطو الأمر على إعادة إنتاج لغة قديمة أو استيحائها كما هو الحال عند كتاب آخرين. كان الهدف هو التوصل إلى معادل معاصر للغة الجبرتي في سياق تقاليد الكتابة التاريخية. وقد يكون انجذاب قارئ مغربي إلى نص مكتوب بهذه اللغة دليلاً على نجاح مسعاي على هذا المستوى. كان الإيغال في التاريخ مدخلاً إلى سؤال الهوية المطروح في الرواية على أكثر من صعيد: ماذا يعني أن تكون مصرياً قاهرياً؟ ولكن أيضاً: ماذا يعني أن تكون مسلماً في هذه البقعة من العالم بعد الألفية الثانية؟ أحس القاهرة تكويناً متعدد الأبعاد، ففضلاً عن المدينة المكشوفة هناك مدن مستورة تنازعها المساحة ذاتها: مدن تاريخية وإسلامية، وأخرى طبقية ثقافية، ومدن سياسية مقصورة على توجه إنساني أحادي شديد الضيق. أردتُ أن أكشف ستر هذه المدن على نحو يتداخل مع تصنيف المدينة المعروفة أو أجزائها التي تقع فيها أحداث الرواية ومن ثم أستخرج قاهرة فريدة موجودة بالفعل إلا أنه لا يمكن رؤيتها قبل قراءة الكتاب، قاهرة هي اسطنبول نهاية القرن التاسع عشر وهي صحراء المماليك وهي دهاليز “مولات” مدن المستقبل؛ وكان التاريخ العثماني بالتحديد زاوية أساسية في هذا الصدد؛ لأن القاهرة التي سعيتُ إلى استخراجها تلك كانت للضرورة – وإن، للضرورة أيضاً، بمنطق مناقض جوهرياً لمنطق الإسلام السياسي – قاهرة إسلامية.

6- لماذا هذا التشديد المكثف في كتابك “الطغري” على استعمال توليف من السجلات اللغوية تتوزع بين الدارجة المصرية والعربية الفصيحة والإنجليزية المعربة إن صح التعبير. وقد وصل بك الأمر حد وضع معجم في خاتمة “العمل” تفسر فيه الغامض من هاته الكلمات. هل يتعلق الأمر والحالة هاته بمراهنة مقصودة على خيار “التهجين” من منطلق الافتراض الذي مؤداه أن ليس ثمة وجود لهوية أصيلة أو خالصة وأن الاختلاط أو الهجنة هي الحقيقة الوحيدة؟

فيما يخص اللغة، بالتأكيد لا وجود لهوية أصيلة ولا حقيقة سوى الاختلاط. عن نفسي، لا أؤمن بـ”طهورية” اللغة على الإطلاق. للعربية الفصيحة امتداد مكاني وزماني لا يجب أن نتخلى عنه ربما، لكنه لا يجب أن يؤدي إلى موتنا لغوياً. اللغة كائن حي محكوم بلحظته التاريخية، هي كائن يحيا باصطلاحه على الأفواه قبل أن يُكتب؛ أظن هذا بديهياً، وهو ما يستتبع الهجنة بدرجة أو أخرى على المستوى المقصود. اللغة تصنعنا وتنمينا ولو أننا قصرنا ما نستمده منها على لحظة أو بقعة واحدة لتحولنا إلى “زومبيز” – وهو ما حدث ويحدث للكثير من العرب بالفعل، بدرجات – أما بالنسبة إلى الهوية الإنسانية-الثقافية، فالسؤال أصعب كثيراً. من زاوية جذرية، أظننا كائنات مهجنة بالضرورة ليس فقط لأننا نعيش في عصر اندحار ثقافتنا “الأصيلة” أياً كانت ومن ثم بشروط ثقافة أخرى لعلها أقل اختلافاً عن ثقافتنا تلك في الحقيقة مما يبدو، ولكن أيضاً لأننا كائنات مدنية أو هكذا لابد أن نكون لكي نكتب روايات. إن هذه النصوص موجهة إلى قراء يسكنون مدناً متعددة الهوية، وحسبك أن هناك من يعرف العربية ولا يقرأ إلا الروايات الإنجليزية أو الفرنسية بل ويقرأ الروايات العربية نفسها مترجمة إلى اللغة الأوروبية التي اعتاد أن يتلقى فيها الأدب… ليس هذا حكماً أو موقفاً، إنه واقع وحسب: قارئ الرواية المعاصرة الجادة كما أتصوره – حتى وإن كان لا يعرف سوى العربية – ليس كائناً أحادي الهوية؛ قد يكون بينك وبين العربي فهم دقيق أو “محلي” في بعض الأمور لكنك لن تستطيع أن تقول له شيئاً ذا بال ما لم تتعدد وتتنوع ثقافتكما بما يستوعب اللحظة التي تشتركان في صوغها عبر النص الروائي، أليس كذلك؟ بالنسبة إلى العرب اليوم بالتأكيد ولكن ربما أيضاً بالنسبة إلى أي جماعة بشرية في أي زمن، تلك اللحظة لا يمكن أن تقتصر على ثقافة واحدة. ومع ذلك، ورغم ذلك – وهو ما يجعل سؤال الهوية أصعب من سواه – كثيراً ما أحس أن هناك هوية رغم كل شيء، هوية تتجاوز المدنية الفردية متعددة الثقافات تلك… لكن ماذا عسى تلك الهوية أن تكون؟

7- “الطغري” في الآن نفسه محاكمة إبداعية قوية للتدهور الذي عرفته مدينة القاهرة وتقلص أو انحسار البعد “المدني” بما يستلزمه من تعدد واختلاف في الرؤى إلى العالم وطرائق العيش والسلوك والعودة القوية للدين بتصوراته “الشوفينية” و”الشعبوية”. يلوح لي أيضا من خلال قراءتي للعمل أن تفاصيل عدة من سيرتك الذاتية حاضرة بقوة. أين يتقاطع السير ذاتي والروائي في هذا النص وأين يحضر التخييل؟

كان سؤال السيرة الذاتية مطروحاً بشدة أيام “أزهار الشمس” وكان ضاغطاً في ذلك الوقت حيث بدا أنه لا مهرب من رصد الواقع وبدا الواقع قاصراً أو ضيقاً نتيجة صغر السن وحدود التجربة. فيما بعد – عبر الصحافة وخبرات الحياة – أصبح الموضوع أقل أهمية بالنسبة إلي. السؤال ليس “هل تكتب سيرة ذاتية” ولكنه “كيف تستخدم السيرة الذاتية في الكتابة”. في “الطغرى” شخوص وحالات منطلقها من الواقع بالفعل ولكنها لا تعنيني شخصياً بالضرورة، لا تعنيني في أكثر من أنني أعرفها جيداً وأشعر بأنني مؤهل للكلام عنها بدافع إدخالها في مشروع قاهرتي الذاتية تلك… أما بالنسبة إلى انهيار المدنية وانتشار الأسلمة الشكلانية المستوردة إجمالاً من الخليج العربي، فليس في ذلك ما يحتاج إلى سيرة ذاتية أو أي سيرة: إنه أمام عينيك أينما حللت في مصر وهو بالنسبة إلي فقط غير مفهوم. هو يزعجني ويؤلمني بالطبع لكن الأهم ربما هو أنني فعلاً لا أفهمه، لا أستطيع تفسيره. ولعل في الكتاب محاولة لتفسيره فنياً من خلال الفانتازيا كما رأيت. لكن على أرض الواقع أو على أسفلت الشوارع، ما الذي يدفع شخصاً مهما كان عادياً أو محروماً أو حتى أفاقاً إلى تبني مثل هذه النظرة إلى الحياة، إلى الأخلاق أو الروحانيات، ومن ثَمّ مغادرة المدنية والمدينة إلى الأبد؟ هل تستطيع أن تجيبني؟

wpid-img_1308-2012-05-15-04-59.jpg

8- يهمني أن نقترب من منجزك الروائي الأخير “التماسيح” والذي سوف يصدر قريبا. لاحظت من خلال قراءتي للعمل اهتماما قويا بالتأريخ السردي لجيل التسعينيات الأدبي في مصر والسمات التي تميزه من تمرد على الأنساق والمواضعات الجاهزة في الرؤية إلى العالم والمعيش وبحث عن أدب مغاير. لاحظت في الآن نفسه مماثلة بين هذا الجيل وجيل البيتنكس في أمريكا واعترافا إبداعيا مؤثرا بالأدوار التي اضطلع بها هذا الجيل في الحدس بما أصبح يعرف بالربيع العربي وثورة 25 يناير في مصر والتعبير الإبداعي عن إخفاقاتها وانحرافاتها بفعل تأثير المؤسسة العسكرية والتيارات السلفية الرجعية. هل يمكن النظر إلى هذا العمل باعتباره امتدادا للطغري أم إن ثمة مسافة معرفية وجمالية تفصل بينهما؟ وما هي دلالة هذه المقارنة بجيل البيتنكس؟

ليست هناك مسافة بالمعنى المعرفي والجمالي لكن “التماسيح” مشروع منفرد أو هكذا أراها. كان المفترض – وربما يحدث بالفعل – أن يتبع الملف الأول من حاوية التماسيح ملفان ثانيان لتكتمل ثلاثية روائية عن أحداث ٢٠١١ يركّز كل من أجزائها على حقبة زمنية ويتخذ شكلاً من الأشكال المطروقة ولكن في السياق ذاته (فالملف الثاني، على سبيل المثال، كان المفترض أن يكون رواية بوليسية). “يوسف” أو “الفتيس” في التماسيح ليس هو “مصطفى الشروبجي” وإن كان ثمة تشابه. أرى الامتداد في عمقه على صلة بثلاثة أسئلة جوهرية مطروحة في العملين على حد سواء: سؤال الهوية (ماذا يعني أن تكون مسلماً؟ ماذا يعني أن تكون شاعراً؟)؛ وسؤال اللحظة التاريخية (القاهرة في الربع الأول من القرن الواحد والعشرين)؛ وسؤال التجاوز (كيف يؤدي الغرام أو الثورة أو الحدث الخارق للطبيعة إلى احتمال معنى أو حوار أو جمال عن طريق تخطي الشرط التاريخي بالنظر إلى الدنيا من زاوية، إن أردت، ما-وراء-سياسية)… ثمة تشابه بالفعل بين التسعينات في مصر والخمسينات في أمريكا؛ وكان من شأن حركة البيتنكس أن تؤدي إلى الثورة الاجتماعية قبل السياسية في الستينات كذلك كما أدت التسعينات إلى أحداث ٢٠١١ بمعنى ما. ومع ذلك بالطبع ثمة معطيات مختلفة لا يتسع المجال لذكرها. المهم أنني عقدتُ الصلة بين حركتين أدبيتين لم يُلتفت إلى تشابههما من قبل في حدود علمي، وكان من شأن ذلك أن يساعدني على فهم ما عشته ولم أفهمه للوهلة الأولى، ذلك الذي سميناه ثورتنا.

مهاب نصر :خواطر عن شعب بلا كرامة

كان لي زميل في العمل اسميه “ز”، رجل خمسيني (ربما) يصبغ شعره بالحناء، لكن أسفل قذاله وفوديه تلمح أصول الشعيرات البيضاء. ولم يكن في ذلك ما يعيبه.

كان “ز” نموذجا لرجل بلا كرامة، وهو يحافظ مع ذلك على كرامته الشكلية بنوع من التحصن الاستباقي.. الهرب ثم الهرب. يتلفت وراءه بعد كل خطوتين كمن يتوقع أن يصفع على قفاه. كل صباح اذا التقى بي يتعمد أن يفرغ في أذني أسوأ خبر “شفت.. مش عملوا كذا.. شفت..مش حصل كذا” حتى لو لم تكن هذه الأخبار دقيقة.. كان هذا يرضيه. أن يشعر أن الاهانة تأتيه من مكان غامض لا يمكن دفعه، وأن يشارك فيها الآخرين باعتبارنا جميعا “مذلون مهانون” على رأي دوستويفسكي. هذا قدرنا.

وفي الوقت الذي كان يسعى فيه “سرا” للتعيين في مدرستنا (الخاصة) منهيا اعاراته من قبل التعليم العام، كان يجادل بقوة كل زملائنا عن أفضلية التعليم العام على الخاص. وحين علمت ذلك كنت نكاية فيه أناديه كلما رأيته من بعيد فناء المدرسة بصوت عال منغّم: يا معيّن.

مرة كنت أشرف على أحد الأدوار وتأخر “ز” عن حصته دقائق. كان الفصل هائجا كالعادة في تلك الأحوال. دخلت و”ضبطت المسألة” واستلزم ذلك عقاب أحد الطلاب. بعد دقائق جاء ناظر المدرسة ووراءه “ز”، كان الطلاب وقوفا ساكنين وأحدهم يبكي.سأله الناظر “بتعيط ليه يا ابني؟” فرد عليه من بين دموعه “مستر “ز” ضربني”.

خرجت وأنا لا أستطيع كتمان ضحكي. طبعا كان “ز” لا يجرؤ على ضرب طالب، ولا أعرف لماذا ألصق الطالب مسألة الضرب به مع أنني كنت موجودا أمامه. لكنني شعرت أن ما حدث كان طبيعيا جدا وعادلا أيضا.

ملخص الحكاية أن الاهانة ليست عقابا لمن يرتكب خطأ ما، بل الاهانة لمن يتوقعها. لمن يشعر أنه جدير بها حتى دون ذنب. أو على الأصح لذنب غامض جدا لا يستطيع أن يواجه به نفسه، وهو أنه بلا كرامة.

عبد الناصر: الفرخة واللا الكرامة؟!

الناس: الكرامة يا ريس

بغض النظر عن الدعاية السياسية المبتذلة التي تحب اللعب على الثنائيات بهذه السطحية، فهناك شيء أبعد في هذه العبارة مشكلته أنه يتلاقى مع تصورات الناس عن “الفرخة والكرامة”، وعن التعارض بينهما ظاهريا، لكنه لا يتلاقى مع ممارستهم الفعلية للحياة ولا مع رغبتهم العميقة في التضحية أحيانا بالكرامة من أجل الفرخة، بل الشعور بسعادة احيانا في ابتذال الكرامة وامتهانها من أجل ربع فرخة، أوحتى في عدم وجود فرخة نهائيا، وكأنه نوع من الانتقام من الضمير، الانتقام من.

قد تبدو المسألة أبسط حين نفترض أن عقيدة الثنائيات “الفرخة واللا الكرامة” ووضع الأمور في هذه الصورة: الحياة أم الضمير؟ يساعد في الحقيقة على حسم الازدواج لصالح “الحياة”. وهو أمر منطقي بشرط أن تكون هذه الثنائية صحيحة. أي ان معنى الكرامة الوحيد هو أنها دائما نوع من التضحية القاسية المضادة للحياة.

حتى الثوار لا يفعلون أكثر من اثبات ذلك.. أعني عدم اكتشاف القيمة أو التعبير عن الكرامة أو تخيلها الا في شكلها الحدي، على هيئة قميص مفتوح للرصاص. ربما كانوا أيضا مجبرين على ذلك. لكن ليس هذا هو الموضوع.

والثقافة المصرية، الثقافة في شكلها النخبوي، لا تقل هزلا في هذه المسألة عن رجل الشارع، بل لعلها أشد سذاجة،وربما خبثا، في تعويلها على التضحية كمرادف أحادي للكرامة. ومن ثم تسهل خيانته باستمرار لأن التضحية لايمكن الا أن تكون منطقا استثنائيا للحياة. ليس من الطبيعي أن يكون هدف الناس من الحياة هو أن يفقدوها. لكن الثقافة كانت تثمن دائما انتحارييحها وتحفز على الانتحار، وتتعيش على صور المنتحرين، لتستخدمهم في معارك صعودها، والتنافس على المكاسب أي على “الفرخة”.

كرامة التضحية هي دائما كرامة موجهة ضد شيء ما. ضد شعور حقيقي أو وهمي استباقي بالاهانة. وهي لذلك ليست كرامة موضوعية. بل تعتمد على منطق أخلاقي قطعي. ولذلك لابد لها أن تعتبر قضية الكرامة قضية أخلاقية. قضية لا يدنسها الجسد أو الحياة.

واذا كانت الثقافة لم تستثمر طاقتها الا في الأدب على حساب كل أشكال النشاط المعرفي والثقافي المنظم، فقد كانت في كثير من الاحيان تعبير عن انحراف مزاج “الكرامة”.. الكرامة المعكوسة باهانة الذات عن طريق اختيار الطريق العكسي للمجتمع (أو الذي يتم التواطؤ على أنه العكسي فعلا وليس شيئا آخر)، يتواتر في الأدب تعبير الضد والاختلاف والسلطة كأنه مشروع خناقة. وبهذه الكرامة الوهمية (المقلوبة) التي تخلقها فكرة “الهامش” و”المقهى” و”الخروج على المؤسسة” تترسخ كرامة مريحة، لاتعي مثلا أنها تقذف المؤسسة بالحجر الذي وضعته المؤسسة في أيديها، وأنها وجدت وعاشت وتأكل وتشرب داخل أسر وعائلات هي جزء من المؤسسة، وأنه مطلوب جدا أن تلعب هذا الدور كما لو كان هناك فعلا ما هو خارج المؤسسة. ولأن الهدف من كل ذلك هو “الكرامة” فانها بمجرد أن تتحصل على شهادة الأصدقاء، أو على مقال إطرائي في جريدة، يصبح هدف الثقافة متحققا، وهي أنها رد على إهانة. ومن ثم فهي نوع من العلاج النفسي لأشخاص لا يتمكنون من التطبب الا بهذه الوسيلة.

باختصار ان جزءا هاما من فشل الثقافة في تطوير ذاتها لتكون وسيلة فهم للحياة التي نعيشها فعلا، وتخط لتناقضاتها، هو أن ثقافة “الكرامة” كانت هي السائدة، وكان مطلوبا أن تسود.

أحد أبرز وسائل الاخوان المسلمين والجماعات الدينية منذ ظهورها، وقد ورثت هذا عن الحركة الوطنية منذ القرن الماضي وربما قبله أيضا، هو لفتها الانتباه الى العداء ضد الاسلام. “انهم يسبون الرسول”.. وتنشتر فجأة ملصقات حمراء تذكرك بالفالنتاين تقول أنا “أحب” رسول الله” على أن تستبدل كلمة أحب على هيئة قلب. لا يسأل أحد: وما قيمة أن يشتم أحد رسول الله في رسمة كاريكاتير في بلد يبعد آلاف الأميال عنك؟ وكمؤمن.. ما يضيرك أصلا أن تُشتم مادامت هذه صيغة مبتذلة للمواجهة يعرض عنها كل من لديه “كرامة”؟

على الأقل هذا ما يقوله كتاب المؤمنين “وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما”. والجهل هنا بمعنى الاغلاظ في الكلام والعنف.

“ألا لا يجهل أحد علينا…………….. فنجهل فوق جهل الجاهلينا” كما يقول الشاعر “الجاهلي” عمرو بن كلثوم.

لكن العجز عن دعوة الناس الى “كرامة موضوعية” كرامة “العيش بكرامة”، يدفع هذه الجماعات الى احياء كرامة مستحيلة. فمن المقلق أن تجلس بأذن كبيرة تتسمع لكل من يشتمك في أقاصي الأرض، لتكون وظيفتك في الحياة الرد على الشتائم. والحقيقة أن فكرة “الجهاد” والتكريس لـ”جاهلية” المجتمع ليست أكثر من ذلك: اختلاق عدو لتبرير الذات، ولكن وفقط على مستوى قضية الكرامة… “يحسبون كل صيحة عليهم..”.

ومع هذا فالرد على الكرامة المهانة، لم يدفع الى السؤال: لماذا نحن محط للسخرية من الآخرين، طبعا اذا كان هذا صحيحا على اطلاقه؟، ولم يدفع الى السؤال: كيف نضفي على عقيدتنا كرامة بقدرتها على تجاوز انسانية من يهاجمنا، بابتكارها لأشكال في العيش والعلاقات الانسانية بما يجعل هذا الهجوم مجرد سخف لا معنى له؟ طبعا هذا مع اعتبار أن ثمة هجوم فعلا، وأن المعني به هو الاسلام فعلا. وهو شيء لا ينكه الواقع فقط بل يسفهه ويكشف زيفه. فالحداثة لم تستهدف المسلمين وحدهم أبدا. والاسلاميون يغضون الطرف عن كل أشكال الاستغلال البشعة في العالم، والتي لا علاقة لها بأي دين أو ملة، بل ويبررون حتى كوارث الطبيعة التي تنال الآخرين بأشد الصور جقارة ونذالة وخسة، كما حدث في تبرير “تسونامي” وغيره.

يقول الاسلاميون للغرب: نحن مستهدفون.. اعطونا مصروفنا

ويقولون في الداخل: نحن مستهدفون: أعطونا اصواتكم

لاتمانع “كرامة” الاسلامي” في استعارة كا أشكال الحياة ممن اهانوه ما عدا تلك التي تنهي منطق الاهانة فعلا باجتراح طريق جديد يحل المشكلات التي كانت سببا في التبعية والعبودية المستورة باللحى والصلوات.

هنا يأتي امتحان “موضوعية” الكرامة. أن تكون الحياة هي موضوع الكرامة.

ولكن ما معنى هذه الكلمة أصلا.. أعني “الكرامة”؟

4ـ تتمثل الكرامة في احساس مضاعف بالذات، في الشعور بطلاقة الحركة دون وخز، في تقديرنا لأنفسنا كما لو كان شخص آخر “شخص جمعي” هو من يفعل ذلك. وهو ما يعني ببساطة توافق ما نفعله مع تصورنا عدالة الفعل. تتصل الكرامة بمشكلة التناقض بين الخاص والعام، ما نريده، ويمكن أن يريده الآخرون أيضا.

وهو ما يحتاج الى خيال كما يحتاج الى الموضوعية في الوقت نفسه. ليست الموضوعية بمعنى العدالة فقط، بل بمعنى السؤال عن الانسان أي إنسان ما هو وكيف يمكن أن يعيش؟ يتعلق مباشرة بالعلم أي بمعرفة الشروط التي تتحقق فيها المصلحة العامة دون أن تجني على الأحلام. التجاوز الدائم للتناقض هو تسيير للكرامة على قدمين حقيقيتين.

الكرامة أن يكون للوجود معنى، ولكن هذا سيدفع بالضرورة للسؤال عن ما نعنيه بال”وجود” عن حدودنا وامكاناتنا، وعن حدود معرفتنا أيضا.

الكرامة هي محصلة وليست هدفا أبدا، ولا يمكن أن تكون كذلك الا في لحظات استثنائية، حين تنتفي كل فرصة للحوار، لتجاوز التناقض، ويصبح معنى وجودنا كله على المحك. أن نتعرض لحرب مباشرة، لتهديد يقضي على قاعدة الحياة نفسها.

“الكرامة الوطنية ” هي النموذج الذي تم تصديره لاستهلاكه من قبل الشعوب المستعمرة، “لاصوت يعلو فوق صوت المعركة”، كرامة الوطن تسحق كرامة المواطن، مهمة كل جماعة سياسية أن تحتكر فكرة الوطن، ومن ثم تسيطر على كل المواطنين.

في الأفلام الأميركية مشهد يتكرر : مطاردات يخوضها رجل بوليس نزيه يعمل وكأنه مجسد فكرة العدالة دون أن يقول لنا ماهي، ولا لماذا كانت كذلك، انه العدالة الغفل، وهو يطارد الأشرار الأذكياء جدا، والذين غالبا يستخدمون معارف متطورة للغاية، الصراع بين الاثنين تتحطم في طريقه سيارات وبيوت، وتحترق مطاعم وحطات مترو، لا يهم، الناس أرقام في معادلة العدالة الأميركية. وهم في النهاية وبعد أن تخمد النار وسط الذهول يصفقون للبطل الخارج من الدخان، انهم متفرجون لا مواطنون، وليس من حقهم حتى مناقشة ما يدور على حساب حياتهم، فما قيمة حياتهم أمام العدالة المطلقة؟

الحكات الوطنية، والاخوان فرع منها، لاتغرنك مزاعمه الدينية، اعتمدت المنطق نفسه على مستوى فيلم بوليسي، يحارب فيه الأخيار الأشرار، وعلى الناس أن تصفق، وأن تصدق أنها بالفعل حرب بين الأخيار والآشرار، وليست حربا من أجل بسط النفوذ على كتلتهم الصامتة.

باسك الكرامة الوطنية صار المخبر أهم من أستاذ الجامعة ما لم يكن الأخير نفسه مخبرا في الحقيقة. وأبناء الطبقات الشعبية مع التسامح في هذا التعبير الفضفاض) يشترون لأطفالهم في الأعياد “بذلة ضابط”.

الشعوب المستعمرة واجهت تحدي الكرامة على مستويين استثمرت أحدهما فقط، وصار آلية لعبودية معكوسة، عبودية للاهانة.

لم يكن هذا الاستعمار كالعادة مجرد قوة باطشة تحكم، وبالتالي، وبالتالي يمكن حتى أن يكون الاستسلام لها مقبولا لأن الماجهة فوق الطاقة. بل كان هذا الاستسلام أو عدمه مقرونين بالدهشة من المسافة الحضارية المخيفة. اسهمت الحداثة في صعود طبقات ينتمي اليها حتى هؤلاء الاخوان الآن كجزء من النسيج الوطني المطالب بحقوق وبنصيب في حكم ذاته، وهو ما لم يكن ليستطيعه آباؤهم الذين ماتوا تحت ضربات السياط العثمانية والملوكية.

انهم ثمرة الحداثة العمياء التي لا ترى إلى أصل الشجرة التي أنجبتها، ومع ذلك، وبوعي مجروح، تصرخ كل لحظة: أنا مستقلة، أنا لي ارادتي، وهو بالطبع كلام لا يصدقه الا المغفلون، القادرين على تصديق أن هناك ثمار تتكلم أصلا.

مهاب نصر

هكذا تكلم ابن الرقاصة

هكذا تكلم ابن الرقاصة (أو أموات منطقة الجزاء): ٢ فبراير ٢٠١٢

“نهاية العام: عام النهايات…” – سركون بولص

أن لا تكون من مشجعي كرة القدم في مصر كأن تكون ولد سفاح تقريباً. لقد حان وقت الاعتراف بأنني، كشخص لا يرى في كرة القدم سوى حجة باهظة للسَفَه الممنهج، ابن غير شرعي في هذا العالم. لكنني كما اتضح ابن غير شرعي ليس فقط لمجتمع واسع يستلزم الولاء الفطري لملاحم “المستطيل الأخضر” ومآثر “الساحرة المستديرة” دون أن يقبل الإنجاب بلا زواج، وإنما أيضاً لمجتمع ضيق تقيمه مسيرات واعتصامات واشتباكات لم أعد أشارك فيها وإن لم أفقد حماسي لها إجمالاً (فقدت حماسي بدرجات تتفاوت حدتها للاحتفالي منها بالذات، لـ”الملوينية” والعَلَم والمنصة ولـ”الميدان” المخترق بلا دماء، وهو ما قد يساء فهمه في السياق الثوري)؛ أي أنني – فيما يخص “الثورة” – بت أُجلّ تضحيات لست على استعداد شخصي لتقديمها، ليس لأن لها جدوى ولكن لأنها تضحيات.

وكما علّمتني جماعات “الألتراس” من أبناء “المجتمع الكروي” الشرعيين حد الحراك المنظم أن لذلك السفه الممنهج فائدة رغم كل شيء – أن تشجيع كرة القدم في بلد مسكون بالدونية والرعب إلى هذا الحد ربما كان المساحة الوحيدة الممكنة لاسترداد الفضاء العام بثورية براجماتية في مقابل الثورية المثالية التي تنتهي بصاحبها إلى ما يشبه الانتحار – علمني انطوائي وعزوفي عن الجموع والعنف غير المتكافئ أن مواصلة النشاط الاحتجاجي، داخل حدود “المجتمع الثوري” – الوحيد الذي يمكنني احترامه وسط مصر “كالايدوسكوبية” متعددة المجتمعات – أصبحتْ مثل تشجيع كرة القدم تماماً: شرطاً أصيلاً لشرعية وجودك أو حقك في الكلام؛ وحبذا لو استُشهدتَ أو فقدتَ بصرك لتؤطر بموتك أو عماك بشاعة الفريق المنافس، أو تبرر “الثورة” بلا حاجة إلى كلام.

.

تستثيرني في هذا السياق أسئلة صعبة ليس أولها احتقار الذات ولا آخرها احترام الحياة. الثورية نفسها تستثيرني، الثورية التي لا تنظر إلى نفسها بما يتيح رؤية عبثيتها، أو تُبطِن – مثل أدب “ألبير كامو” – كفراً بمعنى الحياة بل وجدوى تغييرها، التي لا تملك من الخيال أو الشجاعة ما يجعلها تتحول عن مسار أحادي ضيق مكرسة لنقيضها في الوقت ذاته. يستثيرني، مثلاً:

  • •أن القضية المطروحة حيال احتجاجات وزارة الداخلية التي اندلعت في أعقاب مجزرة تعرض لها “ألتراس أهلاوي” في ستاد بورسعيد هو ما إذا كان الألتراس أم غيرهم من يصرون على كسر “سلمية” الاحتجاجات بالاعتداء على المنشآت العامة (وكأن مباني “الدولة” أهم من أرواح المواطنين أو في صراع أونطولوجي معها، وكأننا لا نعرف أن فصائل من الداخلية والقوات المسلحة دبرت الاعتداء على المنشآت العامة من قبل لتوريط المتظاهرين)، أن دعاة “الاستقرار” من “مجتمع الكنبة” مازالوا يناصرون جهات كوزارة الداخلية لم يبق سوى أن تعلن عن أنها تعمل على إثارة “الفوضى”؛
  • •أن نساء يُعرَّض بهن بشكل ممنهج في “المجتمع الإسلامي” الذي بات مطابقاً لـ”المجتمع الديمقراطي” عملياً مازالن يحتضنّ الرصاص بحماس صادق بينما لا يخطر لهن خلع حجاب يلبسنه مكرهات منذ “العصر البائد”، وأن من صوتوا لمَوالي المجلس العسكري من الإخوان المسلمين وحزب النور على جثث ضحايا لم يرفع الموالي سبابة لنجدتهم هم أنفسهم من يهتفون بسقوط العسكر؛
  • •أن فترات مرت كان الألتراس وحدهم من يضطلعون خلالها بمواجهة الأمن المركزي والشرطة العسكرية إثر الاستفتاء الأول على تعديل الدستور، والذي أدى مبكراً جداً إلى احتكار عسكري للقرار مقابل صعود برلمان إسلامي لا أراهن على اختلافه عن برلمان الحزب الوطني؛ وكان ناشطون نجوم أمثال علاء عبد الفتاح قد صوتوا بنعم لصالح المجلس العسكري والإخوان في ذلك الاستفتاء…

أو أن أحداً، في المهاترات “السياسية” الدائرة، لا يأتي على ذكر “الدولة العميقة” التي لا أظن “إسقاطها” ممكناً قبل إسقاط الرأسمالية العالمية برمتها؛ وفيما تقتصر “المطالب” على استبدال أو إعدام أشخاص بعينهم – عن نفسي، لن أكون من أنصار عقوبة الإعدام أبداً؛ وأظنني سأفضّل حتى نظام مبارك سواء أعلى “المحاكم الثورية” التي يطالب بها بعض “الثوار” أو على “شرع الله” كما يستبصره السلفيون – تتحول التضحيات إلى وقود “دوري” يتنافس على سلطة هي ربما أكثر سفاهة بالنسبة إلي من مباريات الدوري الممتاز الذي تقرر إلغاؤه.

.

قال لي سائق التاكسي إنه يتمنى أن تصبح البلد “إسلامية” مستشهداً بتركيا كنموذج يجب احتذاءه، وأضاف: “عشان ولاد الرقاصة دول يتلمّوا!” كان يشير بذقنه الحليقة إلى امرأة شابة تعبر الطريق وفي عينيه شهوة يكرهها. لم تكن المرأة التي أشار إليها محتشمة فحسب ولكنها كانت أيضاً محجبة. نظر إلي ينتظر أن أثني على ما قاله، وحين وجدني أنفخ بتذمر مشيحاً بوجهي عنه إلى الشباك، تنهد ليس بخيبة أمل ولكن بخليط أعرفه جيداً من التحدي والتلون. “ولا إنت إيه رأيك على كده؟”

نظرتُ إلى سائق التاكسي في عينيه تماماً: “أصل أنا ابن رقاصة زيهم، فمش عارف بصراحة أقول لك إيه!” وتذكرتُ رجال منطقة بيوغلو في اسطنبول حين يطلعون على العالم في هيئة وثياب النساء؛ تذكرت قبلات الأحبة هناك في الحدائق المتاخمة للبوسفور، وروعة التحرر من عيون مثل عينيه. “بس عارف” – أضفت فجأة – “ما فيش أي مانع نبقى زي تركيا…”

.

أول ما خطر ببالي إثر وصول أخبار استاد بورسعيد في ذكرى “موقعة الجمل”: صبرا وشاتيلا. بدا لي أن علاقة الأمن بالبلطجية الذين اندسوا وسط مشجعي نادي المصري لعبور الملعب إلى ألتراس أهلاوي والإجهاز عليهم هي ذاتها علاقة إسرائيل بالقوات اللبنانية: التحكم في الإضاءة وفتح وإغلاق المعابر. كنت أفكر أن وجود إسرائيل لا يغفر للقوات إجرامهم وأن شيئاً عندنا لن يتقدم طالما توجد هذه الميليشيات الخفية متعددة الولاء.

والآن والجدل دائر حول “اقتحام وزارة الداخلية”، والأخبار تتوالى عن معارك على بوابات الأقسام بامتداد البلاد – بصراحة شديدة – أحس بالملل. أحس الكلام ممجوجاً والمواقف متوقعة بحذافيرها والنوازع، حتى النوازع معدومة الخيال. أشياء لا يملك الواحد حيالها إلا الغضب للمرة الألف، أو ربما زحزحة “الأحداث” إلى منطقة غائمة: إغلاق “الدُرج” عليها في مكتب العقل.

هل حقاً علينا أن نسأل من جديد إذا ما كانت الداخلية المصرية في حاجة إلى “إعادة هيكلة”؟ هل على المتظاهرين مرة أخرى أن ينفوا شبهة شيء قد يكون سبباً للافتخار؟

.

ومع ذلك، للمواجهات التي باتت روتينية في محيط وزارة الداخلية نتائج إيجابية رغم كل شيء، نتائج لا أظنها أغلى من حياة من ماتوا ولكنها تصب في الاتجاه الإصلاحي الذي انبثقت عنه الثورة – وهو إصلاح، فيما ثبت لغاية الآن أن المعارضات على تنوعها ليست أقدر عليه من نظام لازال يحارب من أجل البقاء، لا يمكن أن نتوقعه من ثورة يناقضها بتعريفه، ثورة استخدمتها الدولة العميقة لاستبدال ديكتاتورية مبارك بديكتاتورية عسكرية مباشرة مع تهديد مضمر بثيوقراطية إسلامية تتحقق من خلال صناديق الاقتراع، إضافة إلى التلويح العلني باحتمال سواد نظام تسيير ميليشياوي:

  • •تحول الشعار الرئيس من “الشعب يريد إسقاط النظام” إلى “يسقط يسقط حكم العسكر”، وهو اعتراف “شعبي” تأخر أكثر مما ينبغي بوجوب سقوط منظومة يوليو كاملة لحظة “تخلي” مبارك عن سلطته للمجلس العسكري؛
  • •كشف الإسلاميون ليس فقط عن نيتهم في استغلال الثورة حسب الحاجة وإنما أيضاً عن استعدادهم لقمعها بالوسائل ذاتها التي استخدمتها “الجهات السيادية”، وقد تولوا مسئولية تعذيب “البلطجية” في ميدان التحرير ثم الاعتداء “الميليشياوي” على مسيرة إلى مجلس الشعب كما اتهموا مفجري الثورة وضحاياها بالعمالة لجهات أجنبية بعد أن كانوا أول من بادر بتسوية أوضاعه في واشنطن؛
  • •أثبتت السنة الماضية أن الثورة الأولى كانت بمثابة نزع السدادة عن القمقم وأن المارد بحلوه ومره قد خرج إلى العالم الواسع ولا سبيل إلى حبسه من جديد أو، بعبارة أخرى، ثبت أن الدولة العميقة مهما استحال إسقاطها أضحت مجبرة على التكيف مع الحقوق المكتسبة وأن أسلوبها المتبع إلى الآن في التعامل مع العصيان من شأنه أن يعرضها للمزيد منه.

الثورية تستثيرني إذن على نحو إيجابي كما تستثيرني على نحو سلبي، لكنها تستثيرني أكثر بصفتها الجوهرية لكونها طقس تضحية ضروري، ولأنها – بالتحديد – ثورية بجد؛ بمعنى أنها لا تنظر إلى الممكن ولا تسمح بالتوافق أو تكتفي بالإصلاح. من هذه الزاوية أراني جزء خفياً مما يحدث، من هذه الزاوية فقط.

.

نحن أموات منطقة الجزاء “كنبة” أكنا أو “بتوع تحرير”، ألتراس أو لا، أبناء شرعيين أو أولاد سفاح. إن لم نمت في ليل ٢ فبراير في بورسعيد فسنموت يوم ٣ فبراير في السويس أو مساء ٤ فبراير في شارع منصور وربما بعد شهر أو سنة على سلالم المترو؛ وحتى إن لم نمت على الإطلاق، فستطاردنا أشباح من ماتوا بما هو أبشع من رصاص القتلة مهما انتفى وعينا بذلك؛ لا فرق في هذا الصدد بين من يُقبل منا على النشاط الاحتجاجي ومن لا يفعل لأسباب لعلني أوضحت بعضها.

عن نفسي – وأظنه إيجابياً أن يكون بيننا مثلي كذلك – لست “ثورجياً” حقيقياً أو لم أعد، لكنني لست من “الفلول” ولا من “حزب الكنبة” ولا أنظّر – هنا – إلا لكي أفهم من أكون. ربما ليس عندي شجاعة أن أرى الناس تُقتل بلا هدف، وربما فقط لا أحب الصخب والزحام. لن “تدخل علي” حجة أن الإسلاميين فصيل له رؤية إصلاحية ولن يردعني عن رفضهم – ورفض القيم “الفلاحية” التي يسعون لتعميمها – الاتهام بأنني أمارس تعالياً طبقياً على الإسلاميين. لا أغفر لمن يعطي الإسلاميين مثل هذه المصداقية أكثر مما أغفر لمن يحابي المجلس العسكري وهو يقتل ويشعل الفتنة الطائفية ويحتجز ويعذب ثم ينكر مسئوليته. ولا أظن لموقفي هذا أهمية أكبر من أن أعرفه ويعرفه من أعنيه شخصياً. ومع ذلك في مصر مكان لي أيضاً، إلى الآن على الأقل، أنا ابن الرقاصة الذي يقول هذا الكلام. ربما حتى يكون المكان الذي أستحقه.

حوار بهيج وردة لمجلة “ارى” الإماراتية


ما هي خيوط الرواية الأبرز في التماسيح؟ وكيف بدأت فكرة الرواية تتبلور؟ وما دور الثورة المصرية وتداعياتها الحالية في الحالة الروائية التي تجسدها في “التماسيح“؟ الرواية خرجت، كعادة مشاريع الكتابة الطويلة، من خبرة شخصية مؤلمة جعلتني أعيد التفكير فيما يسمى بالوسط الثقافي بالقاهرة وبالأخص جيل التسعينات من الشعراء المصريين (وهي أشياء قاربتُ بعضها كذلك في مجموعة قصائد ”يظهر ملاك“-٢٠١٠ والتي لم أنشرها بعد إلا إلكترونياً عبر مدونتي، نتيجة الشعور بلا جدوى نشر الشعر في القاهرة خلال شهور من ثورة لم تكتمل. بدا لي أن شيئاً حدث سنة ٢٠٠١ (وهو أمر شخصي أيضاً لأن حياتي تغيرت في ذلك العام بعد موت أبي سنة ٢٠٠٠؛ أصابني ما يشبه الانهيار نتيجة الإفراط في الكيوف على خلفية اكتئاب وإحباط متزايد في الشأن العام وفي مسار الحياة العملية بالصحافة: بدت لحظة انهيار البرجين كأنها – كما يقول الراوية – ”ذروة ما، بداية أو نهاية“) وبعد عقد كامل، إثر قيام الثورة أو الانتفاضة خلال شهور من بدء كتابة التماسيح، خطر لي أن هذه اللحظة كانت مقدمة ما سيحدث بعد عشر سنين بالضبط، أنها كانت فعلاً بداية أو نهاية. في الرواية فكرتان أساسيتان إحداهما استعارة الأسد، وكانت هذه قد طاردتني منذ قرأت قصيدة ألن جينزبرج ”الأسد على حق“ في العام نفسه (٢٠٠١) لكن الفكرة الثانية – أن يكون الشعر شاهداً على انهيار الدولة الوطنية التي خلّفها الاستعمار في منتصف القرن العشرين أو أن تؤدي النزعة الفردية التي ظهرت في التسعينات إلى تحول اجتماعي يُعامل بوصفه حراكاً سياسياً – لم تتبلور هذه الفكرة حتى الشهور الأخيرة من ٢٠١٠. بوصفها تحركاً اجتماعياً، أعتقد أن الثورة كانت موضوع كتابة من قبل حتى أن تندلع: التماسيح بهذا المعنى هي حكاية الثورة، حكاية السنين العشر التي حملت إلينا يوم ٢٨ يناير ٢٠١١

Continue reading

Messages of the Revolution-رسائل الثورة

This slideshow requires JavaScript.

دار الإفتاء الموازية: فتوى ديانميتية أخرى لفضيلة الشيخ السكندري

wpid-sheikhmohab-2011-12-22-20-33.jpg

وإن من شيء إلا يسبح بحمده ، ولكن لا

تفقهون تسبيحهم

قال العلامة أبو النصر السكندري أعزه الله:

يقول عز من قائل في سورة النحل ” وإن من شيء إلا يسبح بحمده ، ولكن لا تفقهون تسبيحهم”. وفي هذه الآية فوائد جمة، وخلاصات علم الأولين. بها نستفتح، وعلى الله التوكل.

ان مسلمي هذا الزمان قد قلبوا آية الدين التي هي توحيد ووحدة، فالاله الواحد هو الروح المودعة في كل انسان، وهو المشترك بين الخلائق من آمن منهم ومن لم يؤمن. ومعنى الايمان الوعي بما قسمه الله له من هذه الروح في نفسه. فالمخلوقات واعية أو غير واعية هي منتسبة اليه، وهو وحدتها الكبرى. فيامان المرء وعدمه لا يخرجه من دائرة الكرامة الالهية الا لمن جحد مخلوقات الله، واتخذ من نفسه حكما على ما لا يعلم، وانتقص من حكمة الله في خلقه.

وبما أنه ليس في الكون ما هو خارج عن خلق الله وابداعه، فان خلائق الله ومخلوقاته مكرمة بالأصل.

وفيها جميعا ما في الله من صفات ولكن بقدر مقسوم، ففي الناس العادل والعالم والجميل، والصبور والباطش، والكريم، والوهاب والحييّ،.. الى آخر ما كان معلوما من الصفات وما خفي.

ومعنى أن من الصفات ما خفي، أن صفات الله غير نافدة، وهي ليست على وجه أو صورة واحدة. هذه الصفات، هي لله ليست أغيارا، بل متحصلة بالهوية، فهو عين صفاته جميعا وأبدا. أما خلقه الذين قدر لهم الموت والحياة وأن يعيشوا في دائرة الزمان، فهم يتحصلون هذه الصفات عبر خبراتهم وتجاربهم، لذلك يقع لهم التناقض فيها، لا عن عمد غالبا، بل عن قصور علم مصدره وجودهم الزماني المتغير، فمكا كان في وقت ما كرما، قد يصير في غيره سفاهة، وما كان يعد يوما علما، قد يتكشف في زمان بعده عن أوهام وأساطير.

ولا يحاسب الله الناس على ما تحصلوا من صفات وما فاتهم، وانما على نية التوحيد والكمال، أي بقدر سعيهم الى الصفة الموحدة بين الناس في كل عصر، والتي ترقى بهم الى نموذج النظام الالهي.

ولذا كان في آيات سورة الكهف درس بالغ وحكمة ناصعة لموسى في عدم الأخذ بظوار الأمور وقشورها، والحكم وفق ما سبق له علمه، وما استقر في قناعته فحسب، فأدبه الله على التسرع في الحكم، وعلى التعلق بالظواهر، دون ادراك الغاية التي هي منفعة الخلق، وسلامهم.

وفي تصدير الأولين لحديث “انما الأعمال بالنيات” حكمة فاتت حتى على واضعي كتب الفقه التي تصدرها هذا الحديث.

وليس المقصود بالنيات هنا هو أن يقتل الانسان بزعم حسن النية، ذلك أن سلامة القصد تعني أصلا الرغبة في حفظ الحياة، فسليم النية هو الباحث أبدا عن فعل يوحد ولا يفرق، يقيم العدل في ميزان الكائنات.

لكن فقهاء الزمان الأول عفا الله عنا وعنهم، أعرضوا عن البحث في صفات الله التي على الخلائق أن يتحلوا بها، وتعلقوا بظاهر بعضها من حركات وسكنات، فأصبح الجزء شاهدا على الكل، والحاضر نافيا للغائب من هذه الصفات، وافترضوا الكمال في تحصيل هذه الحركات والسكنات جملة في الفرد الواحد، وغاب عنهم مراد الله من تنوع الخلق، وهو استكمال الصفات، الذي هو عمل دائم وبحث عن الأفضل. فصار فقههم علما عقيما، لأنه ناقض حياة البشر على الكيفية التي خلقهم الله عليها.

وتعلقوا بهذا حرام وهذا حلال فصاروا شيعا، ينكفئوون على خدع الظواهر، مجادلين في ظاهر تلك الصفة أو غيرها، هل نضع أيدينا في الصلاة على الصدر، ماذا يفعل من نسي غسل ذراعه أثناء الوضوء، كم عدة المرأة بعد وفاة زوجها.

وحتى يتحصلوا هذه الظواهر ولا أقول الصفات ذهبوا الى الصحابة والرسول، واقتدوا بحركاتهم وسكناتهم، واعتبروها عين الصفات فاشركوا بالله، عن غير علم، وجعلوا خلقه قيمين عليها ومختزلين لها، وهم صنعته، فكيف يشهد المصنوع على الصانع؟

صنعوا من الناس ومن صفاتهم أوثانا عبدوها، فتوقفت عقولهم عن البحث في الكون الواسع، وانكفأت على “حدثنا، وأخبرنا”. فصار دينهم حجابا للدين، وعبادتهم مسخا لمقاصد الله من العبادة.

وفي الآية التي صدرنا بها كلامنا، ما يعلمنا أن الانسان ليس وحده في الكون، وليست كل العبادات على صورة واحدة، فكل مخلوق وكائن يقوم بوظيفته انما هو المسبح الحق، المستعيد بعمله الصغير معنى الخلق الأكبر وغاية الحياة.

وليس معنى ألا نفقه ما يتعبد به هذا أو ذاك، أنه خارج عن النظام، بل نحتكم الى فائدة ما يصنع، ومراده ونيته فيه، مادام محققا للسعادة التي ينتفي عندها الشر، الذي هو تناقض المرء مع ذاته، والذي لا ينتهي بحذف غريزته التي أودعها الله ولا فضائله الروحية التي هي من قبسه، بل يبح هذا هو عين ذاك. وهو معنى اباحة الله للخمر وغيرها في الجنة، ألا تصبح المتعة اثما، ولا السعادة منقوصة بحدود الشكل والله أعلى وأعلم.

فتوى أخرى للشيخ أبو النصر

مهاب نصر: المجتمع الصايع ودولة الصياعة

مثلما تكون مقاسات البنطلونات الجاهزة واحدة في كل مكان وفق نظام أو اثنين للقياس، نعيش كمجتمعات في عالم معياري لديه شروط واحدة للجودة، وبالتالي شروط واحدة للانتاج والمعرفة وحتى للقيم الجمالية.

لا يعني هذا أنه لا توجد اختلافات مطلقا بين مجتمع وآخر، بل إن هذه الاختلافات لابد أن تصب في النهاية في الماكينة القياسية ذاتها.

يمكن مثلا دعم وتكريس ثقافة دينية أو عقيدة محلية في مجتمع، مثلما يفعل الأميركان في الدفاع عن اتباع الدلاي لاما، أو ابداء الاحترام الزائف للاسلام التقليدي والأصولي، ولكن بشرط التوقيع على اتفاقيات حماية الملكية الفكرية والجات وما شابهها، واعتبار النظام الرأسمالي حقيقة أعلى من الله نفسه.

مثال:

يمكنك بالطبع أن تفتح محل ترزي “شُكُك” على ناصية حارة، ولكنك ستكون وضعت نفسك في الحال على عتبة في هذا السلم القياسي، بناء عليه تتحدد مكانتك من العالم، كما تتحدد مكانة دكانة “ترزي”، من “ايف سان لورن” أو بوتيك “نرجس” من مجموعة “دبنهامز”. وهذا تقريبا موقع المجتمع المصري من المجتمعات “القياسية”. بل هكذا كان، وهو اليوم أقل بكثير.

يعني هذا أنك لا تستطيع في هذا العالم أن تعيش وفق صيغة محلية، ولا أن تقول: “نحن وهم”، الا بشكل مجازي لارضاء ذات جريحة، لها موقع متدن في السلم، لأن هذا يوفر لها الشعور الزائف بالندية، بينما هي منخرطة تماما داخل التركيبة الكبرى (هذا حال الاخوان مثلا).

وهناك حل آخر وهو أن تكرس أكثر طريقة “الترزي” المحلية، باعتبارها شكلا يكسر رتابة وملل الانتاج القياسي. وبالتالي تسوق نفسك لسكان أول درجة في السلم على أنك “شيء مختلف”،”حاجة اكزوتيك”، ولا يحدث هذا في بيع طاقية شبيكة أو سبحة أو مبخرة تمثل الاصالة من خان الخليلي فقط، بل يحدث أيضا على مستوى الافكار. فسكان الدور الأعلى يحتاجون من اجل كسر الملل، وتشتيت الانتباه، الى مخدة “هاند ميد”، كما يحتاجون بن لادن والاخوان المسلمين والريس متقال. انهم بالنسبة اليهم متحف مثير للتأسي والشجن، وهو في نفس الوقت دليل على تجاوزهم لهذه المراحل من الطفولة الانسانية، أعني أنه اشارة طبقية حاسمة ولذلك ليس لديهم مانع في الانفاق ببذخ من أجل ابقائهم.

ومن هذا الباب تأتي تهنئة الولايات المتحدة أخيرا بعد انتخابات المغرب، واستعدادها للتعاون مع الاخوان المسلمين: أي كمسخة حضارية. وهو ما يعني أن يدخلوا العالم القياسي لكن من الباب الخلفي كبائعين متجولين للحجاب وكتب الأدعية وتغيير العملة، وعطور الزيت الرخيصة، أو كفرجة خفيفة الدم لحيوان حضاري في قفص.

حيرة

هناك بالطبع مجتمعات حائرة، وهي حائرة لأنها في غيبوبة مَن صُفع من جهات متعددة، ففي رأسه طنين، وهو يسأل دائما:من أنا؟ رغم ان هذا السؤال لا صلة له بالصفعات التي تلقاها، بل هي تتصل بموقعه الذي هيأ صدغه لكل عابر. وهو ما يسمونه خطأ بأزمة الهوية.

والهوية رغم أنها بمعناها المستخدم الآن في النطاق العربي والاسلامي هي تعبير غربي حديث نسبيا أصلا، الا أن العرب والمسلمين لا يمانعون قط في تلقفها كنعمة، وكسؤال خاطئ، يساعدهم على استناج ما أرادوا أن يستنتجوه من قبل.. وهو أنهم مختلفون. بغض النظر عن مضمون هذا الاختلاف الذي يتطلب سنوات طويلة من البحث في كافة الأفكار والعقائد الانسانية لمقارنتها بهذا “المختلف” وبيان نوع اختلافه، ومدى ايجابية هذا الاختلاف. ذلك لأن الاختلاف لا يضمن بذاته أنك على حق ولا يقول لك ماذا عليك أن تفعل باختلافك، ولكنه يتجاوب مع حاجة نفسية في التميز الأعمى تمر به كل طفولة.

لا تعود الحيرة الحقيقية لهذه المجتمعات في مشكلة الهوية رغم أنها تصرخ بعنف في آذاننا “لابد ندافع عن هويتنا.. ان هويتنا تتعرض لهجمة شرسة”، وذلك لعدة أسباب:

أولا: أن المجتمعات التي تروج فيها هذه الدعوات وتلقى اقبالا شعبيا بالذات، هي مجتمعات فشلت فشلا ذريعا في أن تكون “قياسية” قادرة على انتاج ادوات وسلع ومعارف قابلة للرواج، تضعها على درجة المبادلة الندية.

يتصور أبناء هذه المجتمعات بقشور المعارف التي حصلوها في مدارس وجامعات منحطة ومتخلفة الى أبعد حد، أن بمستطاعهم الحكم على الأشياء، لكنهم لا يستطيعون انتاج شيء الا الاحكام. لا قدرة على البحث أو التحليل ولا حتى على القراءة نفسها، ناهيك عن القراءة المدققة.

والنخبة الثقافية والدينية والسياسية تواطأت على هذه المجتمعات لتقول لها: أنتم أصحاب حضارة.. أنتم كنتم وكنتم، وما عليكم الا الرجوع الى الخلف حتى تعيدوا مجدكم. وما ان يعودوا حتى يصيروا مسخة حقا. يفقدون تماما أدوات القياس لعصرهم، ولتطور المعارف والعلاقات الانسانية التي تراكمت فيه. لكن هذا الاختزال للمشكلة يفيدهم كثيرا لأنه لايبرر لهم جهلهم فقط، بل يجعل من الجهل معرفة قائمة بذاتها، بمجرد تغيير اسمه الى: الأصالة.

فما عليك الا أن تقرأ الأربعين النووية، أو تحضر خطبة مع الاخوة في “عصر الاسلام” حتى يكون بامكانك أن تدير جماعة صغيرة تصبح أميرا عليها. ويمكنك أن تخرج في مظاهرة لتشتم أميركا واسرائيل، وتطلب فتح باب الجهاد مع أنه ليس للجهاد باب، وهو ليس عرضة للاكتتاب العام كما أيام الخلافة الأولى، ويمكنك أن تدافع عن مسلمي كوسوفو، مع الجهل التام بأنهم ربما يعيشون وفق قيم غربية، أو تأييدا لمجاهدي أفغانستان الذين مزق بعضهم بعضا بمجرد الوصول الى الحكم وأهم ما فعلوه كان تحطيم الأصنام كأنهم في فيلم تسجيلي عن الجاهليىة الأولى.

ثانيا: أن الهوية فكرة كالسراب، ورغم أن السؤال عنها هدفه ايجاد خيط جامع، الا أنها لا تلبث أن تتحول الى “شلة” صوف منداة، لا تعرف من اين تبدأ.

الهوية الاسلامية، هل تعني السنية فقط؟ والسنية هل يمثلها السلفيون أو الاخوان أم الصوفية، أم المسلم التقليدي غير المتحزب؟ هي اسلام عمر وأبي بكر، أم اسلام الأمين والمأمون؟ أم اسلام الملك فاروق الذي أراد الاخوان الضحك عليه وتنصيبه “خلفة للمسلمين”؟.

وهل هوية مصر اسلامية أم مسيحية أم فرعونية، عربية أم افريقية أم بحر متوسطية،

الهوية كفكرة عن الماضي حفرة، والباحث عنها يتعثر فيها فيبدو كمن يتحرك، وهو لم ولن يتحرك، انه مثل “عم أيوب” في مسرحية “الجوكر” يمشي داخل “الجزمة الأول..”، والى الأبد.

ثالثا: تجعل الهوية مشكلة المجتمع وكأنها مشكلة أخلاقية، وأسوأ تصور زائف عن مجتمع هو أن تجعله في صورة شخص يجلس أمام مرآة ويسأل من أنا، لأن كلمة مجتمع هي مجرد صيغة لأشكال انسانية بالغة التنوع متضاربة المصالح أحيانا. وهو ما يجعل “الهوية” شعار فضفاض، ملاءة تختبئ تحتها الاختلافات الفعلية، ناهيك عن أنها تمنعك من ابصار وحل هذا التضارب.

رابعا: يتذرع أنصار “الهوية هي الحل” بمواجهة لهويات نجحت في تعبئة ذاتها، ناسين أن الهوية كانت وسيلة دعاية وتعبئة فقط، تتجاوزها المجتمعات الرأسمالية حالما تتضارب مع هذا المنطق أي المنطق الرأسمالي. وان منطق الدولة من أجل تعبئة كل القوى البشرية في المجتمع، وضع فكرة الهوية بين اصبعين، اصبع التلاعب السياسي بها، واصبع يحجمها في صورة ثقافة شعبية اختيارية، لمجتمع يضع هذه الثقافة خارج أبواب البرلمان، والشركة والجامعة. وليس لديه مانع أن تكون احتفالا فقط بالمزازيك في الشوارع.

ليس لدوى فكرة “الهوية هي الحل”، وهذا هو المنطلق الفعلي الخفي لفكرة “الاسلام هو الحل”، أن تفعل في مجتمع غائب عن الواقع الا أن تزيده غيبوبة، معطلة كل وسائله في البحث عن أسبابها. انها عمى وليست بصيرة.

المجتمع الصايع

تحت بيتنا مباشرة كان دكان لتصليح الأحذية يملكه خواجا، ثم حلت مكانه ورشة لصناعة مكملات الأقباس الكهربائية، انقسمت الورشة لخلاف بين أصحابها الثلاثة، ثم أغلقت وفتح مكانها محل نجار، لكنه كان فاشلا تراكمت عليه الديون، فاشتراه نجار آخر لا يقل عنه رداءة. هذه القصة عادية جدا، يفشل الخياط فيتحول الى بوتيك، يحتفظ على طاولة صغيرة بكتالوجات أزياء قديمة، ويفشل البوتيك فيقرر أن يحوله الى سنتر كومبيوتر، وتتكاثر ال”سنترات” فيحوله الى مكتب اتصالات، ثم الى محل لبيع الموبايلات.

هذه مسألة لا تتصل بالتطور، بل في الفشل في ملاحقته، وهي أخطر من ذلك تعني انعدام وجود أي خبرة مهنية متراكمة، ومعها اقتصاد “انت مسؤول عن نفسك”، الذي يعني ببساطة اقتصاد فردي اجتهادي، تفوته الخبرة المعقدة والمركبة لاقتصاد عالمي يحتل هو موقعا فيه كموقع الذبابة من خيط عنكبوت هائل لا يرى أوله ولا آخره، بل يبتعله ويرمي عظامه كنفاية.

لايهتم هذا الاقتصاد بأي تعليم ولذلك انتشرت من أكثر من 20 عاما دعوى حكومية واعلامية، سرعان ما أمّن عليها الناس بغباء، أن على الشاب ألا يتقيد بالشهادة، تقول الام “يا ابني اتلحلح..” و”اتحلح” هذه تعني ضياع كل جهوده على مدار 16 عاما من التحصيل المفترض ليقوم بتصبيع الكفتة، أو يهتف من نافذة الميكروباس “بولاق بولاق بولاق”. كأن هذه الشهادة ليست حصيلة تعليم أنفقت عليه الدولة والأسر من أجل تنمية مهارة أو خبرة معينة، واعتبر المجتمع المصري ذلك بأريحيته المعهودة، شطارة وفهلوة. لأن “الايد البطالة نجسة” لكن اليد التي تسرق وتنهب ليست بطالة طبعا، والله يغفر للجميع.

بنفس الطريقة المضطربة، تغير اقتصاد البلد، ليصبح في يد طغمة احتكارية لا تنتج ولكن تبيع، وتُسمسِر في البيع، محروسة بالفساد الاداري والقوة العسكرية وجماعات البلطجة. وهذا كان يعني:

أولا: عدم الاهتمام بتعبئة المجتمع في صيغة عقلانية منظمة من أجل انتاج منظم، لأنه غير مطلوب أصلا.

ثانيا: مطلوب على العكس تغييب هذا المجتمع باشعاره أولا أن المسؤولية الاقتصادية تقع على كاهل كل فرد فيه على حدة، وباغراقه في صيغ جماعية ثقافية لا تهش ولا تنش وليس لها أي أثر على احتكارات نخبته، وسلطتها المزدوجة المدعومة بالجهل. وهل هناك أهم من الجماعات الدينية في القيام بذلك.

من المعلوم أن الاخوان حتى حينما شكلوا كتلة سياسية في مجلس الشعب، لم يقفوا أمام الخصخصة، فاسلامهم يحب الفهلوة والشطارة، ولم يدافعوا عن آلاف الأسر المشردة، بل كانوا يتذكرونهم في الانتخابات بأكياس اللحم أو الحلوى. ولم يقدموا أي مشروع بديل لاعادة هيكلة الاقتصاد بشكل واضح يؤمن للمجتمع دورا في التبادل العالمي العادل، ولأفراده صيغة كريمة في العيش، فالآخرة خير وأبقى. والله خلق الناس درجات.

ثالثا: تسفيه الأسلوب العقلاني المنظم، خاصة في الحوار اليومي والنقاش السياسي والفكري وحتى الديني، وهو ما ساهم فيه المثقفون أنفسهم، بدعوى البساطة ومضاهاة الخطاب الشعبي، و”خليك عادي”، وغلبة لغة المصاطب و”الشلت”.

وربما لم تشهد مصر قبل عهد مبارك هذا المستوى السفيه من الحوار والخطاب السياسي بالذات الذي جر معه كل الخطابات الأخرى. فالانفراد الكامل والآمن بالسلطة والمال معا، جعل النخبة المصرية في غير حاجة الى أي تبرير وبالتالي ظهر الوزراء الذين يضربون بالشلاليت، والذين يحلفون برحمة أمهاتهم، وظهر رئيس الجمهورية كزعيم للبلاطجة لا يهمه حتى أن يكون كلامه مفهوما.

ثالثا: تكريس الفصل المقصود بين السياسة والاقتصاد، بما يحول القضايا السياسية الى قضايا أخلاقية وليست قضايا مصالح، وهو ما يوقع الناس في الازدواج بين ولائهم الفعلي “غير المرئي” لاقتصاد عالمي هو المحرك الأساسي للسياسات، وبين العداء السياسي للدول التي تحرك هذا الاقتصاد على أساس اختلاف عقائدي ليس هو موضوع النزاع أصلا، ومن ثم يعيشون وفق استعارات سياسية لا واقع لها، فيهتف الاخواني ضد اسرائيل “خيبر خيبر يا يهود.. الاسلام راح يعود” في مسخرة تاريخية تصلح أن تكون عبرة.

وتصبح مشكلة السياسة مشكلة أخلاقية، يسأل كل واحد نفسه عنها، كأنه هو الدولة “احنا مشكلتنا اننا..” وكأن الدولة ليست كيانا مركبا معقدا يحتاج لآلاف الخبرات التي تطرح هذه السؤال وتجيب عنه، لا أن يتحمله ويجيب عنه شخص يجلس على مقهى ويسحب نفس السيجارة ويقول لك “تعرف لو احنا..”.. وهو لا يعرف الى من بالضبط تشير كلمة “احنا” هذه. ولاكم يمكن أن يؤلف عنها من كتب!

رابعا: أكثر الظواهر لفتا للانتباه هي اللغة نفسها، “فحت.. فشيخ” وأخاواتهما، ليست مجرد مفردات بل تعبير عن كلمات لا يهم أن تؤدي معنى محددا، وأحيانا يكون المعنى الأصلي مستوفى في كلمة أخرى معروفة ويمكن استخدامها، لكن استخدام كلمة مجهولة لتقول نفس معناها لا يعني رغبة في التواصل والافهام، بل رغبة شلة أوجماعة في شيء يميزها، دون أن يكون لازما لها في الوقت نفسه. ولا مضيفا لخبرة مختلفة، ولا مركما على لغة تتطور، بل تمزق خيوط معانيها ومفرداتها كمن يمزق عفش بيته، ثم ينام على الأرض مع برودة الصمت. لأنه عاجز عن التعبير عن أي شيء خاص فعلا.

أهم ما كنت تتعلمه حين تنضم الى جماعة دينية هو أن تلوي حنكك بـ”ان شاء الله الأخ فلان، ويا أخي اني أحبك في الله، وسبحان الله وماشاء الله” الاختلاف هو الاهم، هو ما يرسم الصيغة لجماعة وهمية تتوحد في لغة كلغة أهل الحرف والصنايع، هي بطاقة الانتساب. مثلها تماما مثل “اخبارك يا مان..”، ليتخلق مجتمع يتواجد على أرض كلمات توحده وهميا، لكنها تبقي على حقيقة اختلافه أسيرة الغموض. ولهذا يشعر الناس فجأة باختناق غير مفهوم. ويمرون بلحظات اكتئاب غامضة، لأنهم يشعرون ضمنيا بأنهم صنعوا قناعا لشخصايتهم غير قادرين في الوقت نفسه على انتزاعه الا بانتزاع وجوههم نفسها.. لقد صاروا مسوخا.

الله يحل المشكلة

يتدخل الله هنا على هيئة معجزة، فمن يعرف الله؟ لا أنا ولا أنت، لكن يمكننا الحديث باسمه دائما وبجرأة تفوق جرأة الأنبياء.. الله كلمة مخيفة لأنها واسعة وبلا حدود، من ثم يمكن لكل منا أن يرفعها في وجه الآخر حين يريد له أن يصمت، وترفعها الجماعة المقهورة في وجه السلطة كأسلوب ناجح في المنازعة السياسية، كلمة تقول كل شيء، والكلمات التي تقول كل شيء لا تقول شيئا على الاطلاق، خاصة اذا ظللت حريصا وبمكر على عموميتها، لذلك تخرج دائما بزعيق وصراخ أو بنهنهة وبكاء مسعور. لتلقي في روعك بعقدة ذنب مبهمة من شيء لا تفهمه. ولكنك تستجيب تلقائيا لنداء الغريزة المنحطة في الخوف من المجهول.

في كل حضارة متطورة حتى لو كانت دينية، كانت هناك محاولة لاشتقاق العالم والانسان وعلاقاته من فكرة “الله”، ولم يكن ما سمي بعلوم الدين والتفاسير وعلم الأصول “التوحيد”، و”أصول الفقه” وغيرها والاجتهاد الدائم فيها، الا مضاهاة لعلم عام يربط الأصل بموضوعه، الفكرة بالحياة التجريبية، بغض النظر عن دقة البحث في الاثنين. لكن هذا أنتج قدرا هائلا من المؤلفات والصيغ الثقافية.

لم تفعل الحركات الأصولية ذلك، ولم تكتف فقط بهذا الميراث بل اختزلته الى رؤوس أقلام كارشادات المدارس مضيعة روحه الأصلية.

هكذا صار هناك انفصال كبير.. الله في ناحية.. والحياة المتطورة في أخرى، ولا يستطيع أحدهما أن يتصل بالآخر, وهو ما يربي عقدة ذنب يلعب عليها الأصولي فيصرخ في أذنك “عد الى الله” فتبكي. لأن “الله” على طريقته لا يفسر لك لماذا أنت مضطر الى نفاق رؤسائك، ولا لماذا لا تجد عملا، مع انك حاصل على شهادة، ولا لماذا لم تتمكن من اختراع ساعة تؤذن عند مواقيت الصلاة، بينما صنعها أبناء بوذا وكونفوشيوس، واذا كان هذا يمكن تشخيصه عند أطباء الدين بأن لديك ضعف ايمان، فهل الكافر مؤمن؟ واذا كان ايمان الكافر يجعله أكثر التزاما بافكاره ومبادئه فما الفرق بينه وبين الايمان وما قيمته؟ هنا يصرخ فيك مجددا: انت ح تكفر واللا ايه؟!

لا يحل الله المشكله، بل يتحول الهتاف باسمه الى سنجة أو سكين تشبه سكين الصايع التي يتباهى بها مهددا أبناء “الجيهة”. ويا لها من سنجة!

المجتمع الصايع مجددا

من هو الصايع، لا أقصد الدلالة القاموسية، بل ما يفهمه الناس منها؟ لأنها لو قيلت في فيلم لحسين رياض فستعني النبذ والتشرد والاحتقار والخروج الكامل من الهيئة الاجتماعية، لكننا كنا نرددها منذ الثمانينات “يا صايع” بعيون تلمع بالاعجاب، أما في أفلام مخرجي السبعينات ومن تلاهم من هوامش اليسار ودوائر الثقافة النخبوية، فصنعوا منه ايقونة. كانوا حمقى بكل تأكيد، بل برجوازيين أيضا يساومون السلطة على ادراكهم لحقيقة البسطاء، ويشعرون بالنبل نفسه الذي يضفونه على شخصياتهم، وهو ما يدعم برجوازيتهم بدرع واق قوي. كان الصايع في الحقيقة بائسا ومجرما ولايحتمل البطولة التي تلقي عليه مسؤولية أكبر من حدود معرفته المضطربة، كان كتلة من المتناقضات التي تنتهي عادة نهاية مأساوية أو اجرامية. وأحيانا ينزوي عند كبر السن ضعيفا منسيا.

لا نبل أبدا بلا معرفة، ولذلك كان نبل الصايع، اذا كان نبيلا، نابعا من تبنيه مبادئ اجتماعية ملتبسة يخونها المجتمع نفسه، وهي نفسها كمبادئ أخلاقية تبدو وكأنه مطلقة لا تفسر له لماذا تتم خيانتها الا اذا كان العالم، مقسوما بين ملائكة وشياطين، ولا تقول له أنها هي نفسها “أي المبادئ” مشكلة. ولذلك لا يطور صايع الأفلام معرفة جديدة، لا به ولا بالمجتمع، انه مثل أحمد عدوية، يظل مشغولا بالناس اللي فوق واللي تحت، يمدح أم عبده، ويهاجم ابن البرجوازي دون أن يرى الأرض الواحدة التي يقفان عليها، لذا يأتي صوته حتى في عز السعادة مجروحا، كما لو بأثر ضربة مطواة، أو بركلة اهانة قديمة يصعب نسيانها.

الصياعة والسلطة والمعرفة الشائعة البدائية قدر دائر وأقنعة تتبدل على أبناء مجتمع صايع، فشل في تحويل خبرته الى معرفة تطور بدورها هذه الخبرة، وفشل في ايجاد لغة للحوار بين أبنائه، ناهيك عن الحوار مع الآخر (وكم هي كلمة كم يتم ابتذالها!)، وفشل في ايجاد لغة لفهم قانون الاشياء، فشل في الانتماء لمهنة أو لصيغة في الحياة، فهو صايع، مضطرب الولاء، يصرخ في المظاهرة أمام الرصاص، ويبع صوته بكيس أرز أمام لجنة الانتخاب.

الدولة الصايعة

أيام عبد الناصر كانت الدولة (الممثلة فيه طبعا) تتعامل معاملة البلطجي: ح نرمي اسرائيل في البحر، تماما كما يكشر الصايع عن انيابه: ح أعورك.

ولم يكن هذا يمنع من تحولها الى دولة “..هوه اللي ضربني”، كما أمكنها بسهولة أن تصبح دولة “الصلح خير”. ومع عهد مبارك حيث انكشف تماما اقتصاد البلاد والعباد

أقر الصايع داخل النظام العالمي بأنه مجرد صايع، يمكن استئجاره لتخليص خناقة هنا، أو افتعال أخرى هناك. لعبت الدولة كعميل وهو تعبير مهذب، لأنه عميل صايع بلا عقل، يحصل فقط على يوميته التي يوزعها على عصابة الأربعين. لم يجد مبارك في ذلك أي غضاضة، لا هو ولا أبناء النخبة السياسية والاقتصادية التي رافقت تاريخه، ولهذا كان من مصلحتهم افشال أي روح عقلانية متمثلة في قانون أو نظام، كانوا يؤكدون بالفعل والممارسة ويسربون احساسا بالقوة البدائية لحياة الصيع، ولفنون الصيع، التي هي فنون الفرح والحزن الصاخب لشخص عائد من خناقة، للداعية المخنث، للمطاعم المقامة على نواصي الشوارع حيث ترقد بجوارهم صناديق القمامة، وسياراتهم أيضا، للراقصات السمينات الأقرب الى المومسات، للثقل البدائي للجنس باعتباره مادة توزن.

دولة الصيع، التي هي دولة الوكيل المعتمد لتصدير المخبرين، وصناع الدسائس، يدافع عنها العالم الرأسمالي كله الآن، واتباعه في الدول العربية، لكي تستمر مع قليل من الأصباغ العقائدية: دولة صيع لمجتمع صايع.

مهاب نصر

من أغاني التماسيح

تمساح

سننصح الآخرين بالانتظار، حين تلوح الحيوانات الصغيرة واحداً بعد واحد، تشخلل أثداءها وتمد أفواهها إلى المياه. ودونما يبدو منا سوى بريق البركة المنحسرة، نقضم الأقرب كَرَمشة عين. البركة أصبحت شلالاً، وجلدنا الأخضر في كامل بهائه. لكننا لن ندع فكاً يقترب، لن ندع فكاً واحداً يقترب منا يا صغيرتي، حتى نأتي على القلب والرئتين. حينها فقط سنزحف إلى حيث الشمس، ونرقد جنباً إلى جنب هناك.

ثور

رسم بإصبعه مربعاً وقال إنه شباك، دعاك إلى تفقُّد الدنيا خلاله. وحتى بعدما دوّختك الصدمة، ظل يومئ أن تعال: تعال! تعال، هنا شباك! بعد سنين سوف يمكن الاعتراف بأن كلامه كان مقنعاً، بأنك كنتَ شريكه في الخدعة. وربما لنطح الحيطان وجاهته أيضاً، حين تكون في غرفة مصمتة. الشيء الوحيد المؤكد في دور “صلّح” هو أن أحداً سيُضرب على قفاه.

غزال

شيء في زاوية التقاطع يعيد وجهك إلي – وكما قال مولانا إليوت، عن سيدنا بودلير – “يا شبيهي، يا أخي”. شيء يعيد رقصة عجيبة أنت أطلقتَها، بين القتال والعناق. لكنها ألهتني فعلاً عن يدك المدربة، وهي تُخرج من جيبي ما يعوزها تماماً. الآن كأنني أرى عينيك – للكوميديان وجه ساخط لو التقيته خارج العمل، لأن مهنته أن يمسح السخط عن الوجوه بالضحكات – فكأنك أنت الفريسة يا أخي، يا شبيهي… كأنك أنت الفريسة، وأنا الطير الجارح.

***

قصيدة مهاب نصر: خطوة في ممر

باحثا عن ممر

لاكتشاف ذاتي

وجدت مفتاحا يلمع

بين أسنان بيضاء

صرختي سقطت الى قدميّ

أفكاري

جعلت أصابعي باردة

وبعيدة عن مركز إرادتي

الذي حل مكانه

نوع غامض من الألم

مع هذا

كان الألم يناديني

كأنه كفارة العزلة

كان عليّ أن أنتزع المفتاح

دون أن أوقظ النائم

أن أقنع الروح الملفوفة في قماش ثقيل

أنني ميت أيضا

أن أتمدد إلى جوارها

لأعيش حياة ليست لي

أن يعطيني الماضي مفتاحه

لأعبر إلى حياة جديدة

بين فكين قويين

لا كمضغة ملفوظة

بل ككلمة

وربما كعبارة كاملة

أو كشخص حر

دون أن يعني هذا

إهانة لأحد

يا أخي

يا صديقي

لن تكون هناك ثورة أبدا

إلا حينما يستيقظ الموتى

حينما يختلط الزمن

فندخل ونخرج

مثل كومة مشطورة من أوراق اللعب

نسحب ماضينا

مثل ورقة في أول الدور

مدركين جميعا أنها مجرد لعبة

ليس لأن لنا وجودا خارج السهرة

بل لأن القمر يعرف

والسحابة التي تشطر الليل

بل الليل نفسه يعرف

قسوة أن يكون وحيدا

بلا أغنية

أو خطوة في ممر

حتى لو كانت هذه الخطوة

هي في الحقيقة

خطوته فقط.

مهاب نصر

wpid-261199_185547361503721_100001453750486_499153_2569267_n-2011-10-19-06-42.jpg

قصيدة مهاب نصر: خطوة في الممر

wpid-294746_199885403406754_100001558883706_506656_3896027_n-2011-10-17-20-06.jpg


خطوة في ممر

 

باحثا عن ممر

لاكتشاف ذاتي

وجدت مفتاحا يلمع

بين أسنان بيضاء

صرختي سقطت الى قدميّ

أفكاري

جعلت أصابعي باردة

وبعيدة عن مركز إرادتي

الذي حل مكانه

نوع غامض من الألم

مع هذا

كان الألم يناديني

كأنه كفارة العزلة

كان عليّ أن أنتزع المفتاح

دون أن أوقظ النائم

أن أقنع الروح الملفوفة في قماش ثقيل

أنني ميت أيضا

أن أتمدد إلى جوارها

لأعيش حياة ليست لي

أن يعطيني الماضي مفتاحه

لأعبر إلى حياة جديدة

بين فكين قويين

لا كمضغة ملفوظة

بل ككلمة

وربما كعبارة كاملة

أو كشخص حر

دون أن يعني هذا

إهانة لأحد

*

يا أخي

يا صديقي

لن تكون هناك ثورة أبدا

إلا حينما يستيقظ الموتى

حينما يختلط الزمن

فندخل ونخرج

مثل كومة مشطورة من أوراق اللعب

نسحب ماضينا

مثل ورقة في أول الدور

مدركين جميعا أنها مجرد لعبة

ليس لأن لنا وجودا خارج السهرة

بل لأن القمر يعرف

والسحابة التي تشطر الليل

بل الليل نفسه يعرف

قسوة أن يكون وحيدا

بلا أغنية

أو خطوة في ممر

حتى لو كانت هذه الخطوة

هي في الحقيقة

خطوته فقط.

مهاب نصر

الكابوس

النهار: الاثنين 01 آب 2011 – السنة 78 – العدد 24465

wpid-img_2165-2011-08-1-07-54.jpg

الكابوس

بقلم يوسف رخّا

منذ خمسة أشهر، يوظف المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية مفردات تحرك يناير- فبراير، إضافة إلى آليات “الثورة المضادة”، بهدف تقويض انتفاضة اختُزلت من دون جهد إلى تحرك عسكري تحالفت معه القوى “الإسلامية” لاستغلال الجهل والفقر في قطع الطريق على الحقوق والحريات. وعلى رغم استمرار الاحتجاج على نطاق أضيق، اختلط الخطاب الثوري بـ”الوطنية” واقتصرت “المطالب” على القصاص.

“على أساس تضرب كوفية مبلولة خل وتحط بصلاية ف جيبك وتمسك قزازة كوكاكولا تليّط بيها خلقتك وتنزل تجري ف الشارع من أول وجديد، ويرجع يقولك الشعب والجيش إيد واحدة، وبعدين ما تبقاش عارف بقى:

دلوقتي ممكن تطلع إنت شخصياً جاسوس إسرائيلي ف أي لحظة” (“تحديث” status الكاتب على موقع Facebook في ليل الخميس 30 يونيو)

تُرافقنا الأشباح منذ ١١ فبراير، قبل أن يبرحنا الشتاء. الأشباح التي اختلفت تجلياتها باختلاف السياقات – من “أذناب” أو “فلول” إلى “بلطجية” فـ”سلفيين” ثم، حتى، “عملاء” (وما “الشبيحة” والجواسيس إلا نحن) – لم تكف عن ترويعنا حيثما حللنا. كنا نظن ما شهدناه في “الميدان” سيعمّ المدينة من تلقاء نفسه، مغادراً الدبابات المعطّلة إلى خارج الحواجز البشرية والأسلاك الشائكة… ظلت الأشباح ترافقنا. أقمنا طقوساً لطردها – أكثر من “زار” – لكنها بقيت؛ والآن يئسنا من أن تغادرنا. يئسنا حد الاقتناع بأنها ليست شريرة أو ليست غريبة عنا، بأننا نحن الأشباح.

¶¶¶

أثناء اعتصام التحرير الأول وفي أعقاب إعلان تنحي مبارك، كنت متعاطفاً مع الإسلاميين. كان هناك شيء اسمه الشعب وكانوا جزءاً من ذلك الشيء بغض النظر عن اختلافهم عني أو خطورتهم عليَّ.

فرحتُ بغياب الشرطة وحضور الضمير حتى صدّقتُ، أو كدتُ، أن أمن الدولة سقط وأن الإسلاميين بعدما ماتوا وسط أقرانهم من غير الإسلاميين، سيكفّون عن خدمة المصالح القمعية كما دأبوا على أن يفعلوا منذ التسعينات سواء بوعي أو بغير وعي، سواء كموالين للسلطة أو كذرائع لممارساتها. وصدّقتُ أن شيئاً اسمه حكومة عصام شرف، مؤمناً بمبادئ شيء اسمه الثورة الشعبية، سيحكم شيئاً اسمه مصر، يمكنني أخيراً أن أنتمي إليه. لا دولة بوليسية بعد اليوم، لا تعذيب وتلفيق وإرهاب منظم، لا إعلام موجه إن لم يكن كاذباً ولا وزارة ثقافة: هذا ما كان يخطر ببالي فتملأني بهجة لم أعرفها في حياتي. اختفت الهجرة كاحتمال دائم وبدأتُ أفكر في الاستقالة من عملي الحكومي. حين أقرأ الفاتحة على ضحايا الاحتجاجات، كنت أشعر بامتنان عميق يشوبه الإحساس بالذنب.

منذ ذلك الحين، طبعاً، تغيّر كل شيء.

¶¶¶

اليوم السبت ٢٣ يوليو. الجيش يضرب المتظاهرين في الشوارع بمعاونة الأمن وأهالي العباسية، وفي وسائل الإعلام يقول إنه نزل ليحمي الشعب المصري العظيم. يتكرر الكلام عن أن التحرك جزء من مخطط أجنبي لتقسيم البلاد العربية وتقويضها على اعتبار أنها لم تكن مقوّضة من قبل، وأن القوى المحركة للتمرد والعصيان إنما تثير الوقيعة بين الشعب وجيشه.

الفنجري الذي ضرب سلاماً للشهداء كان “يشخط فينا” منذ أسبوع، والرويني الذي لم نسمع به من قبل يعترف بأن المجلس العسكري يروّج الشائعات. مبارك تمام التمام طالما طنطاوي يحكم. لكن بخلاف أيام “الثورة”، الحياة تسير على طبيعتها، بما في ذلك “عجلة الإنتاج” المزعومة والكلام عن المؤامرات الخارجية، عن لقمة العيش والاقتصاد؛ خوفاً على لقمة العيش ربما، سلطة القمع العسكرية تصبح مدعومة من “الأغلبية الصامتة”. والناس تصدّق أن “بتوع التحرير” جواسيس وعملاء. جواسيس على ماذا وعملاء لمن؟ لا أحد يريد أن يعرف. وحتى لو كان التغيير في اتجاه الحقوق والحريات الأساسية من تدبير أميركي، مثلاً، فهل معنى التحرر من السطوة الأميركية – “المقاومة” – أن نرفض الحقوق والحريات؟ وهل كان نظام مبارك الذي لم يزل قائماً في شكل المجلس العسكري، ليحرمنا تلك الحقوق والحريات أساساً أو يغرقنا في الجهل والفقر والعماء الإيديولوجي إلا بغطاء أميركي؟

الحياة تسير على طبيعتها، ولا يبدو أن هناك مخرجاً بعد من الديكتاتورية العسكرية القائمة منذ 1952 بدعوى مقاومة الاستعمار الأجنبي.

¶¶¶

لم أشارك في التظاهرات ولا الاعتصام منذ أيام. تمر الحياة كئيبة ولا شيء. فقط غضب متضارب ورغبة غير مسبوقة في الهجرة. حتى القوى “الثورية” تثير غثياني. هل كان نظام مبارك بكل وساخاته يعكس الشعب الذي يحكمه بنخبه ومعارضيه؟ ربما كان الشعب أوسخ حتى من نظام مبارك. أوسخ لأنه أغبى، لأنه أكسل من أن يعرف الحقيقة وأجبن من أن يكون عنده ضمير. لا استعداد لشيء مختلف أو جديد. “اللي نعرفه أحسن م اللي ما نعرفوش”، لكن بما أننا جهلة فالذي نعرفه هذا محدود فعلاً، ولا بد، في اصطدامه بأي شيء سواه، أن يكون عنيفاً وعبثياً. للمرة الأولى منذ شهرين على الأقل أبكي مجدداً على الشهداء. أبكي بالدموع، بكاء حقيقياً.

¶¶¶

تأخر كثيراً الاعتصام الثاني في التحرير على رغم انتشار الاحتجاجات – أصبح الشعب يريد أشياء في عينها من قبل أن يسقط النظام: مساكن مجانية أو أجوراً أعلى، الإفراج عن عمر عبد الرحمن وعودته إلى أرض الوطن، طرد السفير الإسرائيلي (لم يكن لضباط الجيش أي صبر على ذلك المطلب الأخير فضربوا المحتجين أمام السفارة بالرصاص الحي وألقوا القبض عليهم وأذلّوهم في الشوارع قبل أن يعرّضوهم مع غيرهم لمحاكمات عسكرية) – كما عاد الإسلاميون ليس فقط إلى اختلافهم وخطورتهم وإنما، وهو الأسوأ، إلى خدمة المصالح القمعية.

لم يتكرر قط مشهد خروج الناس إلى الشوارع يوم 28 يناير، وبدأ الخطاب الثوري نفسه يفقد تأثيره مع ملل التكرار: شعارات ومطالب ومواطنون شرفاء من ناحية، والتفاف وثورة مضادة وبلطجية من ناحية أخرى… لم أفهم كيف يمكن محاكمة رموز النظام السابق حتى لو حدثت، أن تكون عادلة. لم أفهم ممن يتوقع الثوار تنفيذ مطالبهم سلمياً بينما السلطة في يد الجناح العسكري للنظام السابق، والوجوه نفسها كما هي، والقيم، وكل مؤسسات الدولة على ما كانت عليه.

بالرغم من ظهور واحد للأمن المركزي كشف عن وصول قنابل غاز أعصاب مستوردة من أميركا في مايو، كما أكد أن احتقار الشرطة للناس لم يتأثر بالأحداث، كانت طاقة الاعتراض والمعارضة قد انصبّت على المجلس العسكري أو سلطته المطلقة، غير الدستورية؛ أدهشني أيضاً أن هذا لم يكن قد حدث من قبل، أن المحتجين لم يناوئوا المجلس العسكري حين كانت الشرطة العسكرية تكهرب المعتصمين وتكشف على عذرية المتظاهرات (ستأتي “أحداث العباسية” لتؤكد أننا بتسليم الثورة للجيش بناء على طلب مبارك إنما أصبحنا في صدد انقلاب عسكري: الثاني في تاريخنا الحديث). وأدهشتني قدرة من سُموا إجمالاً بالثوار – بالذات المثقفين منهم – على القبول بالحكم العسكري في أعقاب “المعجزة” التي تمكنوا من تحقيقها بل والسعي الصريح إلى الافادة منه.

على أكثر من مستوى، في ما بعد، سينتابني الشعور بأننا كمصريين إنما كنا “نهوّش” أنفسنا بالتغيير في حين أننا لا نريده حقيقة أو لسنا قادرين عليه. وبدأتُ أشك ليس في أن ثورة قامت، ولكن في فكرة الثورة نفسها وسط الملابسات. حزنتُ مثلاً حين تمكن المجلس العسكري من إمرار التعديلات الدستورية “ديموقراطياً” بمعاونة الإخوان المسلمين. حزنتُ أننا لم نزل مضطرين إلى مناقشة بديهيات من قبيل الحقوق المدنية الأساسية. وحزنتُ حين اتضح أن مجلس التحرير المنتخب في جريدتي لا يعكس أي وعي أخلاقي أو مهني مختلف ولا يسعى إلى تغيير أي شيء.

¶¶¶

كانت غريزة البقاء تعبّر عن نفسها في تكريس الحاصل وفي الشكوى منه بآليات النفاق المقنن ذاتها – في النواح على أن شيئاً لم يتغير، أو لن، بينما النائح لا يساهم في الحد الأدنى في احتمال تغيير – وكان يتضح أيضاً أن الحاصل حاصل لأن الناس غير قادرة على سواه. بدأتُ أرى حماسة بعض الأصدقاء للثورة، فضلاً عن مثاليته المجانية، في ضوء دوافع من قبيل الترفيه عن أنفسهم أو التعبير عن تمايز طبقي أو ثقافي أو حتى التظاهر بأنهم مختلفون عن عامة الناس، وتشكيك آخرين في جدواها في ضوء إدراك غير معلن وربما لا واعٍ لأنهم مستفيدون.

قبل حلول الصيف – بينما الأشباح ترافقنا ولا ينفع معها زار – كانت تفاصيل الحياة اليومية قد أفقدتني مشاعر طيبة تجاه الكثير من الناس. أفقدتني بهجة الانتماء الأولى والأمل في أرضية مجتمعية يمكن الوقوف عليها. وبالتدريج أفقدتني اهتمامي الحديث جداً بالشأن العام.

في ما يخص الشأن العام بالتحديد، أستطيع أن أقول إن ما سيحدث من الآن فصاعداً لا يعنيني ولا أشعر بأنني سأكون طرفاً فيه أكثر مما كنت طرفاً في ما كان يحدث أيام مبارك. وحدها هذه الحقيقة التي تسمح لي بإصدار “كتاب” آخر عن “الثورة”.

الذي يحدث لا يعنيني لكنني سأعبّر عن نفسي بلا اعتبارات “مرحلية” أو حسابات توافقية؛ ولن أسمح لأي ابن (…) بأن يحشرني في علبة مفبركة مسبقاً داخل مصانع وعي ليس وعيي أو أن يحمّلني عبئاً يزيد على عبء وجودي كشخص يشعل الآن سيجارة في غرفة مكيفة الهواء. أعترف عن طيب خاطر بأنني لا أملك حلولاً صحيال ما أراه أمامي من مسائل أكثر مما يملك أي “سلفي” جاهل أو أمين شرطة سادي؛ فقط صرت على يقين أن 23 يوليو هو الكابوس الذي لن تكون حياتي سوى محاولة فاشلة بالضرورة للإفاقة منه.

…………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

جميع الحقوق محفوظة – © جريدة النهار 2011

الريفييرا والدبابات

مارس

هؤلاء ناس يستطيعون أن يقولوا لك بكل صفاقة هناك شمسان في السماء أو لا يوجد سمك في البحر… اسمع: الوطنية هي المواطنية… الوطن مرسوم على جلد كل مواطن – “منصف المرزوقي” لـ”فيصل القاسم” في ديسمبر 2009

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.10150510629010473.660013.805615472

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.10150474434730473.657482.805615472

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.10150469070440473.655775.805615472

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.10150464841930473.654285.805615472

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.10150463256240473.653652.805615472

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.10150453434945473.650395.805615472

https://www.facebook.com/media/set/?set=a.10150448478250473.648825.805615472

السموات الخلابة. المثقلة بآفاقها. كأنها الخلفية الجاهزة للوحة تصور حقول “الميموزا”. والمقننة بالـ”فوتوشوب”. الزاحفة على زجاجة سدادتها جليد. بلا عمود فقري. سموات لـ”وليام ووردزورث” إثر رجوعه من “الباستيل”. وسموات “الحنجرة” القديمة. التاريخ تحت إبطها ورصيدها الائتماني لا يكفي فنجان قهوة على الشاطئ. سموات هي الأسقف الخلابة للشاطئ. والتي تغمض على درجات الرمادي تحت زوايا مثلثاتها المتفصدة بالبخار. والتي ليست زوايا. سموات تضع أفيونة تغيير العالم تحت لسانها ثم تنحني لليخوت. أقرب إلى البنفسجي من الأصفر. ورغم أنف زهرة الميموزا. السموات التي هي سلالم موسيقية للنظر. جعلت من الله عصفوراً (كما يقول “وديع سعادة”) ولم تدعه يزقزق للشعوب. السموات المنتهَكة. المؤثرة رغم ابتذالها. المبتهجة بالغيم. “ليه يا بنفسج بتبهج”. وتهدُّج “عبد الحليم حافظ” على الوطن والعيون السود. سموات الشِعر الرومانتيكي. رموشهم ليل. ولا مكان لـ”عبد الناصر”. الحالمة بتغيير العالم. التي تثقلها آفاقها. الأفيونة لا تفارق لسانها فيما الشعوب تنتظر الزقزقة. سموات الحرية. سموات المساواة. سموات الإخاء. التي حين تأتي الشمس تشيح بقسم من وجهها عن القمم الغائصة في الزبد فيفوح الصنوبر أخضر وقريباً من الأمواج. الدين للثورة المضادة والوطن للمصطافين. وسموات الأمواج أيضاً. المبحرة بلا شوارع. الباقية بعيداً. والزرقاء رغم أنفها. الزرقاء بلا دماء. الزرقاء بحق الاحتجاج السلمي. والزرقاء بالأبيض وأسود كذلك. الزرقاء بالليل.

*

في هذا الوقت من العام يمتلئ الهواء بالتراب. يومان من التراب ثم يهبط، ثم يعود يملأ الجو مرة ثانية. منذ الجمعة 28 يناير، في القاهرة، أي شيء يحترق يستدعي الغاز المسيل للدموع. عندما يهبط التراب، يأتي دخان الحرائق الصغيرة.

لا ترى هذه الحرائق، فقط يأتيك دخانها؛ لوهلة، تحس كأنك استنشقت الغاز. تبدأ الأعراض في التداعي إلى أن تدرك أنه مجرد حريق.

في الأيام التالية على إعلان “تخلي” مبارك عن منصبه (11 فبراير)، زاد عدد النساء في مقاهي شارع شمبليون بطريقة تُفرِح (وأين، منذ 25 يناير، كان السلفيون؟) الشباب يعزفون ويغنّون على الرصيف لأطول وقت ممكن قبل حظر التجول الذي يبدأ مع موعد رجوع سندريلا والذي فرضه المجلس العسكري بعد أن أنشأ صفحة على “الفيسبوك” وبدأ “يهيب” بنا في رسائل نصية قصيرة. يهيب بـ”المواطنين الشرفاء” أن، وأن. لكي تتعطل أو تتوقف الاعتصامات. ويطمئن الناس على الفيسبوك. حتى أن إحدى الرسائل كان نصها: من الجلس الأعلى للقوات المسلحة، انتظرنا ثلاثين عاماً فلا مانع من الانتظار قليلاً فالقادم أفضل.

ماذا والنبي يمكن أن تعني هذه الرسالة؟

*

ليلة ذهبتُ أقابل “شعير” (17 فبراير)، كان شيء رائق في محيط وسط البلد لا يزال. لكن الناس قليلة، تتحرك بخفّة وتحمل أكياساً. أوقفني واحد ليشعل سيجارته من سيجارتي. لا أحد حولنا؛ معه صديق، ولوهلة خطر لي أنه “سيثبّتني” بالسلاح ليأخذ ما معي ويذهب. كيف لو ثبتني تثبيتاً؟ فجأة أفقت على ابتسامته وكانت ابتسامته ساحرة. أنا أيضاً تأثرت بأجواء انتشار الجريمة في غياب الشرطة؟

الحقيقة أن كل شيء أأمن في غياب الشرطة – وخطة أن تولّد السلطات فتناً وجرائم وتنشر شائعات لكي يخاف الناس من الفوضى والأذى والأجانب فيعادوا الثورة ويحتموا بالأمن، كيف “تَخِيل”؟ – حتى التنفس في التراب يا أخي أسهل بلا شرطة.

ثلاث مرات قبل 25 يناير تعرّضتُ للجريمة شخصياً لكنني لم أفكر أبداً في اللجوء إلى الشرطة. ولا أذكر حادثة واحدة رأيتها أو سمعت بها تصدى فيها البوليس لجناية ضد مواطن أو قام لنجدته. الواحد يتجنّب البوليس تماماً كما يفعل مع المجرمين: على الأقل المجرم سيتركك ليهرب؛ الشرطي قد لا يتركك.

قال شعير: الثورة المضادة الآن من خلال الإخوان المسلمين وهذا في حد ذاته يسعدني (لا يقصد الثورة المضادة ولكنْ خوف الناس من حكم الإخوان). قلت له إن التحرش بالبوليس ضرورة وعلينا أن نُسقط مباحث أمن الدولة كما أسقطنا الأمن المركزي. كأنني أسمع أحد الأصدقاء يقاطعني (الآن في رأسي دائماً أصوات الأصدقاء): ششش، اسكت! ألا تعرف أن الثورة المضادة الآن من خلال التحرش بالبوليس؟

*

اليوم (28 فبراير)، شاهدتُ على الفيسبوك فيديو لرجل قصير يؤدّب بضعة شباب في فناء مسكن نائب حزب وطني، كما سيتضح، يُدعى “مختار رشاد”. القصير من خُدّام ذلك النائب، وفي النهاية يظهر مختار باشا شخصياً بهيكله الجسيم ويقول شيئاً لم أفسّره للمذنبين. الخادم يكرر على أسماعهم: لازم تبوسوا رجله عشان تروّحوا. واضح أن المسكن يقع وسط منطقة نائية، ربما زراعية؛ هناك أناس في جلابيب يسدون أحد المنافذ. المذنبون في وجوههم جروح منمنة، تظهر عليهم علامات الفزع والخنوع؛ لأحدهم لحية طويلة على الطريقة السلفية، في ظَهْر قميصِه بقع دم مشعشة بالماء.

يبدأ الفيديو بخروجهم من المكان الذي كانوا يُضرَبون فيه أو بعد ذلك بقليل، والقصير يسوقهم كخراف متخبطة إلى طلمبة مياه وراء سور واطئ ليغسلوا وجوههم ويعودوا من أمامه. لا يبدو مختلفاً عن أي “شرطي شريف” يؤدي وظيفته، ما يبرر الألفاظ النابية والقسوة المتعمدة في الأداء. واحداً واحداً يدير الشباب المذنبين إثر انتصابهم واقفين بصعوبة ويأمرهم بالثبات. وبمطواة صغيرة في يمناه، بعد أن ينزع البنطولن عن المؤخرة جزئياً، يحفر جرحاً عميقاً في إحدى الإليتين. ثم يدفعهم إلى الوقوف في صف وأيديهم وراء ظهورهم في انتظار مجيء الباشا. يتقدمون بخطى عرجاء ومضحكة بعض الشيء.

*

في هذا الوقت من العام يمتلئ الهواء بالتراب. أمام مكتبة “الشروق” مساحة مفروشة بشعارات الثورة. ورغم أن المكتوب على اللافتات أكثر تعقيداً وأخف دماً من الهتافات، الهتافات هي التي تتردد في رأسي: “حرية” و”آه” و”يا رب”، “ثورة ثورة حتى النصر، ثورة ف كل شوارع مصر”، “باااطل”، “ارررحل”، و”يا جمال قل لأبوك المصريين بيكرهوك”، “يا مبارك يا جبان يا عميل الأمريكان”، فضلاً عن “الشعب يريد إسقاط النظام”.

كان مع اللافتات بعض صور الذين قتلهم الجنود والضباط والمجرمون العاملون لدى الداخلية والحزب الوطني ورجال أو كلاب أو أبالسة أمن الدولة. “إحنا آسفين يا ريس”؟

“آسفين يا ولاد الوسخة”!

وكان مراهق يبيع “ستيكرز” على شكل لوحة سيارة أرقامها 25 وحروفها ي ن ا ي ر. قبل أن أذهب قال لي: مش عايز كارت الشهداء يا باشا؟ لم أنتبه إلا لاحقاً إلى المكتوب أسفل صور الشباب على خلفية ألوان العلم: الشعب والجيش والشرطة إيد واحدة. في شارع قصر النيل أردت أن أمزّق الكارت، أن أنزع عن وجوههم هذه العبارة. لم أستطع أن أخرج الكارتون من غطائه البلاستك.

باتجاه مؤسسة الأهرام الصحفية، في الصباح التالي، كان المرور مستحيلاً. من شباك السيارة سمعت بائع ستيكرز ينادي: خمسة وعشرين يناير بجنيه.

*

الدبابات واقفة في الميادين وأنا أضحك من الذين لم ينزعوا شارات الداخلية عن “الملّاكي”؛ أكثر من مرة فكرت في الصياح: وإنت فاكر النسر ده هينفعك؟ لكن الذين يبروزون طواقي الشرطة في الزجاج الخلفي لسياراتهم، استبدلوها بسترات للجيش على الشبابيك.

ألاحظ أنك اليوم كلما أبديتَ اعتراضاً على سلوك حتى أكثر الناس تورطاً مع الكذب والقتل لحماية الفساد، يقال لك بثقة شديدة ونبرة مجروحة: لا تزايد علي. زايد يزايد مزايدة: الكلمة الأعلى مبيعاً في ربيع هذا العام.

أكثر من زميل في الأهرام يتحدث عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة بوصفه الكيان الحاكم، وحيث كان الرئيس مبارك في الأخبار الرسمية يفعل، ويفعل، المشير طنطاوي هو من يفعل الآن. آلاف لم يتعودوا على الحياة بلا أصنام والذي لم يعد يعرف مَن يعرّس عليه يمكنه أن يعرس على المجلس العسكري – أو “الشهداء”.

في المصعد تذكرتُ أن بائع المخبوزات الجائل هو الآخر كان يزعق: رحمة على الشهداء.

*

أكتب الآن من الريفييرا الفرنسية. حيث يجري الناس بمحاذاة الشاطئ للتريض – ولأن الشوارع نظيفة وبها حارة للدراجات… حركتها منظمة، لأن الهواء صاف والصحة حاضرة – كل الكلام مؤقت. كل ما قلتُه أو سأقوله عن الثورة والشعب (الثورة المضادة والبلطجية)، عن الإسلاميين والمثقفين (المتدينين واللا-دينيين) وعن الأشياء المفرحة (“الأحداث المؤسفة”) التي حصلت من ميدان التحرير وإليه بطول ثلاثة أسابيع كانت فعلاً كالأحلام… كل شيء – في أعقاب الاستفتاء على التعديلات الدستورية (19 مارس) – سيصبح مؤقتاً.

لعل فكرة الكتابة كلها هي أن تتفرج على الحياة دون أن تُفْرط في التركيز على نفسك. لكن هناك واجباً أخلاقياً يحتم عليك أيضاً أن تعيش. أن تعيش وأنت تتفرج يعني أن تركز على نفسك. هذا إذن هو تحدي الكتابة: كيف لا تركز على نفسك دون أن تهمل الواجب الأخلاقي القائل بأن لا تكف عن ممارسة الحياة.

ومع ذلك… حيث يجري الناس بدلاً من أن يدخنوا ويحتسون نبيذاً طيباً في المساء، ليس سوى نصف كلام أو لا-كلام أو كلام إلى حين.

*

اليوم (3 مارس)، أقيلت حكومة أحمد شفيق فريق الجيش “الشيك” ووزير الطيران المدني – الفاسد هو الآخر، طبعاً، وإن بدرجة أقل – والذي عيّنه مبارك رئيساً لوزارة جديدة استبدل فيها “حبيب العادلي” بواحد أوسخ يدعى “محمود وجدي” وأبقى على “أحمد أبو الغيط” و”عائشة عبد الهادي”، تلك المرأة “الدون” التي لفتت الأنظار بتقبيل يد “سوزان مبارك” في إحدى المناسبات. إلى آخر لحظة كانت تأتي الأخبار عن أن شفيق يطمئن على صحة مبارك تليفونياً بشكل يومي وقد زاره مرة في شرم الشيخ.

أمس أطلقوا عليه “علاء الأسواني” ومعارضين آخرين في حلقة من برنامج تلفزيوني على المحطة المملوكة لـ”نجيب ساويرس”، رجل الأعمال الأقرب إلى الثورة. علاء الأسواني كالثور الهائج وشفيق فرخة مسلوخة وسط الصياح؛ لن تمر الليلة حتى تُعلَن استقالته لتأتي حكومة “عصام شرف” الصورية؛ والناس الذين يدافعون عن رجال الشرطة وكانوا يدافعون عن مبارك، سيقولون إن شفيق رجل محترم وعيب على الأسواني أن يهزّئه هكذا.

أمس فكرت أن مختار رشاد نفسه لو ظهر على التلفزيون سيكون مثل شفيق مؤدباً وهادئاً وعلى نفس درجة “الشياكة”؛ وسيقول أولئك بنبرة مجروحة إنه رجل محترم وعيب على الأسواني قلة أدبه معه.

*

من حيث أكتب يخطر لي أن “التخلي” مكان “التنحي” مثل “النكسة” مكان “الهزيمة”، وأن هذا ليس غريباً على أعراف البلاد.

*

اليوم (6 مارس) أفقت من كابوس: الأمن المركزي تبدّل بالجيش وديناصور السنين رجع من شرم الشيخ لا ليُحاكَم بل ليَحكُم إلى أن يسلّم السلطة لابنه “جمال”. صحته جيدة. وقيادات الأهرام يقفون على رؤوسهم ليقولوا إن رجوعه شيء جيد وعظيم وليس أفضل منه تأميناً للاستقرار والسلام.

أشباح برتقاليو اللون يفرّقون “المليونية” القائمة في وجه عودة آل مبارك إلى الحكم بالعصي الكهربائية كما فعل الجيش مع المعتصمين ليلة السبت 26 فبراير؛ العصي في الأيادي الفوسفورية كأنها طائرة في الهواء. و”عمر سليمان” رئيس المخابرات السابق ثم نائب مبارك الوفي إثر اندلاع الثورة، بعد أن يشرف على إغلاق معبر رفح المفتوح منذ التنحي، يعلن حملة إبادة العملاء والإرهابيين المسئولين عن “فتنة 25 يناير”.

لم أكن أعرف أن الكابوس سيتحقق.

*

الدبابات واقفة وكثيراً ما تراودني شهوة الإبادة. الإبادة الجماعية حل رائع لأزمة المكان. الذي يخيفني من الحرب الأهلية أنني أجدني مستعداً للقتال.

مِن المحتجين مَن أجبرهم ضباط جيش على الهتاف بحياة مبارك بعد سقوطه بشهر تحت تهديد الضرب وهم على بطونهم في مجلس الوزراء. وبعد شهر ونصف، قوانين ضد البلطجة ستطال المتظاهرين سلمياً (بل وقوانين ضد الاحتجاج والتظاهر سيتم تمريرها أيضاً، فيما يبدو)، والبلطجية المنوطون بتفريق اعتصامات التحرير ما بعد إعلان الحكومة الجديدة – على كلام “فادي” الذي كان هناك – نقلتهم سيارات قوات مسلحة. الشباب يُعتقلون ويُعذّبون ويتعرضون لمحاكمات عسكرية (بل ويُكشف على بكارة المتظاهرات الشابات في معسكر الهايكستب بعد صعقهن بالكهرباء واعتقالهن، هكذا سأعرف بعد أن أغادر. لماذا يكشف على بكارة المتظاهرات؟ ماذا يُفعل بمن يتضح أنها فقدت بكارتها قبل أن تتظاهر؟)

وبدلاً من لحن الوفاء الذي يتفنن “المناضلون” في عزفه تأكيداً لكذبة أن المجلس العسكري هو الثورة أو أن سطوته هي الواقع الوحيد الممكن، أجدني أتساءل لماذا لم يقصفنا الجيش من أول يوم؟ لماذا سمحت قياداته باستمرار العصيان؟

*

ذات ليلة أثناء العودة من ميدان التحرير – هذا أيضاً أريد أن آخذ نفساً عميقاً لأذكره – مررت من جنب كهل “غلبان” يخاطب أحد المارين في خروجه:

ما فيش جواسيس ولا فلوس ولا حاجة م اللي بيقولوا عليها دي خالص. بس ناس طيبين يعني بيوزعوا أكل من عندهم عشان الولاد اللي قاعدين في الميدان بيبقوا جعانين وكده. ما إدونيش غير كباية شاي ولقمة جبنة، وفيه جماعة تانية إدوني حتة حلاوة أهي (وأخرج اللفافة من جيبه ليشهد من يخاطبه)، ده أنا حتى قلت أشيلها للعيال.

وكما أن “المصريين البسطاء”، ملح الأرض (يعني ولاد البلد، يعني الجدعان قوي، يعني الأصالة الريفية) كانوا يسبون معتصمي التحرير ويبصقون في وجوههم لأن الاعتصام عطّل أشغالهم بعض الشيء (سمعتُ بأذني أكثر من سائق وأكثر من عامل بوفيه وأكثر من بائع جائل يقول إن “شباب التحرير” أولاد قحبة وإن مبارك لم يخطئ في غير بخله على الناس: بس هو يدينا فلوس بس ويبقى يكمع بعد كده زي ما هو عايز)، انضم إلى الاعتصام “بلطجية” العشوائيات ممن لم يسعدهم الحظ بنائب حزب وطني مثل مختار رشاد أو مأمور قسم يغدق عليهم مقابل ترويع الأحياء السكنية أو قتل الثوار.

خالتي “فايزة” المستاءة من اضطراب المرور وتعطّل ماكينات الصرف قالت: كنا عايشين في أمان، إيه يعني بيسرق! وأضافت بصوت باك: مش زي أبوهم ده اللي عمالين يشتموه ده؛ عيال قلالات الأدب! والنبي يا أختي صعبان عليَّ قوي. لكن أمي حملت إلى قلالات الأدب هؤلاء أكياس الشاي والسكر وبكت وهي تشاركهم الصراخ.

*

هنا حان وقت الاعتراف بأن حب مصر لا يعنيني. لا القومية من قناعاتي ولا “الوطنية” قيمة في ذاتها. لكنني كما أكره كل ما جاءت به “ثورة يوليو”، لا أحب علم الجمهورية ولا النسر الذي يتوسطه. من 25 يناير إلى 11 فبراير كان العلم رمز نظام مبارك بقدر ما كان راية وطن الثوار. لم أنس لحظة أنه لم يكن موجوداً قبل انقلاب الضباط الأحرار، قبل الزحف العلماني ما بعد الاستعماري، وقبل الاستقلال ذاته الذي جاء بنا إلى هنا. ويوم بدأ العلم في الظهور بكثافة وسط لافتات ميدان التحرير، انتابتني أول شكوك الثورة المضادة.

الدبابات في الميادين – أظنها لا تزال – وأنا، في الريفييرا، بصدد أمور حلمية. لا أقصد كون الحياة هنا بعيدة عن اليقظة المألوفة (وإن كانت فعلاً كذلك): الخضرة والخلاء والمعمار البمبي في ظل شاتو هو بحسب مخيلتي مسكن أحد نبلاء العصور الوسطى؛ لا ينقص سوى سرج مرصع ثم، على رخام الممر، صهلة عاتية. الفيلا التي أسكنها محروماً من التدخين محاطة بالشجر، وهناك طعام بديع ونبيذ طيب؛ خلاف ملعب جولف قيل لي إنه الأقدم على ساحل اللازورد ثم بضع كافيهات، لا أحد أو شيء.

يوم غاص حذائي وأنا أصوّر الأمواج من خلف أقواس الحجر وإلى يميني تلة سوداء كأنها السنم الناتئ لجمل عملاق لم يسعه البحر يوم غرق – كان النبات قد استوطن محجراً ضحلاً في الجانب الأقرب إلي – أو يوم نقّت الشمس لون المياه (“ياسين عدنان” رفيقي الوحيد هنا كتب: كأنه أحمر)، أو حين بدت تدرجات الأخضر في حديقتنا الصغيرة من العمق وهي على أكثر من ارتفاع بحيث شعرتُ، ذات ظهيرة غائمة، بأنني تائه وسط غابة يعلوها طريق – “وحدي في غابة،” هكذا كتب سركون بولص، “والغابة أنا؟” – أو صعوبة التدخين في البرد وحين يتواصل المطر، أو على البحر – “كأنه أخضر” – أو المطر…

*

أكتب الآن من باريس. نهاية هدنتي الفرنسية مع الواقع. وبينما أستكشف امتداد وإيقاع المدينة التي لم تكف عن إلهام الناس، يخطر لي أن السبب في استمرار الواقع – استمراره، أقصد، وليس قبولنا به – هو أنه يمنحنا ما ينافيه دورياً، عن طريق منام أو حدث يشبه المنام، بالوهم أو بطاقة اللحظة، بسوء الفهم، بحب أو خداع الذات؛ ولا يعدو اعترافنا بأنه واقع أو خضوعنا لذلك أن يكون انتظاراً للمنحة الـ(غير) محتملة، باليأس أو بالأمل: انتظاراً لما لا يشبه ما عرفناه.

أكتب ويخطر لي أنه عن طريق صدفة كالمعجزة، دورياً، يتفتت واقعنا من داخله ومعه معرفتنا، يعيد تكوين نفسه أو ينهار تكوينه كما يحدث في فيلم “ذا ميتريكس” فينزاح عن ما يبدو كأنه واقع آخر أو مواز أقرب إلى رغبتنا لكنه على الأرجح لا شيء.

هل لهذا السبب، حتى في أسعد لحظاتنا، تكون التعاسة قريبة إلى هذا الحد؟

المهم أن الواقع يتبدل، هذا ما يخطر لي وأنا أكتب. ينزاح عن شيء رائع ويظهر ملاك (هكذا يفتتح سركون بولص أحد نصوصه وهو ما سرقته عنواناً لمجموعة نصوصي الأخيرة: يظهر ملاك). يظهر ملاك بـ(احتمال) الغرام أو يظهر الله بـ(احتمال) الثورة. وكالحلم أو السموات، نرحب به ونعتنقه. نعتنقه بمعنى أننا لا نتكئ عليه، لأنه لا يمكننا أن نتكئ على شيء مناف للواقع؛ ووقت نسعى إلى ذلك نصير شخصيات تراجيدية تبعث على ضحك البراجماتيين.

*

الآن ومن قلب الثورة المضادة لم يعد هناك مجال للتشكيك في اعتمادنا على متكآت من الواقع غير قادرة على توفير السند الضروري، على عكس الملائكة التي ننتظرها دون أن ندري أو الله. متكآت كالعائلة والعمل والدواء: قرية ظالمة نحملها معنا ونسميها الواقع لكي نعرف من نحن، وربما لو ما حملناها لكُنا فعلاً آخرين.

لكن ليس سواها في غياب المنحة التي تبدينا حقيقيين وخلابين مثل سموات الريفييرا وتلوّح لنا بحدود أوسع وأعمق لما تعلمنا أن نسميه الإمكان.

 أخبار الأدب

Enhanced by Zemanta

ما زالوا يدفعوننا على سلالم العمارات


المستقبل – الاحد 8 أيار 2011 – العدد 3990 – نوافذ – صفحة 11

القاهرة ـ يوسف رخا
لماذا أفكر الآن أكثر من أي وقت مضى في ما تعنيه كلمة مثقف؟ في كونها أشبه بوظيفة أو مرض. كأن تقول: سبّاك؛ أو: بعيد عنك عنده الكلى. وفي أن الأقرب إلى معناها كما تُستخدم هو متعلم. إنها حتى بهذا المعنى زائفة لأن المثقفين الذين تصفهم لم يتعلموا جيداً نتيجة استيلاء النظام على المدارس والجامعات منذ الخمسينيات؟ وأفكر في السر وراء إخفاق من تصفهم هذه الكلمة في تحمل ولو جزء تافه من المسؤولية التي اضطلعوا بها دون أن يطالبهم أحد بذلك. إخفاقهم المتكرر على المستوى العام والخاص، وحتى على مستوى إنجازهم الشخصي: لماذا يقع سهم المثقفين دائماً بين أقدامهم، ولماذا دائماً يوجهونه إلى هدف خارج المساحة التي يشغلونها؟
لعلها الغباوة ببساطة، أفكر: إن الخيال محدود فعلاً، والعلاقة بالكتب وأنماط الحياة “المتحضرة” مفتعلة ومستحدثة. لكن هناك شيئاً حقيراً في اليأس أو عدم الثقة اللذين يجعلانك تشكّك في تحقّق الأهداف بينما الأهداف تتحقق أمام عينيك: لم يكن المستحيل هو محاكمة آل مبارك وحل أمن الدولة. لم تكن المشكلة في “الالتفاف” على شيء من ذلك من جانب عملاء محددين وواعين بدورهم للثورة المضادة. المستحيل والمشكلة كان في القدرة على تخيل عالم بلا مؤامرات أو في الإصرار على محاولة تخيل ذلك العالم، كما في الإصرار على أن مصر دولة مدنية، بلا اعتبار للمحيط الأوسع. المستحيل والمشكلة في شخص ينظر إلى مواطنيه من ارتفاع دون أن يختلف عنهم في شيء أكثر من هذه النظرة. لعلها الغباوة، أقول.
هناك كراهية ذات تتجاوز الوعي بها. كما عند السلفيين كذلك عند المسلمين من كارهي الإسلام. كان حقيراً مثلاً أن يتصرف “اليساريون” الأكبر سناً بما يفضح رغبتهم في تولي وزارة الثقافة، وفي الوقت الذي تبدت فيه لأول مرة فرصة حقيقية لتحرير النشاط الثقافي من وصاية الدولة بإلغائها، وإن على المستوى الذهني: لماذا نطلق أجيالاً أخرى تظن الثقافة شيئاً مرتبطاً بالدولة وصلاحها في كنفها؟ لم يصمم أحد على أن وزارة الثقافة مثلها مثل الإعلام التي أُلغيت بالفعل هي إحدى صور الدولة البوليسية. كان السؤال الرائج هو من سيتولاها. وكأنك وهو ما لاحظته بطول وعرض الجماعة “الثورية” بعد أن تأكدت من ذيوعه خارجها لا تعترض على الفتوة الظالم إلا لتسبتدله بفتوة “أجدع” منه… كأنك ورغم كل كلامك عن حياة تجاوزت الفتوة أو كان يجب أن تتجاوزها لست مستعداً لأن تتحمل مسؤولية نفسك أو تفترض في أهل حارتك القدرة على أن يتركوك في سلام. حتى وأنت مثقف تقدمي إلى الأمام ثورة ثورة حتى وأنت امرأة مستقلة مثلاً لابد من فتوة يسرقك ليضمن سلامتك مثل رب عائلة يبقيك حيث أنت ليصرف عليك.
يخطر لي الآن أن المثقفين في تمسكهم بفكرة الثورة المضادة إنما كانوا يدافعون عن أنفسهم هم، عن المكان الذي استمدوا منه طاقة وجودهم منذ انقلاب 1952 و”الاستقلال الوطني” مع كل تداعياته التي بررت جهلهم وتعالمهم والتفافهم على القيم التي يدعون الحياة بها، ثم كون خطابهم مطابقاً للخطاب “الإسلامي” في شموليته وكونه في جوهره طريقة لممارسة السلطة على من سواهم والتنافس على أمجاد صغيرة في ما بينهم.
منذ السبعينيات أو في أعقابها انعزل الخطاب “المثقفيني” عن “السياسة” فعلاً، ما جعل السياسة حكراً على “الإسلاميين”، لكنه ورغم التباهي بالخاص على حساب العام والمبالغة في الترويج لفكرة الفرد في غياب مجتمع يسمح بالحد الأدنى من الفردية، لم يتجاوز نهم الوصاية والسعي إلى تمايز مستبد، إن لم يكن عن طريق “المركز” الاجتماعي صريحاً فعن طريق الحرمان من ذلك المركز والتظاهر برفضه… لحظة يتحول الوضع القائم بالفعل أو يكون على وشك التحول، لو لم يظهر في المتون “تحول مضاد” يتمرد عليه المثقفون من مواقعهم في الهوامش لو لم يصبح الواقع الجديد مؤامرة لا يقدر على كشفها إلا وعيهم ماذا يبرر وجود “مثقفين” أصلاً؟ وما الفرق بين انحياز المثقفين للجيش – عملياً – ومنطق “اللجان الشعبية”؟
يخطر لي الآن أن الناس انقسمت منذ أول يوم وإن بدا أن الشعب الذي يمكن أن نسميه شعباً كله في ميدان التحرير. وقبل حتى إثارة البلبلة وتكثيف الخطابات الموجهة إلى عقليات جاهزة للارتعاب والانتماء القبلي، تقديس الرموز وتصديق الخرافات، عقب الهزيمة المنكرة للشرطة والتي لم يعلن فرد واحد من أفرادها انضمامه للمتظاهرين بالمناسبة، ولا فرد كان أول رد فعل للنظام هو الترويج للفوضى والجريمة قولاً وفعلاً وجعل اشتراكك في الاعتصام يمثل تهديداً (حقيقياً أو متخيلاً) على بيتك بما ومن فيه، الأمر الذي أدى إلى انطلاق شعارات مثل: يا أهالينا ضموا علينا. يخطر لي أن اللجان الشعبية بغض النظر عن “تجاوزاتها” كانت التعبير الأصدق عن الأبوية البوليسية نفسها التي قامت الثورة ضدها، ورغم أن الانشغال بحماية الممتلكات والأرواح لم يكن حكراً على المعادين للتحرك: القيم التي مثلتها اللجان الشعبية كانت بحذافيرها قيم الثورة المضادة. يخطر لي ذلك وأشعر بانقباض، كلما حدست أن البلد أقرب من معتصمي التحرير إجمالاً إلى اللجان الشعبية. وإلى الآن كلما تأكد الحدس أذكّر نفسي بأنه عبر أنحاء مصر في الثامن والعشرين من يناير 2011، ظهر الله. وإلى أن ينجر الخائفون إلى كلام يشبه كلام النظام الذي سقط عن أن هناك مصالح استراتيجية لدول تستهدف أمننا وسلامتنا أو “أجندات” نحن طبعاً فل الفل دائماً، وعلى اعتبار أن حكومتنا لم تنفذ أبداً، وضد رغبة شعبها، أجندات دولة لا تزال تُعرّف في الأدبيات الرسمية بكلمة “العدو”، لا يمكن أن يحدث عندنا شيء سيء إلا لو كانت هناك مؤامرة لإيذائنا من جانب جهات خارجية تستغل سذاجة المتحمسين، وعلى اعتبار أن الانفلات الأمني وتعطُّل “عجلة الإنتاج” شيء سيء، بل وعلى اعتبار أن القمع مقبول طالما أنه يأتي من الجيش الذي حمى الثورة سيخطر لي أنه الجنون ذاته الذي يصيب أباً فقيراً ليس في بيته شيء ذو قيمة وهو يبالغ في تأمين البيت خوفاً من الحرامية، وعندما يضج أبناؤه بالحياة التي يعيشونها معه لا يتردد في الاستعانة بصديقه أمين الشرطة ليبيتهم ليلة في الحجز حتى يقدّروا النعمة التي هم فيها فيكون قد لقنهم درساً يعينهم على صعوبات الحياة.
ومع ذلك فإن المثقفين والمسيسين حين يتحدثون عن الدولة المدنية، لا يضعونها على نقيض الدولة العسكرية القائم تهديدها بشكل مباشر؛ المدنية التي يقصدونها هي اللا-دينية (أليس مضحكاً أن يحدث تحالف بين الجيش والإخوان المسلمين بل وبين الإخوان المسلمين وبقايا الحزب الوطني من أجل تمرير التعديلات الدستورية؟) وهو ما كان المثقفون والمسيسون مشغولين به دون النظر إلى المجتمع المحيط بهم من قبل حتى أن يتنحى مبارك: المادة الثانية من الدستور، والدولة اللا-دينية. ومدفوعاً بتضامني الصادق معهم، أنا، وجدتُني أتساءل: عندما تصبح مصر دولة مدنية بحذف المادة الثانية من الدستور، هل يعني ذلك أنه لن يكون فيها ذقون ولا مخابيل ولا جيران يحشرون أنوفهم في شؤون جيرانهم أو بوليس آداب؟ هل أن مصر ستكون خالية من حاملي “السنج” المكشوفة صدورهم وقد “ضربوا” برشاماً تحت أعين آباء متقيحين من واجبنا احترامهم وهم يدفعوننا على سلالم العمارات مفضّلين أن نموت على أن نستمتع بمباهج الحياة؟ هل يضمن الدستور حق الاعتراض على التفاهة والغباوة في الأوساط والعياذ بالله الفكرية؟ وماذا عن أمي وغيرها من المتدينين العاديين جداً في الحياة؟ (أمي نفسها التي كانت ترفض وبشدة إلغاء المادة الثانية من الدستور ستقود فيلقاً كاملاً من أصدقائها وأقاربها مع الخادمات والبوابين إلى صندوق الاقتراع ليصوّتوا جميعاً بـ “لا” للتعديلات الدستورية، وفي يوم هكذا سيخبرني الجميع إثر عودتي فاقت فيه سعادة “الناس العاديين” سعادتهم بالثورة، لأنهم ولأول مرة في حياتهم ظنوا أنفسهم يشتركون فعلاً في تقرير المصير… والمصير لا يقرره إلا المضطلعون الذين لهم سنوات طويلة بـ”العملية الانتخابية” من ذقون وفلول وأناس يحملون الهراوات.) مصر دولة مدنية؟ طيب! بين يوم وليلة إذن سيكف البنات عن التحجب من تلقاء أنفسهن، وستكف القوادة باسم التحضر في المقابل بين طلائع لن يكونوا جهلة ومستهترين ولن يضحوا برغباتهم الأصدق من أجل المناظر والمكاسب. سيمكنك أن تقبّل حبيبتك على النيل دون أن تكون من مُلّاك السيارات ودون أن يظهر لك مخبر أو واحد يعرض عليك، بسعر ابتزازي، “قعدة عائلية”. وستتخذ الصلة بالغرب أشكالاً غير نموذج “الخرتي” الراغب في الهجرة بأي ثمن، مؤجّر جسده في سبيل “الحرية”. وحتى العلاقات المثلية عابرة الثقافات أو الطبقات ستكون بين ندين فعلاً بدلاً من أن تظل بين غني عجوز وفقير شاب ليس بالضرورة مثلياً… هكذا بين يوم وليلة… بمجرد حذف المادة الثانية من الدستور، لأن مصر الآن دولة مدنية. لا للتخلف. لا لقمع الحريات. لا للدولة الدينية. وقّعنا البيان الألف وخمسمائة ومليون وخرجنا نبحث عن خمرة ونسوان بينما زوجاتنا يُرضعن العيال في البيوت هيييييييييييييييييييييه! مصر دولة مدنية. ليس عن تعاطف مع الفكر أو النشاط الإسلامي أبداً، خمس مرات في اليوم كنت أردد: اللهم إني أبرأ إليك من الثقافة والمثقفين. وعلى “الفيسبوك”، من الكويت، انتبهتُ إلى “إبراهيم” يقول إن هناك الكثير من ضباط البوليس الشرفاء ومثلهم في المجالات كلها التي كان يسيطر عليها النظام. كتبت لإبراهيم رداً على ذلك أنه في بلد من العادي فيه أن يتحول المجند إلى خادم منزلي لدى ضابط شرطة هو نفسه بالكاد يجد قوت يومه، من الصعب الكلام عن مواطنين شرفاء؛ لم أكتب أنني لا أعرف، في السياق، ماذا يمكن أن تعني كلمة شرفاء. ومن ينطق بكلمة وعي أمامي، من الآن فصاعداً، سوف ألكمه في وجهه بلا تحذير.

فتنة الغضب

تبدأ المسألة بتجنيد الشعب لصالح أغراض النظام، ويتضح أن هناك استعداداً لذلك من جانب قطاع عريض من المعدمين والمجرمين والعاملين في الحكومة سواء رسمياً أو “من تحت لتحت”. لكي تَخرج “مليونيات” على الجانب الآخر من الحائط اللامرئي الذي قام بين “الميدان” وما سواه، يصبح هناك بلطجية يسمونهم “مؤيدي مبارك” إلى أن يعترفوا، وبعد إخفاق المصلحة في مواجهة الإرادة، بأنهم بلطجية وأنهم مسلحون. ليس فقط نتيجة إخفاق المصلحة أمام الإرادة، وبدليل أنهم لا يعترفون بتعاون البلطجية مع أجهزة الأمن ولا يسعون لتمييزهم عن المتظاهرين واللجان الشعبية (المفترض أنها محايدة) حتى بعد أن يُعلن عن سقوط مبارك. بالتدريج يصبح هناك شيء اسمه بلطجية، ويصبح هذا الشيء سبباً ليس فقط في أن يرتعب الناس عامة من “الانفلات الأمني” فينادوا بعودة الشرطة ويحملّوا المتظاهرين مسئولية حدوثه ولكن أيضاً في البطش بالمحتجين ما إن تقل أعدادهم بما يكفي لفعل ذلك في خفاء نسبي. وحتى المثقفون والمسيسون و”شباب الغضب” أنفسهم، لكي لا يغامروا بتحالفهم المفترض مع المجلس العسكري الذي تولى عن نظام مبارك مسئولية حفظ الأمن والاستقرار – لكي لا يعترفوا بأن المجلس العسكري ليس سوى نظام مبارك – يمتنعون عن التظاهر في غير الأوقات المتفق عليها ويتبرأون من خارقي حظر التجوال (علماً بأنه لولا خرق الحظر في الفترة من 28 يناير إلى 11 فبراير، لما “نجحت” الثورة أساساً). يصبح الاحتجاج السلمي مع الوقت بلطجة يعاقب عليها القانون. تتحول الثورة وبعد “نجاحها” إلى فتنة

Enhanced by Zemanta

سموات الريفييرا

السموات الخلابة. المثقلة بآفاقها. كأنها الخلفية الجاهزة للوحة تصور حقول “الميموزا”. والمقننة بالـ”فوتوشوب”. الزاحفة على زجاجة سدادتها جليد. بلا عمود فقري. سموات لـ”وليام ووردزورث” إثر رجوعه من “الباستيل”. وسموات “الحنجرة” القديمة. التاريخ تحت إبطها ورصيدها الائتماني لا يكفي فنجان قهوة على الشاطئ. سموات هي الأسقف الخلابة للشاطئ. والتي تغمض على درجات الرمادي تحت زوايا مثلثاتها المتفصدة بالبخار. والتي ليست زوايا. سموات تضع أفيونة تغيير العالم تحت لسانها ثم تنحني لليخوت. أقرب إلى البنفسجي من الأصفر. ورغم أنف زهرة الميموزا. السموات التي هي سلالم موسيقية للنظر. جعلت من الله عصفوراً (كما يقول “وديع سعادة”) ولم تدعه يزقزق للشعوب. السموات المنتهَكة. المؤثرة رغم ابتذالها. المبتهجة بالغيم. “ليه يا بنفسج بتبهج”. وتهدُّج “عبد الحليم حافظ” على الوطن والعيون السود. سموات الشِعر الرومانتيكي. رموشهم ليل. ولا مكان لـ”عبد الناصر”. الحالمة بتغيير العالم. التي تثقلها آفاقها. الأفيونة لا تفارق لسانها فيما الشعوب تنتظر الزقزقة. سموات الحرية. سموات المساواة. سموات الإخاء. التي حين تأتي الشمس تشيح بقسم من وجهها عن القمم الغائصة في الزبد فيفوح الصنوبر أخضر وقريباً من الأمواج. الدين للثورة المضادة والوطن للمصطافين. وسموات الأمواج أيضاً. المبحرة بلا شوارع. الباقية بعيداً. والزرقاء رغم أنفها. الزرقاء بلا دماء. الزرقاء بحق الاحتجاج السلمي. والزرقاء بالأبيض وأسود كذلك. الزرقاء بالليل

الثورة والطغرى

تصاوير

لم يمر أسبوع على تنحي مبارك حتى صدر – أخيراً، عن دار الشروق – “كتاب الطغرى”، كأنه هو اﻵخر كان معتصماً في ميدان التحرير ينتظر الفرج: أجندة مندسة ضمن أجندات عمر سليمان التي أشبعناها سخرية بينما المروحيات تحوّم في اﻷسبوع اﻷخير.”الطغرى” هي أولى رواياتي التي ترقبت صدورها طوال عام دونما أعلم بأن ثورة ستحدث أو أتنبأ بتغير جذري في الحياة. وحيث أنني – حتى أنا – لا أعرف بماذا يجب أن أشعر وأنا أقلّب صفحات الكتاب اﻵن، ينتابني شيء من الحرج حيال إعلامكم بصدوره.

لا أخفيكم أن الثورة جعلت نشر “الطغرى”، كما جعلت كل شيء سواها، أقل أهمية بما لا يقاس. واﻵن ليس من عزاء، ولا مبرر لبجاحتي في إرسال هذا البريد، سوى أن الرواية نفسها هي صورة للمدينة التي أنتجت الثورة قبل ثلاثة أعوام من حدوثها (أنا أتممت الكتابة في بداية 2010، وحصرت اﻷحداث في ثلاثة أسابيع من ربيع 2007). هذا، وتلتقي الطغرى مع الشعب – بكل التواضع الواجب – في إرادة تغيير النظام: السخط على الوضع القائم واستبصار مؤامرة ضد الحرية في طياته، والبحث عن هوية تناقضه وتدفع الثمن.

أهنئكم وأهنئ نفسي بالثورة، أتمنى أن يكون لـ”كتاب الطغرى” من بعدها وقت أو مكان. وبرغم المجهود الذي بذلته في إتمامه وأي فائدة قد ينطوي عليها، سيظل الشهداء دائماً أجدى منه باهتمامكم.

دموع الفرح من ميدان التحرير منذ مساء 11 فبراير

This message is to inform you of the publication by Dar El Shorouk of my first novel, Kitab at-Tugra (or Book of the Sultan’s Seal, a portrait of Cairo set in 2007 and completed in 2010) within days of the triumph of the 2011 Revolution. I submitted the book for publication at the start of 2010, and I waited a year to see it in print, but it is hard to be very excited about its appearance with Dar El Shorouk now that something so much more important has happened. My consolation – and where I got the nerve to send this message nonetheless – is that Kitab at-Tugra was a sincere attempt at picturing a city unwittingly poised for revolution, and that – like the people who worked the present miracle, of whom, very humbly, I claim to be one – it too sought to bring down the order. The fate of the martyrs of Tahrir will always be worthier of your attention than my novel.

Enhanced by Zemanta

في النهار اليوم

 

عدتُ لتوّي
من هناك
بقلم يوسف رخّا

 

عزيزي،
تحية من البيت الصامت حيث الحياة كما هي أو حيث لن يعود شيء كما كان. أبداً، على الإطلاق: هذا ما يجهله المتذمرون. كأنهم حين يطالبون برجوع “الشباب” من “الميدان” – “وكفاية بقى!” – إنما يغمضون أعينهم عن الشيء الوحيد الحاصل بلا أي شك:
أن حركة لا سبيل إلى إيقافها تحفر الوعي والواقع على حد سواء، ولا رجعة الآن في شكل متجدد لأيامنا حتى لو خمد الشباب.
كأنهم بالتذمر إنما يمارسون على أنفسهم ضرباً من خداع الذات، واهمين أن الأشياء يمكن أن ترتد إلى ما كانت عليه وهو لا يمكن ولن يريدوه على الأرجح، حتى هم.
فصام جمعي في المساكن المستنفرة والطرق المنقوشة بالدبابات. وحتى لب الاعتصام بدأت تصيبه بارانويا من الدخلاء وأعراض أخرى مربكة للعزلة والاستماتة، بعد كل ما تهدّدَه من عدوان. فهل يأتي يوم يداني فيه تصميمنا الجمود الذي سيّلناه؟
الآن بين ثوار “التحرير” – لا أذكر واقعة التحرير التي سُمّيت الساحة باسمها في الأصل، للمفارقة – لم يعد الأمر قاصراً على يوفوريا الهواء، وبرغم امتناني شخصياً لإمكان التنفس… الخوف أقسى على الناس من غضبهم، وإدراك متأخر جداً أن البلد في قبضة عصابة!
مستحيل أن أشرح، ولا أدري كيف أصوغ ما يجب أن تنقله عني إلى الأصدقاء. طمئنهم ليس على أرواحنا ولا وحدة كلمتنا ولكن على بوابة نعبر من خلالها جميعاً، مَن أقر منا بوجودها ومن أنكره، ولا نعرف شيئاً عما ينتظرنا خلف الدخان.
هل قرأتَ ساراماغو؟ هل استمعت إلى الشيخ إمام؟
مشهد الشباب بخوذات مهندسي البناء الصفراء وعصيهم تتقدمهم وسط أسراب العائدين على الأقدام في ضوء سيارة واحدة بعيدة فوق الجسر المظلم: هل لك أن تتخيل أن الخوذات لحمايتهم من الحجارة والمولوتوف إن لم يكن الرصاص؟ وأين مما يحدث وراء السلك الشائك ألق النهر المنساب على الجانبين، تحت أضواء المدينة الخالية؟
عزيزي،
لا نهاية للمشاهد والملاحم ولا ضرورة – بعدُ – لتمجيد أي شيء. كلنا الآن يحتمي بكلمة مصر، ولم يجرؤ أحد على الاعتراف بأن مصر هي أكثر الأشياء مرونة بيننا. مصر التي جبلتنا على الخنوع والفساد لها اثنا عشر يوماً متوقفة عن الحركة، وثمة مصر أخرى هشة وشفافة ولامعة كالزجاج، تلك التي لم تزل في حناجر الآلاف ممن أدوا صلاة الجمعة بأحذيتهم على أسفلت الكوبري، في طريقهم إلى الميدان حيث من يفتشهم يعتذر لهم ويهنئهم بسلامة الأبطال. في مصر الثانية هذه أثبت الناس أنهم قادرون على المبادرة والتنظيم والالتزام بل واحترام الغير، واختفت تماماً زواحف الطائفية والتحرش الجنسي، البلطجة والكذب المنظم. لن تسقط دولة ميدان التحرير بأبسط أو أسرع مما تسقط به دولة مبارك، لكن الآتي مصر ثالثة ستحدد معالمها قبل أي شيء قابليتها على وأد الثورة.
أخبر الجميع أننا حتى اللحظة بخير، وأننا متمسكون حتى الرمق بفرحتنا

عن قصيدة “الأسد على حق” لألن جينسبرج

“ليس فردوس رضاك يا زئير الكون كيف اصطفيتني”

*

أرجع من الإسكندرية عبر طنطا لأجد الثورة أسفل سريري

ومَثنيَّ الجذع على ضوء أبجورة الكومودينو، وجهي بمحاذاة المُلّة

أتبين الملايين تركض وتدافع عن نفسها بالحجارة، كل واحد عقب سيجارة لا يزال مشتعلاً

يرفعون لافتات كالطوابع ويحفرون شعارات أكبر من أجسادهم على الباركيه، أتسمّع هتافهم

***

وكأس الفودكا الأخيرة لم تتبخر من جمجمتي منذ واحد سكندري لم يُعمَل في رشدي

عظمي المخمور يقرقع وأنا أغالب البكاء ممزِّقاً ملابسي في الشباك:

الثورة حصلت يا أولاد القحبة، الثورة حصلت بجد!

***

وقد تركتُ حبيبتي في شارع بن الفارض عند بتاع المخلل تستقبل الفلول

مفتقداً لا الواحد ولا البحر، لا وجه أمها المترمل منذ ساعات ولا أباي الميت قبل عشر سنين

ولا خلف مقهى الأحمدية ولياً كان ذَكَرُه – ضمن الكرامات – أكبر من هراوات الشرطة العسكرية

بل أذني التي ابتلت في الأظاريطة لأن دموعها كانت تقطر من سماعة الموبايل

***

ألطّخ ملابسي بالحبر الأحمر وأُسرع إلى العمل لأرقد على عتبة المدير

لم تكن الثورة مع الزملاء ولا في المترو ولا حتى في حناجر شهداءٍ يُبعَثون بلطجيةَ أمنٍ مركزي

هائماً في ملكوت سكك حديد مصر كيف لم أضبطها حتى هربتْ إلى غرفتي؟

***

مضعضعاً بعدما نمت ليلتي في حمام المصلحة أوشوش عامل البوفيه: بلا ثورة، الحياة لا تُحتَمَل

هل تعرف أن ابن الفارض قال إن موت العاشق حياة والقتل أفضل من الهجر

المؤسف أنه كما أن لا تغيير بلا مذابح كذلك لا زمن بلا انتظار، هل تعرف الملائكة…

الملائكة؟ يسألني متهكماً وهو يتحسس صلعة كالجلمود ويطالعني بشفقة، يقرضني خمسة جنيه

***

أسعى إلى إحدى اللبؤات أسداً يحمل كشكولاً لأخبرها بأن الثورة ليست في ميدان التحرير

ومحتسياً فرابيه من مؤخرة سموذي بعد ثالث دابل إسبريسو في أحد فروع سيلانترو

أزعق في كاتوليكي مراهق من فوق شاشة اللابتبوب: لا شيء اسمه الغيرة القضيبية!

***

من الدقي إلى التحرير مرات عديدة صحبة شاعر شاب هو الآخر من طنطا

أتأكد من فشل الجهود حين لا ترد حبيبتي على الموبايل وهي ثكلى

وإذ جلس زيزو مع فتاة أردنية ليلة جاءني التليفون، هل كان مصابها المفاجئ عقد ارتباطنا؟

***

عندما ترد أخيراً أقنع صاحبي الشاعر أن اعتصاماً بجد في غرفتي، ننطلق بلا سلاح

وزاحفاً ورائي على ركبتيه من جنب الكومودينو بشورته البرميودا كمندسّ يتلصّص

جموع المحتجين حول كعكة حجرية هي عبارة عن نعل قديم، مثلما كنا تماماً

الدبابات علب ثقاب والإف-١٦ كالدبابيس وغوغائيون سفلة، بين المُلّة والمرتبة قناصون بالليل

***

نضاجع المخدات بعد أن أقول لصاحبي إن الله في القضبان والثورة بلا واي-فاي

أتخيل حبيبتي راكعة أمامي ببلوزتها السوداء، فجيعتنا الفردوسية وأنا أقذف في حلقها

وحين توقظنا أمي في الصباح لا أقاوم، أرى الخادمة ومكنستها الكهربائية عليها ختم النسر

أرى العَلَم يرفرف في أيدي مخلوقات فضائية وأعرف أننا لن نهزم إسرائيل

يغتاظ صاحبي والقذى في عينه حين يمتد خرطوم المكنسة تحت السرير

مع ظهور الخيش والصابون أمنعه عن الخادمة بصعوبة: لا فائدة من اغتصابها!

الآن ليس سوى صوت المكنسة وهو يبكي، لا دم ولا حديد يعود باركيه الغرفة نظيفاً وخالياً

وحيث كانت الدواوين على الرفوف زجاجات ديتول وبليدج، إسفنجات وخرق منمقة

فجأة يشهق سريري على صوت السرينة، تشتعل الملاءات وتنفجر المرتبة

يتفصد الكومودينو عن أسد هصور يزأر ويختفي صاحبي والكتابة على الحيطان:

سنوري حين يمارس الجنس يقذف كل عشرين دقيقة ولسانه أخشن من ورق الصنفرة

***

أيتها الحبيبة المنتحبة يا مانحتي الأورجازم النهائي لقد انعقدت حياتانا بالموت

لقد رأيتُ الآتين والغادين قبّلت ذوي اللحى وجريت من شاهري السنجة على سلالم المترو

حملتُ سيدي مجاهد إلى ظلمة القبر لأُطمئن أباك ونعست مقرفصاً بين مقصورتين

لقد وجدتُك أسفل سريري وجيش أمي في الغرفة، سلّمت رقبتي لفم الأسد.

لتحميل “يظهر ملاك” – شعر

The Revolution for Real: Cairo, 2011

After Allen Ginsberg’s The Lion for Real

O roar of the universe how am I chosen

I come home from Alexandria via Tanta to find the Revolution beneath my bed
And with bent torso in bedside lamp light, my face level with the mattress boards
I make out millions scurrying and defending themselves with stones, each a cigarette butt still sizzling
They raise placards like stamps and carve slogans bigger than their bodies into the parquet, I hear their chants

The last shot of vodka not yet evaporated from my skull since a possible lay never accomplished in Alexandria
My drunken bones crackle while I resist weeping, tearing off my clothes in the window:
The Revolution has happened, you sons of bitches, the Revolution for real!

I leave the house on Ibn Farid Street above the biggest pickle store in Tanta, my lover letting in condolence-paying Remnants of the Fallen Regime
Missing neither lay nor sea, neither her mother’s face widowed hours before nor my father dead now for ten years
Nor beyond the Shrine Cafe a Saint whose member (among the miracles) was bigger than the batons of the Military Police
But only my ear which got wet in Alexandria because her tears dripped from the mobile earpiece

I splash red ink onto my clothes and rush to work, lie down at the manager’s door
The Revolution was not with my coworkers nor at the Metro nor even in the throats of martyrs resurrected as thugs of Central Security
Drifting through the realm of the Egypt Railway Company, how come I never caught it till it fled to my room?

Ruptured after I sleep my night in the office toilet I whisper to the Tea Boy : Without a Revolution, life is unbearable
Did you know Ibn Farid said the death of lovers is blissful living and murder preferable to abandonment
The sad thing is that as there is no change without massacres so there is no time without waiting, are you familiar with angels?
Angels? the white-haired man sneers, rubbing a bald head like a boulder and staring pityingly, he lends me five pounds

A lion bearing a Moleskine I seek out one of many lionesses (a lioness, where I come from, is another word for slut) to tell her that the Revolution is not in Tahrir Square
And savoring a frappe riding on the back of a smoothie after the third double espresso at a major outlet of Cafe Cilantro
I scream at an adolescent Catholic from behind the screen of my laptop: There is no such thing as penis envy!

From Dokky to Tahrir many times in the company of a young poet also from Tanta
The failure of our efforts confirmed when my lover, bereaved, does not answer the phone
And while Zizo dallied with that Jordanian girl the night my lover called to tell me, was her calamity the convent of our togetherness?
When she picks up at last I convince my poet friend there is a sit-in for real in my own room, we set out unarmed

And in Bermuda shorts he follows me on bare knees past the same bedside table, a snooper planted among the misled young
Throngs of protesters are gathered round Tahrir’s iconic Stone Cake now turned to an old shoe sole, exactly as we were
Matchbox tanks and F-16s like pins — insolent marauders — between the mattress boards and the sheets snipers by night

We copulate with the pillows after I tell my friend God is in the rail tracks: No revolution should have free wifi
I imagine my lover kneeling before me in her black blouse, our heavenly grief as I come in her throat
And when my mother wakes us in the morning I do not resist, I see the maid holding the Hoover with the the republic’s Eagle on it
I see the republic’s flag itself fluttering above the heads of aliens and I know we will not defeat Israel
My friend furious with the sleep in his eyes while the Hoover trunk slips under the bed
When the mops and soap appear I have trouble keeping him off the maid: No point raping her now!
Only the sound of the Hoover while he sobs, no blood or iron, the parquet floor is empty and clean
And where the books of poetry used to be on the shelves are bottles of Dettol and Pledge, sponges and neat trellissed towels
Suddenly my bed exhales to an armored vehicle siren, the sheets catch fire and the mattress burns
The table morphs into a fearsome lion roaring and my friend has disappeared, the writing on the wall:
A PANTHER WHICH DURING SEX EJACULATES EVERY TWENTY MINUTES, ITS TONGUE COARSER THAN SANDPAPER

O mournful lover, giver of the terminal orgasm: Death has knotted our lives
I have seen the comers and the goers, kissed the Wahhabi beards and ran from the blade-wielding Remnants on the Metro steps
I have carried the Saint into the darkness of the grave simply to reassure your father, nodded off between two compartments of the Cairo-wending train
I have found you beneath my bed with the army of my mother in the room, I have surrendered my neck to the mouth of the lion.

Rewritten from Arabic by the author

مازالوا يدفعوننا، الريفييرا والدبابات، الموت فرحاً

25, 28, Postmortem, Exorcism

 

بريق اللافتات. والصاخبون. والذين تركتُهم مطمئناً. وللمرة اﻷولى منذ اجتمعنا. والمخيمات التي يسكنونها. وطعم الهواء خلف الحواجز. والذين تركوا أشغالهم ليجمعوا الزبالة. وبائعو اﻷعلام مع بائعي التسالي. ولينظمونا صفوفاً في الدخول والخروج. والذين عزّلوابعائلاتهم. والنائمون تحت الدبابة. علامة النصر باﻹصبعين. والذين يفتشونك ويعتذرون. والنائمون في العراء. وكذب المحطات الرسمية. وفي أحضان الله. والكلام المقيّئ. والذين يقبّلون الجنود. والخيانة على صفحات الجرائد. والخيانة بلا أجندات. وحاملو اﻷرغفة والفواكه. الشاي في الكوب البلاستك. والسيجارة المشتعلة من سيجارة. وصورة تذكارية مع الدبابة. الذاهب واﻵتي. ومرحباً باﻷبطال“. ومَن راح حسه وهو يهتف. والخوذة المرتجلة في النار. والكوكاكولا لغسيل الوجه. وفي الطوب والحوافر والعصي. الجري ثم الرجوع. وأحضان الثكالى. والمتليف جلده بالشظايا. أوجع قلبه ما حدث لهم. والكوكاكولا بثلاثة جنيهات. ومع علبة كشري صغيرة. ولا يجد حرجاً أو غضاضة. ولن يقبل اﻹملاءات اﻷجنبية. ويقولون إننا مضللون. حاملو الجرحى عبر المداخل. وخراطيم المياه على الساجدين. والساجدون على اﻷسفلت. والذقن والشعر واﻷحذية. ويقولون إنه على كلٍ رئيسنا. سائق التاكسي الخائف. ورافعو الصليب المقدس. وسائق التاكسي الخجول. والذين دهستهم العجلات. صورة الرئيس مع الحذاء. ومشيعو اﻷجساد واحداً بعد واحد. والذي مات قابضاً على الطلقة التي أخرجها من عنقه الطبيب. والذي اختطفوه وأحرقوا وجهه بالسجائر. والذي مات في المرة الثانية. من يهتف لا يمت. والقنص من فوق أسطح الفنادق. والقنص تحت ستار الليل. والشعارات في الرصاص. والذي واجه المضرعة لوحده. والقلق على البلد ككلام المأجورين. وتحت غطاء الليل. أكثر من معنى لجبهة. واستغاثات اﻷطباء. والنازفون على السلالم. وخسّة الشرطي. ومَن حمل القنبلة وقذفها عليهم. ومِن وسط دخان التشنج. ومن حل محلهم وهم يركضون. والذي منع زميله من ضربهم بالحجارة. والنيل ليلاً. والجندي الذي قال لي: كيف أضربكم وأخي بينكم. وضابط الجيش الذي غمرني بذراعه. والشعب يريد إسقاط النظام. ودقات الطبول إيذاناً بشيء. والكارثة. والساحات المدمدمة كالمناحل. ودقات لتنغيم الشعار. الانتظار والذراع مرفوع بالبطاقة. ومن كان شرطياً سيُذبَح. والجلوس على الرصيف. والموت ضرباً. والموت بالنهار. والمطر على الجباه. الشعب يريد محاكمة الرئيس. وعيون الخارجين من المساجد. وأطفال العشوائيات. وما يبقى من السيارة بعد أن تحترق. والانفلات اﻷمني. والرشاش في المرحاض. وأفواج اﻵتين بعد أن يأمنوا. واﻵتون مع أصدقائهم. واﻵتون مع أقاربهم. واﻵتون لوحدهم. ويسقط مبارك

لتحميل “يظهر ملاك” – شعر