أيها المصريون المتفرجون عن عمد.. لا عن حسن نية، ممصمصو الشفاه كالعوانس، الخاذلون المخذولون الكذابون على أنفسهم وعلى ضمائرهم وعلى الناس، يا سلالة الجبن والعبودية وانحطاط الروح، يا كفار، يا عبدة كل وثن باسم اله لم تعرفوه ولم تريدوا معرفته. تتصورون الها على مقاسكم “مصلحجيا”، مخادعا، منافقا، تافهما، شكليا، عنيدا في الجهل، لا يلويه شرف الغاية عن خسة الوسيلة.
يا لصوص أقاربكم واخوانكم، يا حثالة النفاق وحصيلة طأطأة الرءوس، يا منتجي الخزي لأبنائكم والذل والعار لبناتكم، ما لأجلكم يموت الثائر بل لأجل شيء لن تعرفوه، أنتم صفيحة القمامة التي تتأذي من روائح الورد، انتم امتداد طبيعي لمنيّ التاريخ المتخثر العفن في أصلاب آبائكم. أنتم ظل انحائة على الأرض.
عيشوا طويلا فانتم الموتى.. يا الله! وكأنهم لا يعرفون ذلك
- مهاب نصر
***
لا الاعلام ولا طنطاوي وشراميطه كان قدروا يمسوا شعرة من المصريين لو ما كانش اغلبية المصريين عبيد
مثلما تكون مقاسات البنطلونات الجاهزة واحدة في كل مكان وفق نظام أو اثنين للقياس، نعيش كمجتمعات في عالم معياري لديه شروط واحدة للجودة، وبالتالي شروط واحدة للانتاج والمعرفة وحتى للقيم الجمالية.
لا يعني هذا أنه لا توجد اختلافات مطلقا بين مجتمع وآخر، بل إن هذه الاختلافات لابد أن تصب في النهاية في الماكينة القياسية ذاتها.
يمكن مثلا دعم وتكريس ثقافة دينية أو عقيدة محلية في مجتمع، مثلما يفعل الأميركان في الدفاع عن اتباع الدلاي لاما، أو ابداء الاحترام الزائف للاسلام التقليدي والأصولي، ولكن بشرط التوقيع على اتفاقيات حماية الملكية الفكرية والجات وما شابهها، واعتبار النظام الرأسمالي حقيقة أعلى من الله نفسه.
مثال:
يمكنك بالطبع أن تفتح محل ترزي “شُكُك” على ناصية حارة، ولكنك ستكون وضعت نفسك في الحال على عتبة في هذا السلم القياسي، بناء عليه تتحدد مكانتك من العالم، كما تتحدد مكانة دكانة “ترزي”، من “ايف سان لورن” أو بوتيك “نرجس” من مجموعة “دبنهامز”. وهذا تقريبا موقع المجتمع المصري من المجتمعات “القياسية”. بل هكذا كان، وهو اليوم أقل بكثير.
يعني هذا أنك لا تستطيع في هذا العالم أن تعيش وفق صيغة محلية، ولا أن تقول: “نحن وهم”، الا بشكل مجازي لارضاء ذات جريحة، لها موقع متدن في السلم، لأن هذا يوفر لها الشعور الزائف بالندية، بينما هي منخرطة تماما داخل التركيبة الكبرى (هذا حال الاخوان مثلا).
وهناك حل آخر وهو أن تكرس أكثر طريقة “الترزي” المحلية، باعتبارها شكلا يكسر رتابة وملل الانتاج القياسي. وبالتالي تسوق نفسك لسكان أول درجة في السلم على أنك “شيء مختلف”،”حاجة اكزوتيك”، ولا يحدث هذا في بيع طاقية شبيكة أو سبحة أو مبخرة تمثل الاصالة من خان الخليلي فقط، بل يحدث أيضا على مستوى الافكار. فسكان الدور الأعلى يحتاجون من اجل كسر الملل، وتشتيت الانتباه، الى مخدة “هاند ميد”، كما يحتاجون بن لادن والاخوان المسلمين والريس متقال. انهم بالنسبة اليهم متحف مثير للتأسي والشجن، وهو في نفس الوقت دليل على تجاوزهم لهذه المراحل من الطفولة الانسانية، أعني أنه اشارة طبقية حاسمة ولذلك ليس لديهم مانع في الانفاق ببذخ من أجل ابقائهم.
ومن هذا الباب تأتي تهنئة الولايات المتحدة أخيرا بعد انتخابات المغرب، واستعدادها للتعاون مع الاخوان المسلمين: أي كمسخة حضارية. وهو ما يعني أن يدخلوا العالم القياسي لكن من الباب الخلفي كبائعين متجولين للحجاب وكتب الأدعية وتغيير العملة، وعطور الزيت الرخيصة، أو كفرجة خفيفة الدم لحيوان حضاري في قفص.
حيرة
هناك بالطبع مجتمعات حائرة، وهي حائرة لأنها في غيبوبة مَن صُفع من جهات متعددة، ففي رأسه طنين، وهو يسأل دائما:من أنا؟ رغم ان هذا السؤال لا صلة له بالصفعات التي تلقاها، بل هي تتصل بموقعه الذي هيأ صدغه لكل عابر. وهو ما يسمونه خطأ بأزمة الهوية.
والهوية رغم أنها بمعناها المستخدم الآن في النطاق العربي والاسلامي هي تعبير غربي حديث نسبيا أصلا، الا أن العرب والمسلمين لا يمانعون قط في تلقفها كنعمة، وكسؤال خاطئ، يساعدهم على استناج ما أرادوا أن يستنتجوه من قبل.. وهو أنهم مختلفون. بغض النظر عن مضمون هذا الاختلاف الذي يتطلب سنوات طويلة من البحث في كافة الأفكار والعقائد الانسانية لمقارنتها بهذا “المختلف” وبيان نوع اختلافه، ومدى ايجابية هذا الاختلاف. ذلك لأن الاختلاف لا يضمن بذاته أنك على حق ولا يقول لك ماذا عليك أن تفعل باختلافك، ولكنه يتجاوب مع حاجة نفسية في التميز الأعمى تمر به كل طفولة.
لا تعود الحيرة الحقيقية لهذه المجتمعات في مشكلة الهوية رغم أنها تصرخ بعنف في آذاننا “لابد ندافع عن هويتنا.. ان هويتنا تتعرض لهجمة شرسة”، وذلك لعدة أسباب:
أولا: أن المجتمعات التي تروج فيها هذه الدعوات وتلقى اقبالا شعبيا بالذات، هي مجتمعات فشلت فشلا ذريعا في أن تكون “قياسية” قادرة على انتاج ادوات وسلع ومعارف قابلة للرواج، تضعها على درجة المبادلة الندية.
يتصور أبناء هذه المجتمعات بقشور المعارف التي حصلوها في مدارس وجامعات منحطة ومتخلفة الى أبعد حد، أن بمستطاعهم الحكم على الأشياء، لكنهم لا يستطيعون انتاج شيء الا الاحكام. لا قدرة على البحث أو التحليل ولا حتى على القراءة نفسها، ناهيك عن القراءة المدققة.
والنخبة الثقافية والدينية والسياسية تواطأت على هذه المجتمعات لتقول لها: أنتم أصحاب حضارة.. أنتم كنتم وكنتم، وما عليكم الا الرجوع الى الخلف حتى تعيدوا مجدكم. وما ان يعودوا حتى يصيروا مسخة حقا. يفقدون تماما أدوات القياس لعصرهم، ولتطور المعارف والعلاقات الانسانية التي تراكمت فيه. لكن هذا الاختزال للمشكلة يفيدهم كثيرا لأنه لايبرر لهم جهلهم فقط، بل يجعل من الجهل معرفة قائمة بذاتها، بمجرد تغيير اسمه الى: الأصالة.
فما عليك الا أن تقرأ الأربعين النووية، أو تحضر خطبة مع الاخوة في “عصر الاسلام” حتى يكون بامكانك أن تدير جماعة صغيرة تصبح أميرا عليها. ويمكنك أن تخرج في مظاهرة لتشتم أميركا واسرائيل، وتطلب فتح باب الجهاد مع أنه ليس للجهاد باب، وهو ليس عرضة للاكتتاب العام كما أيام الخلافة الأولى، ويمكنك أن تدافع عن مسلمي كوسوفو، مع الجهل التام بأنهم ربما يعيشون وفق قيم غربية، أو تأييدا لمجاهدي أفغانستان الذين مزق بعضهم بعضا بمجرد الوصول الى الحكم وأهم ما فعلوه كان تحطيم الأصنام كأنهم في فيلم تسجيلي عن الجاهليىة الأولى.
ثانيا: أن الهوية فكرة كالسراب، ورغم أن السؤال عنها هدفه ايجاد خيط جامع، الا أنها لا تلبث أن تتحول الى “شلة” صوف منداة، لا تعرف من اين تبدأ.
الهوية الاسلامية، هل تعني السنية فقط؟ والسنية هل يمثلها السلفيون أو الاخوان أم الصوفية، أم المسلم التقليدي غير المتحزب؟ هي اسلام عمر وأبي بكر، أم اسلام الأمين والمأمون؟ أم اسلام الملك فاروق الذي أراد الاخوان الضحك عليه وتنصيبه “خلفة للمسلمين”؟.
وهل هوية مصر اسلامية أم مسيحية أم فرعونية، عربية أم افريقية أم بحر متوسطية،
الهوية كفكرة عن الماضي حفرة، والباحث عنها يتعثر فيها فيبدو كمن يتحرك، وهو لم ولن يتحرك، انه مثل “عم أيوب” في مسرحية “الجوكر” يمشي داخل “الجزمة الأول..”، والى الأبد.
ثالثا: تجعل الهوية مشكلة المجتمع وكأنها مشكلة أخلاقية، وأسوأ تصور زائف عن مجتمع هو أن تجعله في صورة شخص يجلس أمام مرآة ويسأل من أنا، لأن كلمة مجتمع هي مجرد صيغة لأشكال انسانية بالغة التنوع متضاربة المصالح أحيانا. وهو ما يجعل “الهوية” شعار فضفاض، ملاءة تختبئ تحتها الاختلافات الفعلية، ناهيك عن أنها تمنعك من ابصار وحل هذا التضارب.
رابعا: يتذرع أنصار “الهوية هي الحل” بمواجهة لهويات نجحت في تعبئة ذاتها، ناسين أن الهوية كانت وسيلة دعاية وتعبئة فقط، تتجاوزها المجتمعات الرأسمالية حالما تتضارب مع هذا المنطق أي المنطق الرأسمالي. وان منطق الدولة من أجل تعبئة كل القوى البشرية في المجتمع، وضع فكرة الهوية بين اصبعين، اصبع التلاعب السياسي بها، واصبع يحجمها في صورة ثقافة شعبية اختيارية، لمجتمع يضع هذه الثقافة خارج أبواب البرلمان، والشركة والجامعة. وليس لديه مانع أن تكون احتفالا فقط بالمزازيك في الشوارع.
ليس لدوى فكرة “الهوية هي الحل”، وهذا هو المنطلق الفعلي الخفي لفكرة “الاسلام هو الحل”، أن تفعل في مجتمع غائب عن الواقع الا أن تزيده غيبوبة، معطلة كل وسائله في البحث عن أسبابها. انها عمى وليست بصيرة.
المجتمع الصايع
تحت بيتنا مباشرة كان دكان لتصليح الأحذية يملكه خواجا، ثم حلت مكانه ورشة لصناعة مكملات الأقباس الكهربائية، انقسمت الورشة لخلاف بين أصحابها الثلاثة، ثم أغلقت وفتح مكانها محل نجار، لكنه كان فاشلا تراكمت عليه الديون، فاشتراه نجار آخر لا يقل عنه رداءة. هذه القصة عادية جدا، يفشل الخياط فيتحول الى بوتيك، يحتفظ على طاولة صغيرة بكتالوجات أزياء قديمة، ويفشل البوتيك فيقرر أن يحوله الى سنتر كومبيوتر، وتتكاثر ال”سنترات” فيحوله الى مكتب اتصالات، ثم الى محل لبيع الموبايلات.
هذه مسألة لا تتصل بالتطور، بل في الفشل في ملاحقته، وهي أخطر من ذلك تعني انعدام وجود أي خبرة مهنية متراكمة، ومعها اقتصاد “انت مسؤول عن نفسك”، الذي يعني ببساطة اقتصاد فردي اجتهادي، تفوته الخبرة المعقدة والمركبة لاقتصاد عالمي يحتل هو موقعا فيه كموقع الذبابة من خيط عنكبوت هائل لا يرى أوله ولا آخره، بل يبتعله ويرمي عظامه كنفاية.
لايهتم هذا الاقتصاد بأي تعليم ولذلك انتشرت من أكثر من 20 عاما دعوى حكومية واعلامية، سرعان ما أمّن عليها الناس بغباء، أن على الشاب ألا يتقيد بالشهادة، تقول الام “يا ابني اتلحلح..” و”اتحلح” هذه تعني ضياع كل جهوده على مدار 16 عاما من التحصيل المفترض ليقوم بتصبيع الكفتة، أو يهتف من نافذة الميكروباس “بولاق بولاق بولاق”. كأن هذه الشهادة ليست حصيلة تعليم أنفقت عليه الدولة والأسر من أجل تنمية مهارة أو خبرة معينة، واعتبر المجتمع المصري ذلك بأريحيته المعهودة، شطارة وفهلوة. لأن “الايد البطالة نجسة” لكن اليد التي تسرق وتنهب ليست بطالة طبعا، والله يغفر للجميع.
بنفس الطريقة المضطربة، تغير اقتصاد البلد، ليصبح في يد طغمة احتكارية لا تنتج ولكن تبيع، وتُسمسِر في البيع، محروسة بالفساد الاداري والقوة العسكرية وجماعات البلطجة. وهذا كان يعني:
أولا: عدم الاهتمام بتعبئة المجتمع في صيغة عقلانية منظمة من أجل انتاج منظم، لأنه غير مطلوب أصلا.
ثانيا: مطلوب على العكس تغييب هذا المجتمع باشعاره أولا أن المسؤولية الاقتصادية تقع على كاهل كل فرد فيه على حدة، وباغراقه في صيغ جماعية ثقافية لا تهش ولا تنش وليس لها أي أثر على احتكارات نخبته، وسلطتها المزدوجة المدعومة بالجهل. وهل هناك أهم من الجماعات الدينية في القيام بذلك.
من المعلوم أن الاخوان حتى حينما شكلوا كتلة سياسية في مجلس الشعب، لم يقفوا أمام الخصخصة، فاسلامهم يحب الفهلوة والشطارة، ولم يدافعوا عن آلاف الأسر المشردة، بل كانوا يتذكرونهم في الانتخابات بأكياس اللحم أو الحلوى. ولم يقدموا أي مشروع بديل لاعادة هيكلة الاقتصاد بشكل واضح يؤمن للمجتمع دورا في التبادل العالمي العادل، ولأفراده صيغة كريمة في العيش، فالآخرة خير وأبقى. والله خلق الناس درجات.
ثالثا: تسفيه الأسلوب العقلاني المنظم، خاصة في الحوار اليومي والنقاش السياسي والفكري وحتى الديني، وهو ما ساهم فيه المثقفون أنفسهم، بدعوى البساطة ومضاهاة الخطاب الشعبي، و”خليك عادي”، وغلبة لغة المصاطب و”الشلت”.
وربما لم تشهد مصر قبل عهد مبارك هذا المستوى السفيه من الحوار والخطاب السياسي بالذات الذي جر معه كل الخطابات الأخرى. فالانفراد الكامل والآمن بالسلطة والمال معا، جعل النخبة المصرية في غير حاجة الى أي تبرير وبالتالي ظهر الوزراء الذين يضربون بالشلاليت، والذين يحلفون برحمة أمهاتهم، وظهر رئيس الجمهورية كزعيم للبلاطجة لا يهمه حتى أن يكون كلامه مفهوما.
ثالثا: تكريس الفصل المقصود بين السياسة والاقتصاد، بما يحول القضايا السياسية الى قضايا أخلاقية وليست قضايا مصالح، وهو ما يوقع الناس في الازدواج بين ولائهم الفعلي “غير المرئي” لاقتصاد عالمي هو المحرك الأساسي للسياسات، وبين العداء السياسي للدول التي تحرك هذا الاقتصاد على أساس اختلاف عقائدي ليس هو موضوع النزاع أصلا، ومن ثم يعيشون وفق استعارات سياسية لا واقع لها، فيهتف الاخواني ضد اسرائيل “خيبر خيبر يا يهود.. الاسلام راح يعود” في مسخرة تاريخية تصلح أن تكون عبرة.
وتصبح مشكلة السياسة مشكلة أخلاقية، يسأل كل واحد نفسه عنها، كأنه هو الدولة “احنا مشكلتنا اننا..” وكأن الدولة ليست كيانا مركبا معقدا يحتاج لآلاف الخبرات التي تطرح هذه السؤال وتجيب عنه، لا أن يتحمله ويجيب عنه شخص يجلس على مقهى ويسحب نفس السيجارة ويقول لك “تعرف لو احنا..”.. وهو لا يعرف الى من بالضبط تشير كلمة “احنا” هذه. ولاكم يمكن أن يؤلف عنها من كتب!
رابعا: أكثر الظواهر لفتا للانتباه هي اللغة نفسها، “فحت.. فشيخ” وأخاواتهما، ليست مجرد مفردات بل تعبير عن كلمات لا يهم أن تؤدي معنى محددا، وأحيانا يكون المعنى الأصلي مستوفى في كلمة أخرى معروفة ويمكن استخدامها، لكن استخدام كلمة مجهولة لتقول نفس معناها لا يعني رغبة في التواصل والافهام، بل رغبة شلة أوجماعة في شيء يميزها، دون أن يكون لازما لها في الوقت نفسه. ولا مضيفا لخبرة مختلفة، ولا مركما على لغة تتطور، بل تمزق خيوط معانيها ومفرداتها كمن يمزق عفش بيته، ثم ينام على الأرض مع برودة الصمت. لأنه عاجز عن التعبير عن أي شيء خاص فعلا.
أهم ما كنت تتعلمه حين تنضم الى جماعة دينية هو أن تلوي حنكك بـ”ان شاء الله الأخ فلان، ويا أخي اني أحبك في الله، وسبحان الله وماشاء الله” الاختلاف هو الاهم، هو ما يرسم الصيغة لجماعة وهمية تتوحد في لغة كلغة أهل الحرف والصنايع، هي بطاقة الانتساب. مثلها تماما مثل “اخبارك يا مان..”، ليتخلق مجتمع يتواجد على أرض كلمات توحده وهميا، لكنها تبقي على حقيقة اختلافه أسيرة الغموض. ولهذا يشعر الناس فجأة باختناق غير مفهوم. ويمرون بلحظات اكتئاب غامضة، لأنهم يشعرون ضمنيا بأنهم صنعوا قناعا لشخصايتهم غير قادرين في الوقت نفسه على انتزاعه الا بانتزاع وجوههم نفسها.. لقد صاروا مسوخا.
الله يحل المشكلة
يتدخل الله هنا على هيئة معجزة، فمن يعرف الله؟ لا أنا ولا أنت، لكن يمكننا الحديث باسمه دائما وبجرأة تفوق جرأة الأنبياء.. الله كلمة مخيفة لأنها واسعة وبلا حدود، من ثم يمكن لكل منا أن يرفعها في وجه الآخر حين يريد له أن يصمت، وترفعها الجماعة المقهورة في وجه السلطة كأسلوب ناجح في المنازعة السياسية، كلمة تقول كل شيء، والكلمات التي تقول كل شيء لا تقول شيئا على الاطلاق، خاصة اذا ظللت حريصا وبمكر على عموميتها، لذلك تخرج دائما بزعيق وصراخ أو بنهنهة وبكاء مسعور. لتلقي في روعك بعقدة ذنب مبهمة من شيء لا تفهمه. ولكنك تستجيب تلقائيا لنداء الغريزة المنحطة في الخوف من المجهول.
في كل حضارة متطورة حتى لو كانت دينية، كانت هناك محاولة لاشتقاق العالم والانسان وعلاقاته من فكرة “الله”، ولم يكن ما سمي بعلوم الدين والتفاسير وعلم الأصول “التوحيد”، و”أصول الفقه” وغيرها والاجتهاد الدائم فيها، الا مضاهاة لعلم عام يربط الأصل بموضوعه، الفكرة بالحياة التجريبية، بغض النظر عن دقة البحث في الاثنين. لكن هذا أنتج قدرا هائلا من المؤلفات والصيغ الثقافية.
لم تفعل الحركات الأصولية ذلك، ولم تكتف فقط بهذا الميراث بل اختزلته الى رؤوس أقلام كارشادات المدارس مضيعة روحه الأصلية.
هكذا صار هناك انفصال كبير.. الله في ناحية.. والحياة المتطورة في أخرى، ولا يستطيع أحدهما أن يتصل بالآخر, وهو ما يربي عقدة ذنب يلعب عليها الأصولي فيصرخ في أذنك “عد الى الله” فتبكي. لأن “الله” على طريقته لا يفسر لك لماذا أنت مضطر الى نفاق رؤسائك، ولا لماذا لا تجد عملا، مع انك حاصل على شهادة، ولا لماذا لم تتمكن من اختراع ساعة تؤذن عند مواقيت الصلاة، بينما صنعها أبناء بوذا وكونفوشيوس، واذا كان هذا يمكن تشخيصه عند أطباء الدين بأن لديك ضعف ايمان، فهل الكافر مؤمن؟ واذا كان ايمان الكافر يجعله أكثر التزاما بافكاره ومبادئه فما الفرق بينه وبين الايمان وما قيمته؟ هنا يصرخ فيك مجددا: انت ح تكفر واللا ايه؟!
لا يحل الله المشكله، بل يتحول الهتاف باسمه الى سنجة أو سكين تشبه سكين الصايع التي يتباهى بها مهددا أبناء “الجيهة”. ويا لها من سنجة!
المجتمع الصايع مجددا
من هو الصايع، لا أقصد الدلالة القاموسية، بل ما يفهمه الناس منها؟ لأنها لو قيلت في فيلم لحسين رياض فستعني النبذ والتشرد والاحتقار والخروج الكامل من الهيئة الاجتماعية، لكننا كنا نرددها منذ الثمانينات “يا صايع” بعيون تلمع بالاعجاب، أما في أفلام مخرجي السبعينات ومن تلاهم من هوامش اليسار ودوائر الثقافة النخبوية، فصنعوا منه ايقونة. كانوا حمقى بكل تأكيد، بل برجوازيين أيضا يساومون السلطة على ادراكهم لحقيقة البسطاء، ويشعرون بالنبل نفسه الذي يضفونه على شخصياتهم، وهو ما يدعم برجوازيتهم بدرع واق قوي. كان الصايع في الحقيقة بائسا ومجرما ولايحتمل البطولة التي تلقي عليه مسؤولية أكبر من حدود معرفته المضطربة، كان كتلة من المتناقضات التي تنتهي عادة نهاية مأساوية أو اجرامية. وأحيانا ينزوي عند كبر السن ضعيفا منسيا.
لا نبل أبدا بلا معرفة، ولذلك كان نبل الصايع، اذا كان نبيلا، نابعا من تبنيه مبادئ اجتماعية ملتبسة يخونها المجتمع نفسه، وهي نفسها كمبادئ أخلاقية تبدو وكأنه مطلقة لا تفسر له لماذا تتم خيانتها الا اذا كان العالم، مقسوما بين ملائكة وشياطين، ولا تقول له أنها هي نفسها “أي المبادئ” مشكلة. ولذلك لا يطور صايع الأفلام معرفة جديدة، لا به ولا بالمجتمع، انه مثل أحمد عدوية، يظل مشغولا بالناس اللي فوق واللي تحت، يمدح أم عبده، ويهاجم ابن البرجوازي دون أن يرى الأرض الواحدة التي يقفان عليها، لذا يأتي صوته حتى في عز السعادة مجروحا، كما لو بأثر ضربة مطواة، أو بركلة اهانة قديمة يصعب نسيانها.
الصياعة والسلطة والمعرفة الشائعة البدائية قدر دائر وأقنعة تتبدل على أبناء مجتمع صايع، فشل في تحويل خبرته الى معرفة تطور بدورها هذه الخبرة، وفشل في ايجاد لغة للحوار بين أبنائه، ناهيك عن الحوار مع الآخر (وكم هي كلمة كم يتم ابتذالها!)، وفشل في ايجاد لغة لفهم قانون الاشياء، فشل في الانتماء لمهنة أو لصيغة في الحياة، فهو صايع، مضطرب الولاء، يصرخ في المظاهرة أمام الرصاص، ويبع صوته بكيس أرز أمام لجنة الانتخاب.
الدولة الصايعة
أيام عبد الناصر كانت الدولة (الممثلة فيه طبعا) تتعامل معاملة البلطجي: ح نرمي اسرائيل في البحر، تماما كما يكشر الصايع عن انيابه: ح أعورك.
ولم يكن هذا يمنع من تحولها الى دولة “..هوه اللي ضربني”، كما أمكنها بسهولة أن تصبح دولة “الصلح خير”. ومع عهد مبارك حيث انكشف تماما اقتصاد البلاد والعباد
أقر الصايع داخل النظام العالمي بأنه مجرد صايع، يمكن استئجاره لتخليص خناقة هنا، أو افتعال أخرى هناك. لعبت الدولة كعميل وهو تعبير مهذب، لأنه عميل صايع بلا عقل، يحصل فقط على يوميته التي يوزعها على عصابة الأربعين. لم يجد مبارك في ذلك أي غضاضة، لا هو ولا أبناء النخبة السياسية والاقتصادية التي رافقت تاريخه، ولهذا كان من مصلحتهم افشال أي روح عقلانية متمثلة في قانون أو نظام، كانوا يؤكدون بالفعل والممارسة ويسربون احساسا بالقوة البدائية لحياة الصيع، ولفنون الصيع، التي هي فنون الفرح والحزن الصاخب لشخص عائد من خناقة، للداعية المخنث، للمطاعم المقامة على نواصي الشوارع حيث ترقد بجوارهم صناديق القمامة، وسياراتهم أيضا، للراقصات السمينات الأقرب الى المومسات، للثقل البدائي للجنس باعتباره مادة توزن.
دولة الصيع، التي هي دولة الوكيل المعتمد لتصدير المخبرين، وصناع الدسائس، يدافع عنها العالم الرأسمالي كله الآن، واتباعه في الدول العربية، لكي تستمر مع قليل من الأصباغ العقائدية: دولة صيع لمجتمع صايع.