بيت أروى: مهاب نصر عن الصدق والثورة

ليس أخطر ما أنتجته ثورة يوليو (أو انقلاب يوليو) هو ما يسمى بـ”حكم العسكر”، بل في كونها مثلت أو تسببت بوضوح في إحداث شرخ واسع في الضمير المصري. لأنها أولا أول سلطة “مصرية” تحتكر الحكم بلا منازع (فلا ملك ولا إنجليز)، ومن ثم فقد كانت تمهيدا لمواجهة الشعب لذاته وإن استغرقت هذه المواجهة عقودا خصيلتها ما يحدث الآن. ولأن هذه السلطة لم تحتكر الحكم باعتبارها سلطة منتخبة بل استثنائية، وهو ما جعل فكرة “الاستثناء” تتحول إلى قاعدة سياسية بشكل متناقض تماما مع طبيعتها. وهي ثالثا احتكرت تمثيل الضمير العام (المبرر  لهذه الاستثنائية) وبالتالي وضعت نفسها أمام شرط مستحيل وزائف.

Continue reading

Mini exhibition: Hipstamatic Cairo + لم أفهم عمري: تحديثات الحالة

… وإذا كنا نريد أن “نتحاور” أو “نشتبك مع الواقع” – وإذا كنا نريد أن نفعل بأهداف “وطنية بناءة” أو على الأقل خالية من الأغراض الدنيئة (والمعنوي من تلك الأغراض أهم من المادي دائماً، ولا مناص من تذكر أن أوّل علامات الدناءة المعنوية هذه هو تعمّد سوء الفهم بهدف السطوع كغريم)… بالله على دين أمك يعني، إذا كان هذا ما نريده فما الذي يمكننا الاشتباك معه أو الحوار حوله أصلاً؟ ابن الرئيس يعيّر معارضيه بمقاطعة الانتخابات (على اعتبار أن في ذلك تأييداً أوتوماتيكياً لمنافس أبيه حامي الثورة بوصف ذلك المنافس عدو الثورة… وهو ما يعلم هو قدر ما أعلم أنا وتعلم أنت أنه دعارة برخصة)، والمطبوعة الثقافية-الأدبية الوحيدة في بلد عدد كتابه أكبر من عدد قرائه تدعّي على كارل ماركس حب النبي محمد كرد فعل على واقعة أخرى أهم ما فيها أنها تثبت – ومن جديد – تخلف وتزمت المسلمين في العالم كله؛ ثلاثة أرباع خطاب “المعارضة” عبارة عن تفكه على ما يقوله المسئولون في الخطب الرسمية بلا أي نظر إلى كيفية أو جدوى استبدال هؤلاء المسئولين أو حتى تغير ما يقولونه. وخمس مرات في اليوم، كل يوم، نخترع العجلة… فنكتشف – وكأننا لم نعرف من قبل – أن الإخوان لا يمثلون الثورة ولا الديمقراطية وأنهم بصدد أخونة الدولة، أن السلفيين رعاع متخلفون يجب وضعهم في مصحات عقلية خاصة، أن “الجمهورية الثانية” نسخة أكثر ريفية وغباء من الجمهورية الأولى (ولا ننكر غباء وريفية الجمهورية الأولى)، وأن الوضع الإقليمي (الربيع العربي) عبارة عن حرب طائفية بين المسلمين بعضهم وبعض قبل أن تكون بين المسلمين وغيرهم. أسأل بجد: ماذا يمكن أن يقال؟ ولمن يقال؟ وبأي غرض “بناء” محتمل …

… وحيث كان العمى الثورجي قد بلغ ببعضهم حد ادعاء إن اغتيال السادات “فعل وطني” (وكأن العمل الجهادي الأممي تعبير مفهوم عن الوطنية، وكأن الوطنية أصلاً قيمة مرغوب فيها في السياق)؛ وحيث يبلغ العمى الاشتراكي ببعضهم في الدفاع عن التأسلم (رغم أنه اختيار رجعي-في مقابل تقدمي، ومسار رأسمالي-في مقابل اشتراكي) حد إقحام دوافع النضال التحرري المناهض للاستعمار على مظاهرات السفارة الأمريكية؛ لا شك أن العمى القومجي سيدفعهم أيضاً إلى تبني الطائفية السنية الصريحة في مقابل “الخطر الشيعي” الذي سيجدون لـ”تمدده” – وبقدرة قادر، كما حدث بالفعل في العراق ثم سوريا – غطاء “صهيونياً” (وبغض النظر عن أن النظام الإسلامي الشيعي قد يكون أوسخ حتى من النظام الوهابي)، فيتحولون من تلقاء أنفسهم إلى نشطاء ومنظرين لما يسمى بالقاعدة …

أؤيد عمر محمد مرسي في تصريحه الأخير تأييداً مطلقاً (وإن اختلف مقصدي من العبارة نفسها): “ثورة مين يا أبو ثورة؟” بل وأسمح لنفسي بالمزايدة عليه فأقول: “ثورة يا بن دين الكلب يا خول؟ إنت جاي دلوقتي بكس أمك تقول لي ثورة؟”

… لم أفهم عمري من يأخذون عليك بذاءتك في أوضاع أكثر بذاءة بما لا يقاس، وبالذات منهم (منهن) من يحملونك مسئولية الإرث الثقافي الذكوري لشتائم بعينها وكأنك بمجرد استخدامها – وبغض النظر عن ما تقصده في الواقع – تؤيد ذلك الإرث …

… ومن مجمل ما يُحزن حقيقة – أقصد ما يثير شعوراً شخصياً ليس مقصوداً بالحزن – أن يخذلك حلفاؤك المفترضون ليس في آراء سياسية (ستعكس الخيبة الثقيلة شئنا أم أبينا) ولكن في انحيازات واختيارات ثقافية بالمعنى الواسع – ضد “العلمانية المتطرفة”، على سبيل المثال – وفي الاستهبال على الواقع والتاريخ بتصميم بغل مجهد …

***

Ⓒ Youssef Rakha

مهاب نصر: أدب الاعتراف ثورة لم تكتمل

This slideshow requires JavaScript.

في استجداء لحالة من الاعتراف الإعلامي يسأل مقدم البرنامج الفنان أو الفنانة «س»: ما هي عيوبك، متطلعا بابتسامة حانية، بعين على الضيف وأخرى على الكاميرا: يجيب الفنان أو الفنانة: الحقيقة عيبي الوحيد هو الصراحة.. عيبي الوحيد أنني وفيّ للصداقات..إلخ، وهي صيغة يعرفها البلاغيون بالـ «مدح في صيغة الذم»؛ أي أن الفنان بدلا من أن يدخل بجدية في حالة الاعتراف، بعد ان اتخذ هيأته وطقسه، يفرغ الاعتراف من مضمونه، ويحوله إلى تملق عكسي للذات.

يفعل الأدب الاعترافي في المحيط العربي شيئا شبيها، حينما يقدم لنا روايات على هيئة سير ذاتية، أو اجتماعية ذات نكهة فضائحية؛ لأنه يستخدم بالذات نوع الفضائح المتوقع لدى جمهوره.

يكتب الشاعر أنه ضائع، أو منتهك للـ«محرمات» التي يعرفها أصدقاؤه سلفا، أو أنه بسيط وعادي، فظ ومتناقض، مسحوق وقاس، وفق جدول رومانسي يتخذ سمة ما بعد حداثية زائفة، ويكتب الروائي عن الجنس والفساد والسلطة والدين، ما يتداول على المقهى الثقافي نفسه الذي يشكل المسودة الحقيقية لروايته، ويخرج لنا السينمائي صورة البطولة الشعبية الفولكلورية للـ«صايع» أو الـ«هلفوت» البريء باعتباره شخصا يُسقط عَرَضا سروال مجتمع الأقوياء فتظهر عورة الاثنين معا.

كذا تخرج عناوين الصحف المعارضة لتجذب هذا السروال إلى القدمين.

لكن لاشيء يحدث رغم ذلك، لأن السروال الذي كان في حاجة إلى الإسقاط ربما كان سروال المجتمع كله بشعرائه وروائييه ومخرجيه كما ببسطائه وأقويائه.

يضحي الاعتراف الزائف بجزء من فضيحة معروفة سلفا أو متوقعة، مبددا طاقة الاعتراف الحقيقية التي هي مواجهة بالذات مع ما لا يرى، ليس مع ما لم يُقَل، بل ما لم يفكر فيه، ليس من أجل الفضيحة وتكسير العظم والسعادة الطفولية بالتمثيل بالحياة كجثة، ليس للعيش داخل نسيج الحالة الاعترافية والتلذذ بها كمقر بديل عن الحقيقة، بل لتجاوز التناقض الذي تمثله.

أكاد أشعر أن الأدب الأوروبي الحديث نشأ أساسا في حضن الاعتراف، ولكنه خرج من ذلك بانجاز يضاهي الانجاز الفلسفي ويفوقه أحيانا. وليس هذا مجال التحقيق في مصادر «الاعترافية» العربية، ولكن في طبيعتها المعقدة والخجولة بل المصطنعة والمجانية.

لكن لهذا الموضوع صلة ما بالثورات العربية الآن، ثورات بلا عمق، زلزال لم يصب إلا قشرة الأرض، بينما ما نحتاجه ليس أقل من بركان. لقد أسهمت الحالة الاعترافية الفضائحية في تحطيم مقدسات، في تمزيق المركز، لدرجة أن هذه الثورات ربما كانت شكلا من أشكال التحلل أكثر مما هي الشكل الايجابي لتقديم بديل للحياة، ثورة تعيش باكتشاف أعدائها، وبوضعهم وراء قضبان الاعتراف، لكنها هي نفسها لا تعترف. وهذا هو مكمن ضعفها.

فالاعتراف الزائف علّمها تملق الذات، وطهارتها الثورية، علمها أن الخطأ دائما هناك، وأن محصلته هي الفضيحة وليس اعادة الاكتشاف.

تحمل الكتاب والمثقفون عقودا طويلة مهمة الاعتراف نيابة عن مجتمع يحترم التظاهر، ويدافع عن القيم التي ينتهكها هو بالذات، ولا يحترم الخطأ ولا يفهمه، ولم ينتبهوا إلى أنهم اتخذوا هيئة النقيض الزائف لهذا المجتمع.

وحين خلت الساحة فعلا للجميع من تشبهوا بالاعتراف ومن استنكفوا عنه، وجدوا أنفسهم في ساحة خالية، يضربون كفا بكف: ماذا يحدث؟ يا إلهي! انهم يسرقون الثورة. وغدا سيقولون بتهكم: هل وقعت الثورة فعلا؟! ليفتحوا دفتر اعتراف آخر.

لماذا لم يعترف الكتاب بنقص مواردهم الثقافية؟ ولا الثوار بأنهم في حاجة الى امتلاك رؤية واضحة عن مجتمعاتهم، ولا المجتمع بضعف تأهيله العلمي والمهني والثقافي وحتى الأخلاقي. نحن «تمام» الآخرون هم المشكلة.

وغدا ربما نكتشف أننا لم نضيع ثورة فقط، بل اضعنا لحظة استثنائية للاعتراف النبيل.

مهاب نصر في القبس