حكاية مصر الآن

13426432025_9a543cbc84_b

.

ذات يوم عُزِل الرئيس المنتخب للجمهورية الثانية. كان منتخباً لكنه كان طائفياً. كان منتخباً وطائفياً لأنه إسلامي وكان يؤسس لدولة الخلافة متأخراً ثلاثة قرون. عزله الجيش لأن الجيش هو السلطة القادرة إثر انهيار التجربة الديمقراطية. لم يمر عامان على التجربة حتى انهارت. هكذا تتعاقب الأحداث في دولة الانقلاب بعد ستة عقود كاملة من حدوثه، حيث الرئيس هو الزعيم والبوليس والإعلام الموجّه. بعد ستة عقود يتنحى الزعيم فيسلِّم السلطة للقيادة العسكرية.

Continue reading

حوار آية ياسر

wpid-photo-2012-12-31-04-38.jpg

Continue reading

حوار بهيج وردة لمجلة “ارى” الإماراتية


ما هي خيوط الرواية الأبرز في التماسيح؟ وكيف بدأت فكرة الرواية تتبلور؟ وما دور الثورة المصرية وتداعياتها الحالية في الحالة الروائية التي تجسدها في “التماسيح“؟ الرواية خرجت، كعادة مشاريع الكتابة الطويلة، من خبرة شخصية مؤلمة جعلتني أعيد التفكير فيما يسمى بالوسط الثقافي بالقاهرة وبالأخص جيل التسعينات من الشعراء المصريين (وهي أشياء قاربتُ بعضها كذلك في مجموعة قصائد ”يظهر ملاك“-٢٠١٠ والتي لم أنشرها بعد إلا إلكترونياً عبر مدونتي، نتيجة الشعور بلا جدوى نشر الشعر في القاهرة خلال شهور من ثورة لم تكتمل. بدا لي أن شيئاً حدث سنة ٢٠٠١ (وهو أمر شخصي أيضاً لأن حياتي تغيرت في ذلك العام بعد موت أبي سنة ٢٠٠٠؛ أصابني ما يشبه الانهيار نتيجة الإفراط في الكيوف على خلفية اكتئاب وإحباط متزايد في الشأن العام وفي مسار الحياة العملية بالصحافة: بدت لحظة انهيار البرجين كأنها – كما يقول الراوية – ”ذروة ما، بداية أو نهاية“) وبعد عقد كامل، إثر قيام الثورة أو الانتفاضة خلال شهور من بدء كتابة التماسيح، خطر لي أن هذه اللحظة كانت مقدمة ما سيحدث بعد عشر سنين بالضبط، أنها كانت فعلاً بداية أو نهاية. في الرواية فكرتان أساسيتان إحداهما استعارة الأسد، وكانت هذه قد طاردتني منذ قرأت قصيدة ألن جينزبرج ”الأسد على حق“ في العام نفسه (٢٠٠١) لكن الفكرة الثانية – أن يكون الشعر شاهداً على انهيار الدولة الوطنية التي خلّفها الاستعمار في منتصف القرن العشرين أو أن تؤدي النزعة الفردية التي ظهرت في التسعينات إلى تحول اجتماعي يُعامل بوصفه حراكاً سياسياً – لم تتبلور هذه الفكرة حتى الشهور الأخيرة من ٢٠١٠. بوصفها تحركاً اجتماعياً، أعتقد أن الثورة كانت موضوع كتابة من قبل حتى أن تندلع: التماسيح بهذا المعنى هي حكاية الثورة، حكاية السنين العشر التي حملت إلينا يوم ٢٨ يناير ٢٠١١

Continue reading

بورقيبة على مضض في الإمارات اليوم

19 يناير 2011

من يوميات أديب مصري في «قرطاج»

«بورقيبة على مــضض».. تونس حلم مبهج

 

«ثورة الياسمين» الشعبية أطاحت بوريث بورقيبة. أ.ب – إي.بي.أيه

خالدة في ذاكرة البعض الكلمات التي قالها الراحل محمود درويش في وداع التوانسة: «رأينا في تونس من الألفة والحنان والسند السمح ما لم نرَ في أي مكان آخر»، مضيفا بصوت متهدج «في هذا الوداع، نحبك يا تونس أكثر مما كنا نعرف، هل نقول لك شكراً، لم أسمع عاشقين يقولان شكراً». وبكى صاحب «لماذا تركت الحصان»، وابكى جمهور مسرح تونس البلدي عام ،1994 في وطن احتضن المنفيين، ومنظمة التحرير الفلسطينية وأبوعمار بعد النزوح من بيروت إثر الاجتياح الإسرائيلي في عام .1982

بدموع درويش وكلماته يستهل الأديب والصحافي يوسف رخا، أوراق كتابه «بورقيبة على مضض.. عشرة أيام في تونس»، والذي يسجل فيه المؤلف المصري مشاهد من رحلته إلى تونس، خلال مشاركته في تغطية فعاليات مهرجان قرطاج الدولي الحادي والأربعين عام ،2005 بحضور محمود درويش ومارسيل خليفة.

بسرد متحرر من قيود اليوميات المتعارف عليها، ومن شكل أدب الرحلات الرسمي، ينطلق قلم رخا الذي اعتبر أن سفره إلى تونس بمثابة حلم منام مبهج، لتمتزج ذكريات الكاتب في تونس، بتفاصيل من حياته في القاهرة، ومشاهد من سفراته إلى كل من بيروت ولندن، وغيرهما من العواصم، ويشتبك ماضي تونس الخضراء، وأساطير «بلاد السفيرة عزيزة، والزناتي خليفة والهلالية»، مع حاضرها ورموز من أمثال «سي» الحبيب بورقيبة، و«سي» زين العابدين بن علي الذي فرّ قبل أيام بعد «ثورة الياسمين».

إصدارات

صدر للكاتب والصحافي المصري يوسف رخا مؤلفات:

أزهار الشمس – قصص قصيرة – دار شرقيات، .1999

بيروت شي محل، نصوص وصور، كتاب أمكنة .2005

اسم الولد السعيد، قصائد – طبعة خاصة، .2006

شمال القاهرة غرب الفيلبين – أسفار في العام العربي – الكوكب .2008

كتاب أمكنة

«بورقيبة على مضض» ليس كتاب أمكنة يهيم بالجغرافيا، ويتغزل بأوصاف المدن ومعالمها السياحية، ويسجل تفاصيلها بشكل فوتوغرافي، متناسياً ذات صاحبه ومشاعره، كما تصنع كثير من مؤلفات أدب الرحلة، إذ قلب رخا الصورة، فكشف عن الروح والهواجس والغرائز «والصعلكة، والجنون أيضاً»، بشكل لا مواربة فيه، وعرض جوانب من حياته، وحياة أقرب الناس إليه، أبيه وأمه، مازجاً ذلك بمشاهده ويومياته خلال سفرة تونس، متخيراً سرداً خاصاً، وفقرات قصصية قصيرة ترتحل بين أماكن وأزمنة مختلفة، تحت عناوين مكررة، بلغة تمثل أكثر من نسق يفرضه السياق، فمرة تكون شعرية محلقة، وأخرى يومية تدنو من قاموس شارع قد يكون في تونس العاصمة، أو القاهرة، كما تماس رخا مع كتابات آخرين، مقتبساً نماذج منهم، خصوصاً من نص «البحث عن عايدة: مونودراما عن الماساة الفلسطينية» تأليف وتمثيل جليلة بكار.

يقول رخا: «ماذا رأيت في أول طلعة؟ سيدي بوسعيد ظل السوق السياحي، وفلل بيضاء، ثمة أثر معماري له باب أصفر واسم ساحر.. أمواج على اسم هانيبال حفيد عليسة يقتل نفسه بعد أن تحدى الرومان على ظهر أفيال صغيرة، فوق قمم الألب، وبعرض البحيرة والبحر بقايا احجار مدينتين.. في أول يوم في تونس. على معظم لافتات (الباركينج) ألاحظ عبارة (مأوى بمقابل). من أول الأشياء التي استوقفتني. وبعد الضحك من ارتفاع مكانة السيارات بالدرجة التي تجعل الركنة مأوى، اعود للتفكير في هذه العبارة مضيفاً (لا). كيف أتخلص من فكرة أن تونس ملتجأ أو سبيل. سكن بالمجان، للهاربين، المطرودين المحرومين من مساحتهم. عرب ويهود الأندلس، إثر محاكم التفتيش، ومن قبلهم عشائر بني هلال».

حكاء ساخر

يسجل رخا في كتابه الصادر عن دار الكوكب ـ رياض الريس للكتب والنشر، عام ،2008 بشكل صريح آراءه في «رموز» كبيرة، ومشاعره الخاصة جداً، خلال تلك الرحلة، في «خلطة» فنية، تجمع بين السيرة الذاتية وأدب الرحلة والرواية والسرد العفوي، تتداعى المشاهد والذكريات، من أكثر من سبيل، الماضي والحاضر.. الخاص والعام.. الحلم والواقع.. الحقيقي والخيال، ما تم وما لم يتم، بشكل ملتبس وغامض أحياناً، يجعل القارئ يلهث وراء ذلك الحكاء الساخر.

يبدأ رخا «الفضفضة» من لحظة تفكيره في تأشيرة السفر إلى بلاد من قال إذا الشعب يوماً أراد الحياة، والبحث عن وسيلة لتدبير ذلك في مكان عمله بجريدة «الأهرام ويكلي» التابعة لمؤسسة الأهرام المصرية، يقول: «عندما تأتَى احتمال تغطية مهرجان قرطاج الدولي.. تذكرت حقيقتين أن المدينة الأثرية أقامها فينيقيون من صور، وأن أبوعمار بعد خروج منظمة التحرير من بيروت إثر وصول الجيش الإسرائيلي صيف ،1982 راح بالطاقم كله هناك. عرفت أيضاً أن أهم الفعاليات هي: مارسيل خليفة بأغاني فرقة الميادين القديمة، ومحمود درويش يقول (لماذا تركت الحصان)، من جديد، فلسطين في تونس أيضاً، قل بيروت وتونس في فلسطين.. بشيء من الهوس دبرت الذهاب، اتصلت بموظفي الأهرام وإدارة المهرجان، اشتريت الكتب والدفاتر. نغمة الأغنية التي أعرفها للطفي بوشناق في أذني وأنا أكلم أصدقائي الشوام، في هذه الأيام بدات أخبار تونس تنسال من أفواه مصرية».

بين القاهرة وقرطاج

يبحث الكاتب قبل سفره عن كتب تتحدث عن التاريخ التونسي، يتعجب من تشابه العلل العربية، ويستوقفه تشابه قصة استقلال تونس مع قصة استقلال مصر، والحديث المتقارب في الكتب التاريخية الحديثة عن الواقعتين «اختزال الجلاء تدريجياً في بطل واحد صعوده على حساب سواه من المناضلين. وعمليات تطهير مزامنة للصعود.. بورقيبة مشغول بالقمع والاعتقال، وناصر يتابع صفوف الضباط الأحرار بحكمة مكيافيلية». يربط رخا ما بين وطنه، وتونس، ويرى أنهما تنويعتان على تيمة واحدة، تتداخل في الصفحات الكتابة عن مصر بالكتابة عن قرطاج «كأن مصر وتونس توزيعان للحن نفسه: البلد، الحزب الحاكم، علاقة ملتبسة بغرب أو شمال العالم، ما بعد الاستعمار وذيوع الحكم مدى الحياة كمبدأ أساسي. وعلى خرير نضوب قنوات المقاومة، تبدلات التوجه عبر خمسة عقود».

يقف رخا في «بورقيبة على مضض» مع بعض الجراح التونسية، ويتحدث عن هموم الشارع، والقهر السياسي الممارس من قبل سلطات بن علي، ومحاولات التدمير لحركات المعارضة، واحتجاز المئات من المساجين السياسيين وغيرهم من الشبان الذين طالتهم حملات اعتقال لمجرد زيارة مواقع بالانترنت تحظرها السلطات، والمحاصرة والتضييقات والحرمان من حقوق سياسية ومدنية، ما أحال تونس الخضراء إلى سجن كبير، كما ذكر راشد الغنوشي في بيان لحركة النهضة الإسلامية.

ويشير المؤلف إلى بدايات حكم بن علي الذي قال عام 1987 بعد انقلابه على الحبيب بورقيبة: «نحن زين العابدين بن علي.. التضحيات الجسام التي أقدم عليها الزعيم.. لذلك احببناه وقدرناه وعملنا السنين الطوال تحت إمرته، لكن الواجب الوطني.. أمام طول شيخوخته واستفحال مرضه.. عاجزاً تماما عن الاضطلاع بمهام رئاسة الجمهورية.. نتولى بعون الله وتوفيقه رئاسة الجمهورية، والقيادة العليا لقواتنا المسلحة.. حب الوطن والذود عنه والرفع من شأنه.. إلخ».

ويضيف رخا «صور الرئيس عدد محدود من البوزات المقننة تملأ آخر شبر من الفضاء العمومي. كل شيء بموافقة رئيس لا يحبه أحد من قلبه. ولا بالضرورة يكرهه. فتحي (المرافق التونسي للكاتب خلال الرحلة). جفل وابتسم عندما سألته إن كان بن علي محبوباً. الحيرة في عينيه.. لا أحد يعرف بما يجيب عن هذا السؤال».

Enhanced by Zemanta

حديث محمد فرج في السفير

Ibn Arabi (Arabic: ابن عربي) (July 28, 1165-No...
Image via Wikipedia

محمد فرج: ما يكتبه ليس أدب رحلات ولكنه سياحة روحية في الأماكن

يوسف رخا: ما يسمّونه الانفجار الروائي أنتج كتابات لا تمتّ للجنس الروائي

استطاع يوسف رخا أن يصنع شكلاً جديداً ومغايراً لأدب الرحلات عبر ثلاثة كتب، صدر أحدثها مؤخراً تحت عنوان «شمال القاهرة، غرب الفلبين.. أسفار في العالم العربي» عن دار رياض الريس للكتب والنشر. بدأ مشروع يوسف رخا مع بيروت عندما قام بزيارتها في الذكرى الثلاثين للحرب الأهلية وكتب كتابه الاول «بيروت شي محل» 2006، بعد بيروت كانت رحلته إلى تونس ثم كتابه «بورقيبة على مضض..عشرة أيام في تونس» 2008 ثم الكتاب الأخير الذي شمل رحلات عدة الى المغرب وتونس ولبنان والامارات وايضاً القاهرة. عبر لغة متوترة ذات جمل قصيرة تلغرافية، تقدّم قراءة للمكان ولتاريخه القديم وحالته الآنية وايضاً ترصد حالة الرواي الذي هو مصري او عربي يلتقي بعرب آخرين لتظهر من خلال هذا اللقاء أسئلة كثيرة تشغل يوسف عبر كتبه الثلاثة أسئلة متعلقة بالهوية والقومية والشتات العربي والتاريخ وكيفية رؤيتنا الحالية له وايضاً كيفية تعاملنا اليومي معه.
يوسف لجأ الى هذا الشكل الكتابي مللاً من حصر أدبية الكتابة في الرواية والقصة والشعر واعتبار أي كتابة غير روائية هي كتابة غير أدبية، وبالتالي أقل شأناً، ولكنه يعكف الآن على كتابة رواية. وقرر أن «شمال القاهرة، غرب الفلبين» هو آخر ما سيكتبه بهذا الشكل فقد استنفده ولن يأتي فيه بجديد.
بداية.. ماذا تعني لك كتابة المكان؟
لا أحب استعمال تعبير «كتابة مكان» فهو تعبير نقدي وليس تصنيفاً أدبياً، بالنسبة لي ليس الامر في الكتابة عن المكان قدر. هو تجاوز على قدسية «النص الادبي». فما أكتبه ليس قصة ولا شعراً وليس رواية. نص لا يحمل إدعاء روائياً أو قصصياً ولكن في الوقت ذاته أدباً.
وربما تكون تجربتي مختلفة بعض الشيء. ففي البداية كنت اكتب قصصاً ونُشرت في كتاب «أزهار الشمس» 1999 ولكن لم أكن أعرف ساعتها أني لا بد ان أكون خادماً لكتابي وأحمله وأطوف به على الصحف وعلى النقاد والكتاب كي أعرفهم بنفسي، كنت أتصوّر ان النشر كفيل بأن يجعل المهتمين يقرأون ويتفاعلون. وقد تزامن هذا مع الوقت الذي بدأت فيه العمل في الصحافة وتحديداً في «الاهرام ويكلي» في وقت ضمت الجريدة عدداً من الشخصيات خلقت مناخاً مغايراً للعمل وفتحت فيه مساحات جديدة للكتابة وإمكانيات للظهور.
ولم أكن أتعامل مع الصحافة كمجرد «أكل عيش» أو كعمل تافه. كنت أمارسها بشيء من الحب والاهتمام ولم أكن أضع ذلك الفارق بين «الأدبي» المهم و«الصحفي» الأقل أهمية. فانشغلت بذلك لفترة طويلة تقريباً ست سنوات. ولما كنت أيضاً أعمل في الصحافة الثقافية، وبالتالى كنت متابعاً للحياة الثقافية وكنت أشعر بالملل من فكرة الانفجار الروائي التي بدأت في تلك الفترة، كنت أشعر ان هذا الحديث كله كان يجب أن يدور حول حركة التسعينيات الشعرية التي حققت منجزاً بالفعل.
ثم جاء «بيروت شي محل»؟
خلال الفترة التي أتحدث عنها بدأت مجلة «أمكنة» في الصدور. التي تقوم بالأساس على الاعتماد على كتابة خارجة عن التصنيف الادبي، وعندما ذهبت إلى بيروت في الذكرى الثلاثين للحرب الاهلية في 2005 كان من المفترض أني سأكتب مقالاً صغيراً لأمكنة»، ولكن وجدت المقال ينمو معي اذ فتح معي طرقاً جديدة تحمل أسئلة كثيرة لها علاقة بالكتابة من ناحية وبفكرة «الهوية» من ناحية أخرى. فكان «بيروت.. شي محل» ثم «بورقيبة على مضض» 2008 والكتاب الصادر مؤخراً «شمال القاهرة غرب الفلبين»، والذي ضم مجموعة رحلات حدثت خلال فترة الكتابين السابقين.
كتابتك من الصعب تصنيفها كأدب رحلات تقليدي أو سيرة ذاتية او رواية كيف تراها أنت وكيف ترى كيفية استقبال القارئ لها؟؟
في البداية كنت أصنف ما أكتبه أنه أدب رحلات، وبعد كتاب تونس وجدت أيضاً أنه خارج تصنيف أدب الرحلات بشكل ما. بالنسبة للقارئ هناك شكل ما من الخدعة فأنا أقدم هذا على أنه أدب رحلات وللقارئ حر في كيفية التعامل معه.
ابراهيم فرغلي عندما تناول كتابي الأخير ذكر ان ما أكتبه ليس أدب رحلات فهو لا يضيف الى معلومات القارئ شيئاً جديداً عن المكان، ولكنه نوع من السياحة الروحية في الاماكن!! وهو تقريباً عكس ما أقصد تماماً. لقد كنت سعيداً بكلمة الغلاف الخلفي لـ «شرق القاهرة غرب الفلبين»، لأنه يذكر ببساطة انه كتاب عن رحلات الى عدة مدن عربية.
الطرح الذي تقدّمه كتابتي بالأساس هو طرح يبتعد عن فكرة انك تكتب قصة قصيرة او رواية ولا تودّ حتى الاقتراب من هذا العالم. انت تكتب كتابة أدبية بعيدة عن المفاهيم الميتافيزيقية لسياحة الروح من ناحية وأيضاً عن الانواع الادبية المعروفة. ما اريد ان اقوله ان هذه الكتابة تتجاوز وترفض فكرة ان الادب او النص الادبي اعلى من النص الصحفي على سبيل المثال او الرسالة التي يمكن ان يتبادلها الاصدقاء. فالأدب ليس تعالياً او مجرد شكل من أشكال التصنيف تضفي قداسة على شكل وتلغيها عن أشكال أخرى.
لقد دفعت نقوداً من اجل ان انشر قصصي ولكن لم يهتم بها أحد. بينما في الصحافة تم الاحتفاء بي وتقدير ما أكتبه بشكل لم يصنعه النشر التقليدي. وانا لا أعرف كيف ستكون شكل الحياة بعد خمسين سنة هل ستبقى الناس تقرأ كتباً مثلاً أم ستتوقف هذه العادة. لا أحبّ فكرة الخلود الادبي.
فأنا أريد ان يتم الاحتفاء بعملي وانا على قيد الحياة وان اشعر ان هناك من يهتم بعملي بالدرجة التي ترضيني.
وبالنسبة لي اظن هناك ثلاثة مستويات عندما أتعامل مع ما أكتب المستوى السياحي او المفهوم الغربي لأدب الرحلات كمشاهدات وهناك مستوى آخر يرتبط بفكرة الهوية الذي يطرح نفسه بقوة طوال الوقت.. سؤال أن تكون عربياً؟؟ فهل نحن عرب، لأننا نتكلم في هذا الفضاء الواسع المسمّى اللغة العربية؟
وايضاً هناك المستوى التاريخي وهو المستوى الاهم والتاريخ هنا بمعنى ما يروى عن المكان، وهو ما يفرض الكتابة عن المكان، فكلمة «يُروى عن» يأتي بعدها مكان أو شخص أو سرد عنك؟
أعتقد ان دخول السيرة الذاتية ليست شيئاً مقصوداً بقدر ما هو جزء من طريقتي في الكتابة، وليس محركاً لي للكتابة. ولم أسع حتى الآن الى التخلص منها.
الفكرة بالأساس هي بمنهج الصحافة نفسها. يوجد حدث ثقافي وأنا كصحافي ذاهب لتغطيته فتسافر وتشاهد وتتأثر وتتحدث مع أكبر عدد ممكن من الناس وتجمع مشاهداتك وأحاديثك وتكتب عن كل هذا. وحقق ذلك بالنسبة لي توازناً بعيداً عن المناخ الأدبي الذي كنت أراه قاتماً وسخيفاً. وكانت «أمكنة» بالنسبة لي تفتح طريقاً مبشراً للخروج من هذا السخف والقتامة.
بيروت ـ تونس
كيــف كانــت تجربــة الكتابــة عــن تونــس بعد «بيروت شي محل»؟
كتاب بيروت بالطبع كان أكثر انطلاقاً أو فطرية. «بورقيبة على مضض» كان يحمل خبرة عملية أكثر بهذا الشكل الكتابي. فعلى حد تعبير كل من ايمان مرسال وعلاء خالد أن كتاب تونس فيه تعمّد في الكتابة. وانا أظن ان قراءة الكتابين معا مهمة فهناك الكثير من خطوط التشابه والارتباط كما هو حاصل ايضاً من وجهة نظري بين بيروت وتونس على مستوى انتقال الفلسطينيين من بيروت الى تونس. وانتقال الفينيقيين من بيروت الى تونس. وانتقالي شخصياً بين المدينتين.
وقد استغرقت عملية كتابة «بورقيبة على مضض» وقتاً أطول حيث استعملت أساليب متعددة واستخدمت وسائل أكثر.
ومن ناحية أخرى لم تكن مادة تونس مثيرة مثل مادة و«كتابة بيروت شي محل» بيروت بالفعل حركت أشياء كثيرة بداخلي. تونس أيضاً وضعتني أمام أسئلة كثيرة متعلقة بالعروبة وباللغة وعلى مستوى التدين أيضاً فهناك في تونس تدين أكثر من مصر، ولكن الأقل هو مظاهر هذا التدين التي تغلب في مصر.
على الرغم من التشابه بين تاريخي مصر وتونس. فالتاريخ التونسي هو تاريخ مصغر لمصر باستثناء أن ناصر مات وبورقيبة تمّ عزله وهذا كان أمراً مثيراً. بالنسبة لي هذه المقارنة بين مشاريع ناصر وبورقيبة وأيها لا زال يعمل وأيها توقف عن العمل وعن إنتاج النتائج. لكن لبنان حالة أكثر عنفاً وتعقيداً. وكان لدي في رحلة بيروت هدف واضح وهو أن أفهم «الحرب الأهلية» بالتأكيد لم أفهمها ولكن هذا الهدف كان موجوداً وهو ما سهّل الكتابة، رحلة تونس جعلتني أكثر حيرة.
لكن سفرك لبيروت لم يكن هو الأول، فدراستك الجامعية كانت في إنكلترا… لماذا لم تكتب عن هذه الفترة؟
اعتقد ان الكتابة عن المكان مرتبطة بقرب المساحة الزمنية لرؤية المكان، لان الامر يتحول الى ذاكرة للمكان. وهنا تتحول الى كتابة ذكرياتك عن المكان… الأمر الذي يجعل الكتابة عن الذاكرة وليس عن المكان. ولكني لم أحاول ان أكتب من قبل عن فترة إقامتي بانكلترا وهو ما يلفت انتباهي هذه الأيام، ربما لأني لست مشغولا منذ البداية بالغرب. لكن العدد المقبل من «أمكنة» سيكون حول الجامعة وسأشترك به بمقال عن هذه الفترة وهذا سيكون أول كتابة عن هذه الفترة.
ما اقصده بالمساحة الزمنية هو الابتعاد الزمني عن زمن الرحلة فرحلتي إلى انكلترا كانت من 1995 الى 1998 مر تقريباً عشر سنين. وهو الامر الذي سيجعل كتابتي عنها مختلفة بالتأكيد عن كتابة رحلتي بيروت وتونس فالإقامة الطويلة في المكان تصنع شيئاً مختلفاً وتحتاج إلى صياغة مختلفة. فالنص الوحيد عندي الذي يحمل إقامة طويلة بالمكان هو نص الإمارات – في الكتاب الأخير وكتبته بعد إقامة ثلاثة أشهر – فاذا كتب نص بيروت بعد سنتين من الإقامة مثلاً فلن يحمل هذا الدرجة من الاحتفاء بالمكان وهذا البريق الذي يحمله المكان الجديد، بالتأكيد سيخرج كتابة أخرى، ولكنها مختلفة تماماً.
تحدثت عن «الهوية» فما الذي تقصده؟
منذ ان تولد وانت تحمل هاجس المكان الآخر، فأنت تعرف انك في الجزء الأقل من العالم فهناك بلاد أجمل وأحسن من مصر. وأعتقد أن الهدف الاهم الذي أسعى اليه هو ان تشعر بأنك ند لأي «آخر»، فلن تكون انساناً وانت تحمل احساساً بالدونية. وعقب احداث مباراة «أم درمان» بين مصر والجزائر برز هذا الإحساس بالدونية إلى السطح على سبيل المثال.
فموضوع الهوية ضاغط وحاضر عندي واعتقد انه سيكون موجوداً في أي كتابة عندي. ربما لو كنت انكليزياً او اميركياً لم اكن سأنشغل بمسألة الهوية هذه اظن ان هناك ظرفاً تاريخياً يجعل موضوع الهوية مطروحاً عليك طوال الوقت فأنت مواجه بانك في مزبلة العالم.
ومن ناحية أخرى خلال كتبي الثلاثة ثمة مصري يقارن نفسه كعربي بعربي آخر. وليس المصري بشكل عام في أي مكان. ويكتشف أننا لسنا متشابهين ولا نتكلم جميعاً اللغة نفسها. فالموضوع في احد مستوياته متعلق بدحض الشوفينية المصرية – الغريبة أحياناً – فثمة فكرة عند المصريين أنهم مفهومون في حين بقية اللهجات غير مفهومة. مع ان الواقعي ان بقية العرب لا يفهمون كل العامية المصرية بالضبط كما لا نفهم نحن المصريين كل العامية التونسية او اللبنانية. أجل ثمة حالة من التعايش مع العامية المصرية الشبيهة «بالتلفزيون»، ولكن في الحقيقة انت غير مفهوم بالشكل الذي تتصوره.
ولكن هذا الهاجس لم يتواجد في فترة الدراسة في انكلترا؟
أنا غير مشغول بالغرب على الإطلاق كموضوع كتابة. وهذا ما جعلتني رحلة بيروت وما تلاها اكتشفه. فتصور الحياة في العالم «الافضل» انكسر عندي مبكراً فلقد سافرت الى اوروبا وأنا في السابعة عشرة. فتفكك عندي هذا الوهم منذ البداية بالإضافة إلى عدم فضولي لمشاهدة اوروبا. بالنسبة لي أفضل الذهاب الى بورما او نامبيا أفضل من فينا بالنسبة لي. هذا السياق يثيرني أكثر وأجد أشياء كثيرة لأقولها مرتبطة بهذا السياق.
وبالتالي البحث الذي أجده أكثر فائدة بالنسبة لي وعلى المستوى الاجتماعي المعاصر هو البحث في معنى كونك عربياً أو مسلماً معاصراً.
الهوية بالايجاب وليس بالسلب ان ترى نفسك مساوياً للآخرين لست أقل ولست أعلى. ليس بالتغني بجمال الآخر او بمهاجمته بدون معنى. ان تتعاطى مع الشروط المعاصرة التي هي بالضرورة ناشئة نتيجة علاقاتك المتعددة المستويات بهذا الآخر. وان تنشغل بأسئلتك الخاصة وليس بمقارنات مع الآخرين.
هل لديك خطط جديدة للكتابة عن مدن أخرى؟
لا اريد التوقف عن المدن العربية، ولكن أشعر أني اكتفيت من الكتابة بهذا الشكل وتحديداً في نص أبو ظبي. لن أقدم فيه جديداً بعد ذلك. ستتحول بعد ذلك الى تكرار وتعمّد بدون أي إضافة لا يعــني ذلك اني سأتوقف عن الكتابة عن المدن، ولكن ليس بهذا الـــشكل ولا أعــرف أيضا بأي شكل.
وأشعر أن نصوص «شمال القاهرة غرب الفلبين» ربما لم تحمل الحالة نفسها التي كتب بها الكتابان السابقان فهي نصوص كتبت لأسباب مختلفة وبشروط مختلفة لكتبي السابقة. والغريب بالنسبة لي أن أكثر ما كتب كان عن الكتاب الأخير، ربما لانه جاء بعد تراكم جذب الانتباه إلى هذا الشكل الكتابي. الآن هناك عملية كتابة جديدة تحدث ولكن على مستوى خيالى في الرواية التي أعكف الآن على كتابتها تحت عنوان «الطغري»، وهي حكاية خيالية غير واقعية او غير عقلانية وتدور أيضاً داخل مدينة هي القاهرة. والفرق بينه وبين كتبي السابقة هو وجود حدوتة لا معقولة تتركب عليها الأحداث.
الانفجار الروائي
كنت تريد الخروج من فكرة التجنيس الأدبي، والآن تكتب رواية. ولكن ألم تفكر بعد «بيروت شي محل» كتابة رواية؟
لا لم أفكر.. وأكثر ما يسبب لي ألفة في كتابة «الطغري»، هو أنها ايضاً خارجة عن الرواية الكلاسيكية، ومرتبطة أكثر بالكتب التجمعية الشهيرة في التراث العربي مثل «المستطرف». بالتأكيد ليس بهذا الحجم ولكنها تحمل بشكل ما هذه الصفة «الموسوعية»، محاولة كم وضع كبير من المعلومات حول شخص في سياق أدبي ما. وأيضاً لها علاقة بطريقة كتابة التاريخ عند الجبرتي وأبن أياس. وهذا يشعرني بشكل ما بعلاقة مع هذا التراث العربي – الذي لم يكن يضم الرواية بالمناسبة – أكثر من علاقتي بالكثير مما يكتب تحت اسم الرواية العربية الجديدة.
تحدثت عن الانفجارالروائي والرواية الجديدة… كيف ترى هذه المقولات؟
أكثر ما يكتب على انه «رواية» قد خلقت بالتالي هذه الحالة من «الانفجار الروائي» الذي يتحدثون عنه منذ سنين لا تمتّ للجنس الروائي بصلة. ما أقصده أن الجنس الروائي في العالم له علاقة بالحكي واللاواقعية.
فالروية بشكل ما هي نتاج البرجوازية الاوروبية في القرن التاسع عشر والتي كانت تكتب في كتب كبيرة الحجم لطبقة معينة عن طبقة أخرى. في ظل عدم وجود وسائل تسلية أخرى مثل التلفزيون. الا استثناءات يكون فيها الكاتب مخبولاً مثل ديستويفسكي على سبيل المثال.
فلكي تخلق علاقة بهذا الجنس الأدبي بالتأكيد ان تحتاج الى هو اكثر واعمق من أن تكتب قصة قصيرة طويلة بعض الشيء ثم تضع على غلافها كلمة رواية. او ان تكتب سيرتك الذاتية او اعترافاتك وتضع عليها رواية أيضاً.
انا مع تسمية كتابة مثل «عزازيل» او «عمارة يعقوبيان» رواية بغض النظر عن رأيك في هذه الكتابة. ولكن كتاب علاء خالد الأخير على سبيل المثال وهو كتاب جميل وأمتعني كثيراً ولكنه ليس رواية.
ولا يوجد أي مجهود حقيقي نقدي أو غير نقدي في تعريف ما هي «الرواية العربية» على الإطلاق، لو لدينا خطاب نقدي مسؤول لوجه اهتمامه لحركة الشعر في التسعينيات.
الانفجار لم يكن روائياً ولكن في كتابات أطلق عليها روايات، والرواية مجرد شكل من اشكال النشر. مع وجود حقيقة عالمية تؤكد ان الرواية تحقق حالة من المتابعة والاكتفاء والتشبع بالنسبة للقارئ، ولذلك مبيعات الرواية في العالم كله أكثر من الشعر او القصة القصيرة.
والنقد الغائب…
جزء من كوني ضد فكرة تسامي النص الأدبي على بقية ايضاً كوني لست مشغولا بالبكاء على النقد فلديّ الكثير من المصائب ولا احب الكتابة الاكاديمية بشكل عام. واعتقد ان النقاد لدينا الذين يملتكون ادوات نقدية تمكنهم من ممارسة هذا الفعل توقفت أذهانهم عند الستينيات.
ولا توجد متابعة تفاعلية حقيقة لما يكتب. فجزء من النقد ومن القراءة الحقيقية ان تتـفاعل مع ما تقرأ، وهذا لا يحدث.
لكن لماذا لا يفرز كل جيل نقاده كما يخرج مبدعينه؟
يمكن تفسير ذلك باسباب أكثر ابرزها ان النظام التعليمي السائد في مصر لا يساعد على خلق هذه العقلية النقدية. في النهاية المبدع قادر على ان يعلم نفسه. اعتقد النقد يحتاج بشكل ما او بآخر الى منهجية معينة بعيداً عن استقرارك على هذه المنهجية ام لا ولكن بالأساس يجب أن توجد هذه الآلية. هذا يعني بشكل آخر نظاماً تعليمياً وهذا ما اعرف انه يجري في جامعات أوروبية واميركية حيث ينتجون نقداً وليس مجرد متابعات.
الى جانب سؤال آخر هو كم الكتابات الموجود حالياً من اجل من ومن يقرأها؟؟ وهو سؤال له مستويات كثيرة ولكن يبقى المستوى الأهم هو مستوى العلاقة مع المجتمع بمفهومه الواسع فأنت في النهاية ومع كل هذا الضجيج أشبه بمن يطبع منشورات سرية

Reblog this post [with Zemanta]