ما اقتناه الصعيدي

بدلاً من صوت متعجل على التليفون

قادر أن يعيد الكلب الضائع إلى بيته الخشبي

ذلك السقف الهرمي الطالع من النوم والطفولة

تطمئنك تسجيلات المسرحيات

تلك السخافات المقطّرة كالكحول

تُضحِك مع أنها محفوظة عن ظهر قلب

وتفكر أن طفولتك كانت سعيدة

وإلا ما أمضيتَ هذا الوقت في انتظار صوت

يحتاج إلحاحاً قبل أن ينسل في أذنك

ولا صدمك حماسه للذهاب إلى مكان لستَ فيه

لابد أن في الدنيا أصواتاً كثيرة

ليست متعجلة على التليفون

وربما أحق من هذا الصوت بالترقب

ولأول مرة منذ منتصف عمرك المبكر

تحس أنك مكتمل البلاهة

مثل الصعيدي الذي دفع كل ماله

مقابل صك امتلاك الترامواي

بدلاً من الصوت الآن تعجَب

من فرحة الصعيدي بما اقتناه

Reblog this post [with Zemanta]

تلفن عياش

komdekka4.jpg

بيقلك كل شي تمام/غط حمام وطار حمام

ليس لأغنية زياد الرحباني صلة بواقعة اغتيال الناشط الفلسطيني يحيى عياش عن طريق تفخيخ هاتفه المحمول سنة ١٩٩٦ (والأرجح أن تأليف الأغنية سبق حدوث الواقعة بسنين). إلا أنها – وبصوت فيروز على وجه الخصوص – اكتسبت صدى جنائزياً عند المتعاطفين مع المقاومة الفلسطينية،من اللبنانيين على الأقل. بدا أن «تلفن عياش» كُتبت إثر الواقعة التي استثارت المخيلة الشعبية على نحو غير مسبوق، خالطة بين العمل المخابراتي وتهويمات الخيال العلمي.

فالهاتف المحتوي على خمسين جرام مفرقعات تم تفجيره بواسطة طائرة تحلق على ارتفاع قريب في اللحظة الحاسمة. وراح ضحيته أحد أشطر أقطاب كتائب الأقصى،عن عمر الثلاثين.

منذئذ، صار للكلمات التي تحكي عن شخص «يفشّط» على المتكلمين دون أن يفي بوعوده تأثير غير بعيد عن مشهد الجسد المتمزق ذي الوجه المقسوم نصفين. وفي النغم السائغ تداخلت المقاصد: ولو على سبيل المفارقة، بات الضحك من تركيب الكلام البهلواني – «كذّب عياش لما توقعنا و ناطرينه/كذب عياش ما بيحلف إلا بدينه» – أشبه بالبكاء على الشهيد. فلعل الضاحك-الباكي، عند سماعها، لم يكن ينتحب على عياش وحده بل يجتر أحزان البلوى الفلسطينية كلها، وشرها الكثير الذي يضحك، من أول ١٩٤٨ وحتى «متل العادة ما نعرف مين-و».

لهذا كله، ربما، ما كان مستغرباً خبر البلاغ عن مكالمات هاتفية تبدأ بــ ١١١ وتصيب من يجيبها على هاتفه المحمول بصداع مفاجئ هو المقدمة البريئة لنزيف في المخ يفضي مباشرة إلى وفاة. ما كان مستغرباً في هوله، ولا فكاهياته.

غير أن التكذيب الرسمي جاء عاقلاً هذه المرة – و«متل العادة» أيضاً – من طرف وزارة الداخلية. وتسبب في التحقيق مع عدد من موظفي شركة إنبي للبترول، كانوا قد تناقلوا المعلومة «العارية عن الصحة» في رسائل قصيرة، ومن ثم ساهموا في نشرها وترويع الآمنين على «موبايلاتهم» ذات الإشعاع المسرطن وخاصية هوس الرغي الأثيري.

فليطمئن جمهور القراء، إذن – وهذا ما حمله الخبر إلينا، في فحواه – إلى أن إمكانية مثل هذا الاغتيال العبثي منافية للحقائق العلمية (الأمر الذي قد يكون هو الآخر عارياً عن الصحة، في الواقع، إذا ما أطلقنا مخيلاتنا المبرمجة للتطورات المريعة الحادثة في مجالي الاتصالات والعمل المخابراتي، ويكفي التذكير بأن هناك من مات أو أصابه الجنون إثر تفخيخ ملابسه الداخلية).

لنطمئن – أقول – إلى أن حياتنا الهاتفية باقية، ولنستسلم للضحكات الباكية حيال واقع صار يحوطنا خطره، المتوهم منه والحقيقي، من كل ناحية – على وعد محقق بأن نموت إذا أصبحنا ناشطين.

من يعرف؟ لعل تجارب حربية جديدة – ولنذكر الفوسفور الأبيض – مازال معتّماً عليها، تمنحنا ميتات محمولة بغض النظر.

screen-capture9.png