تدخين

بخير لكن ليس كما تعتقد: جواب محمود المنيراوي من السويد

IMG_0152.jpg
.
أنت هناك تعتقد أني بخير


وأنا بخيرٍ لكن، لستُ كما تعتقد


آكلُ بمواعيد


وأبحثُ عن قطعِ السكرِ عند الأصدقاء

أبول من الكسلِ في حوضِ المغسلةِ في غرفتي الصغيرة

ولا انترنت يسمح لي بسماعِ أغنية

Continue reading

إسلام حنيش: رائحة الموت

نتسكع في الشوارع والأزقة،

ونطارد السيارات ككلاب مسعورة

نحاول أن نروي عطشنا ونلعق البخار على الفتارين وواجهات المقاهي

نشم رائحة الموت عند كل ناصية،

وتمتلئ رئاتنا بالدم

فنبدأ في أكل أنفسنا قطعة قطعة.

نتقيأ الصبر على قارعة الطريق

ينهرنا عسكري المرور

بتهمة ارتكاب الحزن وتعطيل السير.

نسير كـ”الزومبيز” في مشهد سينمائي

نستحضر الوجع ونجلد أنفسنا،

ونعض على ألسنتنا،

ونكوي مراكز الحس.

ثم نلف ما تبقى منا في سجائر

ندخنها لنقتل الوقت.

.

القاهرة – 14 يونيو 2013

إسلام حنيش

صلاح باديس: عيد ميلاد في مول باب الزوار

عشرون عاما (ع ع)

هكذا كتب على الأوراق الادارية في محفظته

عيد ميلادك العشرون زارك وحيدا

حيث تعمل في مول مفتوح 24/ 24

لم يكلمك حتى لا تنزعج مديرتك

- جلس ينتظر-

فأمضيت اليوم تعمل حتى نسيته

ونسيت أن تهنأ

جسدك الذي يطوف بك منذ سنين/ ولم يعد جديدا

روحك المتعلقة بأشخاص عاشوا في زمان بعيد

لن نتكلم عن قلبك

لنتكلم عن المول

Continue reading

في ذم الثورة: هكذا يصير الفرد أقل من إنسان وأكبر من الإنسانية

wpid-photo-1-2013-06-29-06-58.jpg

.

في ذم الثورة

أو كيف جعل لي الشعار في جسدي وفي نفسي شغلاً

“ولتستقيمن لي أو لأجعلن لكل امرئ منكم في جسده وفي نفسه شغلاً.” – من خطبة الحجاج بن يوسف الثقفي في ولاية العراق؛ نص كتاب الأوائل، أبو هلال العسكري (توفي سنة ١٠٠٤ م)

عيش

جئتُ إلى هنا، إلى هذه اللحظة، من حيث كان وقت ضائع يكفي لملء الكون. هناك، في المكان الذي جئتُ منه، كنا كأننا في برزخ فضائي وإشارات المركبات تومض عشوائياً ككلاب عملاقة من معدن تعوي في الفراغ. كان الكلام معزولاً عن الواقع مثل الأذان: أنكر الأصوات في المكبرات. وكان الواقع نفسه قبيحاً إلى حد العمى عن تفاصيله.

النظر مؤلم، والانتظار مؤلم. فهل يهم حقاً ما سوى ذلك من “شرط مادي”؟ وماذا يعني القول مثلاً إنك من الطبقة الوسطى؟

Continue reading

تدخين

إلى حنتوسو

لحظة الاختلال المفاجئ –

ويدي التي فارقها للتو

كتاب القصائد الأخيرة،

تتشبث بالزجاج

هل لأنني تخيّلتُ

رائحة سيلفيا بلاث

في أنف تيد هيوز

كدتُ أفقد توازني؟

على الحافة السميكة

للشباك الوحيد

الذي يمكن فتحه،

عالياً قرب سقف غرفتنا

حيث جهاز إنذار الحريق متأهب

لأي سيجارة أُشعلها،

والطقس سجن أو سحاب،

كنتُ ملفوفاً في المعطف الطويل

ورأسي في الفريزر،

أزفر دخاني وأقرأ

لاهياً عن وضعي الأكروباتي

حين انزلقت قدمي.

ودونما يوقظك ارتطامه –

فقط تمتمتِ بشيء كالسؤال،

قبل أن يعود نَفَسك

يغيب في الأغطية السميكة

وأنت تتقلبين من جنب إلى جنب،

ويهب شيء من رائحتك،

أو هكذا خُيّل لي

سقط على الأرض الكتاب.

كل ما أذكره أنك نائمة

وأنا أقول لنفسي:

فضلاً عن الغرام واللاغرام،

الشِعر واللاشِعر،

وألف شيء غالٍ

لابد أنه أصبح رخيصاً؛

فضلاً عن الشهرة التي يقول لها

في إحدى قصائده

إنها ستجيء كما أرادتها تماماً –

ستجيء الشهرة،

هكذا يقول لها في القصيدة،

ولكن بعد أن تكوني

قد دفعت ثمنها:

سعادتك،

زوجك،

حياتك –

فضلاً عن الناشر

والطبيب النفسي،

المكتبة وقاعة المحاضرات،

مَن المسئول عن الخلاف

ومَن يعتني بالطفلين

(كان أصغرهما قد مات منتحراً

قبل عام من لقائنا:

عالم أحياء مائية ملو هدومه

في السابعة والأربعين)

وعن ترهات الفيمينيزم

واللافيمينيزم أيضاً،

بعد عقود من وفاتها؛

فضلاً عن كل ذلك” –

هكذا أقول لنفسي

لابد أن رائحتها في أنفه

كانت أبسط وأروع

من أن يقدّرها سواه.”

ودونما أتذكر أنني

قبل أسابيع أو شهور،

دخّنت بالطريقة نفسها في مالطة

ولم أحس بالسعادة،

مع أن الطقس موسيقى

وموقع الشباك لا يضطرني

إلى الأكروبات – كانت أخرى

لا رائحة لها في أنفي

نائمة مكانك،

وبدا أن مالطة كلها

في الوقت نفسه

مكدسة وخاوية

شعرتُ الآن أنني

محلّق في الأعالي

لأنني مازلتُ واقفاً

وأنا وأنت في غرفة واحدة

بعد أو بالرغم من كل شيء،

ووجدتني أنظر

إلى حيث وقع الكتاب؛

ودونما أدير وجهي

إلى جسدك النائم،

أشهق وأهمس لك:

نجونا يا جميل!”

(من مجموعة يظهر ملاك“)

.

exhibit 2 (5)

عشاء

برغم الجليد المتراكم

فتاتاً من الصوف الأبيض

وكونكَ لا يمكن أن تدخن

في مكان دافئ

اللقاء فرح عابر القارات

وتناغم النكهات عبقري حقاً

في المطعم الطلياني

كل ما في الأمر أن البيتزا

جاءت حارة بدرجة مستحيلة

ما دفع النادل إلى الاعتراف

بأنه لا يختار لنفسه هذا الصنف

إلا حين يمتلئ خَزّان دموعه

آكلها على العشاء –

هكذا أخبرك النادل –

ثم أُمضي الليلة أبكي

؎

هكذا ولو للحظة

كان لابد من اجترار موتاك

أو كما يقول كفافيس

الذين فقدتهم

وكأنهم ماتوا

ودونما تفسد الفرحة

امتد خيطان شفافان

كالثلج أو الكريستال

من وجهك إلى طبق باستاجديد

طلبتَه خالياً من الشطّة.

(من مجموعة يظهر ملاك“)

.

 exhibit 12 (3)

الآخرة/الجنة

الآخرة

يوجد الآن في مكان مواز شخص يشبهني حد التطابق مستلق على كنبة تشبه هذه الكنبة ويدخن سيجارة كهذه السيجارة محدقاً في السقف ذاته وهو لا يفكر في الجهاديين.

.

الجنة

كاد صاحبي أن يصدّق أنه في الجنة، حين أجفلتْ وهي تلتف حوله كالرباط الضاغط؛ ولم ينف احتمال أن يكون ذلك لاستحالة أن يتفاهما، بلا لغة مشتركة… أنا أيضاً. ذات يوم سأذهب إلى بار في الصين، أغادره مع فتاة كأنها ملاك واهن. لن أسأل نفسي إن كانت هذه مهنتها. وحين ترحل بعد أن تَجبر عظامي ولا تطلب فلوساً، لن نكون قلنا لبعضنا ولا كلمة.

.

مانهاتن: كيف كففت عن الحشيش وتركت حبيبتي

«الذين يستحبون الموت على الكفر…» – أسامة بن لادن

«وعمرَّ الله موضع خروجها من آدم بالاشتياق إليها، فحن إليها حنينه إلى نفسه لأنها جزء منه، وحنت إليه لأنه موطنها الذي صدرت عنه» – ابن عربي

«فلم تهوني ما لم تكن في فانيا» – ابن الفارض

ذات يوم، اضطررت للكف عن الحشيش.

كان لي قرابة العام مفجوع في أبي، زاد استهلاكي خلالها بصورة كبيرة. عندي موسوعة مصوّرة عن النبات الذي أحبه، عرفت منها أن أحد أسمائه في الهند «مسكّن الفجيعة». خمس سنين منذ انتظمت على التدخين، وكل يوم أكتشف له مزايا جديدة. عيبه الوحيد أنه يقصيني. لم أعد أنتبه لحديث الآخرين. بعد وفاة أبي، خصوصاً، حدست أني أتعامل مع الناس في مساحة ضيقة وبعيدة. الجنس نفسه خلا من المشاركة، ما كان يزيده إمتاعاً مجرداً من المعنويات.

Continue reading

أغاني لندن، شتاء ٢٠١٠



تدخين (Willesden Green)

لحظة الاختلال المفاجئ – 
ويدي التي فارقها للتو
كتاب القصائد الأخيرة، 
تتشبث بالزجاج 

–  هل لأنني تخيّلتُ 
رائحة "سيلفيا بلاث" 
في أنف "تيد هيوز" 
كدتُ أفقد توازني؟

على الحافة السميكة
للشباك الوحيد 
الذي يمكن فتحه، 
عالياً قرب سقف غرفتنا
حيث جهاز إنذار الحريق متأهب 
لأي سيجارة أُشعلها، 
والطقس سجن أو سحاب، 
كنتُ ملفوفاً في المعطف الطويل 
ورأسي في "الفريزر"،
أزفر دخاني وأقرأ 
لاهياً عن وضعي الأكروباتي

حين انزلقت قدمي. 

ودونما يوقظك ارتطامه – 
فقط تمتمتِ بشيء كالسؤال،
 قبل أن يعود نَفَسك 
يغيب في الأغطية السميكة 
وأنت تتقلبين من جنب إلى جنب،
ويهب شيء من رائحتك، 
أو هكذا خُيّل لي

– سقط على الأرض الكتاب.

كل ما أذكره أنك نائمة 
وأنا أقول لنفسي:

"فضلاً عن الغرام واللاغرام، 
الشِعر واللاشِعر، 
وألف شيء غالٍ 
لابد أنه أصبح رخيصاً؛ 

فضلاً عن الشهرة التي يقول لها 
في إحدى قصائده 
إنها ستجيء كما أرادتها تماماً – 
ستجيء الشهرة، 
هكذا يقول لها في القصيدة، 
ولكن بعد أن تكوني 
قد دفعت ثمنها: 
سعادتك، 
زوجك، 
حياتك – 

فضلاً عن الناشر 
والطبيب النفسي، 
المكتبة وقاعة المحاضرات، 
مَن المسئول عن الخلاف 
ومَن يعتني بالطفلين 
(كان أصغرهما قد مات منتحراً 
قبل عام من لقائنا: 
عالم أحياء مائية "ملو هدومه" 
في السابعة والأربعين) 
وعن ترهات الـفيمينيزم  
واللافيمينيزم أيضاً، 
بعد عقود من وفاتها؛ 

فضلاً عن كل ذلك" – 
هكذا أقول لنفسي
 
– "لابد أن رائحتها في أنفه 
كانت أبسط وأروع
من أن يقدّرها سواه." 

ودونما أتذكر أنني 
قبل أسابيع أو شهور، 
دخّنت بالطريقة نفسها في مالطة 
ولم أحس بالسعادة،
مع أن الطقس موسيقى
وموقع الشباك لا يضطرني
إلى الأكروبات – كانت أخرى 
لا رائحة لها في أنفي
نائمة مكانك، 
وبدا أن مالطة كلها
في الوقت نفسه
مكدسة وخاوية 

– شعرتُ الآن أنني 
محلّق في الأعالي
لأنني مازلتُ واقفاً
وأنا وأنت في غرفة واحدة 
بعد أو بالرغم من كل شيء، 
ووجدتني أنظر
إلى حيث وقع الكتاب؛

ودونما أدير وجهي 
إلى جسدك النائم،
أشهق وأهمس لك:

"نجونا يا جميل!"

    
"عبّوطة" (Victoria)

شيءٌ ما في مشيتكِ بعد أن نحّفتْكِ الغُربة
توازن صعب أو فقدان توازن 
بين ملبن هيكلك والأرض التي تحمله
ميل في لا أو أكثر من اتجاه
بالحذاء الرياضي والمعطف المدبوغ
مع الفرو حيث الخياطة أنت أصغر حجماً
وسط كل هذه الشخوص والمركبات 
على جانبي طريق بلا أهمية الآن
أربع عيون خائفة عبر الجليد
نصف دورة أخرى وذراعاك تائهان 
كأنك تبحثين عن شيء لاحتضانه 
بين بكاء لم تمسسه الأسئلة الوجودية
وبكاء من أن الفرحة مؤقتة
ألف صوت أتعرف بها على نفسي
دونما يبرح اسمي شفتيك
وألف صورة للطفولة ذاتها في الضوء
الآن وقد كبرتِ واشتد عود وحدتك 
حتى هضمتِ أملاحاً أنا بثثتها في كليتيك
وعاودك التساؤل عن مصيرنا
شيء ما في اختلال ركبتيك حفظ السر
وأن ما ينتهي لابد أن ينتهي 
أنت على رصيف كهذا كل مرة تبدأين 
بينما بعد يومين أو أسبوعين أودّعك 
وقد عثر الذارعان على إبطي.


وسواس (Harley Street)

حَذَرُكِ يشل الرغبة
وأنا أقطع طريقي
تبدو استحالتُنا بسيطة
وأسمع ألف بظر يشخلل
مثل ألف صَدَفَة في جوال
أحمله على كتفي.


المولد (The merryーgoーround at South Bank)

لا يعرف لها اسماً بالعربية: 
لعبة الملاهي الأثيرة 
في القصص الخيالي وأفلام الرعب، 
حيث جياد من خشب أو بلاستك 
تدور على قاعدة مستديرة 
والأطفال في الظلام 
على أضوائها يركبون. 

احتفالات الشتاء على ضفاف النهر: 

"المولد" في ألطف منطقة 
في لندن. 
وبينما حبيبته تبحث عن هدايا 
لأشباح ساكنين في ربع ثالث 
من عالم يفصلهما ويدعوهما للقاء 
بضعة أيام فقط وسط الفراق،
بينما في المبنى المشرئب فوقهما 
مثل عملاق من Meccano 
أو "روبوت" معماري، 
معرض فوتوغرافيا الصحافة – 

صور الصومالي الذي يرجمونه 
بأمر المحاكم الشرعية 
ستؤرّق "أبو الليل" شهوراً لأن الرأس 
وهو الشيء الوحيد البائن 
من جسد مدفون في التراب 
بدأ يغير لون الحصى بالدم، 

ولأن هؤلاء كما ظن نفسه ذات يوم 
هم أيضاً مسلمون 

– اشترى الحبيب ساعة جيب من نحاس 
على وجهها تنين 
ثم دفتراً سميكاً له غلاف قماشي 
يوحي بأنه كشف حساب 
من أيام "ليوناردو دافينشي"؛
ومن مكتبة كأنها المصران الغليظ 
 Royal Festival Hall للـ، 
ديوان شعر وحافظة أوراق ملوّنة. 

كانت حبيبته مبتهجة بالأكشاك؛
وبرغم أنها تترقب لقاءً، حتى هنا، 
يكون من شأنه 
أن يغيّر لون الجليد، 
تفط على كعبيها كعصفور 
فوق البلاطات، بين النهر والدرج. 
وبدون سابق اتفاق، وهي تفعل،
يلاعبها "غمّيضة" – 

هكذا تسميها حبيبته 
كما تقول "سكربينة" و"جزدان"، 
ولا تتورع عن نعت "حرارة" على الشفاه 
بأنها "طفشِة حِمّى" – 
فلا يقبض على كتفيها من وراء 
إلى أن يرى الخوف في شعرها
تحت حز طاقيتها الكبيرة؛
حينئذ يثبّتها تحت ذقنه،
تصبح للحظة أو يزيد 
"عروسة حلاوة" هو "حصانها"...

ثم يواصلان حركتهما آمنين 
وسط أشباح ليس من شأنها 
أن تغير شيئاً،
يتداولان أمر المكان الأمثل للعشاء. 

وحتى يبلغا لعبة الملاهي هذه 
South Bank في طريق مغادر
على غير انتظار، ويكونا قد تداولا 
الشالات والأقراط كذلك، 
خاتماً بفصٍ، حقيبةً مشرشرة...

بلا كلام يسترسلان في التساؤل
عن مصير ذلك الذي دام 
دونما يستجمع قوة دفع كافية 
للوقوف حيث يمكن
أن تتحلق حوله أشباح...
 
مع أنه لم يتردد يوماً في التجدد،
ذلك الذي دام بينهما، 
ولا عمل حساباً للـ"موالد"
أو محاكم تشرئب بالأسمنت من فوقها... 

 merryーgoーround يتوقفان أمام الـ. 

لا يعرف لهم اسماً ولا حبيبتُه: 
فرسان الخيال الصغار هؤلاء
يصرخون بفرحة أو رعب، 
وكأنهم يتعقبون مصائرهم 
في دائرة مفرغة. 

من صائد الغزلان إلى قائد الجحافل، 
والهائم في البراري 
يغني غراماً مستحيلاً:
صاروا كلهم أمام الحبيب فجأة
على صهوات جيادهم، 
يدورون بلا توقف حيث بدا 
أن أجساداً بلا عدد
يمكن أن تُدفن إلا رؤوسها. 

وإذا به يحوّط حبيبته بفزع 
من أن تغيب مرة أخرى 
أثناء "غميضة" يلعبانها
فلا يعود يجدها 
في ألطف منطقة في لندن
حيث جياد من خشب أو بلاستك 
تُمتطَى على ضفاف النهر
إله Royal Festival Hall والـ 
يثبّت تحت ذقنه الخليقة.


عشاء (Baker Street)

برغم الجليد المتراكم 
فتاتاً من الصوف الأبيض
وكونكَ لا يمكن أن تدخن
في مكان دافئ
اللقاء فرح عابر القارات
وتناغم النكهات عبقري حقاً
في المطعم الطلياني

كل ما في الأمر أن "البيتزا" 
جاءت حارة بدرجة مستحيلة
ما دفع النادل إلى الاعتراف
بأنه لا يختار لنفسه هذا الصنف
إلا حين يمتلئ خَزّان دموعه 

آكلها على العشاء – 
هكذا أخبرك النادل – 
ثم أُمضي الليلة أبكي 

هكذا ولو للحظة 
كان لابد من اجترار موتاك
أو كما يقول كفافيس
الذين فقدتهم 
وكأنهم ماتوا
ودونما تفسد الفرحة 
امتد خيطان شفافان 
كالثلج أو الكريستال
من وجهك إلى طبق "باستا" جديد
طلبتَه خالياً من الشطّة.

 

لا نابول، مارس 2011

 

بين حجر الشاتو والبيت الصقيل

مراكشي يقرأ أكثر مما يكتب

وامرأة-طفلة أنفها يحظر التدخين

حيث الزبد يتفجر بالهتاف

فلول المتظاهرين في مدينة كالكف

طافية بحذاء أذني

لماذا علي وسط ساحل اللازورد

أن أقتعد السلالم في المطر

خلف الجدار البمبي غابة صغيرة

في الغابة طيور آتية من البحر

وخلف الغابة طريق

هأسأل عليك إزاي



كنت أذهب إليه في مرسمه بمصر الجديدة فيطردني. لم يكن يطردني بالضبط، وليس كل مرة طبعاً، لكنه لم يكن يتساهل في أي هفوة تنظيمية من جانبي وكان يتعمد معاملتي كصبي معلم بدلاً من زبون. ضخامة جثته واتزانه الوقور يصدّران إحساساً بأنني أقف منه موقف الابن العاق، وهو ما أحسسته على وجه الدقة حين بلغني الخبر بينما أنا على سفر. في المخابرة الهاتفية الأخيرة كان قد قال لي “ابقى اسأل عليَّ”. وكأي شخص مزاجي حقير لم أفعل، تماماً كما تجاهلتُ أبي في أيامه الأخيرة دون أن أعلم أنها الأخيرة أو أسأل نفسي إن كان باقياً لي هذا الأب أو إن كان يمكن أن يعوّض. الآن وقد وصلت إلى حيث كنت ذاهباً، أفكر في كل آبائنا الراحلين، كيف أنهم آجلاً أو عاجلاً يرحلون، وأننا نكون تقاعسنا في السؤال… كل هذه المخابرات المؤجلة وتجاهلي لمن أحب خجلاً أو شوقاً أو خوفاً من وزن لحظات محتملة…تذكرتُ أيضاً يوم قلت له مازحاً إنني لن أتعبه بنفس القدر في مشروعنا التالي المشترك، وكان قد شكا وشكا من ويلات التعامل مع شخص مستهتر ومدلل مثلي حيث اقترح ثم رفض ثم قبل أن يصمم كتاباً عن بيروت يحتوي على نصوصي وصوري التي أرسلتها إليه فور الانتهاء منها بلا توقعات سنة 2005.كان قد عمل في كتابي بلا مقابل، أعطاني اسمه فضلاً عن جهد يديه، ما ساهم ولابد في أنني واصلت الكتابة عن المدن وتمكنت من نشر ما كتبته وربما حتى إثارة شيء من الاهتمام. كان يتحرك من واقع إعجابه بالنص مجرداً من أي اعتبار ولأنه – كما قال لي – تعرّف في الصور على بيروت التي عاش فيها قبل عقود أو سنين. يومها قلت له “عقبال الكتاب اللي جاي يا أستاذ محيي”، وكان رد فعله عكس ما توقعت تماماً، حيث ظننته سيقول شيئاً من قبيل “بعينك”! كان رد فعله فقط أن تنهد تنهيدة قصيرة وابتسم ثم قال ما معناه أنه قد لا يبقى على قيد الحياة ما يكفي من الزمن لإنجاز كتاب. كانت لحظة محيرة. أردت أن أحتضنه أو على الأقل أبكي في حضوره، أن أعبر عن الامتنان والغضب وشيء ثالث يحسه الأبناء حيال هؤلاء الذين يجعلونهم أشخاصاً بحيوات وأسماء. لم أفعل شيئاً بالطبع.وأتذكر أنه كان ينفيني إلى البلكونة كلما أردت أن أشعل سيجارة وقد سد خرماً في صدره كما صار يقول حين أجبره الطبيب على الكف عن التدخين. هناك شيء آسر في أدائه على كل حال، وعندما يأخذه سحر الحكي يتبدى الحنان في صوته بما ينفي آثار ذلك العنف المقطّر. حكاياته شيقة ومتعددة وإن كانت مريرة، في الكثير من الأحيان يتملكه اليأس من هذه البلاد وهؤلاء الناس لكن نبرة التأمل المتفكه لا تبرح صوته. كنت أسترد في حضوره إيماناً بجدوى الثقافة والمثقفين زايلني طوال سنوات كففت أثناءها عن الكتابة بالعربية. والآن أعرف أنه لولا محيي اللباد لما أصدرت كتاباً بعد ذلك الانقطاع.بأحلى المعاني كان مثقفاً مشتبكاً مع الواقع، كان قد تعلم كيف يجنب نفسه ليس فقط الأدلجة والادعاء ولكن أيضاً كل تلك الأشياء المؤسفة والمجهدة التي قد يعاني منها فنان عنده من الشجاعة وحب الغير ما يكفي لاختيار مسار مصمم الجرافيك في زمن لم يكن يعني فيه ذلك سوى شح الموارد والتصادم مع الغباء.أفكر فيه وأقول في عقلي: طيب هأسأل عليك إزاي دلوقتي أنا يا أستاذ محيي؟

———————————————————————————-





Enhanced by Zemanta