
أنديرا مطر- بيروت
نستعير الصورة من إحدى قصائده. رجل يمشي في ثنايا ردائه. وكدت أكتب أن روح وديع سعادة من زجاج، قبل أن يفاجئني بقوله «ان الشعر سلبني الرغبة في أن أكون قليل الأحلام والأوهام، وفي أن أكون أقل رهافة لئلا تكون روحي من زجاج».
أخذنا علماً بأن روح الشاعر الذي لا يزال، منذ ربع قرن في استراليا وزار لبنان أخيراً لبعض الوقت، أو لبعض الغياب، من زجاج. ولكن ماذا عندما يتحدث عن عمره على أنه مجموعة هائلة من السنوات وعليه أن يبيدها بمطرقة!
الأكثر رقة من قصائده الرقيقة والجميلة، الشاعر الاقرب الى اللامرئي.
● نلحظ في قصائدك شذرات ونتفاً من سيرة ذاتية، هل وديع سعادة يؤرخ حياته من خلال شعره، هل القصيدة وثيقة شخصية؟
- لا يكتب الشاعر إلا ذاته، وذاته شبيهة بذوات ناس كثيرين. ذلك يعني أن كتابة الذات هي كتابة الآخر أيضاً، وإذ يؤرخ الشاعر حياته يكون كذلك يؤرخ حياة الآخرين. من هنا فإن الشاعر لا يكتب وثيقة شخصية فحسب إنما وثيقة جماعية كذلك.
● ثمة مناخ رثائي حزين في معظم قصائدك. بسهولة، ينفذ حزنك الى روح الآخر، متى يفرح وديع سعادة ويكتب هذا الفرح؟
-لا أظن أن الشاعر في مقدوره أن يفرح وهو يرى أحزان البشرية وآلامها وانكساراتها المتتالية. كيف يفرح أمام كل هذا الدم الذي يراق في الحروب، وأمام مليارات الجائعين، والعاجزين عن شراء دواء، والمقموعين، المحبطين، والمشردين؟ الشاعر الرائي لا يفرح. من يفرح هو الذي لا يرى.
عائلة واحدة
● مفردات الطبيعة تكتسب في قصائدك دلالات معاكسة لتلك التي تملكها عادة، الشجرة تصير انساناً والغصن شرياناً يسري فيه الدم، أي علاقة تربط وديع سعادة بالطبيعة وكيف أنسنتها وادخلتها في مناخات شعرك؟
- ولدتُ في قرية وادعة، حيث كان الناس يعيشون مع أشجارهم وحقولهم كعائلة واحدة. الناس هناك قطعة من الطبيعة والطبيعة قطعة من أجساد الناس وأرواحهم. إذا ذبلت شجرة يذبل صاحبها وإذا مرض صاحبها تمرض هي… كبرتُ، وكبرت تلك القرية في روحي وصارت كأنها هي العالم كله. وهكذا، على الأرجح، صارت الأشجار في شعري بشراً والبشر أشجاراً تمشي.
● وديع سعادة انت وحيد، وهذا يبدو جلياً في شعرك؛ كيف تعيش وحدتك في الغربة، استطراداً هل وحدة الشاعر مختلفة عن وحدة الناس العاديين؟
-لا تختلف الوحدة بين إنسان وآخر إلا بقدر ما يحمل صاحبها من مشاعر مرهفة. لا أقول إن الشاعر هو الأكثر إرهافاً من سواه، فثمة ناس عاديون تخالهم زجاجاً ينكسر بأقل ملمس. وإذ تضاف الغربة الجغرافية إلى الغربة الروحية تصير الوحدة بلا شك أكثر إيلاماً.
بعيدا عن التنظير
● هل سلبك الشعر الذي كرست له كل حياتك، حلماً أو رغبة ما؟
- سلبني الشعر رغبة أن أكون قليل الأحلام والأوهام، وأن أكون أقلَّ رهافة لئلا تكون روحي من زجاج.
● لماذا يتجنب وديع سعادة الحديث عن الشعر، أشكاله، أساليبه، مدارسه ، هل تتجنب التنظير ؟ وكيف تنظر للحراك الشعري الشبابي او لجيل التسعينات؟
- لا أحب التنظير في الشعر أو ربما أنا فاشل في ذلك. لكني أعتقد أن الشعر هو فوق التنظير وفوق الأشكال والمدارس. وبالنسبة إلى الحركة الشعرية الشبابية فلا يمكن الحديث عنها في المطلق، إذ ان فيها أصواتاً عديدة ومختلفة ولا يجوز تقييمها كأنها كتلة واحدة. يمكنني فقط القول، عموماً، ان الكلام عن قطيعة هذه الحركة، أو أي حركة أخرى، عما سبقها، هو كلام يفتقر إلى الدقة. فلا قطيعة في التاريخ الشعري، ولا أحد يولد من عدم.
● نلاحظ انك متمسك بقصيدة الصورة.. بأي عدسة تلتقط صورك الشعرية؟
- لا أعتقد أني متمسك بقصيدة الصورة. ربما يصح القول «قصيدة الرؤية»
الأمران مختلفان. فأنا أعتقد أن الكاميرا لا يجوز أن تكون هي عين القصيدة.
شاعر اللامكان
● وديع سعادة تنقلت بين مدن عدة، باريس لندن بيروت سدني، اي المدن اقرب اليك ولماذا ؟ استطرادا يشعر القارئ انك تنتمي الى.. اللامكان.
- لا أظن أن للشاعر مكاناً. هو يبحث عن مكان، ولا أعتقد أنه سيجده.
● تعمل في الصحافة منذ زمن، ما هو تأثير الصحافة في الشعر، هل هو سلبي أم ايجابي؟
- الصحافة، بما أنها معاينة يومية لما يجري في العالم، فإن أثرها في الشاعر هو أثر إيجابي، إذ أن الشعر هو معاينة يومية للعالم أيضاً. هذا ما أراه شخصياً وما أجده في تجربتي الشعرية، وكذلك في تجارب شعراء – صحافيين آخرين.
● تقيم في استراليا منذ 25 سنة. هل كان لانعكاس الثقافة الاسترالية على شعرك أي أثر في معجمك اللغوي وطريقة بنائك للصورة؟
- أي إقامة في أي مكان تترك روحاً ما في نفس الشاعر. وأستراليا تركت في نفسي روحاً أكثر مما تركت أثراً في معجمي اللغوي أو في طريقة بناء قصيدتي.
● في حوار لنا مع الشاعر محمد علي شمس الدين ابدى اعجابه بشعرك وقال تجربتك الشعرية مكثفة غير صارخة فيها ظلال ومساحات من الغيب. البيئتان مختلفتان من الجنوب اللبناني الى استراليا والمدرستان مختلفتان من الكلاسيكي الى المنعتق..هذا يعني ان الروح الشعرية واحدة ولو تعددت الاساليب؟
ـ أشكر الشاعر محمد علي شمس الدين على هذا الإطراء، وأعتقد أن كلامه هذا هو خير دليل على أن الروح الشعرية هي واحدة، نعم، ولو تعددت الأساليب.
استنسخَ طريقاً من حذائه *
وطوى الطريق، طيَّة طيَّة، ووضعها في جيبه.
وصار، عوض أن يمشي على الطريق، يمشي في ثنايا ردائه.
لم تكن هناك طريق، ولا حذاء له ولا ثوب. لكن قال ذلك كي يكون له مشي.
لم يكن له شيء. كان له القول فقط. كان له القول، والمشي في القول.
وقطعَ الدروب كلَّها مشياً على الكلام.
لا تلفظِ الكلمة الأخيرة، لا تقلْ الكلمة التي في آخر الطريق. قد يسمعها أحد في أوَّل الطريق ولا يعود يمشي.
وإذ تطوي الطريق وتضعها في جيبك، تيقَّنْ أنْ لا أحد ماشٍ عليها. هكذا يخفُّ حمْلك.
وهكذا لا تزعج الماشين.
وإنْ أردتَ رفيقاً، فأيُّ رفيق أعزُّ من وحدتك؟
* (من المجموعة الأخيرة «قل للعابر أن يعود نسي ظله هنا»)

وديع سعادة
عن جريدة القبس