حوار مينا ناجي: الصياغة الأخيرة

٦ نوفمبر ٢٠١٠

هل لابد أن ترتبط هوية الكاتب بمكان جغرافى وتاريخ محدد؟

أرى أنها على العكس لابد أن لا ترتبط، لا يصح أن تكون الكتابة مكبلة بفكرة انتماء لمكان معين أو حتى زمن معين. الانتماء لمكان وزمان يكون حاصلا رغماً عنك. سهل جداً أن تقع فى فخ سياسى أو غير أدبى، غير أدبى بأى معنى، ليس من الضرورى أن يكون سياسياً، لو أنك ربطت بين كونك تنتج أدباً وفكرة أن هذا الأدب له مكان أو له زمن أو له أى نوع من أنواع الانتماء.

Continue reading

ياسر عبد اللطيف: نصان

في المدينة الشهباء

وصلتُ إلى حلب قادماً من بيروت عن طريق البر. كلما تقدمنا نحو سوريا، بدت بوضوح أكثر ملامح “الدولة”على الرغم من تدهور حال الطريق عمّا كان عليه داخل الحدود اللبنانية: لافتات إشارية، وأكشاك لعسكر وشرطة، وألوان موحدة لأطلية المرافق.. في الطريق، كان راديو السيارة يبث على الهواء مباشرةً وقائع مؤتمر دولي للآباء المارونيين من كنيسة الجبل، وأعلن المذيع وصول وفدٍ من حزب الله كضيوف على المؤتمر برئاسة نائب الأمين العام نفسه. أخذ رئيس الوفد الشيعي الميكرفون ليلقي كلمةً. قال بصوت جهوري: ” جئنا لننزع عن المؤتمر صفته المارونية.. ليكون المؤتمر مؤتمرا لبنانيا وطنياً..” أغلق سائق السيارة الراديو بينما كنت أتساءل: كيف يحل ضيوف على مكان لينزعوا عنه صفته الأساسية؟

Continue reading

اغمض عينيك تراني أمامك: جواب غرامي

بيروت-بشري-بيروت، 15 نوفمبر؛ ذكرى الواحات البحرية، 10 نوفمبر

لم أدر ما طيب العناق على الهوى حتى ترفق ساعدى فطواك

وتأودت أعطـاف بانك في يدي واحمر من خفريهما خداك

beirutbsharre

12.07: “أبو شادي” يزفر، على جسر “سليم سلام”. لازلت، لاهثاً، أتوق إلى منقوشة. “العجقة”، يكرر. سينقّ طوال السكة؟ على الأقل، سمح لي أن أدخن. السيجارة بلا طعم من غير قهوة. “وين بدنا نروح من هون”؟ منذ لمحت كوعه على الـcase فيHotel Cavalier وأنا متوجس خيفته، هذا القصير الماكر؛ لو كنتُ فقط “تروقت” قبل أن أجلس جواره! كأنه بطل مصارعة أقزام. يتعاطى كأمير إمارة عفى عليه الزمن. لن أنسى نبرته يخبرني، لاحقاً، أنه يتحدث الفرنسية والإنجليزية “بتلااااااكة”!

Continue reading

حوار آية ياسر

wpid-photo-2012-12-31-04-38.jpg

.

كيف كانت بدايتك مع الكتابة الأدبية؟

الأدق ربما الحديث عن بداياتي، لأنك كلما بدأت كتابة أدبية – وأنا أعلم أن هذا كليشيه لكنه فعلاً ما يحدث – يكون الأمر كما لو أنك تكتبين للمرة الأولى؛ لا أذكر متى أول مرة كتبت فيها شيئاً أدبياً لكنني كنت أكتب قبل أن تكتمل قصة “أزهار الشمس” التي سُميت مجموعتي الأولى باسمها سنة ١٩٩٤، وكان معلمي الذي تابع كتابتها وعاصر صدور المجموعة دون أن يتمكن من مساعدتي على نشرها هو علاء الديب. كان عمري حينها ثمانية عشر عاماً وكانت حياتي الحالية – أقصد حياتي كشخص مستقل يدخل في علاقات ويكتب – قد بدأت بالفعل في مرحلة كما ترين مبكرة. أعتقد أن الكتابة، فضلاً عن أن فيها جرثومة الكلام التي أحسبني ولدت بها، كانت منذ اللحظة الأولى محاولة للتعامل مع الحياة بفهمها أو تحويرها بهدف الفهم – ولعل كلمة “فهم” ليست تعبيراً دقيقاً عما أقصده، وهو غاية الكتابة والسبب في أن كل كتابة جديدة تكون بداية – الأمر الذي اتضح فيما بعد أنه مسار معرفي قبل أن يكون علاجاً نفسياً وقبل أن يكون مهنة أو أسلوب حياة.

.

ما الذي مثلته لك مجموعتك القصصية الأولى “أزهار الشمس”؟

مثّلت لي كتابتها إحساساً عميقاً بالتحقق – ليس بداية مشروع روائي أو شعري كما قد يُفترض، ولكن تحققاً – ومع ذلك، في الوقت نفسه، مثّل لي نشرها إحباطاً شديداً في قابلية العالم المحيط بما فيه الوسط الأدبي على احترام تحققي هذا: استخدامه أو الاحتفاء به على أي نحو. ليس من عادتي أن أجتر كتاباتي القديمة أو أعيد قراءتها ما لم تقتض ذلك ضرورة ما، لكن أستطيع أن أقول إن القسم الأكبر من “أزهار الشمس” هو كتابة جيدة وإن السبب في أن أحداً لم يلتفت إلى الكتاب هو أنني كنت صغير السن وغير معروف حين صدر؛ لم أكن من رواد مقاهي وسط البلد ولا درت على مكاتب النقاد بنسخ مجانية عليها إهداءات. وأدى الصمت المطبق حيال الكتاب عملياً إلى انقطاعي عن الكتابة الأدبية ست سنوات، وإن كان الأدق أنني انقطعت عن النشر. ولم أرجع إليه إلا إثر زيارتي لبيروت سنة ٢٠٠٥ في ظرف مختلف تماماً. هناك حقيقة مؤلمة حقاً عن دوائر الأدب العربي مازالت قائمة وإن كشفتها الثورة فهزت دعائمها، هي أن الاحتفاء بالأدب وتداوله قائم بالأساس على العلاقات والمجاملات الشخصية؛ وبينما يقتصر السوق على نصوص تباع ويحتفى بها لأسباب غير أدبية ولأنها تكرّس المكرّس، فإن الدوائر الأدبية المعزولة عن مجتمع أوسع لا أبالغ إذا قلت إنه أمي ومتخلف تقوم على صداقات وزمالات ومصالح مشتركة لا تستند إلى أي قاعدة تجارية أو مقاييس جودة ولا حركة ثقافية تنطوي على الحد الأدنى من النقدية أو النزاهة أو المهنية أو حتى التماسك الأخلاقي.

.

في كتابك بورقيبة على مضض: عشرة أيام في تونس تعرضت بالنقض لسياسات بعض الأنظمة العربية وبعض الحكام العرب فهل واجهتك محاولات لمنع الكتاب؟

لم يبلغني خبر بمنع أي من كتبي، غير أنني سعدت كثيراً حين أخبرني كمال الرياحي العام الماضي أن “بورقيبة على مضض” والذي يبدو أنه كان ممنوعاً في تونس قبل الثورة قد ظهر على أرفف المكتبات في شارع الحبيب بورقيبة. الملفت أن الرقابة السياسية والدينية نادراً ما تستهدف الكتابة الأدبية رغم أن الأدب المعاصر يهدد الكيانات السلطوية الفاعلة في الدين والسياسة إلى حد أبعد بكثير من نوعية الكتب والأعمال الفنية (الفضائحية) التي تستهدفها هذه الكيانات. والسبب في اعتقادي أن الأدب جمهوره محدود جداً وقوة تأثيره على نطاق واسع، كما ثبت على أكثر من صعيد في مجتمع ما بعد الثورة، تكاد تكون معدومة. النصوص التي تلاقي رواجاً والتي يمكن أن يكون لها تأثير – وعادة ما يكون تأثيرها هو تكريس المكرس (الفاسد أو، على أحسن الفروض، الممل الذي عفا عليه الزمن) أو تأكيد القيم والعقائد السائدة والشعارات غير المختبرة نفياً أو إثباتاً – هذه وحدها هي النصوص التي يلتفت إليها الرقيب العربي وهي غير أدبية إجمالاً وإن قُدّمت على أنها أدب.

.

.

هناك عدة أعمال أدبية صدرت فى أعقاب الثورة وتتناول ثورة ٢٥ يناير… فإلى أي مدى اختلفت عنها رواية التماسيح؟

.

لم أقرأ أعمالاً أدبية عن الثورة سوى ديوان شعر واحد لشاعر نثر معروف صدر في أعقابها مباشرة وكان سيئاً إلى درجة لا تصدق. صدرت شهادات وتحليلات كثيرة اطلعتُ على بعضها بحكم عملي ويمكن رؤيتها إجمالاً في سياق الصحافة. “التماسيح” لم تكن عن الثورة في البداية – بدأتُ في الرواية وأكملت جزء كبيراً منها قبل الأحداث، ثم انقطعتُ عنها أثناء الأحداث قبل أن أعود إليها في وقت لاحق – إلا أنني ضمّنتها تلك اللحظة التاريخية التي بدا وكأنها محطة إياب للرحلة التي تطرحها الرواية – والتي تدور أحداثها الرئيسية من ١٩٩٧ إلى ٢٠٠١ – وتدَاخَل من ثم التأريخ لانتهاء مرحلة التسعينيات (الثقافية) بهجمة ١١ سبتمبر مع التعليق على واقع الربيع العربي. في “التماسيح” مقاطع كالشهادات والتحليلات التي عالجت الثورة بالفعل لكن فيها نقداً لمعسكر الثورة نفسه وأسلافه المباشرين في الثقافة والمعارضة. ومن الأشياء التي تريحني نفسياً اليوم – بغض النظر عن الرواية – أنني لم أتوانَ عن نقد الثورة التي شاركت فيها بحماس بالغ في البداية ثم الارتداد عنها صراحة حين أدركتُ ما آلت إليه؛ أظن هناك شجاعة في الاعتراف بالفشل وأظن النقد وظيفة الثقافة وليس الترويج للشعارات وتزييف الوعي. ولا أريد أن أدخل هنا في محاججات سياسية أو مجتمعية لكن أظن هذا من جوانب تفرد “التماسيح”: إنها، مثلها في ذلك مثل كل كتابة أدبية، تهتم بحقيقة الخبرة الإنسانية في عمقها واتساعها أكثر مما تهتم بالتكريس لفكرة جاهزة عن صراع الخير والشر أو عن تفوق العنصر أو الطائفة. وهي قراءة للثورة ستنتشر عاجلاً أو آجلاً رغم أنف المتفائلين.

.

إلى أي مدى أثرت دراستك للفلسفة على كتاباتك؟

من حظي أنني تمكنت من دراسة الفلسفة في إنجلترا حيث كان التركيز على الممارسة الفلسفية نفسها والمهارات الذهنية المرتبطة بـ”التفلسف” وليس على تاريخ الفلسفة كوقائع أو محفوظات تروى من خارجها؛ كان من شأن ذلك أن أتعلم صياغة جملة منطقية وحجة مكونة من بضع جمل ثم مقاربة سؤال عبر بضع حجج قد تكون متعارضة وترجيح رأي بناء على ذلك، وهي كلها أمور تساعد في السرد الأدبي… كما فتحت لي الفلسفة مجالات واسعة للنظر إلى الواقع ومراجعة المسلمات أو القطع معها. ليس في الفلسفة ما يعين على الكتابة الأدبية خلاف قواعد الصياغة والدقة والعقلانية، ولا أظن المعرفة التي تنتج عن ممارسة الفلسفة هي نفسها المعرفة الأدبية؛ لكن الفلسفة تدفعك إلى إعادة النظر في القواعد العقلية والتجريبية لما تكتبين عنه وتدربك على التعامل مع وجهات النظر المختلفة ونظريات العلوم الإنسانية، فضلاً عن أنها تفسر التطورات التاريخية وتمنحك أدوات ذهنية لرؤية وتقييم مختلف الخطابات التي يتقاطع معها الأدب بطبيعة الحال.

.

يرى البعض أن العمل الصحفي يضر أحيانا بالأديب… فهل تتفق مع هذا الطرح؟

للعمل الصحفي جوانب عديدة متنوعة ولا يمكن التعميم على هذا النحو. المؤكد أن في الصحافة مناهج عمل وخبرات وتمرينات يمكن أن تفيد، وفي حالتي شخصياً أظن أنها أفادت أكثر مما أضرت.

.

وأخيرا كيف ترى المشهد الإبداعي العربي المعاصر؟

التغير الكبير الذي طرأ على المشهد العام في العامين الأخيرين يجعل إجابة هذا السؤال شديدة الصعوبة. كل ما أستطيع أن أقوله بوضوح في هذا الصدد هو أن القطاع الثقافي في مصر – والقطاع الأدبي كجزء أساسي منه – ليس له ظهير اجتماعي حقيقي أو قاعدة “جماهيرية” يعوّل عليها؛ الأمر الذي اتضح بصورة غير مسبوقة في أعقاب الثورة. وبالتالي لم يعد من الممكن الحديث عن مشهد فاعل أو حتى متكامل خارج الدوائر المغلقة التي يتحرك فيها الأدب والموبوءة، كما سبق وأشرت، بالمحاباة والترهل. قبل ٢٠١١ ومنذ ٢٠٠٥ ربما كان هناك مجال متنام في الترويج للأدب وتقريب النشاط الأدبي العربي من جمهور قراء لا يقرأ إلا بالإنجليزية والفرنسية غير أن الثورة أحبطت مثل هذه الجهود بتوجيه الاهتمام إلى الشأن العام والأسئلة السياسية ثم الضغوط الإسلاموية على المجتمع. وهنا رأيت ربما لأول مرة في عمري إلى أي حد نحن مجتمع بلا “ثقافة”، وإلى أي حد “ثقافتنا” بما فيها الإبداع الأدبي ظاهرة أقلاوية محصورة في مساحة شديدة الضيق ومتورطة في فساد ولا أخلاقية هياكل السلطة بدرجات متفاوتة. ومع ذلك، لا شك أن هناك كتابة جيدة تنتج من حين إلى آخر، هنا وهناك. لكن المؤسف أنها نادراً ما تكون هي المحتفى بها.

.

wpid-photo-1-2012-12-31-04-38.jpg

Carrefour ☆ تحديثات الحالة

اللاأدرية هو الاعتقاد بأن وجود الله وأصل الكون أمور لا سبيل إلى معرفتها. وكلمة “اللاأدري” تعني “بلا دراية أو علم”. وبينما الإلحاد يقول إن الله غير موجود، تقول اللاأدرية إنه لا يمكن إثبات وجود الله ولكن في الوقت نفسه لا يمكن إثبات عدم وجوده، وإن التدين من صنع الإنسان

*

المقاومة: “سادة المقاومة” في لبنان عبارة عن إرهابيين شغالين لصالح الجمهورية الإسلامية الإيرانية من أول لحظة، ودوافعهم طائفية، واللي تحالف معاهم وهلّلهم وروج لخرافة انتصارهم على إسرائيل في السنين اللي فاتت يا إما أهبل يا إما كان نفسه يبقى إرهابي وما عرفش… فيه حد لسه مش شايف الحقايق دي؟ أرجو الانتباه لكلمة “حقايق” لإن المقصود إن دي مش آراء أو وجهات نظر، ده واقع. أما عن “سادة المقاومة” في فلسطين – وده نتيجة إن الإسلام السني ما فيهش ولاية فقيه مش أكتر – فكانوا ومازالوا إرهابيين شغالين لصالح اللي يدفع أكتر، ودوافعهم طائفية، واللي محالف معاهم أو بيقدمهم كجهة أشرف أو أقل استبداداً من فتح برضه يا إما أهبل يا إما كان نفسه يبقى إرهابي وما عرفش، فيه حد لسه مش شايف الحقايق دي؟

*

سبل الاشتباك مع الواقع

تلبس كمامة وتنزل تجري في الشارع وإنت بتردد شعارات لا إنت فاهمها ولا ليها أي تلاتة لازمة

تاخد قريبك/ زميلك على جنب وتفهمه الصيرورة التاريخية للثورة المجيدة اللي هو مش واخد باله إنها مستمرة ومالهاش علاقة بالإخوان

تسب الدين للناس اللي في السلطة بس طبعا من غير ما تفقد إيمانك، وتهلل للمجرمين والمتخلفين وأولاد دين الكلب عشان هما الشعب الكادح

تدافع عن الأسلمة الشعوبية الوسطية مهما كنت عارف إنك كداب أو معرص – من غير رخصة قبل انطلاق الصيرورة، وبرخصة بعدها

تكتب مقالات وتنظيرات دقيقة وعميقة تقدم فيها رؤيتك للأوضاع وتحاول تنسى إن اللي فاهمينك مش أكتر من خمسة اتنين بس منهم اللي عندهم استعداد يعترفوا إنهم فاهمينك

*

فحوى القضايا: طيب – ومع احترامي الصادق للي بيتصدولها من الأصدقاء والزملاء – ٩٩٪ من “المعارك” و”القضايا” و”المنعطفات التاريخية” اللي حاصلة في الفضاء العام دلوقتي عبارة عن مشاكل نفسية لأفراد ظروف حياتهم صعبة وتكوينهم الإنساني مختل، ويمكن كويس إنه يبان إن دي حاجة موجودة عند “النخب” زي ما هي موجودة عند “العامة”. المؤسف إن المشاكل النفسية دي ما لهاش علاج، وحتى لو ليها علاج ولا ألف مسعى للتفاهم أو “الحوار الوطني” ممكن يزيلها

*

انفجار الأشرفية: سنة ٢٠٠٥ وقعتُ في غرام بيروت بشكل كامل، وأمضيت سنين مقتنعاً بأن في لبنان ميزة نوعية عن بقية الأقطار العربية هي سبب وربما نتيجة ما فيه من حدة للقبح كما الجمال. منذ ذلك الحين وحتى اليوم وأنا – غصباً عني – أراجع هذه القناعة، وأقاوم شعوراً متزايداً بأن الميزة النوعية ليست إلا غلافاً براقاً وهشاً لا قيمة له على الإطلاق. وأتابع بذهول دائم تعالي اللبنانيين على سواهم من العرب – وبالذات المصريين – محاولاً أن أستوعب ما يبرره لهم في نفوسهم. مع الوقت اكتشفت أن هذا التعالي هو نفسه بريق الغلاف، وأن ميزة لبنان النوعية أنها تسطح من يراها بحيث يمكنه أن يظل فوق الغلاف والعلبة فيها ما فيها من تحته – أو يوهم نفسه بأنه فوق الغلاف – بينما في مصر مثلاً نكون مضطرين للتعامل مع ما في العلبة مباشرة… كم صرت أكره بيروت منذ ذلك الاكتشاف

*

ياسر عبد اللطيف عن الطغرى

“لسعان” الجغرافيا والتاريخ.. أو كتاب الطغرى ليوسف رخا

ياسر عبد اللطيف

wpid-277546180517828960_6860517-2012-09-11-20-35.jpeg

بعد أسابيع من اندلاع ثورة 25 يناير في مصر، وأيام قلائل من تنحي حسني مبارك، وبينما لاتزال شوارع القاهرة تغصُ بالمظاهرات، وفي وسط حالة من الانفلات الأمني اجتاحت البلاد بعد سقوط الشرطة المريع في 28 يناير، وفيما احتل الباعة الجائلين بالآلاف فضاء وسط المدينة الإسماعيلي، وإذ تُهاجم مجموعات غامضة من المجرمين المستشفيات الحكومية فتعتدي لأسباب مجهولة على المرضى والأطباء، وفي قلب هذا الكرنفال الدامي صدرت رواية “كتاب الطغرى” ليوسف رخا، لتمر على الواقع الأدبي المنشغل بتحركات الحياة السياسية مرور الكرام.. فالدوي السياسي للثورات وما تلاها يعلو صوته على صوت المعركة ذاتها.

“كتاب الطُغرى” أو غرائب التاريخ في مدينة المريخ، كما يقول العنوان الفرعي، وهو عمل ضخم يتجاوز الخمسمائة صفحة بقليل، يدشن به رخا بدايته الروائية، وهو يحمل طموحاً بشق المسار لمشروع روائي من النوع الصرحي. قبل الطغرى أصدر الكاتب مجموعةً قصصية بعنوان “أزهار الشمس” عام 1999، ثم أصدر في السنين التالية ثلاثة كتب في أدب الرحلة، عن مدن عربية كبيروت وتونس وابو ظبي، ثم ديوان للشعر بعنوان “كل أماكننا”.

ورواية كتاب الطغرى كما يقول الكاتب في بدايتها هي “أخبار الصحفي مصطفى نايف الشوربجي يوماً بيوم من 30 مارس إلى 19 أبريل 2007، كما رصدها بنفسه في الأسابيع التالية على هذا التاريخ، موجهاً كلامه، على طريقة الكتب العربية القديمة، إلى صديقه الطبيب النفساني راشد جلال السيوطي، المقيم في العاصمة البريطانية منذ 2001. تبدأ المغامرة الشكلية في الرواية إذن بمحاكاة الكاتب للكتب العربية القديمة في لغة السرد. وتقفز إلى ذهنك على الفور نبرة ابن حزم في “طوق الحمامة” ؛ ولكن اللغة التي نحتها الكاتب نحتاً تستحق وقفةً هنا، فكأنه أقام جدلية بين الفصحى والعامية بملاحقة الأولى داخل الثانية والعكس بالعكس. ولا يستنكف السرد من دمج كلمات أجنبية أو أخرى مفرطة في عاميتها في جديلة تبدو فريدة، بلا تنصيص يكسر التدفق السردي؛ حتى أنك في لحظة تستشعر أن وحدة الحكي هي الكلمة وليست الجملة.

يبدأ خيط الحكاية بانهيار علاقة البطل مصطفي نايف الشوربجي بزوجته، فيغادر شقة الزوجية في حي المعادي عائداً إلى بيت أهله في منطقة الدقي. وكأن بانهيار زواجه ينهار العالم المحيط بالبطل، فيتجلى له من خلال منظور الهذيان. يقول الراوي متقمصاً تأثير عقار الـ(إل إس دي) المهلوس: “إية رأيك تعتبر الدنيا دي عمارة (…) تسيح حيطانها وأسقفها، سلالمها وممراتها وأبوابها وأنت جوة إحدى الشقق والشقة بدأت تسيح(…) في قلبي من هذا العالم مرض يشبه العيش في هذه العمارة”.

ويتبدى العالم المهشم للبطل كأول ما يتبدى في “المدينة”، وهي هنا القاهرة. التي تجمعه بها علاقة عشق وتدله، وكره في نفس الوقت. فهو يتغزل من حيث لا يدري في شوارعها وجسورها وأنفاقها بينما هو يعبرها حانقاً أثناء السرد؛ لكنها تظهر له في حالة من التنافر الحضري والتشرذم لاتنفصل عن حالته الذهنية، فيحاول الراوي بعد عودته إلى بيت أهله أن يعيد تشكيل المدينة في وعيه، برسم خريطة لحركته فيها وذلك من باب “برنامج إصلاح الذات الذي وضعته لنفسي نصف واع” يقول مصطفى. كما تندمج بنية الحكي ببنية المدينة في هذيان آخر يحاول دمج جغرافيا المدينة بطبوغرافيا السرد لتُستكمل المغامرة الشكلية؛ فبخلاف رسم الخرائط هناك محاولات سردية تشكيلية من قبيل أن يكون طريق “محور 26 يوليو عبارة عن علبة صفيح مقفلة. وهو ضوء سارح في قعرها المموج بمطبات الأمان (…) لماذا إذن يتخيل المنظر، في الرسم كأنه صفحة كتاب؟ صفحة ملآنة على آخرها، والطريق قطع مستطيل يقسمها بالعرض”. مع تضمين رسومات بخط اليد لمثل تلك المغامرة التي قد تغني النص أو تثقله بحسب الزاوية التي تراها منها.

ويبدو انهيار الزواج، حال كونه غطاءًا اجتماعيا يحمي الفردية داخل قوقعته، كنوع من موت الأب، فتضطر الذات لمواجهة العالم عارية بدون غطاء، وهوهنا ما يدفعها لرؤيته وقد ضربه الجنون: “يموت الأب فيطلع ميتين الواحد ويختلط طلعان ميتينه بحالة طلعان الميتين العمومية التي في القاهرة”.

وفي أول عطلة أسبوعية بعد انفصاله الزوجي، يخرج مصطفى في نزهة مع زميله في الجريدة “أمجد صلاح” بأحد مراكز التسوق خارج المدينة، فيدفعه شيء قدري لشراء خاتم فضي يحمل نقشاً إسلامياً، سيتبين لاحقاً أنه رمز أو “طغراء” آخر سلاطين العثمانيين. والنقش في رسمه يتطابق مع رحلة مصطفى داخل القاهرة وفقاً للخريطة التي كان قد رسمها. ويفتح أمجد صلاح أمام مصطفى أول أبواب تفسير المؤامرة الكونية التي هو بصددها؛ أمجد صلاح، المختل عقلياً الذي يتخيل مؤامرة كونية تدفعه للإصابة بالجنون، يتشارك فيها زملاء لهم بالجريدة.

وتضم الجريدة التي يعمل بها مصطفى أنماطاً عجيبة من البشر؛ فهذا المكتب :” نموذج مصغر لشيء شامل وجبار، شيء مثل طلعان الميتين من قبورهم يوم القيامة”. وفضلاً عن أمجد صلاح، هناك الفقي وحيد الدين، الشخص المعزول الهامشي الذي لا يكلم أحدا، والذي يأتي للجريدة ليلاُ بهيئته الرثة بعد أن ينصرف الآخرون. وهو من ستتجلى عبره شخصية السلطان العثماني الأخير وحيد الدين لمصطفى ذات ليلة في المكتب، لتفسر له حدود المؤامرة، ومعاني الرموز التي قابلته طوال الأيام السابقة على ذلك. ويخبره، أنه أي مصطفى، واحد من سبعة أشخاص موجودين في أنحاء مختلفة مما كان يعرف بالإمبراطورية العثمانية، مكلفين بالعثور على رقاع سبعة جلدية تحتوي على سورة مريم القرآنية كاملة مخطوطة بالكاليغراف العربي. وهذه الرقاع كانت بصحبة السلطان الأخير، وقد فقدت منه أثناء ترحيله إلى المنفى. إن “العثور على سورة مريم الضائعة ولم شتات رقوقها المبعثرة هو الخطوة الأولى على طريق إحباط المؤامرة الكونية المحاكة ضد المسلمين”. ويؤكد له شبح السلطان أن في حياته الشخصية وأزمته “ترميزاً وافياً لجوانب المؤامرة نفسها، فكأن هذه الأشياء أنموذج مصغر لمسرح التاريخ”.

وهناك أيضاً بين الزملاء “يلدز” صاحبة الاسم التركي التي يتعرف خلالها إلى شقيقتها كلودين، وعبر ما أسماه علاقة توراتية (أي علاقة متقاطعة مع شقيقتين) يُضاف بعدٌ إيروتيكي للمتن في الفصلين السابع والثامن. وتكتمل الرموز حين يعثر في بيت كلودين على أنموذج للرق الجلدي الذي يبحث عنه، وبالتالي الخيط الذي سيقوده للبدء في إنجاز المهمة التاريخية، بالسفر إلى بيروت.

وتبدو الرحلة وكأنها الغاية من وراء الحكاية بأكملها، بدايةً من الانفصال الزوجي أو الطلاق، فالشعور بالخطر المقرون بالفرح، وحتى الإنطلاق ليجلس في النهاية يكتب كل ذلك لصديقه من على مقهي مواجه للبحر في بيروت

ولكن لمَّ الخلافة العثمانية تحديداً يجدها النص خلاصاً من أزمة العالم الإسلامي؟ يجيب الكاتب على هذا السؤال حين يقول على لسان الفقي/السلطان وحيد الدين إنها: “للمرة الأولى منذ علو نجم آل عباس، في دار الإسلام، توحدت السلطة الزمنية مع السلطة الروحية” وبالأحرى أنها كانت المرة الأخيرة. وفي ظنّ مصطفى الشوربجي إن عودة الدولة العلية قد يعيد ما للإسلام من قيم جمالية فقدها عبر قرون الاضمحلال، لصالح كل ما هو متشدد ومتخلف وتحريمي. ففي قلبه من هذا العالم مرضٌ “شفاؤه الرحيل إلى عالم آخر، أو أن لا يكون الواحد ـ في هذا العالم ـ مسلماً عربياً…” وفي موضع آخر يقول: “أن تولد مسلماً في هذا العصر يعني أنك بالضرورة شخص ثان. تكوينك التاريخي ليس نتيجة منطقية للحالة التي أنت عليها”. وكإنها ليست حالة كل من لم ينتم عرقياً للحداثة الأوروبية.

تبدو هذه الرواية وكأنها تقدم أطروحة في سؤال الهوية العربية والإسلامية، وهو هنا طرحها المخادع؛ فإنما يكمن ثقلها في المغامرة الشكلية ببناء غير مسبوق. فقد اعتمد الكاتب “الطغراء” كأعقد تصاميم الخط العربي نواة مركزية لبنيه الرواية محاولاً أن يضاهيها بعالمه المحدود بحركته في المدينة، وبدرجة أوسع بأزمة الحضارة الإسلامية في التاريخ، وهو بذلك يضع الطغرى أيقونةً يحاول أن يضفي من خلالها المعنى على فوضاه الشخصية والمدينية والحضارية؛ وهي ليست بالتأكيد رمية ستصيب هدفها. ومن هنا هي مغامرة شكلية وإن كنا في نفس الوقت لا نستطيع فصلها تماما عن سؤال الهوية المعني. وكأن بالكاتب يعود للسؤال القديم في محاولة تأصيل الشكل الروائي عربياً وإسلامياً..

ويحسب للكاتب القدرة على استنطاق لحظات ميته، وسردها بذلك النوع من الوعي المجروح؛ وهو ما يولد شعرية المناخ العام للرواية. كما نجح في إقامة شبكة علاقات متماسكة ترسم خريطة المؤامرة وراء انهيار زواج مصطفى ووراء تدهور القاهرة واضمحلال الحضارة الإسلاميه، وكذلك ملامح الخطة المضادة.

ولنا أن نأخذ عليه إثقال السرد بكثير من النصوص الموازية وقصائد النثر والتكرارات التي من دونها كان يمكن أن يهبط حجم الرواية إلى ثلاثة أرباعها؛ وخضوع مفاصل السرد أحيانا لقانون الصدفة (كالعثور على الرق الجلدي في شقة كلودين)، وهوما يضعفها دراميا؛ ولكن في بنية تحايثها البارانويا ونوع من الهوس الديني (الهوياتي هنا) يمكن أن تعبُر تلك المصادفات من باب الأسباب التي يجعلها كيان أعلى مفترض خلف “المؤامرة” والخطة المضادة لها.

ياسر عبد اللطيف

wpid-2012-09-1108-37-33pm-2012-09-11-20-35.png

الكتاب: كتاب الطغرى أو غرائب التاريخ في مدينة المريخ

الكاتب: يوسف رخا

الناشر: دار الشروق- القاهرة 2011

وديع سعادة: شاعر روحه من زجاج

wpid-img_2556-2012-07-1-02-32.jpg

أنديرا مطر- بيروت

نستعير الصورة من إحدى قصائده. رجل يمشي في ثنايا ردائه. وكدت أكتب أن روح وديع سعادة من زجاج، قبل أن يفاجئني بقوله «ان الشعر سلبني الرغبة في أن أكون قليل الأحلام والأوهام، وفي أن أكون أقل رهافة لئلا تكون روحي من زجاج».

أخذنا علماً بأن روح الشاعر الذي لا يزال، منذ ربع قرن في استراليا وزار لبنان أخيراً لبعض الوقت، أو لبعض الغياب، من زجاج. ولكن ماذا عندما يتحدث عن عمره على أنه مجموعة هائلة من السنوات وعليه أن يبيدها بمطرقة!

الأكثر رقة من قصائده الرقيقة والجميلة، الشاعر الاقرب الى اللامرئي.

● نلحظ في قصائدك شذرات ونتفاً من سيرة ذاتية، هل وديع سعادة يؤرخ حياته من خلال شعره، هل القصيدة وثيقة شخصية؟

- لا يكتب الشاعر إلا ذاته، وذاته شبيهة بذوات ناس كثيرين. ذلك يعني أن كتابة الذات هي كتابة الآخر أيضاً، وإذ يؤرخ الشاعر حياته يكون كذلك يؤرخ حياة الآخرين. من هنا فإن الشاعر لا يكتب وثيقة شخصية فحسب إنما وثيقة جماعية كذلك.

● ثمة مناخ رثائي حزين في معظم قصائدك. بسهولة، ينفذ حزنك الى روح الآخر، متى يفرح وديع سعادة ويكتب هذا الفرح؟

-لا أظن أن الشاعر في مقدوره أن يفرح وهو يرى أحزان البشرية وآلامها وانكساراتها المتتالية. كيف يفرح أمام كل هذا الدم الذي يراق في الحروب، وأمام مليارات الجائعين، والعاجزين عن شراء دواء، والمقموعين، المحبطين، والمشردين؟ الشاعر الرائي لا يفرح. من يفرح هو الذي لا يرى.

 

عائلة واحدة

● مفردات الطبيعة تكتسب في قصائدك دلالات معاكسة لتلك التي تملكها عادة، الشجرة تصير انساناً والغصن شرياناً يسري فيه الدم، أي علاقة تربط وديع سعادة بالطبيعة وكيف أنسنتها وادخلتها في مناخات شعرك؟

- ولدتُ في قرية وادعة، حيث كان الناس يعيشون مع أشجارهم وحقولهم كعائلة واحدة. الناس هناك قطعة من الطبيعة والطبيعة قطعة من أجساد الناس وأرواحهم. إذا ذبلت شجرة يذبل صاحبها وإذا مرض صاحبها تمرض هي… كبرتُ، وكبرت تلك القرية في روحي وصارت كأنها هي العالم كله. وهكذا، على الأرجح، صارت الأشجار في شعري بشراً والبشر أشجاراً تمشي.

● وديع سعادة انت وحيد، وهذا يبدو جلياً في شعرك؛ كيف تعيش وحدتك في الغربة، استطراداً هل وحدة الشاعر مختلفة عن وحدة الناس العاديين؟

-لا تختلف الوحدة بين إنسان وآخر إلا بقدر ما يحمل صاحبها من مشاعر مرهفة. لا أقول إن الشاعر هو الأكثر إرهافاً من سواه، فثمة ناس عاديون تخالهم زجاجاً ينكسر بأقل ملمس. وإذ تضاف الغربة الجغرافية إلى الغربة الروحية تصير الوحدة بلا شك أكثر إيلاماً.

 

بعيدا عن التنظير

● هل سلبك الشعر الذي كرست له كل حياتك، حلماً أو رغبة ما؟

- سلبني الشعر رغبة أن أكون قليل الأحلام والأوهام، وأن أكون أقلَّ رهافة لئلا تكون روحي من زجاج.

● لماذا يتجنب وديع سعادة الحديث عن الشعر، أشكاله، أساليبه، مدارسه ، هل تتجنب التنظير ؟ وكيف تنظر للحراك الشعري الشبابي او لجيل التسعينات؟

- لا أحب التنظير في الشعر أو ربما أنا فاشل في ذلك. لكني أعتقد أن الشعر هو فوق التنظير وفوق الأشكال والمدارس. وبالنسبة إلى الحركة الشعرية الشبابية فلا يمكن الحديث عنها في المطلق، إذ ان فيها أصواتاً عديدة ومختلفة ولا يجوز تقييمها كأنها كتلة واحدة. يمكنني فقط القول، عموماً، ان الكلام عن قطيعة هذه الحركة، أو أي حركة أخرى، عما سبقها، هو كلام يفتقر إلى الدقة. فلا قطيعة في التاريخ الشعري، ولا أحد يولد من عدم.

● نلاحظ انك متمسك بقصيدة الصورة.. بأي عدسة تلتقط صورك الشعرية؟

- لا أعتقد أني متمسك بقصيدة الصورة. ربما يصح القول «قصيدة الرؤية»

الأمران مختلفان. فأنا أعتقد أن الكاميرا لا يجوز أن تكون هي عين القصيدة.

 

شاعر اللامكان

● وديع سعادة تنقلت بين مدن عدة، باريس لندن بيروت سدني، اي المدن اقرب اليك ولماذا ؟ استطرادا يشعر القارئ انك تنتمي الى.. اللامكان.

- لا أظن أن للشاعر مكاناً. هو يبحث عن مكان، ولا أعتقد أنه سيجده.

● تعمل في الصحافة منذ زمن، ما هو تأثير الصحافة في الشعر، هل هو سلبي أم ايجابي؟

- الصحافة، بما أنها معاينة يومية لما يجري في العالم، فإن أثرها في الشاعر هو أثر إيجابي، إذ أن الشعر هو معاينة يومية للعالم أيضاً. هذا ما أراه شخصياً وما أجده في تجربتي الشعرية، وكذلك في تجارب شعراء – صحافيين آخرين.

● تقيم في استراليا منذ 25 سنة. هل كان لانعكاس الثقافة الاسترالية على شعرك أي أثر في معجمك اللغوي وطريقة بنائك للصورة؟

- أي إقامة في أي مكان تترك روحاً ما في نفس الشاعر. وأستراليا تركت في نفسي روحاً أكثر مما تركت أثراً في معجمي اللغوي أو في طريقة بناء قصيدتي.

● في حوار لنا مع الشاعر محمد علي شمس الدين ابدى اعجابه بشعرك وقال تجربتك الشعرية مكثفة غير صارخة فيها ظلال ومساحات من الغيب. البيئتان مختلفتان من الجنوب اللبناني الى استراليا والمدرستان مختلفتان من الكلاسيكي الى المنعتق..هذا يعني ان الروح الشعرية واحدة ولو تعددت الاساليب؟

ـ أشكر الشاعر محمد علي شمس الدين على هذا الإطراء، وأعتقد أن كلامه هذا هو خير دليل على أن الروح الشعرية هي واحدة، نعم، ولو تعددت الأساليب.

 

استنسخَ طريقاً من حذائه *

وطوى الطريق، طيَّة طيَّة، ووضعها في جيبه.

وصار، عوض أن يمشي على الطريق، يمشي في ثنايا ردائه.

لم تكن هناك طريق، ولا حذاء له ولا ثوب. لكن قال ذلك كي يكون له مشي.

لم يكن له شيء. كان له القول فقط. كان له القول، والمشي في القول.

وقطعَ الدروب كلَّها مشياً على الكلام.

لا تلفظِ الكلمة الأخيرة، لا تقلْ الكلمة التي في آخر الطريق. قد يسمعها أحد في أوَّل الطريق ولا يعود يمشي.

وإذ تطوي الطريق وتضعها في جيبك، تيقَّنْ أنْ لا أحد ماشٍ عليها. هكذا يخفُّ حمْلك.

وهكذا لا تزعج الماشين.

وإنْ أردتَ رفيقاً، فأيُّ رفيق أعزُّ من وحدتك؟

 

* (من المجموعة الأخيرة «قل للعابر أن يعود نسي ظله هنا»)

wpid-67070-2012-07-1-02-32.gif

وديع سعادة

عن جريدة القبس

الرسالة الغزاوية: مشاهدات الثورجي اليائس في ربوع القطاع البائس

؏

قال العائد من “احتفالية فلسطين للأدب” في العاشر من مايو سنة ٢٠١٢: الحمد لله على ما بقي في الأرض من علمانية، والصلاة والسلام على قائد الثورة المحمدية. وبعد. وصلني كتابك من بيروت إلى شاطئ غزة على شاشة الآي-فون فقلتُ في بالي مثلما يقول الناس هناك “إيش الدعوة”، وقرَرْتُ لأن ذِكري عندك لم ينقطع رغم طول الصمت وغول المسافة السياسية. ثم لم ألبث أن نَبهت إلى دعوتك فشكرتها لك وقدّرتها فيك. وما كدتُ أحل بجوار السيد أحمد البدوي حتى شرعت في الاستجابة.

يُحكى – حيّاك الله – إن ملتحياً في مدينة غزة أوقف سيارة أجرة يطلب الذهاب إلى “مركز حطين في تل الإسلام”، فما كان من السائق إلا أن تركه وغادر صارخاً: “طيب، خلِّ صلاح الدين الأيوبي يوصلك!” ذلك أن الأسماء، وأنت أعلم مني بأهوائها، لا تتغير بمرسوم أمني وإن أراد لها ذلك أصحاب السلطان. فالراكب كما يدرك السائق يقصد “مركز الأمن الوقائي في تل الهوى”؛ وقد بات أحد معاني المقاومة في ربوع القطاع، منذ تغيير الأسماء، رفض الاعتراف بالأسماء الجديدة: هذا الملتحي إما أن يسمي المكانين باسميهما أو يظل واقفاً في الشمس. وعليه – أثناء لقاء وفدنا بممثلي اتحاد نقابات العمال – لعل ذلك القيادي العمالي كان ينوّه إلى الالتباس الكامن في كل لفظة لما قال، في معرض خطابه إلينا: “ما يسمى بالتطبيع مع ما يسمى بإسرائيل”. (أما أنا فأقول إن استبدال الهوى بالإسلام قلة أدب بغض النظر، وهو من مجمل الجاهلية الإخوانية المتحققة هنا مثلما لم تتحقق في أي مكان بتدقيقه.) فاعلم حياك الله أنّ “بالفيست” الذي أتاح لي غزة للمرة الأولى في عمري إنما عَبَر ما يسمى بالحدود ليكسر ما يسمى بالحصار. وعلى رغم أن السجن قائم ولا إنساني ومن شأن فتحه أن يفيد شمال سيناء ربما أكثر من فلسطين، تبدو الجعجعة المناهضة للحصار الإسرائيلي المصري، في ضوء ما تضربه حماس على أذهان وأجساد من خالطتُهم في غزة، محض سفالة.

wpid-untitled-1-2012-05-17-23-57.jpg

واستطرد ينفث دخانه في رشفة إسبريسو ثم تنهد، قال: في تلك الندفة المحاط رسمها براً وبحراً بالموت المحقق على يد دولة الشرج اليهودي المستَنفَر – حاشاك – صاحبتُ شابّين: النحيل، والأقرع. ولم أفهم إلا على هدى من حديثهما إحساساً راودني منذ حللتُ في الخامس من مايو بأن مناهضة الحصار تشبه الحصار نفسه حد التطابق، أو أن لمساجين غزة – فضلاً عن الأسيجة الأجنبية – سجانين منهم يسهرون على عزلهم ووحدتهم. هكذا يصبح الصمود حجة لقهر الراغبين في الحياة – أسعد الله أيامك – وهو ما باتت السلطة الفتحاوية تباركه طبقاً لما سماه ربيب الوفد عمرو عزت “اتفاقية تبادل قمع”. فاعلم أنّ “حركة المقاومة الإسلامية” وقد تحكمت في الفلسطينيين نتيجة نفاد صبرهم على فساد فتح باتت تقاوم فلسطين. حتى بدا لي، غفر الله لي ولك، أنني داخل حدود دولة شرج الإسلام. وهل من حركة إسلامية لمقاومة فلسطين؟ لعله بيزنيس حصار لمزيد من الأكل والعبادة؛ أما الدليل فهو أنفاق تهريب بين شقي رفح لا يمكن عبورها بلا تصاريح رسمية أو تمرير بضائع منها بلا جمارك.

ومما علمت في معية طالبات مسلمات سافرات شاهدتهن يناطحن أساتذتهن البيضان بوقاحة رائعة ولا يرعوين عن الصراخ في حاملي الكلاشنكوف “ما بنخافِش منكم”: من كثرة ما ضبط القادة الحمساويون عملاء لفتح وإسرائيل بين صفوفهم – الأمر الذي كان يؤدي إلى اختفاء الكادرات موتاً في “عمليات جهادية” لم تحدث – أصبح كلٌ متهماً بالعمالة. أصبح على كلٍ أدلة مخابراتية تدعمها وثائق بالصوت والصورة عادة ما تُلتقط أثناء الإقامات الصيفية في مصر. فإذا بدولة الإسلام هي الدولة البوليسية، خَلَص؛ كل ما هناك أنها بلا دولة تُذكر. إيش الدعوة… وكم شعرتُ بضآلتي وكم فرحت في حضرة هؤلاء البنات. وكم كانت فرحتي بهن مؤلمة، ألماً يقطع شرق المتوسط كله من الإسكندرية إلى طرطوس مروراً بهذه الأمواج.

كان النحيل حمساوياً في مراهقته، ثم تحول انتماؤه الفكري باتجاه فتح؛ أما الأقرع فهو أكبر سناً، وقد دفعه التفاني الاستشهادي في الشتات إلى جماعة الإخوان المسلمين ومنها إلى القاعدة قبل أن يستوي نضاله – ذلك الذي يصفه بكلمات من قبيل “مجرد إني هان، مجرد إني بأضحك” – إثر الاستقرار في غزة، حيث عزف عن الفصائل لينظم الاحتجاجات الشبابية عبر الإنترنت. فاعلم حفظ الله نضالك أن ثورة قامت في مارس ٢٠١١ كان شعارها “الشعب يريد إنهاء الانقسام”، وأن حماس استعانت على قمعها ببلطجية أو شبيحة لا يفرّقهم عن ما عندنا سوى أنهم، كراكب الأجرة سالف الذكر، ملتحون. ولا نأمة من جهتهم تشكّك في الملصقات الوهابية عبر دلتا النيل: “أختي بالله عليك اقطعي علاقتك الحرام مع زميلك في الجامعة نصرة لإخواننا في غزة.” لقد هداني نقار الشابين، من قبل أن أرى الأمن يمارس بذاءته على وفدنا وجمهوره في المساء الأخير، إلى أن الاستبداد قائم بغض النظر عن التوجهات السياسية. إنه قائم – كما استفاض الأقرع في الوصف ضاحكاً – ضرباً بالعصي وكعوب البنادق فضلاً عن الرمي بالرصاص، واندساساً في التجمعات الطلابية، ومصادرةً للأجهزة الإلكترونية، واعتقالاً جزافياً، واحتجازاً بلا محاكمة للتعذيب وفرض توقيع الاعترافات والإقرارات، وتشهيراً بين الأهل والجيران، ومنعاً من النشر على المواقع الإلكترونية، و(مثلما حدث معنا في دار الباشا يوم التاسع من مايو بلا إنذار) فضاً للحفلات والندوات مهما خلت من السياسة ومهما جانبها المجون. إنه يحدث لا للأسباب السياسية وحدها وإنما كذلك للاختلاط بين الجنسين، والإبداع الأدبي والفني، والاتصال بالأجانب أو العرب أو حتى الفلسطينيين من خارج غزة… فهم – كما قيل لي مرة بعد مرة: الحمساويون “هم” – بصدد بناء المجتمع الفاضل. وفي المجتمع الفاضل لا تكمل جملتين حتى يغمز لك محدثك أن انتبه هناك من يتصنت علينا، ألا لعنة الله على المتخلفين!

حكى لي النحيل إنه التحق بفتح من خلال أصدقائه في الجامعة في أعقاب “انقلاب الـ ٢٠٠٧”، وأشار ونحن سائران إلى وفرة البضائع الغالية في محيط “الرمال” حيث نصب الجندي المجهول – محل تجمهر التظاهرات المسبوقة دائماً بفرشة من مباحث الأمن الداخلي والمتبوعة بالاعتقال: ميدان تحرير صغير، العوض بسلامتك – ثم أردف بنبرة محايدة: “هاد الحصار.” (تحضرني في هذا الصدد حكاية سوداني زار غزة في وفد تضامني فلما ولج السوبرماركت صاح: “اللهم ارزق السودان بحصار مثل حصار غزة!”) بطول المدينة، تنتصب لافتات تحمل وجوه الشهداء في صفوف ولا تذكر ملابسات استشهادهم. أومأ صاحبي إلى إحدى تلك اللافتات أمام مقر أمني أزرق، وحدّد ترتيب الوجه المعني ليخبرني إن صاحبه صفعه بعدما جره إلى الحبس لأنه رآه في العلن مع فتاة؛ وأضاف إن صديقاً له وزّع الحلو احتفالاً بموت صاحب الوجه نفسه. كنا نقترب من ذلك الخط اللامرئي حيث تتاخم الصحراء المياه. وكنت كأنما أعرف ما سوف يحصل في الغد (ويصيبني قبحه بذعر لحظي رغم ذلك) من اقتحام الأمسية الختامية للاحتفالية من جانب جلف مصمت الوجه يهدد الحضور قائلاً إنهم غير مسموح لهم بالتصوير بلا سلام ولا استئذان ثم – بعدما يصورنا هو، من جانبه – يهدد بإخلاء المكان بالقوة إذا لم نغادر. كأنما كنت أعرف ونحن نقترب من البحر. وأفكر إن نصرة إخواننا في غزة أن نكون معهم بأجسادنا في دار الباشا، وأن نختلط بهم رجالاً ونساءً، وأن نصل كل علاقات العشق المحتملة ولا نقطعها تأكيداً على رغبتنا في أن يعيشوا.

جعلنا الله وأهل غزة من أصحاب القلوب لا الحناجر، وهيأ لنا في الثورة العربية مسالك مترقرقة كشاطئهم نركب عليها بحار نعمته، وعصمنا من قتل الروح قبل قتل الجسد. وجنبنا التجارة بالدين. إنه هو فاطر الغرام والثورة، ليس أرحم منه.

ثم ختم كتابه بكلام في كسر الحصار عنونه “دعاء الرجوع من غزة”، قال: لمس أكتاف. والانتظار في القاعات. لا علاقة له بالقضية. والحنجرة بالتوازي. الحنجرة أعلى فأعلى. والحصار كالجنزير الذي تحزّم به وسطك لترقص. وطائراتٌ تُسمع ولا تُرى فوق رأسك. وتهتز في إثرها الصورة على التليفزيون. والحصار بضاعة مهربة من خلف حاجز. ولا أحد يعرف كيف تدخل. السيارات الفارهة. والحصار بالآي-فون. ووفد المتضامنين في البقعة المنكوبة. ومن يصوّر بجواله يتحمل المسئولية. لدينا أدلتنا على نشاطك. أن توقّع إقراراً لتذهب. والكهرباء التي لا تأتي. ومن يَشْكُ يروّجْ شائعات. التهمة نشر العلمانية. أن تشبح الشخص يعني: تعلّقه من رجليه. وتحريف القرآن. والترحاب الرسمي. صفوف المسئولين على أبواب المكاتب. الانتصار على أمريكا خمس مرات في اليوم. وقبل الأكل في الصباح الباكر. أزمة الوقود. ووفد المتضامنين في البقعة المنكوبة. إذا قالت حماس فصدقوها. أن تترك من اعتقلتَهم في الحبس حين تُقصَف. حتى الفدائيون يجرون من كعوب البندقيات. ولا لشيء سوى الكهرباء في بيوتهم. فإن الصدق ما قالت حماس. والضرب حتى الإغماء. الضرب رغم الصلات العائلية. والرصاص الحي. الحروف العبرية على الملصقات. والشيقل بالقاف. وانتظار القوافل. والصمود ملتحون بالعصي. والمخبران اللذان لا يفارقانك. والبحر. الحنجرة من أسفل إلى أعلى. والأنفاق التي تحولت إلى موانئ. والجمارك الضرورية لعبورها. أن تُعتقل لأسباب أخلاقية. وتكسير أطراف الشباب على سبيل المقاومة. وبكاء البنات حين يُفضّ الحفل عنوة. والكلاشنكوف على البوابة. ثلاث سيارات شرطة في الزقاق. البحر نفسه. نفس البحر. وفرحة اللقاء في القاعات. ولسعة الشطة في الطعام الطيب. ولمس أكتاف مع عرق العصاري. المصافحة بلا حساب.

؎

The Colours of Places – ألوان الأماكن

This slideshow requires JavaScript.

الأهم فالمهم: الغربة

هذا وصفُ غريب نأى عن وطنٍ بُني بالماء والطين، وبَعُد عن ألأّف له عهدهم الخشونة واللين. ولعله عاقرهم الكأس بين الغُدران والرياض، واجتلى بعينه محاسن الحَدَق المراض. ثم إن كان عاقبة ذلك كله إلى الذهاب والانقراض، فأين أنت من قريب قد طالت غربته في وطنه، وقلّ حظه ونصيبه من حبيبه وسكنه؟ وأين أنت من غريب لاسبيل له إلى الأوطان، ولا طاقة به على الاستيطان… لا يتمنى إلا على بعض بني جنسه، حتى يفضي إليه بكامنات نفسه، ويتعلّل برؤية طلعته، ويتذكر لمشاهدته قديم لوعته، فينثر الدموع على صحن خده… – أبو حيان التوحيدي

wpid-p1020464-2011-10-4-20-11.jpg

الأهم فالمهم. أمر عادي ربما أن تشعر بالغربة حيث تعيش، أن تلح عليك المغادرة طلباً في “وطن” مفارق. غير العادي أن لا يَنتج هذا الشعور عن خيبة أمل في حياتك أنت، في الدائرة التي تشغلها، بل عن إدراك – مفاجئ بالضرورة – للا جدوى انتمائك إلى جماعة بشرية يُفترض أن تعطي حياتك معنى. للضجر صبغة حين ترى الأكاذيب والعبث، ووجودك وسط العبث والأكاذيب يجعلها صبغة مضجرة. صحيح أن الغربة تحدث إثر تحول في الشأن العام، لكنْ صحيحٌ أيضاً أن التحول لا يصنع غربة بغير وعي خاص ويومي بفحواه يكشف تواطؤك مع نتائجه السلبية. لحظة نادرة وشخصية ولا علاقة لها بالمعارك: أن تصبح أنت بزيك تجسداً للوطن المهزوم. لم تعد وحدك كما كان الحال من قبل، ولا هزيمة الوطن معزولة عنك كما هُيئ لك سنوات. لعلك لست إنساناً أصلاً، لست جزء من شعب يستحق أن يكون له وطن؛ على الأقل ليس كما يجب أو تريد. وفي إدراك لا جدواك منتمياً، يتراءى الدافع إلى إعادة صياغة الواقع بالكلام أو، على حد روبيرتو بولانيو، “الكتابة بدلاً من الانتظار”. بلا إعادة صياغة للواقع، حتى المغادرة، الهجرة نفسها لا ترحم من الانتظار. في الغربة: الكتابة بدل الانتظار. والحب أيضاً، العشق طلباً لوطن منمنم يسكنه شعب “ملّاكي” لا يعذبك الانتماء إليه؛ شرط أن تكون – عكس البطاركة القبليين – مستعداً لأن لا تسوق وحدك، لأن تغادر موقع “القائد الضرورة” متى اقتضت الحاجة وأن تعطي قدر ما تأخذ من أسباب الفرح بالحياة… لكن هذه، في النهاية، تفريعة ثانية.

وكما سيرد أو يدلل عليه في هذه الرسالة اللاحقة على “كتاب الطغرى”، والمؤرخة أكتوبر ٢٠١١:

عاش قريني مصطفى نايف الشوربجي لحظة إدراك لا جدوى انتمائه على الورق سنة ٢٠٠٧؛ لكنه كان يعيشها في رأسي، أو أنا أعيشها، طوال النصف الثاني من العقد الأول بعد ألفية الميلاد المجيد. بين أول ٢٠٠٥ وآخِر ٢٠١٠، كنتُ أعيشها؛ وكان اختراع قرين في ذاته جانباً من عيشها حتى وأنا لم أنتبه بعد إلى مدى اتصالها بما يحدث في الشأن العام ولا إلى أن ما يحدث في الشأن العام قد يكون تَحوُّلاً. سنة ٢٠٠٥، فجأة، عدتُ إلى الكتابة بالعربية إثر أولى زياراتي لبيروت، والتي تزامنت مع “ثورة الأرز” في عز انتصارها: انسحاب القوات السورية أخيراً من لبنان… وفيما بدا أنه تصالح كاتب “ما بعد تسعيني” مع فكرة إدراج الأمور السياسية في الأدب – فعند التسعينيين أن “الأيديولوجيا”، عملياً، حرام – كان التحول باتجاه البلوتقراطية البذيئة لحكم “جمال مبارك” قد بدأ يظهر عبر صياغة الواقع عن طريق مقارنة بيروت بالقاهرة في سياق أدبي كما في الواقع. (بالبلوتقراطية أقصد: حكم الأغنياء؛ وبذاءتها في عهد “لجنة سياسات” الحزب الوطني راجعة إلى أنهم أغنياء حروب لم تقم، ورثة الاشتراكية والقومية من “فهلوية” الجشع والسلام المحوَّطين لهم عقود بِرياء “فلاحي” مُقيّئ لعله أقنعهم أنهم يتفضلون على الوطن فعلاً أو أنهم، في مجلسهم، فعلاً يمثّلون الشعب. كانت بلوتقراطيتهم، على طرف النقيض من نموذج الليبرالية الرأسمالية الذي يدّعون التطلع إليه، تعتمد على دولة الطوارئ القائمة منذ زعم عبد الناصر أنه سيحرّر فلسطين ويجابه الاستعمار ويوحّد الأقطار العربية.) أذكر أن أكثر ما كان ينفرني في القاهرة بينما أكتشف بيروت ثم تونس عبر الكتابة عنهما هو سفالة الإنسان الفرد والتي اتخذت من التوريث وكذبة “النمو الاقتصادي في ظل الاستقرار” – الكسب غير المشروع على نحو مقنن، شرط الثبات وتجنّب المخاطرة – اتخذت منهما أماثل للنشاط الإنساني حتى في الإسلام السياسي (حيث تحول التيار “الجهادي” إجمالاً إلى تيار “سلفي” أقبح)، والحقيقة التي لا تُذكر أنه لا محتوى للخطاب ولا إنتاج؛ حتى لو وُجد عمل، وهو أمر نادر، لا مقاييس للجودة أو ضمير. لا إنتاج.

وسعياً إلى استشراف مخرج، كانت قد اكتملت الطغرى. كان لابد من حدوث شيء، لكن ربما – مثل ثورة الأرز – كان لابد أن يكون، في التحليل الأخير، بلا جدوى. أواخر ٢٠١٠، قبل الأحداث مباشرة، قال لي صديق شاعر إن الثقافة العربية “عَرَض” أكثر منها حقيقة، يقصد الثقافة بمعى الفن والأدب إلخ، وأوصلنا الأخذ والرد إلى أن الموجود في المجالات كلها فضلاً عن مجالنا نحن، حيث يفترض أن يكون هناك أفراد يبحثون عن حقيقة (أخلاقية أو اجتماعية أو سياسية أو حتى مهنية)، بأوسع وأبسط معاني البحث عن الحقيقة، أوصلنا الحديث إلى أن الموجود هو “جماعة صِيّع”، أو “شلّة واقفة على الناصية واللي معانا يتكلم زينا”. الآن فقط يذكرني حديثنا بما كنا نتندر به أنا وراشد جلال السيوطي قبل أن يهاجر، من أن الحياة في مصر عبارة عن أوضاع ومناظر… وهو التعبير الذي تمدد معناه وتكاثر منذ ابتدعناه سخرية من عنوان كتاب رأيناه صدفة على أحد أرصفة “باب الدنيا” كما يسمي مصطفى وسط البلد: “شخصيات ومواقف”. منذ ١١ فبراير وأنا أتابع، فضلاً عن العبث واللغط والكذب، ردود أفعال “النخب” حيال الأحداث ومبرراتها المفترضة: الآراء والرؤى. أظن أنني وصديقَي، بينما لم نكن على حق حين لم نتوقع أن يحدث شيء في المستقبل المنظور، كنا على حق تماماً في تصورنا غير المعلن عن ما يمكن أن يفضي إليه شيء حدث.

wpid-img_2166-2011-10-4-20-11.jpg

من أخذ النظرة التي تركتها أمام الباب؟

وديع سعادة

مجموعة شعرية جديدة لي بعنوان ” من أخذ النظرة التي تركتُها أمام الباب ” أرسلها لكم عبر الانترنت (مرفقة ربطاً مع هذا الايميل) ولا أصدرها عن دار نشر احتجاجاً على تعامل معظم دور النشر مع الشعر كسلعة تجارية وأتمنى أن تعتبروها ككتاب مطبوع

نص المجموعة كاملاً

wpid-t_b3a2f64b-2ca3-44ab-b522-e71929b5e9c1-2011-07-7-05-49.jpg

مع سركون بولص ونبيل مطر في بيروت عام 1968

الحكاية

الحكاية أَن لا حكاية

تلك التي قالها القبطان كانت خرافة

كي يسلِّي المسافرين في المحيط المديد

والحكايةُ الأخرى كانت خرافة أيضاً

كي يسلِّي الذين يغرقون.

الحكاية أنْ لا أحد في البستان

ولا أحد في الخيمة

ومن كان ينام ويزرع كان خيالاً

لا خيمة ولا بستان لكنْ قيل ذلك

كي يظنَّ الشجر أنَّ له ظلاً

ويظنّ التراب

أنَّه أُمّ.

الحكاية أَنْ لا أُمَّ

ولا قبطان ولا مركب ولا ظِلَّ

ولا حكاية.

يا جاك كيرواك

كثير من الأخطاء في الإشارات والأسماء على الطريق يا جاك كيرواك

الأسهم المشيرة إلى أمكنة

توصل إلى أمكنة أخرى

واليافطات المكتوب عليها ينابيع

صحارى.

ماذا جرى يا جاك كي أرى السهل حوتاً يريد أن يبتلعني

والفراشةَ جداراً؟

وهل السنونوة التي سقطت ميتةً أمامي

كانت تعبر كي ترسم الطريق أم كي

تمحو العبور؟

يا جاك، يا جاك، إنزعِ اليافطات عن الطريق

إلغِ الينابيع والغابات والأمكنة

دلَّني فقط إلى الممرِّ الذي بلا إشارات ولا أسماء

أريد أن أعبر.

إلى سركون بولص وبسَّام حجَّار

اعطني رداءك يا سركون

بردتُ

أَدفئني قليلاً بترابك

وأَنعشْ هذا التراب يا بسَّام

ادلقْ عليه

كأسك.

على المحطَّة قطارٌ بعد، اصعدا قبل أن يمضي

نذهب معاً في نزهة

نرى الغابات، نرى البطَّ في البحيرات، نرى البيوت وكيف

تطويها المسافات

وتطوي الساكنين فيها

لا يزال قطارٌ بعد

وبعده تقفل المحطَّة

اصعدا

فإنْ مضى هذا القطار

أين نقضي هذه الليلة؟

إنَّه القطار الأخير، اصعدا

قد نذهب في نزهة

قد نرى ذاك النبع الذي حلمنا به طويلاً

ينبثق من المياه الجوفيَّة لأحلامنا

اصعدْ يا سركون

قد يمرُّ هذا القطار في مدينتك

اصعدْ يا بسَّام

قد نرى مروة.

الذي عبَرَ اسمَهُ

كتبَ اسمَهُ على الحائط كي يتذكّر العابرون أنه مرَّ من هنا

كتبَ اسمَهُ وذهب

وحين عاد

حاول عبثاً أن يتذكَّر

من هو هذا الاسم المكتوب على الحائط.

هأسأل عليك إزاي



كنت أذهب إليه في مرسمه بمصر الجديدة فيطردني. لم يكن يطردني بالضبط، وليس كل مرة طبعاً، لكنه لم يكن يتساهل في أي هفوة تنظيمية من جانبي وكان يتعمد معاملتي كصبي معلم بدلاً من زبون. ضخامة جثته واتزانه الوقور يصدّران إحساساً بأنني أقف منه موقف الابن العاق، وهو ما أحسسته على وجه الدقة حين بلغني الخبر بينما أنا على سفر. في المخابرة الهاتفية الأخيرة كان قد قال لي “ابقى اسأل عليَّ”. وكأي شخص مزاجي حقير لم أفعل، تماماً كما تجاهلتُ أبي في أيامه الأخيرة دون أن أعلم أنها الأخيرة أو أسأل نفسي إن كان باقياً لي هذا الأب أو إن كان يمكن أن يعوّض. الآن وقد وصلت إلى حيث كنت ذاهباً، أفكر في كل آبائنا الراحلين، كيف أنهم آجلاً أو عاجلاً يرحلون، وأننا نكون تقاعسنا في السؤال… كل هذه المخابرات المؤجلة وتجاهلي لمن أحب خجلاً أو شوقاً أو خوفاً من وزن لحظات محتملة…تذكرتُ أيضاً يوم قلت له مازحاً إنني لن أتعبه بنفس القدر في مشروعنا التالي المشترك، وكان قد شكا وشكا من ويلات التعامل مع شخص مستهتر ومدلل مثلي حيث اقترح ثم رفض ثم قبل أن يصمم كتاباً عن بيروت يحتوي على نصوصي وصوري التي أرسلتها إليه فور الانتهاء منها بلا توقعات سنة 2005.كان قد عمل في كتابي بلا مقابل، أعطاني اسمه فضلاً عن جهد يديه، ما ساهم ولابد في أنني واصلت الكتابة عن المدن وتمكنت من نشر ما كتبته وربما حتى إثارة شيء من الاهتمام. كان يتحرك من واقع إعجابه بالنص مجرداً من أي اعتبار ولأنه – كما قال لي – تعرّف في الصور على بيروت التي عاش فيها قبل عقود أو سنين. يومها قلت له “عقبال الكتاب اللي جاي يا أستاذ محيي”، وكان رد فعله عكس ما توقعت تماماً، حيث ظننته سيقول شيئاً من قبيل “بعينك”! كان رد فعله فقط أن تنهد تنهيدة قصيرة وابتسم ثم قال ما معناه أنه قد لا يبقى على قيد الحياة ما يكفي من الزمن لإنجاز كتاب. كانت لحظة محيرة. أردت أن أحتضنه أو على الأقل أبكي في حضوره، أن أعبر عن الامتنان والغضب وشيء ثالث يحسه الأبناء حيال هؤلاء الذين يجعلونهم أشخاصاً بحيوات وأسماء. لم أفعل شيئاً بالطبع.وأتذكر أنه كان ينفيني إلى البلكونة كلما أردت أن أشعل سيجارة وقد سد خرماً في صدره كما صار يقول حين أجبره الطبيب على الكف عن التدخين. هناك شيء آسر في أدائه على كل حال، وعندما يأخذه سحر الحكي يتبدى الحنان في صوته بما ينفي آثار ذلك العنف المقطّر. حكاياته شيقة ومتعددة وإن كانت مريرة، في الكثير من الأحيان يتملكه اليأس من هذه البلاد وهؤلاء الناس لكن نبرة التأمل المتفكه لا تبرح صوته. كنت أسترد في حضوره إيماناً بجدوى الثقافة والمثقفين زايلني طوال سنوات كففت أثناءها عن الكتابة بالعربية. والآن أعرف أنه لولا محيي اللباد لما أصدرت كتاباً بعد ذلك الانقطاع.بأحلى المعاني كان مثقفاً مشتبكاً مع الواقع، كان قد تعلم كيف يجنب نفسه ليس فقط الأدلجة والادعاء ولكن أيضاً كل تلك الأشياء المؤسفة والمجهدة التي قد يعاني منها فنان عنده من الشجاعة وحب الغير ما يكفي لاختيار مسار مصمم الجرافيك في زمن لم يكن يعني فيه ذلك سوى شح الموارد والتصادم مع الغباء.أفكر فيه وأقول في عقلي: طيب هأسأل عليك إزاي دلوقتي أنا يا أستاذ محيي؟

———————————————————————————-





Enhanced by Zemanta

حوار سوسن حماد على مدونة بيروت 39: ترجمة

Dialects in the Arab World
Image via Wikipedia

تعطيل سرد القصة او دقائق من وقت القاص: مقابلة مع الكاتب يوسف رخا

ولد يوسف رخا في مصر في العام 1976. بدوي مرتحل بطبعه, درس الإنجليزية و الفلسفة في بريطانيا, عمل في مصر و عاش في بيروت, و أخيرا إستقر في أبو ظبي ككاتب في اليومية الإنجليزية “ذي ناشونال”. بدوره قام بإجراء مقابلات مع بعض أهم الكتاب و الصحافيين العرب المعاصرين للطبعة الإنجليزية من الأهرام الأسبوعي: منهم رواة و ممثلون و سياسيون لا يقلون حنكة في رواياتهم. قدم الكاتب أعماله بتأن و دقة و منطقية حيث يعطي القارئ فرصة التوصل الى إستنتاجه الخاص بعيدا عن انحيازات الكاتب.

ينهي يوسف حاليا روايته الأولى “كتاب الطغراء”, و التي قال عنها في مدونته بأنها “إستحضار خيالي للقاهرة بعد عام 2001 و تأملات في إنحدار الحضارة الإسلامية”. دعونا إذا نخوض في عقل يوسف رخا فنستكشف عالمه.

كتبت في الشعر و القصة و ادب الرحلات كما كتبت التقارير الإخبارية و المقالات: تعد إذا كاتبا ذا اوجه متعددة. ماذا يحدّ من مقدرتك حسب رأيك؟

أسس الكتابة هي ما يقيد الكاتب, و لكنها رغم ذلك مهمة للتمكن من الكتابة, هي بمثابة الاوتار التي يجب ان تبقى مشدودة للتحكم بتغير نغمات النص. و لكن اكبر التحديات هي بالطبع أن تكون كاتبا جيدا, كما قال ريموند كارفر على ما أظن: ليس ان تحكي ما يهم فحسب, بل عليك ان تتواصل. بالنسبة لي كذلك أن اوازن بين ما أريد قوله و بين ما يريد القارئ قوله من خلالي: شئ مشابه لما أقوله و مختلق في آن. من الضروري حفظ تلك المساحة في النص. الفكرة هي مط ما نكتبه حتى أبعد الحدود الممكنة بما في ذلك الاسلوب الإنشائي للجمل و إختيار الكلمات. و كاننا ببحث دؤوب عن شئ ما, نغمة ما أو إيقاع ما او وجهة نظر ما, شئ ما يخصنا و لكنه هادف في نفس الوقت. جنوني و لكنه معبر و بليغ, و هو ما ياخذنا الى إكتشاف محدودية اللغة و بيت الصيد هو كيفية التعامل مع محدوديتها.

بالنسبة لي فالشعر هو أكبر تحد لي و لو انني كنت أشد حزما لكرست نفسي له. كون اللغة العربية هي محيطي تجدني غير مكترث بجنس الكتابة. منذ مدة قريبة إكتشفت كلمات رائعة للشاعر العراقي سركون بولص تعبر عني تماما <بما معناه: أنه بالنسبة له فاللغة العربية تحاكي البحر بطبيعتها و تستطيع الإتحاد مع أي عناصر أخرى في محيطها الواسع, لذا فقد حان الوقت لنعامل اللغة العربية ككونها إحتياطي قومي او مغناطيس يشد بإتجاهه التأثيرات الأجنبية تماما كما فعلت في الماضي.>

منذ متى و أنت تكتب؟

نشرت اول كتبي في العام 1999 تحت عنوان “أزهار الشمس”, أنهيت يومها ما إعتبرته اول أعمالي المتكاملة و هو عنوان لقصة قصيرة كنت قد كتبتها عام 1997 و حمل الكتاب إسمها. كنت في العشرين أو الحادي و العشرين من العمر, و لكنني بدأت أكتب قبل ذلك بكثير. بدأت الكتابة باللغة الإنجليزية بشكل شبه حصري في العام 2000 ثم عدت للغة العربية في العام 2005 في كتابي “بيروت شي محل” و حاليا كتابة بعض القصائد باللغة العربية.

تقول فيرجينيا وولف بأن للرواية المقدرة على قول الحقيقة اكثر من إمكانية سرد الواقع. هل توافقها في الرأي؟

لا أعلم تمام ما المقصود بهذا القول. الخيال يدغدغ الواقع, أحيانا الواقع هو الخيال و الخيال هو الواقع. فوكو أشار الى انه ليس هنالك ما يعتبر الصدق\ الحقيقة المطلق\ة باي حال. هنالك العديد من الحقائق, و الحقيقة التي نجدها في الكتابة أهم من تلك التي نجدها في العلوم على سبيل المثال, او على الاقل أكثر صلة به. و من تجربتي الشخصية في الكتابة أرى بان الواقع يمكن ان يكون شائقا تماما كالخيال.

سأسرد لك بعض الأسامي و لك أن تقول لي من مِن هؤلاء ستفضل أن يرافقك إن كنت لتسكن على جزيرة نائية (سيريلانكا ما قبل الكولونيالية) على فرض بأن سكان الجزيرة الأصليون سيرافقونك.

جان جينيه أم محمود درويش؟

جينيه بطبيعة الحال لانني بالحقيقة اكره درويش, و لهذه قصة طويلة..

فرانتز فانون ام كارل ماركس؟

فانون. حيث سيكون لدينا الكثير لنتحدث حوله.

فيروز أم ليلى خالد؟

هذا خيار صعب. فيروز, إن كانت ستغني لي وحدي بالعتمة.

صنع الله إبراهيم أم إميل حبيبي؟

أتخيل بأن (حبيبي) سيكون ممتعا اكثر, إنني أعرف (صنع الله) شخصيا و لكنني لم أقابل حبيبي مرة في حياتي.

دافيد لينش أم مايكل هينيكي؟

لينش بالطبع.

خديجة أم أروندهاتي روي؟

تعنين بـ (خديجة) زوجة النبي محمد؟ أظن بأنني سأفضل وجود أروندهاتي بين السكان الأصليين.

وودي آلن أم لاوعيك؟

مرة أخرى, سيكون خيارا صعبا. أظنهما متشابهان الى حد كبير و لكن لاوعيي يتحدث العربية, و هو ما أفضل.

ابوك ام أمك؟

يا الهي! هل أستطيع ألّا آخذ أي منهما؟ أبي ميت, سأختاره لهذا السبب فقط.

إن إستطعت تغيير ما شئت في مدينة ما (بشرط إستبعاد و عدم إستنساخ السحر المصطنع لدول الخليج), ماذا كنت ستبني و ماذا كنت ستهدم؟

بإستثناءات بسيطة, سأهدم كل ما بني بعد عام 1800. و لكنني سابني خيما مستحدثة بتكنولوجيا عالية تحميها جمال أصيلة. ستكون الخيام بحجم مدن باكملها. و ستسرح الجمال في كل مكان.

أخيرا, ما هي توقعاتك بخصوص مهرجان بيروت39؟

تعلمين بأن جدلا واسعا وقع هنا في القاهرة عقب إعلان أسماء الرابحين. العديد من غير الرابحين أبرزوا إمتعاظهم و كذلك العديد من الكتاب كبار السن أعلنوا تحفظهم و تأسفهم (و هم ليسوا طرفا في المعادلة أصلا). لم تثبط هذه الأحداث من عزمي و لكنها جعلتني اتسائل عمّا تؤول اليه المنافسة في نهاية المطاف, خصوصا إذا ما فكرت في أسماء بعض الرابحين الذين لا أكن الإحترام لاعمالهم و مع ذلك فهم تواجدوا و يتواجدون في كل حدث او مؤتمر. هذا ما جعلني افكر جديا بمستوى النجاح الأدبي العربي. ماذا يعني النجاح الحقيقي و كم منه يعود بالنتيجة على نوعية الكتابة و كم منه يعود على تواجد شخصية ما؟ بالطبع هنالك على القائمة من الأسماء ما يملؤني فخرا بكوني مصنفا معها. هذا جزء مما أشعرني به تواجدي بالمهرجان, فقد وضعني وجها لوجه مع السؤال الصعب حول قيمة ما أكتب و تساؤلي حول كيفية قياس هذه القيمة.

بيني و بين بيروت رابطة قوية ربطتني بها لمدة أربعة أعوام, لذا فإنني متحمس لذهابي اليوم هناك ككاتب معترف بي. املي هو أن يساعدني المهرجان بأن اتخطى العقبة الدائمة و المهمة بالغة الصعوبة في تفريغ بعض الوقت للسفر و للكتابة من خلال صفقات إقامة أو نشر كتاب أو ما شابه.

Reblog this post [with Zemanta]