حوار مع أحمد يماني لمدونة بيروت 39

windows 8
Image by yrakha via Flickr

An Open Window: Interviewing Ahmad Yamani

حاورته سوسن حماد

أحمد يماني, شاعر و مترجم مصري نشر أربعة دواوين في الشعر. ولد في القاهرة عام 1970 و حصل على شهادة البكالوريوس في الأدب العربي من جامعة القاهرة في العام 1992.ترجم قصيدته المسماه بـ “يوتوبيا المقابر” الى الإنجليزية المترجم سنان أنطون, و ستنشر في مجموعة بيروت39 الأدبية.

ويذهب يوسف رخا المشارك في مهرجان بيروت 39، في مقال نقدي له، إلى أن يماني – ومعه إيمان مرسال – أعادا اختراع اللغة في قصيدة النثر. “لقد جردت هذه الأصوات [التسعينية] الخطاب من شوائب الأدلجة، وعبرت عن هموم إنسانية دون التقيد بأية ملامح قومية، كما أبرزت هوية فردية تستعيض بالصدق عن الأصالة”.

فلنبدأ من عنوان قصيدتك, “يوتوبيا المقابر”. غالبا ما أشعر بالراحة حين أسير في مقبرة, لعل سبب ذلك يعود إلى اليقين في معرفة أين سأكون بعد موتي. و لكن بالنسبة لك تبدو المقبرة كمساحة مثالية, أو يوتوبيا إلى حد ما, لماذا؟

أود أن أذكر بداية أنني كتب هذه القصيدة منذ أعوام طويلة وأنا في الثانية والعشرين من عمري وكنت مشغولا للغاية بفكرة الموت ومرتعبا منه إلى درجة نفيه في القصيدة وجعله حياة أخرى أو بيتا جديدا، كان علي أن أتصالح مع الموت وأن أراه بسيطا. ربما حررتني شخصيا هذه القصيدة من الرعب إلى حين.

جميع مقاطع قصيدة “يوتوبيا المقابر” تحكى من منطلق اللاوجودية .في مكان ما من بين ظلال الله التي تخيم على عظامك و التفكير في الإحتجاج على إستبداد الملائكة, نجد سلاح الطرافة و السخرية. السخرية: هل ماتت؟

لا أعرف، إن كنت تقصدين موتها في الفن فلا أظن ذلك ولا في الحياة عموما، على أن السخرية فن صعب للغاية كما هو معروف. يفرق عبد السلام بن عبد العالي بين التهكم والسخرية فالمتهكم ينطلق من مكان أعلى ويصدر تهكمه عن إحساس بالقوة ولذا لا يتهكم على نفسه بينما السخرية متواضعة تسخر من نفسها أولا، ويرى أن سقراط متهكم وأن نيتشه ساخر.

المقطع رقم 5 أشبه ما يكون بطقس جنازة. هل فكرت يوما بكتابة رثائك الخاص؟

لا أستسيغ شعر الرثاء عموما وخصوصا في الأدب العربي وأراه من أضعف الحلقات لأنه أحادي الرؤية أو هكذا يخيل لي. ربما أرى في سطر واحد لفرناندو بيسوا أمرا يتجاوز فكرة الرثاء كلية:

“من نافذة بيتي وبمنديل أبيض أقول وداعا لأشعاري التي تسافر نحو الإنسانية، ولست سعيدا ولا حزينا فهذا هو مصير الأشعار”.

بينما أقرأ المقطع رقم 8, خطر لي خاطر أن أقوم بنبش قبور الموتى فأحيي عظامهم لأستمع لمزيد من مناجاة المقابر التي تحكيها بسلاسة. يا للأسى في تلك القصيدة, فحتى عندما نرقد بأكفاننا نحاول فهم مغزى الحرية و كيفية الحظيان بها. لكن ماذا عن الدفتر الأحمر؟أين نجد الموت في تلك القصة؟

للدفتر الأحمر حكاية أخرى، هي مصادفة مركبة تعرضت لها وأنا أقرأ كتابا صغيرا لبول أوستر يسمى “الدفتر الأحمر” يتناول مصادفات واقعية حدثت له شخصيا. فقط أردت تدوين الحكاية.

انت الآن بصدد الحصول على درجة الدكتوراه من جامعة كومبوليتينسه في مدريد في إسبانيا. عمّا تحوي رسالة تخرجك؟

أود القول بداية إنني لا أزال أشتغل على رسالة الدكتوراه وهي تتناول “قصيدة النثر العربية“. والمثير في الأمر أن قصيدة النثر المكتوبة بالإسبانية تعاني بشكل ما من المشكلات نفسها التي تعانيها القصيدة العربية من حيث خلطها مع “أشكال أدبية” أخرى كالشعر الحر والنثر الشعري إلخ… والمحزن أن هذا ينطبق أيضا على المستوى الأكاديمي وقليلة هي الدراسات الجادة التي تغوص في هذه القصيدة وإن كان هناك جهد معتبر يقوم به البعض مثل “بدرو آؤيون دي آرو” وهو منظر هام يقوم بمقاربة الموضوع خارج الكليشيهات المعروفة وكذلك البروفيسورة “ماريا بيكتوريا أوتريرا”. وبالطبع لك أن تتخيلي خلو المكتبة الإسبانية من أي مرجع يتناول قصيدة النثر العربية.

ما الذي تتوقع أن تخرج به من مشاركتك بمهرجان بيروت39؟

ثمة مستويات عديدة لهذا اللقاء منها ما يتعلق ببيروت المدينة التي تمثل لي الكثير بشعرائها وكتابها وفنانيها وحضورها الكبير وحلمي بزيارتها والذي دائما ما تأجل، ومنها ما يخص اللقاء مع الأصدقاء الكتاب المختارين، وبعد بوجوتا 39 عام 2007 أتوقع أن تكون بيروت 39 مناسبة هامة للإسهام بشكل ما في التعريف بالأدب العربي والذي للآن لم يصل إلى الكثيرين مثلما وصلتهم آداب أخرى لا أحسب أن الأدب العربي عموما يقل عنها في شيء

Reblog this post [with Zemanta]

المقامة الحاكمية أو المنتحر 20

حدّث راشد جلال السيوطي قال:

أن تفتح كبّوت عربتك بعدما تقف منك على الطريق، فتجد جثَّةً منطويةً في وضع جنيني مكان الموتور، تخيل! ليس هذا ما حصل بالضبط، لكنْ قياسًا إلى أن هذه أول زيارة أعملها للقاهرة من ثلاث سنين، ما حصل كان على نفس درجة الغرابة.

بعد ذلك، بعدما أعرف بالذي مرَّ به صديق عمري مصطفى نايف الشوربجي، وجعله يغادر القاهرة قبل وصولي بأسبوع – أنا لن أعرف حكاية مصطفى لحد ما أرجع لحياتي الطبيعية كطبيب احتياط في مستشفى بيثنال غرين، شرق لندن، حين يبعث لي بالإيميل “پي-دي-إف” مخطوطة ضخمة دوّن فيها انفصاله عن امرأته وما تلاه، مع سطر واحد في شبّاك الرسالة يتساءل إن كنت بعدما أقرأ المرفقات سأظنُّه مجنونًا*، سيتأكد لي أني لم أخترع تلك الليلة على طريق صلاح سالم، تحت ضغط مشروع زواجي أنا، والإكثار من التفكير في أكبر عقبة أمامه. يعني أنا أسكن جوار عملي في بيثنال گرين، ومن وقت انتقلت إلى هناك سنة 2005، قبل سنتين تقريبًا، وأنا أعيش مع زميلة درزية أحبّها وكان زماني تزوجتها لولا أن أهلها مستحيل أن يخلّوها تتزوج غير درزي، فلما طلع لي شبح المنتحر لحمًا ودمًا يقول إنه التجسًد رقم 19 لروح الإمام الحاكم بأمر الله الذي يؤلّهه الدروز، شككت بأني أهلوس نتيجة التفكير في ذلك والقراءة عن تلك الديانة المجهولة،  وأن هذا سبب حرماني من تأسيس أسرة مع حبيبتي. أصلًا ساعات ينتابني الفزع من أن أكون، بعلاقتي مع البنت هذه، فعلًا تعديت على حرمة ما أو قداسة. ومع أن المكتوب في “پي-دي-إف” مصطفى ما كان يمكن أن يخطر لي أثناء وجودي في القاهرة، فطنت بعد مكالمتي الثانية لوالدته – الشخص الوحيد الباقي لمصطفى صلة حقيقية به هناك – إلى أن ما جرى له قد يشبه ما رأيته أنا في الليلة تلك.

“ومن أقرّ أن ليس له في السماء إله معبود، ولا  في الأرض إمام موجود، إلا  مولانا الحاكم جلّ ذكره، كان من الموحدين، الفائزين”.
من نص عهد الدعوة الدرزية لحمزة بن علي المعروف بـ”ميثاق ولي الزمان”.

ليلتها عرفت أن اختفاء سادس وأغرب أئمة بني عبيد الله (الفاطميين) – ذلك الطاغية المتقشّف الذي حرّم على الناس أكل الملوخية، وألزم النساء البيوت، ثم عمل “جينوسايد” صغير في مدينة مصر القديمة (كان يقوم بتصفية كلِّ من تقرَّب إليه) – اختفاء هذا المجنون الملهم لم يكن إلا انتحارًا تلى ظهور الدعوة الدرزية، التي قالت إنه التجسُّد البشري للإله الواحد. أن توقن بأنك أنت الله – هكذا قال لي المنتحر – لا بد أن يؤدي ذلك إلى الانتحار، فكيف يعيش الله بين الناس حتى لو كان إمامهم؟ والانتحار هذا – شرح لي – يتكرّر مرّةً كلَّ خمسين عامًا منذ حدوثه الأول سنة 1021 تكون روح الحاكم حلَّت بشخص عادي له جذور في القاهرة المعزِّيَّة، وبعد أن ينتحر بدوره يتجلى لوريثه، ويكون مرَّ على انتحاره خمسون سنة بالتمام، ليخبر ذلك الوريث أنَّه التالي في الترتيب. تذكَّرْت ساعتها أن أبي وأمي ولدا وعاشا عمرهما كلَّه إلى أن تزوَّجا غير بعيد من جامع الحاكم، ذي المئذنة التي تشبه ذَكَرًا مختونًا منتصبًا يطل وراء حائط مفرود كالملاءة، وأن جدي لأبي كان يدَّعي أنه من نسل شيخ حارة برجوان (ذلك المكان المسمى على اسم أشهر خصيان الحاكم، وأحد ضحاياه) فيقول الرجل العجوز نصف مازح إن تاريخنا في المنطقة يعود لأيام المماليك.. هكذا في أول زيارة بعد غياب ثلاث سنين إلى مسقط رأسي وأحلى أيَّامي – وأنا عاشق درزيَّة – كان علي أن أتخيَّل نفسي أموّت نفسي بسيف الإمام العزيز بالله، أبي الحاكم، بصفتي (ويا خرابي) المنتحر 20.

ثم استطرد راشد السيوطي يتذكر حديث المنتحر:

الذي يموت وحده، لا يعرف، لا يرجف بالمفاجأة أو يعميه البريق. (هذا ما قاله لي المنتحر 19 في طريق الرجوع، لما وقفت العربة، كأن كهرباءها فصلت على طرف الطريق بموازاة القرافة، وكان مكانًا مظلمًا، لكني شددت الفرامل وخرجت أفتح الكبوت فإذا بضوء السماء يتغير لحظيًا، كأن الصبح طلع لمدة ثانية ثم غاب، برقت خلالها حجارة جبل المقطَّم من فوقي كأنها أصبحت فوسفورية، وشيء ككفِّ اليد يخزني في كتفي، لما نظرت حولي لم أجد له أثرًا. حين عدت إلى مقعد القيادة، أحاول أن أدير المحرِّك يائسًا، فإذا إلى جواري شاب مهندم في بدلة كاملة موديل ريترو وفي يده مسبحة… بدأ يتكلَّم على الفور.) الذي يموت دون أن يملك موته في يده، لا تهزّه البهجة الخرافية لمغادرة الحياة. وحده المنتحر هو الخالد الباقي، ومن أين لغيره بفرحة اليقين؟!.. أنا أكلِّمك عن خبرة، صدّقني: أنت لن تموت ككافة الناس. ستُموّت نفسك بنفسك في اللحظة الحاسمة، واللحظة الحاسمة دائمًا فيها الآخرون. أكلِّمك، مع أني لم أدبّر لذلك، لأنّي متُّ بحضور أبي وأختي وخليلي، في الحوش الحاوي قبر أمي أيضًا وراء باب النصر، حيث كانت القاهرة المعزِّيَّة قبل وقت طويل – الآن هنا طبعًا لا شيء اسمه وقت، لكن ليس غير لغتكم للتفاهم – وكانت أختي تظنني أقتلها بالسيف وأبي مريضًا بالداخل، لكني سأناديه حتى يخرج قبل موتي بدقيقة واحدة. كلُّ الأرواح السائحة على روحي، أقول لك، شهدتني أعبر. بحسابكم كان عمري وقتها أربعة وعشرين، ولولا أني جل ذكري من النسل المقدس، ما كنت فطنت لروعة الذهاب مبكرًا، أو علمت أن كلَّ شيء حدث، حدث لكي يؤدي بشكل لا يقلِّل من حتميته أنه غير واضح وغير منطقي، إلى لحظة واحدة فقط من سنة 1958، لحظة ثبّتُّ رأس السيف في النقطة التي حدَّدها لي سلفي بدقَّة، تحت ثديي الأيسر وعلى بعد عقلة إبهام إلى اليمين. كانت يداي حول المقبض وذراعاي ممدودتين، كأن جذعي النحيل في الجلباب الأسود أصبح قوسًا مشدودًا، ومتشبثًا بقدمي الحافيتين في الأرض الرملية، مرّة واحدة، شددت. أنا الكامل الذي يجيء موته منه، الحامل من ساعتها سيف العزيز بالله، اسمع حكايتي.
ومحاكيًا الهمذاني والحريري، قال:

جئت القاهرة في زيارة. وصحبة صديقي الحقيقي مصطفى، نويت أمشي من حارة لحارة. كان هذا ما اتفقت عليه وإياه: أن نشاهد ما بقي في القاهرة من مجد إسلامي وجاه. وأنا لي في إنكلترا سبع سنين، نزعت أثناءها عصب الحنين. “إنه من زمان أول لقاء بدرش، تقولش سلطان راجع إلى العرش”. فراعني أن لا أجده في الديار، وكأن مدينتي زايلها العمار. نقض اتفاقنا ابن القديمة، فأسلمتني الدهشة لأحزان عظيمة. بحنين تخيَّلتنا في غبرة وتراب، وسط قاهرة المعز بين باب وباب. حتى قلت في عقل بالي: ملعون أبو مصطفى، سأستأنس بالكاميرا والسجائر وكفى. وأخذت عربة أبي ذات ليلة ذاهبًا، فما كدت أذهب حتى رجعت تائبًا. فإن ما رأيته في زيارة باب الفتوح، يخيف أبا الهول نفسه لو يبوح. وحتى أكتشف أن مصطفى  هو الآخر معذور، إذ له مع الجنون قبل دوري دور… (لكن شيئًا لا يدفع على حكي الحكاية، إلى أن تتسنى قراءة الپي-دي-إف/الرواية.) من غير ترتيب ولا تمحيص أقول، وقد أصاب أعضائي، من الرهبة، الخمول:
مَنْ بِطَيْفِ الْمَوْتِ يَشْقَى          كَاْنَ فِيْ دَرْبِ الْنُشُـوْرِ
مِنْ دَوَاْعِيْ قَـتْلِ نَفْـسِي        أَنْ أُعَـجِّـلْ بِالْعُبُـورِ

أمضيت خمسة أيام فقط بعد الحدث في القاهرة، ومهجتي بصدمة اللقاء ورهبته حائرة. وانتظمت في جلسات الأقارب على الموائد، مداريًا كلَّ ما ألم بزيارتي من شدائد. طَوال  الوقت لم يلهني شيء ظهر أو خفى، عن مواصلة التفكير في غيبة مصطفى. ومنذ وجدت موبايله مقفولًا ليلة وصولي، ليس سوى والدته أرمي عليها حمولي. كلَّّمتها على الفور في وقت متأخِّر من الليل، فإذا في صوتها إلى البؤس والحيرة ميل. ثم عدت وكلَّمتها بعد ظهور وريث الإمام، وقد بقي على عودتي إلى إنكلترا ثلاثة أيام. فكررتْ علي كيف غادر مصطفى فجأة في إبريل، بعد ثلاثة أسابيع منذ أن وجد إلى بيتها السبيل. وكان رجع يعيش معها بعد انفصاله عن زوجته، ثم سارع بالطلاق تعبيرًا عن نقمته. بعد مغادرته – هكذا روت لي – لم يتَّصل سوى مرّة من بيروت، يطمئنها على حاله، ويؤكد لها أنه لن يموت. وفكَّرت وأنا أسمعها تحكي معي بكَبَد: إحساسها أنها فقدته إلى الأبد. الأمر الذي أكده اختفاؤه المريب، وأنه على “إيميلاتي” ظل لا يجيب.

حتّى عاد مجددًا إلى حديث المنتحر:

لن يهمَّ اسمي أو نسبي. المهم أن جثماني اختفى حال موتي بسيف العزيز. لتعلم أن السيف سيصلك أنت أيضًا، وحال تغرسه في مكانه لا يُعثر لك على أثر. أنا وثمانية عشر منتحرًا قبلي نثبت لك ذلك بالدليل. بوسعك أن تعرف إن سألت، فحدث واحد كلّ خمسين سنة لا يلفت إليه الأنظار الفانية. أنت خائف لأنك لم توقن بعد أنك الخالد الباقي، ولا أنّ كلّ شيء يحدث في تلك الغرفة الضيقة التي تظنُّها حياتك، بما فيه تماثلي أمامك وشكَّك في وجودي وارتباكك من مشهد الجبل في ضوء عينيك – لن يتجلَّى الضوء ثانيةً، حتى تموت، فيصير بصرك القدسي – كلّ شيء يحدث، يحدث لكي يؤدي إلى لحظة واحدة من سنة 2008 (هكذا مضى المنتحر يحدثني فيما كنت، برعب يرجُّ جسدي ويشلُّه تباعًا، لا زلت أنكر وجوده إلى جواري فلا أنظر إليه وأعافر بلهْوَجة مع الكونتاكت حتى يدورَ المحرك. ضحك المنتحر ضحكةً واحدةً قصيرةً ثم مدّ يده، ليريني البقعة التي يجب أن أغرس فيها سيف انتحاري. وشعرت إثر ملامسة إصبعه صدري بدغدغة لم أجرِّب شيئًا مثلها طول حياتي. في الملامسة متعة، دون أن تنطوي على جهد أو غريزة أو تكون معرَّضة للانتهاء، كأنها الأورجازم.) عليك أن تمسك المقبض الذهبي المرصَّع بكلتا يديك، وتكون صوّبت طرف النصل إلى صدرك، تحت ثديك الأيمن مباشرة ولكن على بعد مسافة عقلة إبهامك إلى اليمين. عليك أن تميل كالقوس وتثبّت قدميك في الأرض ثم، مرّة واحدة، تشد. (وما كاد يسحب يده حتى أنشد يقول:

لم أبدأ أفهم حتى اعتقدت أني فهمت
وصرت أرى الأشياء كأنما بعيني بوذا
تلك الرسمة الطفولية الشاخصة بأحجام ضخمة
على الجدران الخارجية للمباني
ترى من كلِّ شيء كلَّ شيء).

لعلهما ظنَّاني مصدومًا فيهما، أختي وخليلي، لأن موقفي بالسيف تلى اكتشافي لهما في ظلام الحوش قبل ليلة واحدة بالتمام، حين دخلت حافيًا وكلوب الگاز في يدي لأجدَ ساقيْ أختي كأنهما مرفوعتان على شيء واطئ تحت جلبابها المنحسر، وكانت ممدَّدة على ظهرها في الأرض، فلا أثر لنصفها الأعلى من بعيد، تتأوه بحرقة كأنها تنتحب. عرفتهما، ساقيها. (هكذا واصل المنتحر بعدما أمرني بابتسامة فاترة أن أدير المحرك، فانطلقت العربة فعلًا وإذا بصلاح سالم كأنه يقول: أنا أسوق بسرعة عالية كي أخرجَ من هذه المنطقة المظلمة ، لكنِّي أظل سائقًا ولا أتقدم سنتمترًا. حين ينتهي من كلامه، دون أن أدري، سيعود صلاح سالم إلى طبيعته، وأعرف أني خرجت فعلًا من البقعة التي التقيته فيها… ودون أن أدري أيضًا سيكون قد اختفى) فلم أتبين ما يسندهما من أسفل حتى اقتربت وانحنيت: كان خليلي يزحف على بطنه كالحيَّة ورأسه مدفون بينهما، كتفاه تحت الفخذين. ولمَّا شهقتُ فرفعها، رأيت فرج أختي الحليق محمرًًّا ومنتفشًا في ضوء الكلوب، ولعاب خليلي يقطر من حوله، وقد علق بجذور الشعر. صرخت فيهما: تزوَّجا، تزوَّجا! ثم استدرت. لقد تزوَّجا فعلًا دون أن يعرف أبي بالواقعة… لكن كان عليهما أن ينتظرا سبع سنين بعد انتحاري المفاجئ. وسيظلُّ في قلبيهما شكٌّ حتى يموتا بأن السبب هو سرُّهما الدفين.

ثم مرتدًًّا إلى بداية حكايته، حدّث قال:

من أول يوم كنت قررت أن أؤجل الأوضاع العائلية التي تنتظرني مع كلّ زيارة، فتحجّجت بأنّي أفضّل الانفراد بأمّي وأبي وإخوتي بعد الفراق. وأمضيت أسبوعًا أتنقل بين بارات الزمالك وقهاوي وسط البلد، أستعمل عربة أبي “الرينو” المركونة معظم الوقت، بعدما كشف عليها الميكانيكي – وكان أداؤها يُعتمد عليه بشهادته وتجربة أسبوع – حتى جاء في بالي أن أذهب وحدي إلى باب الفتوح فحدث ما حدث.
نسكن في مصر الجديدة، في عمارة بنيت أواخر الخمسينات، أيام عاش المنتحر 19 في باب الفتوح، جنبًا إلى جنب مع أبي الذي بلغ الخامسة والسبعين قبل سنة. نعم، هذا ما خطر لي أولًا، حتى تذكّرت حكاية كانت تتردد بتنويعات مختلفة في العائلتين دون أن أتأكَّد من صحِّتها، حكاية كانت أمي تنفيها بغضب كلَّّما فتحت معها الموضوع، وأبي ينفي معرفته بها باقتضاب غريب عليه: أن خالي فتحي، الوحيد بين إخوة أبوي الذي لم أره ولا مرة، لأنه مات شابًّا، والمفروض أنه مات في حادثة سيَّارة، رغم أن الغموض المحيط بموته من النوع الذي يقترن بجرسة أو شيء يخيف، وليس ثم ما ينفي بشكلٍ قاطع أنه انتحر. كان خالي فتحي ضبط أبي وأمِّي معًا في وضع مخلّ وهما بعد شابان لا تربطهما معرفة معلنة، بينما أبي صديقه الروح بالروح. هناك من يقول إنه مات كمدًا بعد أن تأكَّد من خيانة صديقه وفجر أخته الصغرى، وهناك من يقول إنهما تخانقا فقتله أبي وعتَّمت العائلتان على الجريمة لأنهما قريبتان وحريصتان على تجنُّب الفضائح. لم أكن متأكِّدًا من الذكرى مئة في المئة، لكن تهيَّأ لي أيضًا أني سمعت من يقول إن خالي فتحي رجل مبارك وإنه حين مات تبخَّرت جثَّته، فصعدت مباشرة إلى السموات، فقد رفعها الله إليه كما رفع عيسى النبيَّ. ما أكد شكِّي أن جدَّتي لأمي فعلًا ماتت حين كانت أمِّي لا تزال طفلةً صغيرةً، وأن قبرها في الأرض التي كان يملكها جدي بباب الفتوح. (لم أفلح خلال جولتي في الوصول إلى قبر جدتي لأمي.) الصراحة: خفت. وزاد الخوف في قلبي لدرجة أني لم أجرؤ على ذكر أي شيء لأبي أو أمِّي، خلال أيامي الخمسة الأخيرة في القاهرة.

نسكن في مصر الجديدة، أقول، ومن أكثر الأشياء التي كنت أفتقدها في إنكلترا إحساس طريق صلاح سالم الذي لا بدَّ من المرور ولو على جزء منه في أي رحلة أعملها من أو إلى بيتنا بالعربة: أنك فوق جسم الثعبان الذي يسعى على ظهر القاهرة كلِّها – من الشّمال حيث نسكن إلى جزيرة الروضة المحاذية لمصر القديمة في الجنوب – وكأنّه عمود فقري قابل للانخلاع… أنا ركنت بعيدًا على الجانب المقابل من الشارع ناحية مطعم زيزو المشهور بالسجق، ثم عدَّيت بحذر، ومددت الخطى فلم أعد إلا بعد ثلاث ساعات. كنت أتفرَّج على المباني القديمة كأني عشت فيها أيام عزِّها، وأحسست بألفة عنيفة مع مكان لم أعرفه إلا لمامًا.

“ركب الحاكم ذات مساء في بعض جولاته الليلية، وقصد إلى جبل المقطَّم، ثم لم يُر بعد ذلك قط لا حيًا ولا ميتًا، ولم يعرف مصيره قط، ولم يوجد جثمانه قط، ولم تقدم إلينا الروايات المعاصرة أو المتأخرة، أيَّة رواية حاسمة عن مصرعه أو اختفائه”
“الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية”، محمد عبد الله عنان1983

مرّت الآن ثلاثة أشهر وهناك ابتهاج زائد في علاقتي بحبيبتي. كنت فكّرت فيها طويلًا ويدي تحتك بالجدران التي حلمتْ برؤيتها منذ كانت طفلة في مدينة السويداء، سوريا، وحتى بعدما جاءت إلى مانشستر مع أسرتها في الخامسة عشرة (هي لم تزر مصر أبدًا مع أن حكاية الحاكم طبعًا حاضرة عندها، بالذات نهايته: أنه خرج بحماره يتطلّع في النجوم على المقطَّم ولم يعد، ثم لم يجدوا له أثرًا إلا الجباب السبع التي كان يلبسها، أزرارها لم تفك ومعكوكة بالدم. كانت ملقاة في الخلاء وقيل تحت ماء بركة في حلوان). لكن إلى الآن ما زلت أتجنب أي حديث معها عن زيارتي الأخيرة إلى القاهرة. في البداية ما كان يخطر لي أن طلوع المنتحر ممكن أن يكون أهمَّ عندي من زواجنا، لكن مع الوقت – وبعد أن انتهيت من قراءة پي-دي-إف مصطفى، بالذات – بقيت شبه متأكد أنه صار فعلًا أهم. ما هالني – بعد ذكرى أو اثنتين لأشياء لم تحدث لي أصلًا – أن أجدني مطمئنًا، إن لم أكن متحمسًا، لفكرة قتل نفسي، بالضبط كما تنبأ المنتحر. أول من أمس، في الذكرى السنوية الثانية لقرارنا أن نسكن سويًا من وراء أهلها، جاءتني حبيبتي بهديَّة لم أتوقعها منها بالذات ولم أتوقع أبدًا أن تفرحني إلى هذا الحد. كنت مشغولًا أمام الكمبيوتر حين دخلت الشقة، فرحبت بها دونما أرفع عيني عن الشاشة وإذا بقطعة معدن مستطيل تلمع أمام عيني. هي تسحّبت من وراء ظهري وطوَّقت رأسي بذراعيها وفي يديها ما كاد يغمى علي حين نطقت اسمه: سيف العزيز. ثم وضعته على الطاولة تقول إن أباها مصدق أنه كان ملك العزيز بالله بالفعل، مردفة أن عمره لا يمكن أن يكون أكثر من ألف عام بالقياس على الحالة الجيدة التي هو عليها. كانت عثرت عليه في خزينة أبيها وتوسّلت إليه حتى أعطاه لها، فخبأته في كبوت عربتها حتى يوم عيدنا. ببطء مددت يدي أرفعه من المقبض الذهبي المرصع وبدا جديدًا كأنما صنع أمس. وقرّبت نظري من النصل فظهر لي أنه أمضى من أن يكون صنعه بشر. سرحت قليلًا وبدا وجه حبيبتي ملائكي الجمال حين أفاقتني سائلة: أعجبك؟

http://www.scribd.com/doc/25761835/Youssef-Rakha

Reblog this post [with Zemanta]

حوار سوسن حماد على مدونة بيروت 39: ترجمة

Dialects in the Arab World
Image via Wikipedia

تعطيل سرد القصة او دقائق من وقت القاص: مقابلة مع الكاتب يوسف رخا

ولد يوسف رخا في مصر في العام 1976. بدوي مرتحل بطبعه, درس الإنجليزية و الفلسفة في بريطانيا, عمل في مصر و عاش في بيروت, و أخيرا إستقر في أبو ظبي ككاتب في اليومية الإنجليزية “ذي ناشونال”. بدوره قام بإجراء مقابلات مع بعض أهم الكتاب و الصحافيين العرب المعاصرين للطبعة الإنجليزية من الأهرام الأسبوعي: منهم رواة و ممثلون و سياسيون لا يقلون حنكة في رواياتهم. قدم الكاتب أعماله بتأن و دقة و منطقية حيث يعطي القارئ فرصة التوصل الى إستنتاجه الخاص بعيدا عن انحيازات الكاتب.

ينهي يوسف حاليا روايته الأولى “كتاب الطغراء”, و التي قال عنها في مدونته بأنها “إستحضار خيالي للقاهرة بعد عام 2001 و تأملات في إنحدار الحضارة الإسلامية”. دعونا إذا نخوض في عقل يوسف رخا فنستكشف عالمه.

كتبت في الشعر و القصة و ادب الرحلات كما كتبت التقارير الإخبارية و المقالات: تعد إذا كاتبا ذا اوجه متعددة. ماذا يحدّ من مقدرتك حسب رأيك؟

أسس الكتابة هي ما يقيد الكاتب, و لكنها رغم ذلك مهمة للتمكن من الكتابة, هي بمثابة الاوتار التي يجب ان تبقى مشدودة للتحكم بتغير نغمات النص. و لكن اكبر التحديات هي بالطبع أن تكون كاتبا جيدا, كما قال ريموند كارفر على ما أظن: ليس ان تحكي ما يهم فحسب, بل عليك ان تتواصل. بالنسبة لي كذلك أن اوازن بين ما أريد قوله و بين ما يريد القارئ قوله من خلالي: شئ مشابه لما أقوله و مختلق في آن. من الضروري حفظ تلك المساحة في النص. الفكرة هي مط ما نكتبه حتى أبعد الحدود الممكنة بما في ذلك الاسلوب الإنشائي للجمل و إختيار الكلمات. و كاننا ببحث دؤوب عن شئ ما, نغمة ما أو إيقاع ما او وجهة نظر ما, شئ ما يخصنا و لكنه هادف في نفس الوقت. جنوني و لكنه معبر و بليغ, و هو ما ياخذنا الى إكتشاف محدودية اللغة و بيت الصيد هو كيفية التعامل مع محدوديتها.

بالنسبة لي فالشعر هو أكبر تحد لي و لو انني كنت أشد حزما لكرست نفسي له. كون اللغة العربية هي محيطي تجدني غير مكترث بجنس الكتابة. منذ مدة قريبة إكتشفت كلمات رائعة للشاعر العراقي سركون بولص تعبر عني تماما <بما معناه: أنه بالنسبة له فاللغة العربية تحاكي البحر بطبيعتها و تستطيع الإتحاد مع أي عناصر أخرى في محيطها الواسع, لذا فقد حان الوقت لنعامل اللغة العربية ككونها إحتياطي قومي او مغناطيس يشد بإتجاهه التأثيرات الأجنبية تماما كما فعلت في الماضي.>

منذ متى و أنت تكتب؟

نشرت اول كتبي في العام 1999 تحت عنوان “أزهار الشمس”, أنهيت يومها ما إعتبرته اول أعمالي المتكاملة و هو عنوان لقصة قصيرة كنت قد كتبتها عام 1997 و حمل الكتاب إسمها. كنت في العشرين أو الحادي و العشرين من العمر, و لكنني بدأت أكتب قبل ذلك بكثير. بدأت الكتابة باللغة الإنجليزية بشكل شبه حصري في العام 2000 ثم عدت للغة العربية في العام 2005 في كتابي “بيروت شي محل” و حاليا كتابة بعض القصائد باللغة العربية.

تقول فيرجينيا وولف بأن للرواية المقدرة على قول الحقيقة اكثر من إمكانية سرد الواقع. هل توافقها في الرأي؟

لا أعلم تمام ما المقصود بهذا القول. الخيال يدغدغ الواقع, أحيانا الواقع هو الخيال و الخيال هو الواقع. فوكو أشار الى انه ليس هنالك ما يعتبر الصدق\ الحقيقة المطلق\ة باي حال. هنالك العديد من الحقائق, و الحقيقة التي نجدها في الكتابة أهم من تلك التي نجدها في العلوم على سبيل المثال, او على الاقل أكثر صلة به. و من تجربتي الشخصية في الكتابة أرى بان الواقع يمكن ان يكون شائقا تماما كالخيال.

سأسرد لك بعض الأسامي و لك أن تقول لي من مِن هؤلاء ستفضل أن يرافقك إن كنت لتسكن على جزيرة نائية (سيريلانكا ما قبل الكولونيالية) على فرض بأن سكان الجزيرة الأصليون سيرافقونك.

جان جينيه أم محمود درويش؟

جينيه بطبيعة الحال لانني بالحقيقة اكره درويش, و لهذه قصة طويلة..

فرانتز فانون ام كارل ماركس؟

فانون. حيث سيكون لدينا الكثير لنتحدث حوله.

فيروز أم ليلى خالد؟

هذا خيار صعب. فيروز, إن كانت ستغني لي وحدي بالعتمة.

صنع الله إبراهيم أم إميل حبيبي؟

أتخيل بأن (حبيبي) سيكون ممتعا اكثر, إنني أعرف (صنع الله) شخصيا و لكنني لم أقابل حبيبي مرة في حياتي.

دافيد لينش أم مايكل هينيكي؟

لينش بالطبع.

خديجة أم أروندهاتي روي؟

تعنين بـ (خديجة) زوجة النبي محمد؟ أظن بأنني سأفضل وجود أروندهاتي بين السكان الأصليين.

وودي آلن أم لاوعيك؟

مرة أخرى, سيكون خيارا صعبا. أظنهما متشابهان الى حد كبير و لكن لاوعيي يتحدث العربية, و هو ما أفضل.

ابوك ام أمك؟

يا الهي! هل أستطيع ألّا آخذ أي منهما؟ أبي ميت, سأختاره لهذا السبب فقط.

إن إستطعت تغيير ما شئت في مدينة ما (بشرط إستبعاد و عدم إستنساخ السحر المصطنع لدول الخليج), ماذا كنت ستبني و ماذا كنت ستهدم؟

بإستثناءات بسيطة, سأهدم كل ما بني بعد عام 1800. و لكنني سابني خيما مستحدثة بتكنولوجيا عالية تحميها جمال أصيلة. ستكون الخيام بحجم مدن باكملها. و ستسرح الجمال في كل مكان.

أخيرا, ما هي توقعاتك بخصوص مهرجان بيروت39؟

تعلمين بأن جدلا واسعا وقع هنا في القاهرة عقب إعلان أسماء الرابحين. العديد من غير الرابحين أبرزوا إمتعاظهم و كذلك العديد من الكتاب كبار السن أعلنوا تحفظهم و تأسفهم (و هم ليسوا طرفا في المعادلة أصلا). لم تثبط هذه الأحداث من عزمي و لكنها جعلتني اتسائل عمّا تؤول اليه المنافسة في نهاية المطاف, خصوصا إذا ما فكرت في أسماء بعض الرابحين الذين لا أكن الإحترام لاعمالهم و مع ذلك فهم تواجدوا و يتواجدون في كل حدث او مؤتمر. هذا ما جعلني افكر جديا بمستوى النجاح الأدبي العربي. ماذا يعني النجاح الحقيقي و كم منه يعود بالنتيجة على نوعية الكتابة و كم منه يعود على تواجد شخصية ما؟ بالطبع هنالك على القائمة من الأسماء ما يملؤني فخرا بكوني مصنفا معها. هذا جزء مما أشعرني به تواجدي بالمهرجان, فقد وضعني وجها لوجه مع السؤال الصعب حول قيمة ما أكتب و تساؤلي حول كيفية قياس هذه القيمة.

بيني و بين بيروت رابطة قوية ربطتني بها لمدة أربعة أعوام, لذا فإنني متحمس لذهابي اليوم هناك ككاتب معترف بي. املي هو أن يساعدني المهرجان بأن اتخطى العقبة الدائمة و المهمة بالغة الصعوبة في تفريغ بعض الوقت للسفر و للكتابة من خلال صفقات إقامة أو نشر كتاب أو ما شابه.

Reblog this post [with Zemanta]

فرحة الفائز بالجائزة لحظة إعلان النتيجة

يحدث أحياناً أن تلتقي بشخص لا تعرفه أو تصلك مكاتبة من آخر، يقول إنه قرأ لك شيئاً وإنه معجب بكتابتك. يحدث أحياناً قليلة جداً، ولا أقول إن حدوثه يبكيك فرحاً أو يشعرك بجدوى الحياة. لكن هذا التعبير العفوي عن استمتاع طرف مجهول بقراءة شيء كتبتَه قد يكون هو المكافأة الوحيدة الخالية من المنغصات.

فأنت إذا مُهر كتابك بختم الطبعة الخامسة، مثلاً، ستتذكر أن الطبعة قد لا تزيد على خمسمئة نسخة. وإذا حصلت على اعتراف من صديق أو نظير ستشك في أنه يجاملك أو يخلي ذمته، لأن (ابن الكار ما يحبش ابن كاره). أما إذا نزل على رأسك تكريم (عالمي)، فسيشكك في نزاهته محيطك الأدبي المصاب بنظرية المؤامرة، الباحث عن مصالحك مع المانح من قبل أن يقرأ عملك الممنوح. وقد يبلغ استياؤك من التشكيك أن تأخذك الجلالة وترفض التكريم في استعراض إعلامي يضاعف من اللغط المثار.

لكن المحزن حقاً أن ردة فعل مثل تلك الأخيرة سيكون لها ما يبررها، أيضاً. فالمفترض أن القائمين على النشاط الأدبي يقرأون الأعمال التي يروجون لها، لكن مَن يقرأ مَن ومتى؟ وبأي قدر يتدخل التقييم المُجهّل في الحكم، مقارنة بآليات وثغرات العمل المؤسسي وهيراركيات التكريس؟

الآن تتذكر أن محيطك الأدبي مصاب، قبل نظرية المؤامرة وقبل أي (فساد) محتمل، بالشفاهة والمجاملة والاستسهال. وقد تنتبه إلى أن هناك ضمن الأعمال أو الأسماء الحاصلة على نفس جائزتك عدداً من غير ذوي القيمة، وتخمن أن حصولهم عليها يستند إلى تاريخهم أو علاقاتهم، إلى المثابرة المستميتة أو أرقام التوزيع الزائفة، أي شيء غير القراءة المنزهة… بل وقد تخمن السر وراء فوزك أنت نفسك، والذي سيكون بعيداً بالضرورة عن أي صدق أو عفوية في قراءة شيء كتبته من جانب طرف مجهول.