ولا إنت البعيد بتستعبط: تحديثات الحالة مايو ٢٠١٣

الحالة “الثقافية” في مصر زيها زي الإلحاد وانتفاضة المرأة العربية بالظبط (ويبدو لي إنها بالمعنى ده مطابقة للثورة وإن كان على مستوى تاني): كإنك قاعد في أوضة مفروض إنها جوة بيت والبيت جوة حي والحي جوة مدينة كبيرة ومليانة سكان من النوع اللي إنت بتحبه وبتحترمه. هي الأوضة اللي إنت قاعد فيها فعلاً زحمة والناس اللي قاعدين معاك عمالين يجاملوا بعض ويفقعوا زيريبوات في بعض من تحت لتحت ويتقاتلوا على المساحة المسموح لهم يقعدوا فيها جوة الأوضة… وكلهم بيتكلموا على اعتبار إن دي مجرد أوضة من ملايين الأوض اللي زيها في المدينة، بس إنت أول ما تخرج م الأوضة بتكتشف إنه مش بس ما فيش مدينة ولا حي ولا بيت لأ ده ما فيش أصلاً سكان، وإنت ماشي في خرابة مالهاش آخر شايل مجاملاتك وزيريبواتك وبتتكلم بهستيريا عن الثقافة (أو الإلحاد، أو انتفاضة المرأة، أو الثورة)… ووجودك بالشكل ده كإنه بس بيأكد مشهد الخرابة.

wpid-p1020720-2013-05-23-04-10.jpg

Continue reading

قصة محمد ربيع: أحمال

في الأول من فبراير عام 1957، وفي مدخل قصر الأمير عبد المنعم، توقف ضابط شاب مواجهًا الأمير بصرامة معتادة. أخبره أن عليه الرحيل، عليه ترك القصر فورًا. بدون أن ينطق حرفًا، عاد الأمير إلى الداخل، ثم خرج وفي يده حقيبة، ابتسم للضابط، وتحرك نحو السور الجنوبي للقصر.

Continue reading

الأسد على حق: قصيدة ألن جينسبرج

ألن جينسبرج (١٩٢٦-١٩٩٧): الأسد على حق

كن صامتاً من أجلي، أيها الإله المتأمل

 

عدتُ إلى بيتي لأجد في الصالة أسداً

وهرعتُ إلى بئر السلم أصرخ: أسد! أسد!

السكرتيرتان الجارتان، عقصت كل منهما شعرها الأدكن. وبصفقة ارتدت نافذتهما مقفلة

أسرعتُ إلى بيت أهلي في باتيرسون، ومكثت نهارين

؎

هاتفت طبيبي النفسي، تلميذ رايخ

كان قد حرمني من الجلسات عقاباً على التحشيش

حصل،هكذا لهثتُ في أذنه: “في صالة بيتي أسد.”

للأسف، لا مجال للمناقشة،وضع السماعة

؎

ذهبتُ إلى حبيب قديم وسكرنا بصحبة حبيبته

قبّلتُه. وبومضة مخبولة في عيني أعلنت أن عندي أسداً

انتهى بنا الأمر نتقاتل على الأرضية. جرحتُ حاجبه بأسناني فطردني

في سيارته الجيبالمصفوفة أمام البيت كنت أستمني متأوهاً: “أسد.”

؎

عثرتُ على جويصديقي الروائي وزأرتُ في وجهه: “أسد!”

نظر إلي مهتماً وقرأ علي أشعاره العفوية الراقية المكتوبة كما يكتب الإيجنو” (والإيجنو شخص يعيش مرة وإلى الأبد<. وينام في أسرة الآخرين)

أنصت في انتظار أن أسمع اسم الأسد. لم أسمع سوى الفيل، التيغلون – ابن النمر واللبؤة – والهبغريف، الحصان أحادي القرن، النمل

لكنني عرفتُ أنه فهمني حين تناكحنا في حمام إيجناز ويزدوم

؎

في اليوم التالي مع ذلك أرسل إلي قصاصة من عزلته في سموكي ماونتين

إني أحبك يا نونو وأحب سباعك الذهبية الرقيقة

بيد أنه لا روح ولا حجاب، إذن فإن حديقة حيوان أبيك الغالي ليس فيها أسد

قلتَ لي إن أمك جنت قبل أن تموت، فلا تنتظر مني وحشاً خرافياً يكون عريساً لك.”

؎

حائراً ودائخاً، مرتقياً هذه الحياة كلها تذكرتُ الأسد الحقيقي يتضور جوعاً وسط نتنه في هارلم

وفتحت باب الغرفة لأجابه انفجار قنبلة غضبته

يزأر جائعاً في وجه جص الجدران، لكن أحداً عبر الشباك لا يسمعه. التقطتْ عيني الطرف الأحمر للعمارة السكنية المجاورة واقفة في سكون يصم

وأطلنا النظر بعضنا إلى بعض. عينه الصفراء العنيدة وسط هالة الفرو الأحمر

أنا من أصابني رمد العينين لكنه توقف عن الزئير وأشهر ناباً يحيي

واستدرت أطهو البروكالي للعشاء على موقد الغاز الحديدي

غليتُ ماء وتحممتُ بماء ساخن في الوعاء المعدني أسفل الحوض

؎

لم يأكلني، ورغم أنني حزنت لتضوره في وجودي

في الأسبوع التالي كان الهزال قد جعل منه بساطاً سقيماً تملأه العظام. تتساقط سنابل شعره

عينه المحمرة حانقة وهو مقع يتألم برأسه المشعر في كفي أسد

وقرب المكتبة المصنوعة من صندوق بيض. المملوءة بمجلدات نحيفة لأفلاطون وبوذا

؎

كنت أسهر جواره كل ليلة أشيح بعيني عن وجهه الجائع المعثوث

وكففت أنا الآخر عن الأكل. يضعف ويزأر بالليل بينما تجيئني الكوابيس

مأكولاً من جانب أسد في مكتبة الحرم الفضائي لجامعة كولومبيا، أسداً محروماً من الطعام من جانب البروفيسور كانديسكي، أحتضر في نُزُل حقير داخل سيرك الأسد

وكنت أصحو في الصباحات والأسد لا يزال مضافاً إلى وجودي يحتضر على الأرضية. “أيها الحضور الرهيب!” صحت. “كلني أو مت!”

في ذلك العصر نهض وسار إلى الباب وكفه على الحائط الجنوبي يحافظ على توازن جسده المرتجف

أطلق صريراً كليماً خلع قلبي من سقف حلقه الذي لا قعر له

وهدر كالرعد مغادراً أرضيتي إلى السماء أثقل من بركان في المكسيك

دفع الباب ليفتحه وبصوت حصبائي قال: “ليس هذه المرة يا صغيري، لكنني سأعود مرة ثانية.”

؎

يا أيها الأسد الذي يأكل عقلي الآن منذ عقد ولا يعرف سوى الجوع

ليس فردوس رضاك يا زئير الكون كيف اصطفيتني

لقد استمعت إلى وعدك في الحياة الدنيا وصرت جاهزاً للموت

خدمت حضرتك الأبدية الميتة جوعاً أيها الرب. أنا الآن في غرفتي أنتظر رحمتك.

 باريس، مارس 1958

.

بيت أروى: مهاب نصر عن الصدق والثورة

ليس أخطر ما أنتجته ثورة يوليو (أو انقلاب يوليو) هو ما يسمى بـ”حكم العسكر”، بل في كونها مثلت أو تسببت بوضوح في إحداث شرخ واسع في الضمير المصري. لأنها أولا أول سلطة “مصرية” تحتكر الحكم بلا منازع (فلا ملك ولا إنجليز)، ومن ثم فقد كانت تمهيدا لمواجهة الشعب لذاته وإن استغرقت هذه المواجهة عقودا خصيلتها ما يحدث الآن. ولأن هذه السلطة لم تحتكر الحكم باعتبارها سلطة منتخبة بل استثنائية، وهو ما جعل فكرة “الاستثناء” تتحول إلى قاعدة سياسية بشكل متناقض تماما مع طبيعتها. وهي ثالثا احتكرت تمثيل الضمير العام (المبرر  لهذه الاستثنائية) وبالتالي وضعت نفسها أمام شرط مستحيل وزائف.

Continue reading

ما بعد: قصيدة جديدة لمحمود عاطف

wpid-bait-2012-02-15-23-12.jpg

أسقطتُ يدي في البحر

متمتمًا بالمعوذتين

كنت أتبرّع بهما

لحوريّاتٍ

نبتْن في خيالي

علّ واحدةً منهنّ

تحمل ما على ظهري من ماضٍ

أثقلتني عواصفه

الحكاية أنّه لا قائد يفاخر بأساطيله

ولا قدّيس يمشي على وجه الماء

أو أميرًا يختال بوسامته

كانت الفرحة درّاجةً

ألحّ الولد في طلبها حتّى بلغ الخامسة عشرة.

أهلي ساروا في طريقٍ نسيوا عليه معاولهم

من بعد خطاب “الزعيم الخالد”!

وكلّما نضجت جلود الأفنديّة

تدفنُ الحقول خجلها في بذور الزرع

ولا تطرح سوى الحنين.

حائرون على أسفلتٍ

يلمع بسواده في عيونهم

حائرون بين ظلالٍ لا تخصّهم

حائرون من غير سؤالٍ

عن معنى الحيرة!

وضعوا عمامةً فوق رأسي

أدور بها على “السوبر ماركت”

لأملأها بأكياس الشيبسي!

جئتك أيّها العالم

من غير محبّةٍ كافيةٍ لاحتمال الألم

تقول أمّي: جئت في الزمن الغلط

تقول أمّي: ماذا تُعني علماني؟

أقول لها: أن آكل الشيبسي في أطباق

ليست مدموغة بختم النّسر.

الحكاية أنّه لم يكن الولد نبيًّا

ولا ربّان سفينة

بذر الولد بسْمّتّه في حقول أهله

ولا ثمار حتّى اللحظة.

نظر أهلي للشمس وقالوا وردة

فتاهوا بين الغصون

زرعوا أشجارًا خلّابة

وحينما قطفوا ثمارها

وجدوا ابتسامات الأغراب بين أيديهم

وعلى الحوائط

علّقوا دهشتهم كتمائم

تقيهم حسابات المجازفة

جئتك أيّها العالم

بابتسامةٍ خافتةٍ كوشيش بحرٍ

لا تسكنه الحوريّات

أيّها المتزلّجون على زَبَدٍ

تظنّونه الحياة

التائهون حدّ أنّكم تتعثّرون

في سراويلكم

من أوحى لكم بأنّ الله

لا يسكن سوى الحقول؟!

أو أنّ قرص الشمس

لا ينْبُتُ إلّا في جلابيبكم؟!

أيّها الحائرون بلا حيرةٍ

أنا ابنكم العاقُ

الذي رسم الشمس على ذراعه

وقال: شمس

صاحبتُ ظلّي على الأسفلت

وفوق الحوائط

ألقيْتُ حمولة عمري في البحر

لحوريّاتٍ

يسْرَحْن في خيالي

ومضيتُ بلا أسف

أنا العلمانيّ الذي- قبل أن يمضي-

تمتم بالمعوذتين في سرّه

وقال:

الله ليس في الماضي

ولا في جيب أصحاب اللحى

وأنتم؟!

أنتم تُخادعون أنفسكم بالحنين

وتتبجّحون بمعرفةٍ لا تملكونها

يا من تأكلون الشيبسي في عمامة:

لكم حيرتكم المدّعاة

ولي بحجم الِشّمس

قطرة.

محمود عاطف

من أجلك يا ماما

wpid-img_1048-2011-09-4-00-361.jpg

ولأن قلبك فقير أيضاً

لأننا على باب الله وقد سلسلنا الله يا ماما

ولن يعمل لنا ما فيه الخير

نعيش لنفتح بيوتاً كهذا

سنموت قبل أن نغادرها

لماذا ذعر وجهك أمام نصاب خرافي

هو ذاته المكلف بطمأنتك علي

وكم أنا حزين على بابا اليوم

لم يعطه الله إلا نوماً

وطفلاً يسفح دمه ليعلّمه في مدارس أجنبية

ضميني إلى صدرك يا ماما

ولا تحدثيني عن الله

غني لي أغنية نسيناها كلانا

عن طعام طيب أو غيط وسطه غدير

ولا تكوني مضحية إلى هذا الحد

يظهر ملاك

عيد ميلاد

قالت ماما: زوجة صالحة، لكي يمكنني أن أتبختر إلى القبر.

قالت ماما: حين تموت، مَن سيكفّنك؟

يا ولد – قالت – ماذا دهى عينيك تلمعان (وهي ملاحظة أبدتْها صديقته بما يكفي لنفي أي علاقة شَرطيّة بين لمعان العينين وهيام صاحبهما حين يحدث).

ماما لا تعلم أن الولد له عام يقاتل، ولا أن القذائف تطورت بأشكال محيّرة.

كيف تختلف آثار الحرب البيولوجية عن أعراض الوباء؟ الجنود قتلة دائماً لكن هل نعدّهم مرضى حين يسكن الفيروس في خزائن سلاحهم؟ والذين يموتون بالعدوى هل هم أيضاً شهداء؟ أي طهارة في عمل حانوتي يُغَسِّل جسد محارب موبوء؟

أكثر من مرة شرح لها أن السلاح البيولوجي أسوأ حتى من النووي، لأنك حين تنتصر بقوة المرض تصبح مريضاً، لسنين بعد وقف إطلاق النار تظل تهذي: مَن يُخرِج الآنثراكس من رئتي! لكنها لم تقترب يوماً من أي جبهة وما كانت لتفهم معنى القتال.

حين أَخبَرَها بأمر الصديقة، قالت ماما: يبدو أنك بحاجة إلى علاج.

***

وهل لأنك هذا الولد باغتك صباح هو فضلة الليلة التي انتصفت بعام آخر من عمرك؟ هل كنتَ هو بينما تلعق أورجازمات حبيبتك مثل “عريس” ينفخ الشمع على كعكة عيد ميلاده؟ لاعق أورجازمات الحفل أم ولدٌ لن يجد مَن يكفّنه حين يموت؟

وقبل أن يصطفق باب غرفة نومها، مَن منكما أردى الحبيبة جثةً على السرير؟

يومَها كانت جائزتك وجهاً تورّد فجأة في النور: لحظة تساوي أربعة وثلاثين عاماً؛ وبينما أنت غائص كهولتك المبكّرة، بينما ترجف بفجيعتك في العينين والشفتين، سيمر وقت تستعيد خلاله الأعوام نفسها كمن يقلّب هداياه بعد ذهاب المعازيم.

لكن لماذا لا تسمح لك الحبيبة بدفنها؟

في حدائق ثنائية الأبعاد تحت أرضية عنابر هي فضّلتْ أن تموت على أن تغادرها لخاطرك، لماذا لا تزال تستجدي حضورك وتنقّب جلدها المسمط عن كسور تمرّر منها لعابك المسموم؟

كرة الهواء التي أقمتَها محلّاً لالتئامكما، لماذا الآن تصبو إلى لقائك فيها (وبمنطق التملص ذاته، منطق الزيارة الخاطفة)؟ أليست هي التي ماتت لأن المحل كرة هواء؟

ولو أن القبور بيوت الموتى، لماذا تصمّم على البقاء متشردة؟

بالفعل أدهشك ارتياح جثمانها للعراء، لدرجة أنك تشكّكتَ في جدوى مهمة الدفن التي أدّيتَها مرة بعد مرة بكفاءة باهرة: ربما لم تُغَسِّل قبلها إلا جثثاً كففتَ عن التعرف على وجوهها قبل أن تموت؛ ربما ليس عمل الحانوتية في إهالة التراب وإنما في طمس ملامح الوجوه.

***

وبعد أن شاهد المسرحيات الكوميدية القديمة مسجّلةً حتى حفظها عن ظهر قلب، قرأ الولد الوحيد رواية بالإنجليزية لمصري لا يعرف كيف يكتب بلغة سواها.

كان البطل محشوراً بين سلّمتين، لا يمكن أن يبدّي السلّمة الأعلى على التي تحتها أو يتخطاهما في أي اتجاه؛ وهناك امرأة متزوجة أكبر منه، محور الحكاية، ليس واضحاً إن كان يحبها لشخصها أم لأنها المأساة المناسبة من مكانه.

هكذا قبل أن يأنس لمجالس الحشيش، عرف الولد الوحيد أنه مدى العمر في مكان مماثل؛ تأكد أن المرأة، لكي يحبها وإن كانت متزوجة وأكبر، لابد أن تكون مأساة؛ ولسنين حتى يحنّ إلى نكت الطفولة، سيكف عن الضحك على المسرحيات.

عشرون عاماً منذ أغواني الكتاب مدعَّماً بانتحار كاتبه، ولازال “رام” يسأل “إيدنا” في رأسي ماذا يجعل نساء اليهود يقطّعن شعورهن ويلطّخن وجوههن في المآتم.[1]

حبكة درامية أعيشها مرة بعد مرة منذ تابعتُه ينقسم إلى شخصين أحدهما يُخرج لسانه للآخر، وبسذاجة مراهق صدّقتُ أن الناس يمكن أن تضحّي بحياتها لكي تكتب رواية… لماذا الآن ليس سوى الأغاني العاطفية، وفي المسرحيات القديمة لا يطمئنني صوت “عادل إمام”؟

رسالة نصية قصيرة إلى صديق مغترب: مستحيل أن تجد شخصاً تعيش من أجله، المشكل أنه مضجر أن تعيش من أجل أشياء.

ربما ليس فعلاً سوى هذا المكان، حيث الحياة قصة حياة والحب مجاز مناسب للكتابة؛ تلك الأمثولة التي تقضي بفساد العيش لصالح عدوى مصنّعة كالذخيرة، عدوى ستنتقل إلى آخرين بانتحار مخترعها، ربما ليس سواها بعد أن يغيّرنا كتاب.

***

وفيما يُقال “يلّا حالاً بالاً” يتحول الحانوتي إلى حصان مجنّح والمرأة المهووسة إلى بنت ملك ذيل فستانها مطرز بالجواهر؛ وفي الطريق إلى المطار حيث نراه يحملها فوق ظهره مرفرفاً وسط الانفجارات وتبادل إطلاق النار، أغنية عيد ميلاده صهيل.

جسد واحد خرافي بحذاء القمر والمدينة حفنة حرائق بحجم الكف؛ على خلفية زرقتها تراوح سواداً عميقاً رغم الفضة المشعة من ورائها، جسد صحيح ورائع لا تحكمه الجاذبية ولا يفرّق الناظر إليه بين الجناحين والذيل الطويل:

هكذا يجب أن نراهما؛ وإلى أن نعود نسأل عن بديهيات من قبيل أننا بشر نستعمل الورق والبخار وأكثر الوقت نخبّئ أعضاءنا الجنسية، لا يجب أن نصر على “حيوا أبو الفصاد”!

لكنك تحار أين تخبّئ بقية أعضائك وهي تلملم حقائبها الزائدة عن الحاجة لتضعها واحدة وراء الأخرى على السير ثم تسترد جواز سفرها باكيةً وتتردد قليلاً بينما الموظف يناولها البوردنج باس؛ ولو أن الملك تقاعس عن عقابها بعد أن عرّضت مملكته للسقوط، أي قتال غير مشاهدتها تجرجر متاعها عبر صالة الإقلاع؟

أميرتك فلاحة مبهورة لا تشبع من المشي وحدها ولا يصاحبها إلا الفتيان في المحافل؛ إلى متى تضطر لتطبيق جناحيك وراء ظهرك وأنت تتسحّب خلفها تنتظر وثبتها على كتفيك بأمل متخثّر وتغالب شعوراً كريهاً بأنها أرخص من أن تطير؟

قالت الأميرة: لن أتركك إلا في حضني أو قتيلاً.

قالت الأميرة: أحاول وأفشل.

قالت الأميرة: النق يصيبني بالصداع (وذكّرك نفاد صبرها بنفسك حين تمل نق ماما خارج سياقات موتك المتاحة)؛ حقاً مَن كان يحلم بهذا الضوء؟

***

وذات يوم أردتُ أن أحفر اسمي على فخذ فنانة غريبة الأطوار. وكدتُ “أكدّر” ناقداً استباحتْ يدُه شَعرَها ببراءة لم تستدع اعتراضها كالمرأة الوحيدة في المكان، تصدق…

بعد عام لم أستغرب ابتسامةً قَصَفَتْ وجهها وهي تقفز فوق الدبابات إلى المقهى لتمثّل دور الفتاة النابهة المحوّطة بالمُعجَبين؛ لكن شيئاً أفرغ أدوارها الأكثر واقعية من الإقناع.

ومنذ ذلك الحين يا دكتور، منذ أنفقتْ ذخيرتها على ضرب الجذوع الخُضر لأشجار ما كادت تستقيم بيننا، لم يعد مجدياً أن أحاصرها بالمدفعية الخفيفة.

كان كلامها عن الحرية مثل ترهات عرّيف خامل يتصور نفسه رئيس أركان؛ مع شاي القرفصاء وسيجارة ثمينة، يهمس لروحه حالماً: كل المدرعات تحت أمري؛ وظننتُ أنني أسمع في إيقاعه نبرة قذائف أمرضتني إثر حروب بعيدة…

الفخذ لا يوجد بغير كرسي يقيمه: إما أن أكون الكرسي أو أحفر اسمي عليه؛ سأحمل الكرسي بين باب المقهى والرصيف، أجرّب الوقوف والقعود يا دكتور؛ وإلى أن أملّ مناوراتٍ لا تُفضي إلى اشتباك، لبعض الوقت على الأقل، ستبدو الدنيا جديرةً بالقتال.

حين تأتيك الهزيمة تظن نفسك استرحت؛ الحرب لا تضع أوزارها أبداً يا دكتور.

***

وحين مات القاتل صار خيال عشيق كان يجب أن يكونه بلا صداع؛ لكن ما معنى أن يكون قاتلاً لو أنه سيدخل خلسة، يضع أحشاءه على الطاولة ثم يخرج دون أن يخلّف إلا عَرَقاً على المخدات؟ ستائر هفهافة لن يعود يمر خلالَها على ضوء القمر مثل شبح كلاسيكي.

ولكل قطعة أثاث لم يساهم في اختيارها تاريخ ملفّق، لكل نأمة في البيت سلّة مواويل.

لبضع دقائق قبل وبعد انتصاف ليلة واحدة من كل عام، يكتسب الوقت الذي شيّدناه كنصب من الصخر مرونة الجيلاتين؛ يترجرج الظلام بما يجعل إزهاق الروح أمراً مواتياً؛ وكمن يبحث عن انعكاسه في بِركة منحسرة أو يثير زوبعة بالنفخ في منفضدة، نعيد اكتشاف جفافنا.

في هذه الشلالات لا بلل ولا بريق؛ القاتل سيقتفي نظرات ظله الجانبية بينما الظل يهرب إلى حيث الأمان أو السعادة، تلك التي يكيّلونها بعدد الحاضرين وعذوبة ابتساماتهم في مناسبات مثل هذه؛ وناسين أنها كذبة مفضوحة، يحملونها على رؤوسهم ويزعقون.

لحظة الجريمة لم تكن هناك سجائر؛ القاتل من الصفاء في الإصرار والترصد بحيث لا ينتبه وهو يجهز عليها إلى أن صورةً مجسّمة حلّت مكان القتيلة.

مات القاتل بينما القتيلة تفرش ملاءة نظيفة في استقبال أسرتها العائدة من المنفى، وكان مذاق حيضها في حلقه يحوّل المشاهد على بَكَرة الفيلم بسرعة مدوّخة إلى ذكريات.

القاتل مات والأسرة نجت من الإيبولا.

***

وكأنه ذاهب إلى عرس أو عزاء يتحمّم “الكنتوس” ويحلق ذقنه، يتعطّر؛ قبل أن يغادر البيت إلى البيت ليعود يغادر البيت إلى البيت مرة أخيرة، يلبس ما يبديه على أحب صورة إليه؛ سيكون مقتنعاً بدوره، ويكون أداؤه مثل واقعية “الكنتوسة” تماماً: لا علاقة له بأي واقع.

على أي أرض إذن يودّعها فعلاً بلا صداع؟ هل سيضحك أم سيبكي وهي تختبر الحروق التي صنعتْها على صدره في اللقاء السابق، تعيد تقييم عمل يديها بزهو لا تتمكن من إخفائه؟ كأن ما يلسع لابد أن يكون خلّاباً، كأن النار فعلاً دليل القوة! ومتى في انصرام ليلة مصيرية سيوقن أنه لا يمكن أن يصبح رجلها، أن الأشياء هكذا فعلاً كما يجب أن تكون؟

اثنتا عشرة ساعة ذكّرتني بيوم عرفتُ رائحتكِ، كان لابد أثناءها من إشارات عابرة إلى حياة ترتدينها كفستان نجمة تستلم جائزة في مهرجان، حياة بصقتْني من شباك سيارة مسرعة قبل أن أسأل نفسي إن كنتُ مستريحاً على لسانها، قبل أن أقرّر إن كنت أريد أن أُبتَلَع.

ولكي أتذكر أيضاً من أي بلاهة نجوتُ، من أي فرحة حسبتُها أغلى قليلاً يا حبيبتي، وبيأس طازج أُشهر أسلحتي الخالية من الميكروب على جبهات أكثر بدائية… كان لابد أن أرى السجائر على الطاولة لكي أتذكر أن الولد الوحيد إن لم يكن جندياً سيكون حانوتياً أو قتيلاً، وأن هذا ما يجعل شكل “الحاجات” هكذا. أحاول وأفشل: يبدو أنني سأدفنك بغض النظر.

ماما قالت: هان عليك أن تتركني اثنتي عشرة ليلة؟ (وكان القمر قد اكتمل للمرة الثانية عشرة في سماء خيّل لي أنها تنطوي كجناحي طائر له سنة يرفرفهما في نفس المناخات).

ماما قالت: كم تبدو وسيماً في هذه الثياب، لكن…

قالت: إلى أين تذهب وتتركني يا حبيبي، إلى أين تذهب وتذهب من جديد؟


[1] الإشارة إلى رواية “بيرة في نادي البلياردو” لوجيه غالي  Wagih Ghali, Beer in the Snooker Clubحيث “رام” و”إيدنا” من الشخصيات الرئيسية