بيت

ولا إنت البعيد بتستعبط: تحديثات الحالة مايو ٢٠١٣

الحالة “الثقافية” في مصر زيها زي الإلحاد وانتفاضة المرأة العربية بالظبط (ويبدو لي إنها بالمعنى ده مطابقة للثورة وإن كان على مستوى تاني): كإنك قاعد في أوضة مفروض إنها جوة بيت والبيت جوة حي والحي جوة مدينة كبيرة ومليانة سكان من النوع اللي إنت بتحبه وبتحترمه. هي الأوضة اللي إنت قاعد فيها فعلاً زحمة والناس اللي قاعدين معاك عمالين يجاملوا بعض ويفقعوا زيريبوات في بعض من تحت لتحت ويتقاتلوا على المساحة المسموح لهم يقعدوا فيها جوة الأوضة… وكلهم بيتكلموا على اعتبار إن دي مجرد أوضة من ملايين الأوض اللي زيها في المدينة، بس إنت أول ما تخرج م الأوضة بتكتشف إنه مش بس ما فيش مدينة ولا حي ولا بيت لأ ده ما فيش أصلاً سكان، وإنت ماشي في خرابة مالهاش آخر شايل مجاملاتك وزيريبواتك وبتتكلم بهستيريا عن الثقافة (أو الإلحاد، أو انتفاضة المرأة، أو الثورة)… ووجودك بالشكل ده كإنه بس بيأكد مشهد الخرابة.

Continue reading

قصة محمد ربيع: أحمال

في الأول من فبراير عام 1957، وفي مدخل قصر الأمير عبد المنعم، توقف ضابط شاب مواجهًا الأمير بصرامة معتادة. أخبره أن عليه الرحيل، عليه ترك القصر فورًا. بدون أن ينطق حرفًا، عاد الأمير إلى الداخل، ثم خرج وفي يده حقيبة، ابتسم للضابط، وتحرك نحو السور الجنوبي للقصر.

Continue reading

الأسد على حق: قصيدة ألن جينسبرج

ألن جينسبرج (١٩٢٦-١٩٩٧): الأسد على حق

كن صامتاً من أجلي، أيها الإله المتأمل

 

عدتُ إلى بيتي لأجد في الصالة أسداً

وهرعتُ إلى بئر السلم أصرخ: أسد! أسد!

السكرتيرتان الجارتان، عقصت كل منهما شعرها الأدكن. وبصفقة ارتدت نافذتهما مقفلة

أسرعتُ إلى بيت أهلي في باتيرسون، ومكثت نهارين

؎

هاتفت طبيبي النفسي، تلميذ رايخ

كان قد حرمني من الجلسات عقاباً على التحشيش

حصل،هكذا لهثتُ في أذنه: “في صالة بيتي أسد.”

للأسف، لا مجال للمناقشة،وضع السماعة

؎

ذهبتُ إلى حبيب قديم وسكرنا بصحبة حبيبته

قبّلتُه. وبومضة مخبولة في عيني أعلنت أن عندي أسداً

انتهى بنا الأمر نتقاتل على الأرضية. جرحتُ حاجبه بأسناني فطردني

في سيارته الجيبالمصفوفة أمام البيت كنت أستمني متأوهاً: “أسد.”

؎

عثرتُ على جويصديقي الروائي وزأرتُ في وجهه: “أسد!”

نظر إلي مهتماً وقرأ علي أشعاره العفوية الراقية المكتوبة كما يكتب الإيجنو” (والإيجنو شخص يعيش مرة وإلى الأبد<. وينام في أسرة الآخرين)

أنصت في انتظار أن أسمع اسم الأسد. لم أسمع سوى الفيل، التيغلون – ابن النمر واللبؤة – والهبغريف، الحصان أحادي القرن، النمل

لكنني عرفتُ أنه فهمني حين تناكحنا في حمام إيجناز ويزدوم

؎

في اليوم التالي مع ذلك أرسل إلي قصاصة من عزلته في سموكي ماونتين

إني أحبك يا نونو وأحب سباعك الذهبية الرقيقة

بيد أنه لا روح ولا حجاب، إذن فإن حديقة حيوان أبيك الغالي ليس فيها أسد

قلتَ لي إن أمك جنت قبل أن تموت، فلا تنتظر مني وحشاً خرافياً يكون عريساً لك.”

؎

حائراً ودائخاً، مرتقياً هذه الحياة كلها تذكرتُ الأسد الحقيقي يتضور جوعاً وسط نتنه في هارلم

وفتحت باب الغرفة لأجابه انفجار قنبلة غضبته

يزأر جائعاً في وجه جص الجدران، لكن أحداً عبر الشباك لا يسمعه. التقطتْ عيني الطرف الأحمر للعمارة السكنية المجاورة واقفة في سكون يصم

وأطلنا النظر بعضنا إلى بعض. عينه الصفراء العنيدة وسط هالة الفرو الأحمر

أنا من أصابني رمد العينين لكنه توقف عن الزئير وأشهر ناباً يحيي

واستدرت أطهو البروكالي للعشاء على موقد الغاز الحديدي

غليتُ ماء وتحممتُ بماء ساخن في الوعاء المعدني أسفل الحوض

؎

لم يأكلني، ورغم أنني حزنت لتضوره في وجودي

في الأسبوع التالي كان الهزال قد جعل منه بساطاً سقيماً تملأه العظام. تتساقط سنابل شعره

عينه المحمرة حانقة وهو مقع يتألم برأسه المشعر في كفي أسد

وقرب المكتبة المصنوعة من صندوق بيض. المملوءة بمجلدات نحيفة لأفلاطون وبوذا

؎

كنت أسهر جواره كل ليلة أشيح بعيني عن وجهه الجائع المعثوث

وكففت أنا الآخر عن الأكل. يضعف ويزأر بالليل بينما تجيئني الكوابيس

مأكولاً من جانب أسد في مكتبة الحرم الفضائي لجامعة كولومبيا، أسداً محروماً من الطعام من جانب البروفيسور كانديسكي، أحتضر في نُزُل حقير داخل سيرك الأسد

وكنت أصحو في الصباحات والأسد لا يزال مضافاً إلى وجودي يحتضر على الأرضية. “أيها الحضور الرهيب!” صحت. “كلني أو مت!”

في ذلك العصر نهض وسار إلى الباب وكفه على الحائط الجنوبي يحافظ على توازن جسده المرتجف

أطلق صريراً كليماً خلع قلبي من سقف حلقه الذي لا قعر له

وهدر كالرعد مغادراً أرضيتي إلى السماء أثقل من بركان في المكسيك

دفع الباب ليفتحه وبصوت حصبائي قال: “ليس هذه المرة يا صغيري، لكنني سأعود مرة ثانية.”

؎

يا أيها الأسد الذي يأكل عقلي الآن منذ عقد ولا يعرف سوى الجوع

ليس فردوس رضاك يا زئير الكون كيف اصطفيتني

لقد استمعت إلى وعدك في الحياة الدنيا وصرت جاهزاً للموت

خدمت حضرتك الأبدية الميتة جوعاً أيها الرب. أنا الآن في غرفتي أنتظر رحمتك.

 باريس، مارس 1958

.

بيت أروى: مهاب نصر عن الصدق والثورة

ليس أخطر ما أنتجته ثورة يوليو (أو انقلاب يوليو) هو ما يسمى بـ”حكم العسكر”، بل في كونها مثلت أو تسببت بوضوح في إحداث شرخ واسع في الضمير المصري. لأنها أولا أول سلطة “مصرية” تحتكر الحكم بلا منازع (فلا ملك ولا إنجليز)، ومن ثم فقد كانت تمهيدا لمواجهة الشعب لذاته وإن استغرقت هذه المواجهة عقودا خصيلتها ما يحدث الآن. ولأن هذه السلطة لم تحتكر الحكم باعتبارها سلطة منتخبة بل استثنائية، وهو ما جعل فكرة “الاستثناء” تتحول إلى قاعدة سياسية بشكل متناقض تماما مع طبيعتها. وهي ثالثا احتكرت تمثيل الضمير العام (المبرر  لهذه الاستثنائية) وبالتالي وضعت نفسها أمام شرط مستحيل وزائف.

Continue reading

ما بعد: قصيدة جديدة لمحمود عاطف

wpid-bait-2012-02-15-23-12.jpg

أسقطتُ يدي في البحر

متمتمًا بالمعوذتين

كنت أتبرّع بهما

لحوريّاتٍ

نبتْن في خيالي

علّ واحدةً منهنّ

تحمل ما على ظهري من ماضٍ

أثقلتني عواصفه

الحكاية أنّه لا قائد يفاخر بأساطيله

ولا قدّيس يمشي على وجه الماء

أو أميرًا يختال بوسامته

كانت الفرحة درّاجةً

ألحّ الولد في طلبها حتّى بلغ الخامسة عشرة.

أهلي ساروا في طريقٍ نسيوا عليه معاولهم

من بعد خطاب “الزعيم الخالد”!

وكلّما نضجت جلود الأفنديّة

تدفنُ الحقول خجلها في بذور الزرع

ولا تطرح سوى الحنين.

حائرون على أسفلتٍ

يلمع بسواده في عيونهم

حائرون بين ظلالٍ لا تخصّهم

حائرون من غير سؤالٍ

عن معنى الحيرة!

وضعوا عمامةً فوق رأسي

أدور بها على “السوبر ماركت”

لأملأها بأكياس الشيبسي!

جئتك أيّها العالم

من غير محبّةٍ كافيةٍ لاحتمال الألم

تقول أمّي: جئت في الزمن الغلط

تقول أمّي: ماذا تُعني علماني؟

أقول لها: أن آكل الشيبسي في أطباق

ليست مدموغة بختم النّسر.

الحكاية أنّه لم يكن الولد نبيًّا

ولا ربّان سفينة

بذر الولد بسْمّتّه في حقول أهله

ولا ثمار حتّى اللحظة.

نظر أهلي للشمس وقالوا وردة

فتاهوا بين الغصون

زرعوا أشجارًا خلّابة

وحينما قطفوا ثمارها

وجدوا ابتسامات الأغراب بين أيديهم

وعلى الحوائط

علّقوا دهشتهم كتمائم

تقيهم حسابات المجازفة

جئتك أيّها العالم

بابتسامةٍ خافتةٍ كوشيش بحرٍ

لا تسكنه الحوريّات

أيّها المتزلّجون على زَبَدٍ

تظنّونه الحياة

التائهون حدّ أنّكم تتعثّرون

في سراويلكم

من أوحى لكم بأنّ الله

لا يسكن سوى الحقول؟!

أو أنّ قرص الشمس

لا ينْبُتُ إلّا في جلابيبكم؟!

أيّها الحائرون بلا حيرةٍ

أنا ابنكم العاقُ

الذي رسم الشمس على ذراعه

وقال: شمس

صاحبتُ ظلّي على الأسفلت

وفوق الحوائط

ألقيْتُ حمولة عمري في البحر

لحوريّاتٍ

يسْرَحْن في خيالي

ومضيتُ بلا أسف

أنا العلمانيّ الذي- قبل أن يمضي-

تمتم بالمعوذتين في سرّه

وقال:

الله ليس في الماضي

ولا في جيب أصحاب اللحى

وأنتم؟!

أنتم تُخادعون أنفسكم بالحنين

وتتبجّحون بمعرفةٍ لا تملكونها

يا من تأكلون الشيبسي في عمامة:

لكم حيرتكم المدّعاة

ولي بحجم الِشّمس

قطرة.

محمود عاطف