بورقيبة على مضض

حوار آية ياسر

wpid-photo-2012-12-31-04-38.jpg

Continue reading

حوار بهيج وردة لمجلة “ارى” الإماراتية


ما هي خيوط الرواية الأبرز في التماسيح؟ وكيف بدأت فكرة الرواية تتبلور؟ وما دور الثورة المصرية وتداعياتها الحالية في الحالة الروائية التي تجسدها في “التماسيح“؟ الرواية خرجت، كعادة مشاريع الكتابة الطويلة، من خبرة شخصية مؤلمة جعلتني أعيد التفكير فيما يسمى بالوسط الثقافي بالقاهرة وبالأخص جيل التسعينات من الشعراء المصريين (وهي أشياء قاربتُ بعضها كذلك في مجموعة قصائد ”يظهر ملاك“-٢٠١٠ والتي لم أنشرها بعد إلا إلكترونياً عبر مدونتي، نتيجة الشعور بلا جدوى نشر الشعر في القاهرة خلال شهور من ثورة لم تكتمل. بدا لي أن شيئاً حدث سنة ٢٠٠١ (وهو أمر شخصي أيضاً لأن حياتي تغيرت في ذلك العام بعد موت أبي سنة ٢٠٠٠؛ أصابني ما يشبه الانهيار نتيجة الإفراط في الكيوف على خلفية اكتئاب وإحباط متزايد في الشأن العام وفي مسار الحياة العملية بالصحافة: بدت لحظة انهيار البرجين كأنها – كما يقول الراوية – ”ذروة ما، بداية أو نهاية“) وبعد عقد كامل، إثر قيام الثورة أو الانتفاضة خلال شهور من بدء كتابة التماسيح، خطر لي أن هذه اللحظة كانت مقدمة ما سيحدث بعد عشر سنين بالضبط، أنها كانت فعلاً بداية أو نهاية. في الرواية فكرتان أساسيتان إحداهما استعارة الأسد، وكانت هذه قد طاردتني منذ قرأت قصيدة ألن جينزبرج ”الأسد على حق“ في العام نفسه (٢٠٠١) لكن الفكرة الثانية – أن يكون الشعر شاهداً على انهيار الدولة الوطنية التي خلّفها الاستعمار في منتصف القرن العشرين أو أن تؤدي النزعة الفردية التي ظهرت في التسعينات إلى تحول اجتماعي يُعامل بوصفه حراكاً سياسياً – لم تتبلور هذه الفكرة حتى الشهور الأخيرة من ٢٠١٠. بوصفها تحركاً اجتماعياً، أعتقد أن الثورة كانت موضوع كتابة من قبل حتى أن تندلع: التماسيح بهذا المعنى هي حكاية الثورة، حكاية السنين العشر التي حملت إلينا يوم ٢٨ يناير ٢٠١١

Continue reading

ما رآه رخا‬

المكان باعتباره أزمة ‮ ‬يعانيها الكاتب

ياسر عبد الحافظ في أخبار الأدب

هذا كتاب لن يمنح لك نفسه من المرة الأولي‮. ‬في الحقيقة هو ليس مهتماً‮ ‬بهذا جداً،‮ ‬ربما لن يحترم قناعاتك بأنه من المفترض أن يكون كذلك،‮ ‬أليس هذا ما اعتدناه في كتب الرحلات،‮ ‬البساطة التي تناسب عقليات تحب أن تشاهد العالم بعيون الآخرين لا أن تغامر هي،‮ ‬شخص يسافر إلي مكان ليدهشك طوال الوقت بما رآه،‮ ‬يصف المعالم التاريخية الرائعة والحضارات الإنسانية،‮ ‬أو يتحدث عن المآسي والفقر والمجاعات،‮ ‬أخلاق الرجال وأحوال النساء،‮ ‬العادات والتقاليد الغريبة‮… ‬فقط لأنك لا تمارسها‮. ‬وهكذا فما عليك إلا أن تسترخي فيما السطور تتهادي إليك‮.‬ غير أن يوسف رخا،‮ ‬يبدو وكأنه‮ ‬غاضب من هذه الفكرة‮ (‬في الحقيقة هو‮ ‬غاضب من أشياء كثيرة‮) ‬وقد قرر منذ زمن،‮ ‬منذ‮ “‬بيروت شي محل‮”‬،‮ ‬و”بورقيبة علي مضض‮” ‬أن يهدم تلك النظرية علي رؤوس كتب الرحلات الأخري،‮ ‬حتي إنك بعد أن تنتهي من القراءة سيصبح عليك التفكير جدياً‮ ‬إما في تصنيف الكتب الأخري أو تصنيف هذا‮. ‬هو يعرف أن المفهوم لابد له أن يتغير،‮ ‬قبلاً‮ ‬كان الارتحال صعباً،‮ ‬الآن لم يعد كذلك،‮ ‬ساعات عدة وسط وسائل راحة تتنافس الشركات علي ابتكارها وتصبح في مكان آخر،‮ ‬وهناك لن تجد ما كنت تتصوره في خيالك،‮ ‬مغامرات المكتشفين باتت من التاريخ،‮ ‬لم يعد هناك ما يمكن اكتشافه،‮ ‬ولم يعد هناك ما يدهش،‮ ‬طعم القهوة بات واحداً‮ ‬في كل البلاد،‮ ‬وكل جوانب الأرض تم تصويرها من مختلف الزوايا‮. ‬ما الهدف من السفر إذاً،‮ ‬وما الذي يمكن تقديمه في كتاب رحلات،‮ ‬في نوع أدبي كاد أن يفقد أسباب وجوده‮.‬ ‮

العنوان‮ “‬شمال القاهرة‮… ‬غرب الفلبين ــ أسفار في العالم العربي‮” ‬وللتأكيد فإن هناك علي حقيبة المسافر رموز عدة‮: ‬شجرة الأرز وطربوش وجمل‮. ‬البداية في المغرب والنهاية في الإمارات وبينهما لبنان‮. ‬والكتاب يبدأ هكذا‮: “‬مرضت عروسي حال وصولنا‮. ‬يسمون الغرفة بيتاً‮. ‬لم نكد ندخل بيتنا حتي راحت في النوم‮. ‬ظلت ثابتة مع أن المكان وسخ وكئيب،‮ ‬بالكاد يسع جسدينا‮.” ‬متروك لك أن تتخيل ما تريد حول هذه القصة،‮ ‬هي واحدة من الألغاز التي عليك أن تضعها بجوار بعضها البعض لترسم الصورة التي ترغبها،‮ ‬بالطبع هذا يقتضي بداية أن تفك شيفرة اللغة،‮ ‬وهي لغة خاصة جداً،‮ ‬لغة روائية محملة بالكثير من الرموز والإشارات والإيحاءات،‮ ‬تتناول المكان ليس باعتباره مقصداً‮ ‬سياحياً‮ ‬وإنما باعتباره أزمة يعانيها الراوي مثله مثل أهل البلد،‮ ‬ومتي هكذا أصبح كأنه واحد منهم؟ هو نفسه لا يعرف،‮ ‬غير أن الشك الذي يداهمك في هذا كقارئ يساوره هو أيضاً‮ “‬وأنا جالس كنت أحس،‮ ‬بشكل لا يحتمل شكاً‮ ‬كبيراً،‮ ‬أنني جئت لهذا المكان من قبل‮”. ‬شك يعود لتبعثره كلمة من ابن البلد‮ “‬مصر والمغرب حال بحال‮”‬،‮ ‬إشارات كتلك تجعلك تعاود القراءة من البداية بروح مغايرة حتي تتلبسك الحالة التي يضعها رخا‮ “‬في الطريق لهنا يختلط الخيال بالذاكرة‮”‬،‮ ‬وهو ما يعني أن تتقاطع وتختلط المشاهد ويندمج الناس وكأنهم واحد،‮ ‬الزوجة فتاة مغربية،‮ ‬التاريخ بالحاضر،‮ ‬والأب الراحل عجوز يعزف وحده وسط حلقة متفرجين،‮ ‬غير أن ذلك لن يبدو‮ ‬غريباً‮ ‬فهناك اتفاق سابق عقده معك الكاتب‮ “‬أنت تعرف كيف تتبدل الأماكن والأشخاص‮”‬،‮ (‬هل تعرف؟‮). ‬وتصبح الرحلة بحثاً‮ ‬عن الذات في مرآة الآخر ذلك الذي يبدو في أحيان كثيرة وكأن لا وجود له‮ “‬كلما حاولت أن أكلمهم أو ألمسهم،‮ ‬لم يجبني أحد منهم أو يحس بوخز أصابعي من أصله‮. ‬كأنني هواء‮”. ‬غير أن هذا ليس بالسبب الذي يدعو للتوقف في رحلة البحث خصوصاً‮ ‬إن كان ما يبدو ليس بالضرورة هو الحقيقة،‮ ‬هناك لابد من الانتباه للمفاجآت والحيل،‮ ‬من المهم مثلاً‮ ‬أن تعرف متي سيظهر الحائط‮ ‬غير المرئي لتمر من خلاله،‮ ‬ولابد أن يكون لديك من قوة الملاحظة لتعرف إن كانت تلك هي الشوارع بالفعل أم أنك تري انعكاسها،‮ ‬والأهم أن تكون متيقظاً‮ ‬حتي لا تفوت لقاء محمد شكري أو بول بولز،‮ ‬أو وليام بروز،‮ ‬إذا مر أحدهم بجوارك‮. ‬رحلة تلفها موسيقي تسمعها عبر النص،‮ ‬يدور علي إيقاعها الناس،‮ ‬وتكون فيها بصحبة موتي يجوبون البيت بلا استئذان،‮ ‬والأسرار متاحة‮… ‬فقط إن أدركت أن الوعي بالذات سخف إنجليزي‮.‬ لكن علي قدر ما تبدو المغرب هكذا منفجرة بالحياة والموت أيضاً،‮ ‬تبدو بيروت بجانبها وكأنها‮ ‬غير مرئية،‮ ‬عصية علي الإمساك بها،‮ ‬ولأنها كذلك فيبدو وكأن رخا يبادلها انغلاقها،‮ ‬إن سرنا وراء الأكليشيه أن‮ “‬المدن كالنساء‮” ‬ستكون بيروت هكذا امرأة باردة لكنها تهوي مطاردة الرجال لها،‮ ‬وفي النهاية لن تمنح واحداً‮ ‬منهم شيئاً،‮ ‬الحياة بالنسبة لها هي تلك المطاردة دون الالتفات إلي عبثية الفعل الذي لا يؤدي إلي نتيجة‮. ‬غير أن تلك الرحلة من وجه آخر تبدو وكأنها ترانزيت بين البلدين،‮ ‬بين المغرب والإمارات،‮ ‬استراحة يمهد بها المؤلف ليفصل بين ذلك العنف الرومانتيكي والعنف الذي يفرضه واقع فج شيد منظومته علي قواعد لا تعترف بالخيال‮.‬ ‮

مثير للدهشة كم يمكن للغة والأسلوب وطريقة التفكير أن تتحول هكذا،‮ ‬كيف يمكن للبلاد أن تفرض منطقها وإيقاعها علي زائرها‮. ‬كان علي أن أعاود القراءة منذ البداية،‮ ‬من رحلة المغرب،‮ ‬فقط لمعاينة هذا التحول،‮ ‬كان يبدو وكأني أمام كاتبين،‮ ‬حالة مذهلة من الفصام‮. ‬هل الخليج قبيح إلي هذا الحد؟ إلي الدرجة التي لا يعود في مواجهته سوي التخلي عن لغة مليئة بالخيال إلي أخري صريحة وواضحة‮. ‬يبدو أن الإجابة‮: ‬نعم‮. ‬المسألة دوماً‮ ‬تتوقف علي قدرة الرؤية ومواجهة الواقع الخفي خلف المباني المبهرة،‮ ‬أن هناك‮ “‬حزن أرجواني في المنتجعات‮”. ‬ذلك الحزن الذي يلحظه المؤلف علي وجوه النادلات الفليبنيات عندما يختلين بأنفسهن للحظات والذي يتبدل إلي ابتسامات مرحة عند استقبال زبون‮. ‬وسائل الخلاص ونسيان الواقع بالنسبة للآخرين تتحول معه إلي عنصر آخر للتصادم مع الواقع‮ ” ‬تصبح‮ “‬المزة‮” ‬التي في السيارة عبئاً‮ ‬بعد أن بدت وكأنها الخلاص‮. ‬وتعود تفكر في حقوق الإنسان‮”. ‬لا أحد يعرف أحدا،‮ ‬التواصل عملية محكومة بالمنطق الاستهلاكي والنفعي الذي يحكم كل شيء آخر،‮ ‬و”المواطنون زبائن المنتجع الغائبون إجمالاً‮ ‬عن الحياة اليومية،‮ ‬أما بقيتنا من الوافدين فلا‮ ‬غاية من وجودنا سوي خدمتهم‮”. ‬هذا رغم انتباهه إلي أنه خلف الزي الخليجي الموحد هناك أفراد لهم أذواق متنوعة وقرائح ثائرة ليس فقط علي تقاليد يتعاطونها مثل‮ ‬غريق يتعلق بقشة،‮ ‬ولكن بالأحري ـ علي حداثة لم يصطدموا بها حتي جعلتهم فرقاء منفيين‮”. ‬محاولة للبحث عن الناس والتاريخ والثقافة،‮ ‬لكن السياق الاجتماعي الصارم سيمنع بالتأكيد‮ ‬غير أنه يواصل رغبته في التفهم،‮ ‬لكنها رغبة نظرية لا يدعمها تواصل،‮ ‬وكأن كل يتحرك في كون مواز،‮ ‬ربما هذا ما يجعله مع مضي الوقت‮ “‬أشعر بانتماء معقد للإماراتيين‮. ‬كأنهم أقرباء لي أجيال متتالية وأنا مقطوع عنهم‮. ‬أقرباء من البعد ـ في المكان والزمان ـ بحيث يبدون‮ ‬غرباء تماماً‮”. ‬تلك الغربة التي يسود منطقها لتصبح القانون الأول ومعها‮ “‬يصبح الحنين ملموساً‮ ‬كأصابع الحلوي‮”.‬ ‮ ‬لابد لكل هذا أن يصنع الحاجز بين الراوي وبين البلد،‮ ‬يجعله ولأول مرة لا يشعر برغبة في تعلم اللغة الجديدة التي يدور بها التعامل‮. ‬والأمر يتطور إلي أسئلة حادة تليق بهذا الواقع‮: ‬ما الفرق بين التحرر الجنسي والدعارة،‮ ‬هل يمكن أن تكون متمدناً‮ ‬دون أن تكون‮ ‬غربياً،‮ ‬أي من ثلاثة مفاهيم ـ الشعب،‮ ‬الدولة،‮ ‬الشركة الهادفة للربح ـ تطابق الوطن علي مساحة جغرافية،‮ ‬وكيف لصائد لؤلؤ اغتني فجأة أن يمارس عالميته المكتسبة؟ ‮

سابقاً‮ ‬كان الوعي بالذات في المغرب سخفاً‮ ‬انجليزياً،‮ ‬وسط الحياة التي لا يمكن إلا مجاراتها،‮ ‬إلا أنه في أبو ظبي يصبح الوسيلة الوحيدة لمقاومة السقوط في النمط الذي يسود بفعل الحال‮ “‬المصريون أنفسهم يتعلمون السكوت والعزلة وثقل الدم،‮ ‬في الغربة‮.”‬،‮ ‬في مواجهة مدينة قادرة‮ “‬علي نفي حتي المسجد إلي فضاء مول سبع نجوم‮.” ‬لا يمكن سوي التمسك بالتفكير فيما وراء كل هذا،‮ ‬في‮ “‬الإعمار‮” ‬الذي يشوش علي صوت الله الذي محله الفضاء،‮ ‬في ما يحدث لنا ونحن نعتنق أفكار البيض المثالية والساذجة عن القيم الإنسانية،‮ ‬في أن‮ “‬من يذهب إلي الخليج يسمن جراء كثرة الأكل وقلة الحراك،‮ ‬الأمر الذي يضمر اتهاماً‮ ‬ضمنياً‮ ‬بالتواطؤ مع الاستهلاكية البترولية و”بيع القضية‮”. ‬ثم في‮ “‬جدوي حياتي‮”‬،‮ ‬وفي معني الكتابة‮.‬ ‮”‬خيبة أمل أعمق من المحيط الهندي‮”: ‬سيتسرب إليك إحساسه وأسئلته‮. ‬ربما لهذا عليك الحذر منذ البداية‮… ‬يملك يوسف رخا تلك المهارة الخفية التي يستطيع بها أن يورطك معه‮.‬

الكتاب‮: ‬شمال القاهرة‮ .. ‬غرب الفلبين المؤالف‮ : ‬يوسف رخا الناشر‮: ‬رياض الريس

حديث محمد فرج في السفير

Ibn Arabi (Arabic: ابن عربي) (July 28, 1165-No...
Image via Wikipedia

محمد فرج: ما يكتبه ليس أدب رحلات ولكنه سياحة روحية في الأماكن

يوسف رخا: ما يسمّونه الانفجار الروائي أنتج كتابات لا تمتّ للجنس الروائي

استطاع يوسف رخا أن يصنع شكلاً جديداً ومغايراً لأدب الرحلات عبر ثلاثة كتب، صدر أحدثها مؤخراً تحت عنوان «شمال القاهرة، غرب الفلبين.. أسفار في العالم العربي» عن دار رياض الريس للكتب والنشر. بدأ مشروع يوسف رخا مع بيروت عندما قام بزيارتها في الذكرى الثلاثين للحرب الأهلية وكتب كتابه الاول «بيروت شي محل» 2006، بعد بيروت كانت رحلته إلى تونس ثم كتابه «بورقيبة على مضض..عشرة أيام في تونس» 2008 ثم الكتاب الأخير الذي شمل رحلات عدة الى المغرب وتونس ولبنان والامارات وايضاً القاهرة. عبر لغة متوترة ذات جمل قصيرة تلغرافية، تقدّم قراءة للمكان ولتاريخه القديم وحالته الآنية وايضاً ترصد حالة الرواي الذي هو مصري او عربي يلتقي بعرب آخرين لتظهر من خلال هذا اللقاء أسئلة كثيرة تشغل يوسف عبر كتبه الثلاثة أسئلة متعلقة بالهوية والقومية والشتات العربي والتاريخ وكيفية رؤيتنا الحالية له وايضاً كيفية تعاملنا اليومي معه.
يوسف لجأ الى هذا الشكل الكتابي مللاً من حصر أدبية الكتابة في الرواية والقصة والشعر واعتبار أي كتابة غير روائية هي كتابة غير أدبية، وبالتالي أقل شأناً، ولكنه يعكف الآن على كتابة رواية. وقرر أن «شمال القاهرة، غرب الفلبين» هو آخر ما سيكتبه بهذا الشكل فقد استنفده ولن يأتي فيه بجديد.
بداية.. ماذا تعني لك كتابة المكان؟
لا أحب استعمال تعبير «كتابة مكان» فهو تعبير نقدي وليس تصنيفاً أدبياً، بالنسبة لي ليس الامر في الكتابة عن المكان قدر. هو تجاوز على قدسية «النص الادبي». فما أكتبه ليس قصة ولا شعراً وليس رواية. نص لا يحمل إدعاء روائياً أو قصصياً ولكن في الوقت ذاته أدباً.
وربما تكون تجربتي مختلفة بعض الشيء. ففي البداية كنت اكتب قصصاً ونُشرت في كتاب «أزهار الشمس» 1999 ولكن لم أكن أعرف ساعتها أني لا بد ان أكون خادماً لكتابي وأحمله وأطوف به على الصحف وعلى النقاد والكتاب كي أعرفهم بنفسي، كنت أتصوّر ان النشر كفيل بأن يجعل المهتمين يقرأون ويتفاعلون. وقد تزامن هذا مع الوقت الذي بدأت فيه العمل في الصحافة وتحديداً في «الاهرام ويكلي» في وقت ضمت الجريدة عدداً من الشخصيات خلقت مناخاً مغايراً للعمل وفتحت فيه مساحات جديدة للكتابة وإمكانيات للظهور.
ولم أكن أتعامل مع الصحافة كمجرد «أكل عيش» أو كعمل تافه. كنت أمارسها بشيء من الحب والاهتمام ولم أكن أضع ذلك الفارق بين «الأدبي» المهم و«الصحفي» الأقل أهمية. فانشغلت بذلك لفترة طويلة تقريباً ست سنوات. ولما كنت أيضاً أعمل في الصحافة الثقافية، وبالتالى كنت متابعاً للحياة الثقافية وكنت أشعر بالملل من فكرة الانفجار الروائي التي بدأت في تلك الفترة، كنت أشعر ان هذا الحديث كله كان يجب أن يدور حول حركة التسعينيات الشعرية التي حققت منجزاً بالفعل.
ثم جاء «بيروت شي محل»؟
خلال الفترة التي أتحدث عنها بدأت مجلة «أمكنة» في الصدور. التي تقوم بالأساس على الاعتماد على كتابة خارجة عن التصنيف الادبي، وعندما ذهبت إلى بيروت في الذكرى الثلاثين للحرب الاهلية في 2005 كان من المفترض أني سأكتب مقالاً صغيراً لأمكنة»، ولكن وجدت المقال ينمو معي اذ فتح معي طرقاً جديدة تحمل أسئلة كثيرة لها علاقة بالكتابة من ناحية وبفكرة «الهوية» من ناحية أخرى. فكان «بيروت.. شي محل» ثم «بورقيبة على مضض» 2008 والكتاب الصادر مؤخراً «شمال القاهرة غرب الفلبين»، والذي ضم مجموعة رحلات حدثت خلال فترة الكتابين السابقين.
كتابتك من الصعب تصنيفها كأدب رحلات تقليدي أو سيرة ذاتية او رواية كيف تراها أنت وكيف ترى كيفية استقبال القارئ لها؟؟
في البداية كنت أصنف ما أكتبه أنه أدب رحلات، وبعد كتاب تونس وجدت أيضاً أنه خارج تصنيف أدب الرحلات بشكل ما. بالنسبة للقارئ هناك شكل ما من الخدعة فأنا أقدم هذا على أنه أدب رحلات وللقارئ حر في كيفية التعامل معه.
ابراهيم فرغلي عندما تناول كتابي الأخير ذكر ان ما أكتبه ليس أدب رحلات فهو لا يضيف الى معلومات القارئ شيئاً جديداً عن المكان، ولكنه نوع من السياحة الروحية في الاماكن!! وهو تقريباً عكس ما أقصد تماماً. لقد كنت سعيداً بكلمة الغلاف الخلفي لـ «شرق القاهرة غرب الفلبين»، لأنه يذكر ببساطة انه كتاب عن رحلات الى عدة مدن عربية.
الطرح الذي تقدّمه كتابتي بالأساس هو طرح يبتعد عن فكرة انك تكتب قصة قصيرة او رواية ولا تودّ حتى الاقتراب من هذا العالم. انت تكتب كتابة أدبية بعيدة عن المفاهيم الميتافيزيقية لسياحة الروح من ناحية وأيضاً عن الانواع الادبية المعروفة. ما اريد ان اقوله ان هذه الكتابة تتجاوز وترفض فكرة ان الادب او النص الادبي اعلى من النص الصحفي على سبيل المثال او الرسالة التي يمكن ان يتبادلها الاصدقاء. فالأدب ليس تعالياً او مجرد شكل من أشكال التصنيف تضفي قداسة على شكل وتلغيها عن أشكال أخرى.
لقد دفعت نقوداً من اجل ان انشر قصصي ولكن لم يهتم بها أحد. بينما في الصحافة تم الاحتفاء بي وتقدير ما أكتبه بشكل لم يصنعه النشر التقليدي. وانا لا أعرف كيف ستكون شكل الحياة بعد خمسين سنة هل ستبقى الناس تقرأ كتباً مثلاً أم ستتوقف هذه العادة. لا أحبّ فكرة الخلود الادبي.
فأنا أريد ان يتم الاحتفاء بعملي وانا على قيد الحياة وان اشعر ان هناك من يهتم بعملي بالدرجة التي ترضيني.
وبالنسبة لي اظن هناك ثلاثة مستويات عندما أتعامل مع ما أكتب المستوى السياحي او المفهوم الغربي لأدب الرحلات كمشاهدات وهناك مستوى آخر يرتبط بفكرة الهوية الذي يطرح نفسه بقوة طوال الوقت.. سؤال أن تكون عربياً؟؟ فهل نحن عرب، لأننا نتكلم في هذا الفضاء الواسع المسمّى اللغة العربية؟
وايضاً هناك المستوى التاريخي وهو المستوى الاهم والتاريخ هنا بمعنى ما يروى عن المكان، وهو ما يفرض الكتابة عن المكان، فكلمة «يُروى عن» يأتي بعدها مكان أو شخص أو سرد عنك؟
أعتقد ان دخول السيرة الذاتية ليست شيئاً مقصوداً بقدر ما هو جزء من طريقتي في الكتابة، وليس محركاً لي للكتابة. ولم أسع حتى الآن الى التخلص منها.
الفكرة بالأساس هي بمنهج الصحافة نفسها. يوجد حدث ثقافي وأنا كصحافي ذاهب لتغطيته فتسافر وتشاهد وتتأثر وتتحدث مع أكبر عدد ممكن من الناس وتجمع مشاهداتك وأحاديثك وتكتب عن كل هذا. وحقق ذلك بالنسبة لي توازناً بعيداً عن المناخ الأدبي الذي كنت أراه قاتماً وسخيفاً. وكانت «أمكنة» بالنسبة لي تفتح طريقاً مبشراً للخروج من هذا السخف والقتامة.
بيروت ـ تونس
كيــف كانــت تجربــة الكتابــة عــن تونــس بعد «بيروت شي محل»؟
كتاب بيروت بالطبع كان أكثر انطلاقاً أو فطرية. «بورقيبة على مضض» كان يحمل خبرة عملية أكثر بهذا الشكل الكتابي. فعلى حد تعبير كل من ايمان مرسال وعلاء خالد أن كتاب تونس فيه تعمّد في الكتابة. وانا أظن ان قراءة الكتابين معا مهمة فهناك الكثير من خطوط التشابه والارتباط كما هو حاصل ايضاً من وجهة نظري بين بيروت وتونس على مستوى انتقال الفلسطينيين من بيروت الى تونس. وانتقال الفينيقيين من بيروت الى تونس. وانتقالي شخصياً بين المدينتين.
وقد استغرقت عملية كتابة «بورقيبة على مضض» وقتاً أطول حيث استعملت أساليب متعددة واستخدمت وسائل أكثر.
ومن ناحية أخرى لم تكن مادة تونس مثيرة مثل مادة و«كتابة بيروت شي محل» بيروت بالفعل حركت أشياء كثيرة بداخلي. تونس أيضاً وضعتني أمام أسئلة كثيرة متعلقة بالعروبة وباللغة وعلى مستوى التدين أيضاً فهناك في تونس تدين أكثر من مصر، ولكن الأقل هو مظاهر هذا التدين التي تغلب في مصر.
على الرغم من التشابه بين تاريخي مصر وتونس. فالتاريخ التونسي هو تاريخ مصغر لمصر باستثناء أن ناصر مات وبورقيبة تمّ عزله وهذا كان أمراً مثيراً. بالنسبة لي هذه المقارنة بين مشاريع ناصر وبورقيبة وأيها لا زال يعمل وأيها توقف عن العمل وعن إنتاج النتائج. لكن لبنان حالة أكثر عنفاً وتعقيداً. وكان لدي في رحلة بيروت هدف واضح وهو أن أفهم «الحرب الأهلية» بالتأكيد لم أفهمها ولكن هذا الهدف كان موجوداً وهو ما سهّل الكتابة، رحلة تونس جعلتني أكثر حيرة.
لكن سفرك لبيروت لم يكن هو الأول، فدراستك الجامعية كانت في إنكلترا… لماذا لم تكتب عن هذه الفترة؟
اعتقد ان الكتابة عن المكان مرتبطة بقرب المساحة الزمنية لرؤية المكان، لان الامر يتحول الى ذاكرة للمكان. وهنا تتحول الى كتابة ذكرياتك عن المكان… الأمر الذي يجعل الكتابة عن الذاكرة وليس عن المكان. ولكني لم أحاول ان أكتب من قبل عن فترة إقامتي بانكلترا وهو ما يلفت انتباهي هذه الأيام، ربما لأني لست مشغولا منذ البداية بالغرب. لكن العدد المقبل من «أمكنة» سيكون حول الجامعة وسأشترك به بمقال عن هذه الفترة وهذا سيكون أول كتابة عن هذه الفترة.
ما اقصده بالمساحة الزمنية هو الابتعاد الزمني عن زمن الرحلة فرحلتي إلى انكلترا كانت من 1995 الى 1998 مر تقريباً عشر سنين. وهو الامر الذي سيجعل كتابتي عنها مختلفة بالتأكيد عن كتابة رحلتي بيروت وتونس فالإقامة الطويلة في المكان تصنع شيئاً مختلفاً وتحتاج إلى صياغة مختلفة. فالنص الوحيد عندي الذي يحمل إقامة طويلة بالمكان هو نص الإمارات – في الكتاب الأخير وكتبته بعد إقامة ثلاثة أشهر – فاذا كتب نص بيروت بعد سنتين من الإقامة مثلاً فلن يحمل هذا الدرجة من الاحتفاء بالمكان وهذا البريق الذي يحمله المكان الجديد، بالتأكيد سيخرج كتابة أخرى، ولكنها مختلفة تماماً.
تحدثت عن «الهوية» فما الذي تقصده؟
منذ ان تولد وانت تحمل هاجس المكان الآخر، فأنت تعرف انك في الجزء الأقل من العالم فهناك بلاد أجمل وأحسن من مصر. وأعتقد أن الهدف الاهم الذي أسعى اليه هو ان تشعر بأنك ند لأي «آخر»، فلن تكون انساناً وانت تحمل احساساً بالدونية. وعقب احداث مباراة «أم درمان» بين مصر والجزائر برز هذا الإحساس بالدونية إلى السطح على سبيل المثال.
فموضوع الهوية ضاغط وحاضر عندي واعتقد انه سيكون موجوداً في أي كتابة عندي. ربما لو كنت انكليزياً او اميركياً لم اكن سأنشغل بمسألة الهوية هذه اظن ان هناك ظرفاً تاريخياً يجعل موضوع الهوية مطروحاً عليك طوال الوقت فأنت مواجه بانك في مزبلة العالم.
ومن ناحية أخرى خلال كتبي الثلاثة ثمة مصري يقارن نفسه كعربي بعربي آخر. وليس المصري بشكل عام في أي مكان. ويكتشف أننا لسنا متشابهين ولا نتكلم جميعاً اللغة نفسها. فالموضوع في احد مستوياته متعلق بدحض الشوفينية المصرية – الغريبة أحياناً – فثمة فكرة عند المصريين أنهم مفهومون في حين بقية اللهجات غير مفهومة. مع ان الواقعي ان بقية العرب لا يفهمون كل العامية المصرية بالضبط كما لا نفهم نحن المصريين كل العامية التونسية او اللبنانية. أجل ثمة حالة من التعايش مع العامية المصرية الشبيهة «بالتلفزيون»، ولكن في الحقيقة انت غير مفهوم بالشكل الذي تتصوره.
ولكن هذا الهاجس لم يتواجد في فترة الدراسة في انكلترا؟
أنا غير مشغول بالغرب على الإطلاق كموضوع كتابة. وهذا ما جعلتني رحلة بيروت وما تلاها اكتشفه. فتصور الحياة في العالم «الافضل» انكسر عندي مبكراً فلقد سافرت الى اوروبا وأنا في السابعة عشرة. فتفكك عندي هذا الوهم منذ البداية بالإضافة إلى عدم فضولي لمشاهدة اوروبا. بالنسبة لي أفضل الذهاب الى بورما او نامبيا أفضل من فينا بالنسبة لي. هذا السياق يثيرني أكثر وأجد أشياء كثيرة لأقولها مرتبطة بهذا السياق.
وبالتالي البحث الذي أجده أكثر فائدة بالنسبة لي وعلى المستوى الاجتماعي المعاصر هو البحث في معنى كونك عربياً أو مسلماً معاصراً.
الهوية بالايجاب وليس بالسلب ان ترى نفسك مساوياً للآخرين لست أقل ولست أعلى. ليس بالتغني بجمال الآخر او بمهاجمته بدون معنى. ان تتعاطى مع الشروط المعاصرة التي هي بالضرورة ناشئة نتيجة علاقاتك المتعددة المستويات بهذا الآخر. وان تنشغل بأسئلتك الخاصة وليس بمقارنات مع الآخرين.
هل لديك خطط جديدة للكتابة عن مدن أخرى؟
لا اريد التوقف عن المدن العربية، ولكن أشعر أني اكتفيت من الكتابة بهذا الشكل وتحديداً في نص أبو ظبي. لن أقدم فيه جديداً بعد ذلك. ستتحول بعد ذلك الى تكرار وتعمّد بدون أي إضافة لا يعــني ذلك اني سأتوقف عن الكتابة عن المدن، ولكن ليس بهذا الـــشكل ولا أعــرف أيضا بأي شكل.
وأشعر أن نصوص «شمال القاهرة غرب الفلبين» ربما لم تحمل الحالة نفسها التي كتب بها الكتابان السابقان فهي نصوص كتبت لأسباب مختلفة وبشروط مختلفة لكتبي السابقة. والغريب بالنسبة لي أن أكثر ما كتب كان عن الكتاب الأخير، ربما لانه جاء بعد تراكم جذب الانتباه إلى هذا الشكل الكتابي. الآن هناك عملية كتابة جديدة تحدث ولكن على مستوى خيالى في الرواية التي أعكف الآن على كتابتها تحت عنوان «الطغري»، وهي حكاية خيالية غير واقعية او غير عقلانية وتدور أيضاً داخل مدينة هي القاهرة. والفرق بينه وبين كتبي السابقة هو وجود حدوتة لا معقولة تتركب عليها الأحداث.
الانفجار الروائي
كنت تريد الخروج من فكرة التجنيس الأدبي، والآن تكتب رواية. ولكن ألم تفكر بعد «بيروت شي محل» كتابة رواية؟
لا لم أفكر.. وأكثر ما يسبب لي ألفة في كتابة «الطغري»، هو أنها ايضاً خارجة عن الرواية الكلاسيكية، ومرتبطة أكثر بالكتب التجمعية الشهيرة في التراث العربي مثل «المستطرف». بالتأكيد ليس بهذا الحجم ولكنها تحمل بشكل ما هذه الصفة «الموسوعية»، محاولة كم وضع كبير من المعلومات حول شخص في سياق أدبي ما. وأيضاً لها علاقة بطريقة كتابة التاريخ عند الجبرتي وأبن أياس. وهذا يشعرني بشكل ما بعلاقة مع هذا التراث العربي – الذي لم يكن يضم الرواية بالمناسبة – أكثر من علاقتي بالكثير مما يكتب تحت اسم الرواية العربية الجديدة.
تحدثت عن الانفجارالروائي والرواية الجديدة… كيف ترى هذه المقولات؟
أكثر ما يكتب على انه «رواية» قد خلقت بالتالي هذه الحالة من «الانفجار الروائي» الذي يتحدثون عنه منذ سنين لا تمتّ للجنس الروائي بصلة. ما أقصده أن الجنس الروائي في العالم له علاقة بالحكي واللاواقعية.
فالروية بشكل ما هي نتاج البرجوازية الاوروبية في القرن التاسع عشر والتي كانت تكتب في كتب كبيرة الحجم لطبقة معينة عن طبقة أخرى. في ظل عدم وجود وسائل تسلية أخرى مثل التلفزيون. الا استثناءات يكون فيها الكاتب مخبولاً مثل ديستويفسكي على سبيل المثال.
فلكي تخلق علاقة بهذا الجنس الأدبي بالتأكيد ان تحتاج الى هو اكثر واعمق من أن تكتب قصة قصيرة طويلة بعض الشيء ثم تضع على غلافها كلمة رواية. او ان تكتب سيرتك الذاتية او اعترافاتك وتضع عليها رواية أيضاً.
انا مع تسمية كتابة مثل «عزازيل» او «عمارة يعقوبيان» رواية بغض النظر عن رأيك في هذه الكتابة. ولكن كتاب علاء خالد الأخير على سبيل المثال وهو كتاب جميل وأمتعني كثيراً ولكنه ليس رواية.
ولا يوجد أي مجهود حقيقي نقدي أو غير نقدي في تعريف ما هي «الرواية العربية» على الإطلاق، لو لدينا خطاب نقدي مسؤول لوجه اهتمامه لحركة الشعر في التسعينيات.
الانفجار لم يكن روائياً ولكن في كتابات أطلق عليها روايات، والرواية مجرد شكل من اشكال النشر. مع وجود حقيقة عالمية تؤكد ان الرواية تحقق حالة من المتابعة والاكتفاء والتشبع بالنسبة للقارئ، ولذلك مبيعات الرواية في العالم كله أكثر من الشعر او القصة القصيرة.
والنقد الغائب…
جزء من كوني ضد فكرة تسامي النص الأدبي على بقية ايضاً كوني لست مشغولا بالبكاء على النقد فلديّ الكثير من المصائب ولا احب الكتابة الاكاديمية بشكل عام. واعتقد ان النقاد لدينا الذين يملتكون ادوات نقدية تمكنهم من ممارسة هذا الفعل توقفت أذهانهم عند الستينيات.
ولا توجد متابعة تفاعلية حقيقة لما يكتب. فجزء من النقد ومن القراءة الحقيقية ان تتـفاعل مع ما تقرأ، وهذا لا يحدث.
لكن لماذا لا يفرز كل جيل نقاده كما يخرج مبدعينه؟
يمكن تفسير ذلك باسباب أكثر ابرزها ان النظام التعليمي السائد في مصر لا يساعد على خلق هذه العقلية النقدية. في النهاية المبدع قادر على ان يعلم نفسه. اعتقد النقد يحتاج بشكل ما او بآخر الى منهجية معينة بعيداً عن استقرارك على هذه المنهجية ام لا ولكن بالأساس يجب أن توجد هذه الآلية. هذا يعني بشكل آخر نظاماً تعليمياً وهذا ما اعرف انه يجري في جامعات أوروبية واميركية حيث ينتجون نقداً وليس مجرد متابعات.
الى جانب سؤال آخر هو كم الكتابات الموجود حالياً من اجل من ومن يقرأها؟؟ وهو سؤال له مستويات كثيرة ولكن يبقى المستوى الأهم هو مستوى العلاقة مع المجتمع بمفهومه الواسع فأنت في النهاية ومع كل هذا الضجيج أشبه بمن يطبع منشورات سرية

Reblog this post [with Zemanta]

بلدان غير مرئية

“شمال القاهرة غرب الفيليبين” ليوسف رخا

شــتـــات الـــروح فــي بــلـــــدان غــيـــر مــرئــيـــة

abudhabii1.jpg

يخوض يوسف رخا، بلغته ذات الجمال المتوتر المربك، تجربة ثالثة في كتابة الرحلة، ينطوي عليها كتابه الجديد “شمال القاهرة غرب الفيليبين”، الصادر عن “دار رياض الريس للنشر” ضمن سلسلة “الكوكب”. وفي حين كان قد خصص كتابا لكل من رحلتين سابقتين؛ إحداهما لبيروت (بيروت شي محل)، والأخرى لتونس (بورقيبة على مضض)، فإنه في كتابه الجديد يعرج على ثلاثة منعطفات، في بلدان ثلاثة هي المغرب ولبنان والإمارات.

الكتاب لا يبدو كتاب رحلة بالمعنى المتعارف عليه. هو بالأحرى سيرة ذاتية عبر الرحلة، تأمل الذات في مرايا الآخرين، وتمارين على اللغة، كيف تصبح متوترة. توترها ليس غاية في ذاته، بل هو انعكاس لحالة الذات، في محاولتها التعبير عن الروح، وليس النفس. ولأن الروح مما لا يمكن أن يعبّر عنه بسهولة، تأخذ لغة يوسف المتوترة في الكتاب مستويات عدة بين الغموض، والاقتضاب، والكشف الذي يصل حد التعري، والتكثيف الذي يرفع ملاءة اللغة إلى عنان السماء قبل ان تهبط، كأنها سحر، بدلالات محددة بجلاء.

يمكن تقسيم رحلات هذا الكتاب ثلاث حالات لرؤية الذات، الأولى في اختبار علاقة الزواج التي بدأت في المغرب عبر رحلة شهر عسل، امتدت ما بين الدار البيضاء وفاس إلى مراكش وطنجة، أما الثانية فهي تأمل علاقة عاطفية حسية غامضة يرتبط فيها البلد، لبنان، بكل الأسئلة الناجمة عن تعقيد تركيبته السياسية والاجتماعية. أما الحالة الثالثة فتجسدها رحلة الإمارات، وهي حال الوحدة والوحشة ربما، والأسئلة التي تتولد من مجتمع جديد لعيني يوسف رخا، تجتمع فيه الجنسيات من ارجاء العالم، فتتفاقم عزلته.

في المغرب، تبدو لغة النص متوترة، لكنها تنجح في نقل حس ضمني بالمرارة حينا، وبالألم والشجن مرات، ثم تنقلنا في مستوى آخر بين الواقع المضبب إلى مستوى الأحلام، وبحيث يختلط على القارئ موقع الحلم من تفاصيل الواقع. لكن الحلم يكتسب من الواقعية ما يرسخه، ويتحول الواقع، بغتة، لوناً من السحر. في مواقع أخرى، قد تنتقل اللغة، بتشظيها وقلقها، بين مكانين، هما المغرب والقاهرة، في مكتب مضجر في “الأهرام”. لكن المكان، بتفاصيله، لا يعني الكاتب في شيء، فهو ليس سوى ما تمرح فيه الروح بين الأمل والضجر والتأسي.

ثمة باعة حشيشة في الدروب، ووجوه أطفال مرحة في الطرق، وباحثات عابرات عن المتعة. ثمة وجوه واجمة في محطة القطار، وصوت ام كلثوم في الدار البيضاء، وبحث عن طيف شكري في سوق طنجة الداخلي، واستدعاء لدار غالية التي تصبح في وعي الكاتب كأنها بيت الزوجية، يقارنها لاحقا ببيت الزوجية الحقيقي في القاهرة. وثمة وجوه ومفردات بلسان أهل المغرب، يلتقطها يوسف رخا من هنا وهناك ويطلقها في كتابه كشظايا لا يربطها رابط، كأنها صدى متكرر لهواجس الكاتب ومخاوفه، عن الماضي واحتمالات تكراره.

الكتابة متشظية، تتداعى وفقا لما تستدعيه الروح من أحاسيس، وليس وفق منطق العقل الذي يتذكر رحلة. يتمكن يوسف رخا من هذا المنطق الجديد في الكتابة، والذي يبلغ ذروته في اللغة الجميلة التي يبتكرها في روايته الجديدة “كتاب الطغرا” التي نشر منها مقاطع متفرقة في دوريات عدة، واظن أن هذه إحدى أهم نتائج هذا الكتاب.

ملاحظات عابرة عن لغة المغاربة، وما يستغربه صاحب لهجة مصرية من مرادفات المغاربة في الحديث وفي العلامات، وعن معنى وجود النباتات في البيوت، لمن تربّى في بيت مديني للطبقة الوسطى في قلب القاهرة.

ما بدأ في المغرب، يؤدي بشكل ما إلى الإمارات، التي تبدو زيارة الكاتب لها نوعا من الهرب من مرارة لا نحتاج الى الكثير من البراعة لاكتشافها في نص المغرب، ومن اليأس المهني في القاهرة. لكن الهرب بدلا من ان يولّد الراحة المبتغاة، على الأقل من وطأة الذاكرة، فإنه يشعلها بالمقارنات التي تفرضها حالة المجتمع الإماراتي.

نص الإمارات يفتح اسئلة عديدة عن معنى الوطن والمواطنة في كل من مصر والإمارات، وأخرى عن الثقافة، المسلّعة المجلوبة المستوردة، مقارنةً بغيرها مما يثير الضجر.

في الأساس تتسع اسئلة المكان – الوطن، عبر ظلال المكان ذاته واهله، الذين يظهرون على استحياء، وعبر المقيمين الذين يشكلون نسيجا متنافرا، وعبر الذاكرة التي تستدعي المكان الاساس، كأن مصيرنا (وقد اشار الكاتب إليّ في أحد المواضع)، هو ذلك القلق المستمر بين اماكن إما أنها لا تعبأ بنا وتضجرنا تناقضاتها على الرغم من كونها أوطانا، وإما تلك التي تعاملنا بصفتنا أغرابا.

لكن توتر اللغة المبني على توتر الروح في ظني، كثيرا ما أدى إلى إطلاق احكام لا يطلقها سوى العابرين، أو الضجرين، أي أنها تبدو انفعالية اكثر من كونها مراقبة واقعية للمكان في سياقه هو، وتاريخه هو، وظروفه.

الرحلة في ما أظن، تقتضي من العابر أن يخضع لشرط التكيف واعتبار نفسه من المكان حتى يتمكن من رؤيته، وإلا مرّ عابرا، ولا أريد ان اقول أعمى.

لا أظن أن يوسف رخا كان مكترثا لذلك، فهو من بداية النص يذكّرني بجزء مما كان يردده ستلمان، أحد أبطال رواية “مدينة الزجاج” لبول اوستر مع المخبر السري كوين: “لقد تشظى العالم يا سيدي. لم نفقد شعورنا بالهدف فحسب، وإنما فقدنا اللغة التي يمكننا بها الحديث عنه. وتلك بلا شك موضوعات روحية، ولكن لها ما يناظرها في العالم المادي”.

في موقع آخر بين البطلين الغريبي الأطوار، سيعود سيتلمان الى القول: “إن كلماتنا لم تعد تطابق العالم. فعندما كانت الأشياء كلا واحدا كنا نشعر بالثقة في ان كلماتنا ستعبّر عنها، ولكن شيئا فشيئا تحطمت هذه الأشياء، تمزقت، انهارت، تحولت فوضى، ومع ذلك ظلّت كلماتنا على حالها، ولم تؤقلم ذاتها مع الواقع الجديد”.

هكذا يبدو لي نص يوسف رخا، في محاولته التعبير عن اضطراب العالم وانعكاسه على مخاوفنا ونوازعنا وقلق أفكارنا، الى الدرجة التي تبدو معها الكلمات كأنها تشويه ما يتم طرحه، وتحويله ركاماً مضطرباً.

هذا بالضبط ما وجدتني أهتف به لنفسي كوصف لنص يوسف رخا في هذا الكتاب عن بيروت. لقد أربكه وضع المكان بحيث انه لم يعد هناك جدوى لأي كلمات لها معنى واضح ومستقر ان تعبّر عنه. تماما كما تبدو قصة الحب العابرة التي يعبّر عنها النص.

هل يضيف يوسف رخا جديدا إلى كتابة الرحلة أو عن البلدان الثلاثة موضوع الكتاب؟ بالتأكيد لا. لكنه في المقابل يقدم نصا فنيا تجريبيا مهمّا على تخوم الرحلة وفي قلب موضوع فقه اللغة في تعبيرها عن شتات الارواح.

إبراهيم فرغلي

safe_image.gif