أحمد الفخراني وزمن البورن الجميل

ملك العالم يقابل كاي باركر: فيلم بورنو طويل، قصة أحمد الفخراني

wpid-jk_snapseed-2013-04-24-06-03.jpg

كاي باركر: زمن البورن الجميل

.

من يملك القبو يملك العالم.

قالت العرافة العبارة بجلال، وهى تئن فوق قضيب سمير الحكيم.

أما سمير الحكيم، فلم يحتاج إلى الكثير من التفكير ليقول: والقبو ملكى… إذن أنا أملك العالم.

رفصها، ثم رفع السوستة وغادر قبل أن يمنح العرافة الفرصة لأن تضيف عبارة أخرى، فعبارات العرافين والحكماء المكثفة والشاعرية كما يرى سمير ليست سوى كلمات ملتبسة لا تغني ولا تسمن من جوع، هدفها أن تقال بجلال دون أن تتورط فى الخير أو الشر.

ركب بساطه السحرى، عربة بيجو من موقف عبود، ليعود إلى قبوه فى طوخ، حتى يفكر كيف يستغل تركته وثراءه الفاحش: امتلاك العالم.

فى مقعده بجوار شخص له رائحة نتنة، واتته خاطرة جديرة بأن تتحول لخطة: أن يعيد تشكيل العالم.

Continue reading

الرسالة الغزاوية: مشاهدات الثورجي اليائس في ربوع القطاع البائس

؏

قال العائد من “احتفالية فلسطين للأدب” في العاشر من مايو سنة ٢٠١٢: الحمد لله على ما بقي في الأرض من علمانية، والصلاة والسلام على قائد الثورة المحمدية. وبعد. وصلني كتابك من بيروت إلى شاطئ غزة على شاشة الآي-فون فقلتُ في بالي مثلما يقول الناس هناك “إيش الدعوة”، وقرَرْتُ لأن ذِكري عندك لم ينقطع رغم طول الصمت وغول المسافة السياسية. ثم لم ألبث أن نَبهت إلى دعوتك فشكرتها لك وقدّرتها فيك. وما كدتُ أحل بجوار السيد أحمد البدوي حتى شرعت في الاستجابة.

يُحكى – حيّاك الله – إن ملتحياً في مدينة غزة أوقف سيارة أجرة يطلب الذهاب إلى “مركز حطين في تل الإسلام”، فما كان من السائق إلا أن تركه وغادر صارخاً: “طيب، خلِّ صلاح الدين الأيوبي يوصلك!” ذلك أن الأسماء، وأنت أعلم مني بأهوائها، لا تتغير بمرسوم أمني وإن أراد لها ذلك أصحاب السلطان. فالراكب كما يدرك السائق يقصد “مركز الأمن الوقائي في تل الهوى”؛ وقد بات أحد معاني المقاومة في ربوع القطاع، منذ تغيير الأسماء، رفض الاعتراف بالأسماء الجديدة: هذا الملتحي إما أن يسمي المكانين باسميهما أو يظل واقفاً في الشمس. وعليه – أثناء لقاء وفدنا بممثلي اتحاد نقابات العمال – لعل ذلك القيادي العمالي كان ينوّه إلى الالتباس الكامن في كل لفظة لما قال، في معرض خطابه إلينا: “ما يسمى بالتطبيع مع ما يسمى بإسرائيل”. (أما أنا فأقول إن استبدال الهوى بالإسلام قلة أدب بغض النظر، وهو من مجمل الجاهلية الإخوانية المتحققة هنا مثلما لم تتحقق في أي مكان بتدقيقه.) فاعلم حياك الله أنّ “بالفيست” الذي أتاح لي غزة للمرة الأولى في عمري إنما عَبَر ما يسمى بالحدود ليكسر ما يسمى بالحصار. وعلى رغم أن السجن قائم ولا إنساني ومن شأن فتحه أن يفيد شمال سيناء ربما أكثر من فلسطين، تبدو الجعجعة المناهضة للحصار الإسرائيلي المصري، في ضوء ما تضربه حماس على أذهان وأجساد من خالطتُهم في غزة، محض سفالة.

wpid-untitled-1-2012-05-17-23-57.jpg

واستطرد ينفث دخانه في رشفة إسبريسو ثم تنهد، قال: في تلك الندفة المحاط رسمها براً وبحراً بالموت المحقق على يد دولة الشرج اليهودي المستَنفَر – حاشاك – صاحبتُ شابّين: النحيل، والأقرع. ولم أفهم إلا على هدى من حديثهما إحساساً راودني منذ حللتُ في الخامس من مايو بأن مناهضة الحصار تشبه الحصار نفسه حد التطابق، أو أن لمساجين غزة – فضلاً عن الأسيجة الأجنبية – سجانين منهم يسهرون على عزلهم ووحدتهم. هكذا يصبح الصمود حجة لقهر الراغبين في الحياة – أسعد الله أيامك – وهو ما باتت السلطة الفتحاوية تباركه طبقاً لما سماه ربيب الوفد عمرو عزت “اتفاقية تبادل قمع”. فاعلم أنّ “حركة المقاومة الإسلامية” وقد تحكمت في الفلسطينيين نتيجة نفاد صبرهم على فساد فتح باتت تقاوم فلسطين. حتى بدا لي، غفر الله لي ولك، أنني داخل حدود دولة شرج الإسلام. وهل من حركة إسلامية لمقاومة فلسطين؟ لعله بيزنيس حصار لمزيد من الأكل والعبادة؛ أما الدليل فهو أنفاق تهريب بين شقي رفح لا يمكن عبورها بلا تصاريح رسمية أو تمرير بضائع منها بلا جمارك.

ومما علمت في معية طالبات مسلمات سافرات شاهدتهن يناطحن أساتذتهن البيضان بوقاحة رائعة ولا يرعوين عن الصراخ في حاملي الكلاشنكوف “ما بنخافِش منكم”: من كثرة ما ضبط القادة الحمساويون عملاء لفتح وإسرائيل بين صفوفهم – الأمر الذي كان يؤدي إلى اختفاء الكادرات موتاً في “عمليات جهادية” لم تحدث – أصبح كلٌ متهماً بالعمالة. أصبح على كلٍ أدلة مخابراتية تدعمها وثائق بالصوت والصورة عادة ما تُلتقط أثناء الإقامات الصيفية في مصر. فإذا بدولة الإسلام هي الدولة البوليسية، خَلَص؛ كل ما هناك أنها بلا دولة تُذكر. إيش الدعوة… وكم شعرتُ بضآلتي وكم فرحت في حضرة هؤلاء البنات. وكم كانت فرحتي بهن مؤلمة، ألماً يقطع شرق المتوسط كله من الإسكندرية إلى طرطوس مروراً بهذه الأمواج.

كان النحيل حمساوياً في مراهقته، ثم تحول انتماؤه الفكري باتجاه فتح؛ أما الأقرع فهو أكبر سناً، وقد دفعه التفاني الاستشهادي في الشتات إلى جماعة الإخوان المسلمين ومنها إلى القاعدة قبل أن يستوي نضاله – ذلك الذي يصفه بكلمات من قبيل “مجرد إني هان، مجرد إني بأضحك” – إثر الاستقرار في غزة، حيث عزف عن الفصائل لينظم الاحتجاجات الشبابية عبر الإنترنت. فاعلم حفظ الله نضالك أن ثورة قامت في مارس ٢٠١١ كان شعارها “الشعب يريد إنهاء الانقسام”، وأن حماس استعانت على قمعها ببلطجية أو شبيحة لا يفرّقهم عن ما عندنا سوى أنهم، كراكب الأجرة سالف الذكر، ملتحون. ولا نأمة من جهتهم تشكّك في الملصقات الوهابية عبر دلتا النيل: “أختي بالله عليك اقطعي علاقتك الحرام مع زميلك في الجامعة نصرة لإخواننا في غزة.” لقد هداني نقار الشابين، من قبل أن أرى الأمن يمارس بذاءته على وفدنا وجمهوره في المساء الأخير، إلى أن الاستبداد قائم بغض النظر عن التوجهات السياسية. إنه قائم – كما استفاض الأقرع في الوصف ضاحكاً – ضرباً بالعصي وكعوب البنادق فضلاً عن الرمي بالرصاص، واندساساً في التجمعات الطلابية، ومصادرةً للأجهزة الإلكترونية، واعتقالاً جزافياً، واحتجازاً بلا محاكمة للتعذيب وفرض توقيع الاعترافات والإقرارات، وتشهيراً بين الأهل والجيران، ومنعاً من النشر على المواقع الإلكترونية، و(مثلما حدث معنا في دار الباشا يوم التاسع من مايو بلا إنذار) فضاً للحفلات والندوات مهما خلت من السياسة ومهما جانبها المجون. إنه يحدث لا للأسباب السياسية وحدها وإنما كذلك للاختلاط بين الجنسين، والإبداع الأدبي والفني، والاتصال بالأجانب أو العرب أو حتى الفلسطينيين من خارج غزة… فهم – كما قيل لي مرة بعد مرة: الحمساويون “هم” – بصدد بناء المجتمع الفاضل. وفي المجتمع الفاضل لا تكمل جملتين حتى يغمز لك محدثك أن انتبه هناك من يتصنت علينا، ألا لعنة الله على المتخلفين!

حكى لي النحيل إنه التحق بفتح من خلال أصدقائه في الجامعة في أعقاب “انقلاب الـ ٢٠٠٧”، وأشار ونحن سائران إلى وفرة البضائع الغالية في محيط “الرمال” حيث نصب الجندي المجهول – محل تجمهر التظاهرات المسبوقة دائماً بفرشة من مباحث الأمن الداخلي والمتبوعة بالاعتقال: ميدان تحرير صغير، العوض بسلامتك – ثم أردف بنبرة محايدة: “هاد الحصار.” (تحضرني في هذا الصدد حكاية سوداني زار غزة في وفد تضامني فلما ولج السوبرماركت صاح: “اللهم ارزق السودان بحصار مثل حصار غزة!”) بطول المدينة، تنتصب لافتات تحمل وجوه الشهداء في صفوف ولا تذكر ملابسات استشهادهم. أومأ صاحبي إلى إحدى تلك اللافتات أمام مقر أمني أزرق، وحدّد ترتيب الوجه المعني ليخبرني إن صاحبه صفعه بعدما جره إلى الحبس لأنه رآه في العلن مع فتاة؛ وأضاف إن صديقاً له وزّع الحلو احتفالاً بموت صاحب الوجه نفسه. كنا نقترب من ذلك الخط اللامرئي حيث تتاخم الصحراء المياه. وكنت كأنما أعرف ما سوف يحصل في الغد (ويصيبني قبحه بذعر لحظي رغم ذلك) من اقتحام الأمسية الختامية للاحتفالية من جانب جلف مصمت الوجه يهدد الحضور قائلاً إنهم غير مسموح لهم بالتصوير بلا سلام ولا استئذان ثم – بعدما يصورنا هو، من جانبه – يهدد بإخلاء المكان بالقوة إذا لم نغادر. كأنما كنت أعرف ونحن نقترب من البحر. وأفكر إن نصرة إخواننا في غزة أن نكون معهم بأجسادنا في دار الباشا، وأن نختلط بهم رجالاً ونساءً، وأن نصل كل علاقات العشق المحتملة ولا نقطعها تأكيداً على رغبتنا في أن يعيشوا.

جعلنا الله وأهل غزة من أصحاب القلوب لا الحناجر، وهيأ لنا في الثورة العربية مسالك مترقرقة كشاطئهم نركب عليها بحار نعمته، وعصمنا من قتل الروح قبل قتل الجسد. وجنبنا التجارة بالدين. إنه هو فاطر الغرام والثورة، ليس أرحم منه.

ثم ختم كتابه بكلام في كسر الحصار عنونه “دعاء الرجوع من غزة”، قال: لمس أكتاف. والانتظار في القاعات. لا علاقة له بالقضية. والحنجرة بالتوازي. الحنجرة أعلى فأعلى. والحصار كالجنزير الذي تحزّم به وسطك لترقص. وطائراتٌ تُسمع ولا تُرى فوق رأسك. وتهتز في إثرها الصورة على التليفزيون. والحصار بضاعة مهربة من خلف حاجز. ولا أحد يعرف كيف تدخل. السيارات الفارهة. والحصار بالآي-فون. ووفد المتضامنين في البقعة المنكوبة. ومن يصوّر بجواله يتحمل المسئولية. لدينا أدلتنا على نشاطك. أن توقّع إقراراً لتذهب. والكهرباء التي لا تأتي. ومن يَشْكُ يروّجْ شائعات. التهمة نشر العلمانية. أن تشبح الشخص يعني: تعلّقه من رجليه. وتحريف القرآن. والترحاب الرسمي. صفوف المسئولين على أبواب المكاتب. الانتصار على أمريكا خمس مرات في اليوم. وقبل الأكل في الصباح الباكر. أزمة الوقود. ووفد المتضامنين في البقعة المنكوبة. إذا قالت حماس فصدقوها. أن تترك من اعتقلتَهم في الحبس حين تُقصَف. حتى الفدائيون يجرون من كعوب البندقيات. ولا لشيء سوى الكهرباء في بيوتهم. فإن الصدق ما قالت حماس. والضرب حتى الإغماء. الضرب رغم الصلات العائلية. والرصاص الحي. الحروف العبرية على الملصقات. والشيقل بالقاف. وانتظار القوافل. والصمود ملتحون بالعصي. والمخبران اللذان لا يفارقانك. والبحر. الحنجرة من أسفل إلى أعلى. والأنفاق التي تحولت إلى موانئ. والجمارك الضرورية لعبورها. أن تُعتقل لأسباب أخلاقية. وتكسير أطراف الشباب على سبيل المقاومة. وبكاء البنات حين يُفضّ الحفل عنوة. والكلاشنكوف على البوابة. ثلاث سيارات شرطة في الزقاق. البحر نفسه. نفس البحر. وفرحة اللقاء في القاعات. ولسعة الشطة في الطعام الطيب. ولمس أكتاف مع عرق العصاري. المصافحة بلا حساب.

؎

ثمانية عشر

١٨

مرة أخرى أنوي الكتابة قبل الحدث فيأتي الحدث قبل الكتابة. لقد ابتعدتُ عنوة عن مواقع الكرامة والإثم، عن الاعتصام والمسيرة وعن أماكن التظاهر، حيث القمع الرسمي وأدواته غير الرسمية سواء أمِن المشتغلين في إمرة الضباط لقاء أجر أو المتطوعين تعلقاً بفكرة عن الوطن (كأكثر الأفكار العربية المعاصرة بما في ذلك “الإسلامي” منها) قادرة على إلغاء المواطن. ابتعدتُ عنوة عن دم القتيل الذي يُسمّى شهيداً، وعن الأسفلت الذي يصبغه هذا الدم. بنزق تنكّرتُ لبهجتي الأولي ونحيّتُ الأحداث لأبقيها حيث يجب أن تكون: في خلفية الغرفة التي نسميها حياتنا. كففتُ عن انتظار الأفضل بنفاد صبر ورغبة حارقة في أن أتغير – أنا – أو أفهم، على الأقل أن أفهم. لو كان العالم حقاً تغير كما اقتنعنا أو أقنعنا تطابق خيالنا لحظياً – وفجأة – مع وقائع لم نصدق من قبل أن حدوثها ممكن، فالمعنى الوحيد الوارد لتغير العالم هو أن أحس نفسي شخصاً جديداً. وبهذا المعنى – رغم تهمة التشاؤم التي لا يفتأ الرفاق يوجهونها إلي، رغم كل المصائب التي عايشتها في محيطها أو عبر وسائل الاتصال، ورغم أن رموز الثورة من “النشطاء” أنفسهم لا يبدو أنهم خرجوا من التجربة بنظرة مختلفة إلى الحياة – أظن الثورة نجحت في تغيير العالم.

wpid-img_2507-2012-05-2-09-33.jpg

© Youssef Rakha

أما الدليل إذا ذكرتُ الفهم صارت الصورة أوضح بالفعل، وصرت على استعداد أكبر لأن أصفها بأمانة… إنني، باستثناءات كأنها لم تحدث، لي عام أو أكثر لا “أنزل” مع “النازلين”؛ الأمر الذي لا يعبّر عن اليأس بقدر ما يضمر عزوفاً مقصوداً (حتى وإن كان في بداياته لاواعياً) عن الثورة كلحظة مصمتة، معزولة في قداستها، معادية للحياة؛ في مقابل الإقبال على الثورة كسبيل لممارسة أقل تأزماً للحياة نفسها بكل تفاهتها اليومية. إنه عزوف يحدوه السعي إلى اختبار ذلك الذي سميناه الثورة على مداه، بلا تدخل شخصي في مجرياته بعد لحظة خرق التوقعات التي أدت إلى سقوط مبارك – النجاح الأول و(إلى الآن) الأخير – يوم غرق ميدان التحرير في دموع الفرحة بينما كان كفار الثورة المعادون لنا طوال ثمانية عشر يوماً يخرجون صاخبين في أول إعلان رسمي عن إيمانهم، محتفين بما حققناه نحن آباء المؤمنين… بعبارة أخرى، أنا واحد من الناس لي عام أتفرج.

لكن على نقيض ما يعتقده أكثر الثوار بناء على كلامهم، أظن فرجتي هذه أهم من مواصلة النشاط الاحتجاجي في حد ذاتها؛ فبينما ذلك النشاط هو تكرار جماعي وقسري لشكل الثورة من أجل تأكيد استمرارها – ذلك الاستمرار الذي صَمّت آذاننا الدعوة إليه دون أن يتوقف الداعون لحظة ليسألونا أو أنفسهم عن معناه – الفرجة هي سؤال فردي وحر عن مضمون الثورة. لأن في الفرجة وحدها (وبكل نزقها ولا أخلاقيتها) احتمال النظر إلى الثورة وقد تجاوزت لحظة الخرق الأولى أو الموت: فورة التوهج والتوحد والذوبان التي نَحنّ إليها جميعاً. فهل انتبه الثوار أم ليس بعد إلى أن الوقت قد حان ليتحول خوفهم على الثورة من أن يسرقها “فلول” باتوا يشبهونهم حد التطابق إلى خوف على البلد من فقدان آخر الرتوش الخابية التي مكّنته، طوال ثلاثين أو ستين عاماً، من تمثيل دور دولة؟ هل لازالوا يظنون الخوف على البلد – كما ظنوه وأنا معهم قبل ثمانية عشر شهراً – هو الخيال العاجز لأمة مفطورة على تحجر الأشكال وتحلل المضامين؟

***

أم أنهم – هم: الثوار، وقد برزت إلى السطح حدود مثاليتهم ونوازع “الاسترجال” والاستبداد والانتقام (الذكورية والأحادية والعين بالعين) في منظومتهم القيمية… ثم افتقارهم هم إلى أي خيال يتجاوز الاعتصام والمسيرة وأماكن التظاهر – أم أن الثوار يتحولون إلى أوعية حجرية جديدة لا تحمل سوى شعارات ممجوجة ومعزولة عن واقع الناس سيكون على أجيال أخرى، وأخرى خوض معارك “ثقافية” لا نهاية لها لمحو أثرها عن العقول والممارسات؟ فلا شك أن انتصار الثورة كان هو الآخر شكلياً. بكل ما فيه من موت أو استشهاد لم يكن انتصارنا في الثورة – على الصعيد السياسي أو الاجتماعي – سوى حجة سفيهة لتمكين “التيار الإسلامي”.

لماذا؟

(هذا هو المهم.)

لأن ثورتنا كما صنعناها أو كما كنا نفهمها لم تعبر عن قيم ولا إمكانات ولا حتى رغبات أي شيء يمكننا أن نسميه شعبنا أو وطننا، فيما أثبتته ثمانية عشر شهراً الآن…

وبالفعل، كما أصبح خطاب الثوار متمحوراً كله حول الموت في الشوارع من أجل الحق والشعب والوطن في وقت خاصمهم فيه القطاع الغالب من الناس بحدة غير مسبوقة، موالياً الطائفية الدينية في أقذر تجلياتها وباحثاً عن الثبات واليقين – الحق – في كذب وقوة العصابة المسلحة (الطغمة العسكرية) نفسها التي تقمعهم وتسمح عبر الصفقات “السياسية” المعتادة بحضور تلك الطائفية على مسرح الأحداث، العصابة المسلحة التي لم يبق من أمارات “مؤسسية الدولة” سواها… أصبحت الثورة – مثل “النظام” من قبلها – شكلاً متحجراً ينطوي على مضمون سائل كالكحول الآخذة في التبخر.

وكان من شأن ذلك أن يضمحل “الواقع الثوري” ويُختزل في نشاط احتجاجي ما أجمل أن ينتهي بالموت ذبحاً كخرفان الضحية على يد “مدنيين” يحملون السيوف على قارعة الطريق. سنصور هؤلاء “الخونة” في خلسة من رصاص “جيشنا الباسل” لننشر صورهم على الإنترنت، بالطبع، ونطالب “شرفاء هذا الوطن” بملاحقتهم… ليثبت لنا الشرفاء مرة بعد مرة أنهم إما راضون عن ما فعلوا أو غير معنيين بما يكفي ليغامروا بحياتهم في غياب مجريات العدالة المؤسسية؛ وهل بيننا حقاً من يلومهم؟

كان الواقع الثورى ينعزل عن واقع “الفترة الانتقالية” أو “التحول الديمقراطي” السائد كذلك عن طريق الذوبان في ذلك الأخير. وكأن الثورة التي هي ثورة ليست سوى أحد الآراء “الوطنية” المطروحة التي لا “تختلف على الثوابت” ولا يُقبِل عليها الشعب – للأسف – نتيجة وعيه السياسي القاصر أو نتيجة أنه متدين وهناك من يتاجرون بالدين. أما الحقيقة البسيطة فهي أن الشعب لم يعش أي ثورة: لم تحدث للشعب ثورة، دعك من أن “يعملها” بيديه. ومع ذلك فنحن كثوار ورغم توجهاتنا الشعبوية ورغم الفاشستية السفيهة التي تستتبعها هذه التوجهات بل ورغم مثاليتنا الغبية… نحن “سياسيون” نؤمن بالديمقراطية، أليس كذلك؟

ومن ثم فالثورة لا تقاطع الانتخابات البرلمانية المقامة تحت الحكم العسكري بالتزامن مع تصفية الثوار في شارع محمد محمود، ولا يُطرح حق الدفاع (المسلح) عن النفس كوسيلة لـ”استكمالها” إلا بوصفه كسراً مذموماً لـ”سلمية” تُعد (إذا ما وُضعت حتمية الممارسات القمعية التي يباركها القطاع الغالب في الاعتبار) تصريحاً لـ”رجالة” و”جدعان” الثورة بالانتحار الممنهج؛ وبلا أي مردود لموتهم وفجيعة أهاليهم سوى المزيد من “الانتقال” والتأسلم، أو بضعة جنيهات يصرفها “المشير” تعويضاً مثل رب يمن على رعاياه… حتى حين لا يكون الدافع على الاعتصام إلا نقض القانون الذي قبلته الأغلبية الساحقة من أجل مرشح سياسي محتمل يرى فيه قطاع من الناس ليس فقط الزعيم (الطاغية) وإنما المسيح المخلص… وحتى حين يكون هذا الشخص السمين الجاهل، كما ثبت، كذاباً وجباناً. الآن صار الثوار يمثل بحثثهم في الشوارع من أجل حازم أبو إسماعيل.

***

إن ما حدث في محيط وزارة الدفاع اليوم (٢ مايو) إنما يبلور المسافة التي طالما حدستُ بوجودها بين واقع اعتصام الثمانية عشر يوماً في التحرير وواقع الحياة المحيطة به. كان الخطأ الأكبر أننا نسينا، خلال أيام الاعتصام؛ نسينا الدنيا التي نعرفها ومضينا في نسياننا حتى تصورنا أن الدنيا الجديدة التي خلقناها في “الميدان” (وبالفعل ما كان لنا أن نخلقها على الأرجح – للمفارقة – بغير حماية الجيش) إنما هي دنيا سيمكننا تعميمها وتقنينها خلال شهور أو سنين من تحقق “مطلبنا”. وفي بلد سبق أعضاء طبقتها العاملة ضباط الجيش إلى التبول على المعتصمين من فوق الكباري جراء استيائهم من تعطل “الحياة” – في بلد كان يُكلّف المجند فيها بالعمل خادماً لضابط الشرطة قبل أن يُكلّف بالتنكر لنحر المواطنين – ظننا أن اعتصام التحرير يمثل الشعب المصري أو أننا كـ”طليعة” قادرة على الفعل والتضحية سننشر الوعي الجديد بطرح نموذج جذاب ومتحضر وسلمي لقلب نظام الحكم، أو إسقاطه.

هناك واقع أقوى من واقع الثورة (كما كان هناك دائماً)، وهو واقع تحركه اللاعقلانية ولا خلاف فيه على منظومة الأخلاق المحافظة نفسها القائمة على الأحادية والطاعة والثبات؛ والتي جعلت خرتيتاً مثل مبارك هو “الأب الشرعي” لأكثر من ثمانين مليون معظمهم يعيشون خارج التاريخ. إنه الواقع القادر على نقض القوانين فعلياً بالتعامل كما لو لم تكن موجودة، وتوفير جنود غير نظاميين يقتلون الناس مقابل وجبة أو سيجارة فضلاً عن الجنود النظاميين الذين يقتلونهم لأنهم “ينفذون الأوامر” ولا يفهمون أصلاً معنى الاحتجاج. وفي هذا المعنى لا أظن هناك جدوى كبيرة للتفريق ما بين جنود النظام وبلطجيته و”الأهالي” الموالين له خوفاً أو جهلاً أو لأي سبب آخر: كلهم قادرون على التحول إلى ميليشيات سيجابهها المحتجون بميليشيات مثلها إذا ما استمروا في التصميم على الاحتجاج بلا هدف؛ وساعتها لن يبقى من الثورة حتى ذكراها… فهل تستفيد الثورة من أحداث العباسية؟

لقد راحت صدمة وطزاجة الفعل ولم يبق إلا ردود الفعل والانفعالات التي باتت جاهزة مثل تعبير وجه ممثل يؤدي المشهد نفسه على خشبة المسرح نفسها لليلة الألف. قد يكون الممثل بارعاً فينقل التعبير على نحو مقنع، إلا أنه يعلم كما يعلم المشاهد أن المسرحية مثلت من قبل بحذافيرها؛ وأنهما يحتاجان إلى مسرحية جديدة بخيال مغاير إذا ما أرادا أن يعيشا أو يواجها حقيقة الحياة.

شارع ابن الفارض – طنطا، ٢-٣ مايو

………………………………………

تعليقات الأصدقاء على جلسة ١٢/٢/٦ لمجلس الشعب

wpid-ikoan_watany-2012-02-6-16-19.jpg

الواحد بيفكر يتخرطش في أي حتة في محيط وسط البلد و ياخد بعضه ويطلع ع البرلمان، و آخد 5 من أصحابي معايا بالمرة، و تبقى مسيرة خرطوشية – وئام مختار

لو سمحت… هو الإخوان في منهم برباط، ولا كله زحافي؟ – مهاب نصر

أعتقد إن الإخوان لما كانوا بيتحبسوا مكانوش بيروحوا السجن، كانوا بيروحوا حتة تانية، وإنهم، كإخوان، اتبسطوا، والنهارده علامات الانبساط كانت باينة عليهم خالص – مؤمن المحمدي

المجلس الجنس الثالث يطالب بالفصل بين الجنسين: الثائر والبلطجى – ناهد نصر

الحقيقة إن ما فيش خرطوش… الناس بتخرم نفسها علشان تتبلى على الحكومة – عمرو عزت

أي خول كان مبسوط بحضور “العرس الديمقراطي” ييجي يرقص عندي دلوقتي – يوسف رخا

عرفت الأخبار السارة اللي قال عليها عنان؟ هي إن الجماعة حامل من المجلس العسكري! – صفحة “إنت ليبرالي لا مؤاخذة”

مجلس الشعب هو أهم إفرازات الثورة حتى الآن، ولسه الإفرازات جاية كتير: ثورتنا سايحة وهتبهدلنا – سامح سمير

قف للكتاتنى والبس له الطرطور… كاد الكتاتنى ان يكون سرور – منسوبة لأكثر من طرف

يعني نقيب الأطباء ومراسل (النيل للاخبار) ومراسل (القاهرة اليوم) مضروبين بالخرطوش ومجلس الشعب لسه مصدق وزير الداخلية إن مفيش خرطوش؟ – عمر باز

مهاب نصر: الثورة مستمرة ولو بدون ثوار

wpid-777-2012-01-26-00-52.jpg

ما تتضمنه الخواطر التالية هو رد ضمني على صديق أو اثنين، هذا لا يعني أنني أوجهه لهما تحديدا. بل لأن الواحد حين يكتب الآن لا يعرف من يخاطب، وهذا مربك جدا، مربك لدرجة أن الواحد يقف في منتصف غرفته موجها سبابته هنا وهنا، وكأنه يكلم أشباحا، وحين يضع رأسه لينام تفلت منه كلمة، هي جزء من حوار لم يحدث.

وضعت سؤالا من قبل هل تكون الثورة ضد الشعب؟وكان يجب أن استكمل الفكرة، لكنني لم أفعل. الآن أريد متابعة الكلام لكن دون التقيد بالعنوان السابق. رغم أنني كنت أعنيه حقا، أي أن ثورة تقوم الآن، ثورة بالمعنى الحقيقي للكلمة، لابد أن تكون ضد الشعب. ولذلك لا مفاجأة إطلاقا في كون من يمثلونها أقلية، بل إنه مما يدعو للشك ألا يكون الوضع كذلك.

“حبة فوق وحبة تحت”

قبل قيام الثورة المصرية بسنوات كان قد استقر لدي احساس قوي بأن مصر لم تعد دولة، وتساءلت: وهل كانت كذلك قبل هذه السنوات؟ ولكن الأهم والمقلق أنني لم أرها “مجتمعا” أصلا. بل أفرادا وبقايا أشكال اجتماعية قديمة لم تعد قادرة على الفاعلية ولا المساندة، و”جماعات مصالح” ناعمة ومائعة تتحرك بسيولة مفرطة مع التحولات الاقتصادية قاصمة الظهر، ومع الفساد، وإمكان الارتقاء الطبقي وفق شروط غير شفافة، وظرفية، يغلب عليها الطابع الشخصي. يمكنك أن تكون موظفا ترتقي الى طبقة الأغنياء بعمليات رشوة أو اختلاس بالتعاون مع مديرين فاسدين، فجأة يصبح جلوسك على المكاتب نفسها مع زملائك الذين يدبرون من رواتبهم الشهرية “جمعيات” لشراء تلفزيون، أو سداد مبالغ دروس خصوصية، وجودا قلقا.

فمجتمع الاقتصاد غير الشفاف وغير التنموي، هو مجتمع الصدفة، هو المجتمع الذي قال عنه عدوية “حبة فوق وحبة تحت”.

هو المجتمع الذي تساند فيه لا مشروعية الكسب السلطة القهرية في أعتى أشكالها لكن أكثرها تحللا في الوقت نفسه، وهذا يحتاج إلى تفصيل.

الليبرالية مرض طفولي

بعض الفضلاء من اليساريين المتحولين (ولست يساريا بالمناسبة) والذين أقروا نهائيا باستحالة مقاومة الرأسمالية، مكتفين بزعم ترشيدها وفق تصورات نظرية جاءوا بها من الكتب لا من واقع الحال، أقول بعض هؤلاء الفضلاء الذين لا يمكن أن يكن لهم الواحد أي احترام، أيدوا ما تصوروه “رأسمالية وطنية” غير مدركين أن أوان هذه الفكرة قد فات “تاريخيا” ولا يمكن استعادته. كان هذا يعني بالنسبة اليهم أن يغرسوا بشكل دعائي وأخلاقي (كما يفعل الشعراء القدماء مع خلفاء المسلمين) وازعا طبقيا برجوازيا وطنيا مخلصا، وعلى طريقة “المؤدبين”.

أرادوا ومعهم نخبة ثقافية لا بأس بها ترشيد السفه الرأسمالي الاحتكاري المفرط وغير المتزن الذي يحمل داخله عامل خرابه الحتمي. لأنه بالذات لا ينهض بالتواطؤ مع قوى عمل وطنية يوسع دائرتها ليدخلها في “اللعبة” بل يعمد بغباء ونتيجة تكوينه الداخلي المعتمد على الريع والسمسرة ودوران رأس المال المالي، الى الاقصاء المتتابع لفئات وشرائح كاملة من المجتمع، تجد نفسها فجأة على الرصيف، وبلا رصيف أحيانا.

كما أن هذا الاقتصاد يدور بالتشابك مع استثمارات خارجية، وبتضافر نخب عالمية شبيهة، لها مصالح في استمرار الوضع.

لقد رأى فضلاء المؤدبين المسمون ب”اللبراليين” أن اقتصادا حرا مرشّدا، قادرا على فرض الديموقراطية، وهذا بالاتساق مع فرضية لم تثبت أبدا، وهي أن الديموقراطية رديف ملاصق للرأسمالية. هكذا كان بعضهم على استعداد لدعم نخبة جمال مبارك.

لكن أي تحليل بسيط كان سيظهر أن اقتصادا من هذا النوع سوف يدفع الى المزيد من احكام قبضة السلطة التي لا تعتمد على طبقة ولا فكرة ولا مشروع بل ما يشبه التكوين العصابي المتشعب، والذي يعيد تشكيل المجتمع كله وفق منطق التسلسل العصابي هذا.

سواطير وسنج

في أحد الأيام أواخر الثمانينات (لا أذكر التاريخ بالتحديد) كنت أمر بالقرب من محطة “الابراهيمية” في الاسكندرية، منطقة مشهورة للطبقة المتوسطة وشارع رئيسي مزدحم بالمحلات لا تستطيع السير فيه على قدميك، فجأة ظهرت شلة بلطجية غريبي الهيئة عن المكان، يحملون سواطير وسنج وسلاسل.

كان المشهد جديدا لكنه تكرر فيما بعد. وكانت الدولة في هذا الوقت تواجه بالقوة الأمنية الجماعات الاسلامية الراديكالية وبدا أنها انتصرت أخيرا. جاءتني فكرة يومها، أن القضاء على جماعات العنف المسلح ذات التوجه الأيدولوجي لن ينهي العنف، بل سيوزعه على المجتمع كله. وأعتقد أن هذا ما حدث بمنطق التسلسل العصابي.

كان الافراط في العنف يعني عدم وجود خطة، بل كونه رد فعل على العجز الشديد في تبرير العنف ذاته، أي في ايجاد فلسفة قانونية واخلاقية له. وفقر المبررات كان يدفع بالضرورة الى رشوة أشخاص كثيرين بتسريب جزء من سلطة العنف لهم. وهو ما عرفناه باسم البلطجة. المستشار البلطجي الذي يهدد عسكري المرور الغلبان، المقاول البلطجي صديق عقيد المباحث، استاذ الجامعة البلطجي الذي يرتدي ثوب أمن الدولة. التاجر الذي يستطيع تحصيل قيمة شيك من زميل مماطل عن طريق تأجير بعض البلطجية، ولي الأمر البلطجي الذي يدعي أن ابنه تعرض للضرب وفق تقرير مزور كتبه صديقه الطبيب البلطجي.

انهيار القوة او بالادق انهيار “تركيز القوة”، ولا شفافية الاقتصاد الاحتكاري المدعوم بالعنف، والغياب الفعلي للقانون مع بقائه الصوري (أي التمزق بالازدواج) كان يعني أنني أمام مجتمع يوشك أن يتحلل.

نارجيلة ما بعد الحداثة

لكن ثمة مساندة ثقافية أخطر لهذا التحلل. وهي أن المجتمع الفاقد فعليا لسياق العمل التضافري المترابط، وللنسيج الأخلاقي أو القيمي الشفاف، تستحوذ عليه نوبات هستيرية كالزوجة الملولة، أو الشاعرة بعدمية حياتها بشكل غامض، ومن ثم الباحثة عن ما نسميه: الأصل.. وهو دائما أصل زائف.

حين كنت ترى وله النساء الأربعينيات بكاظم الساهر في حفلاته وهو يحمل الدبدوب، كنت تشعر أنهن يردن الحياة في هذه التمثيلية “الرجل “الرجولي” لكن العاطفي حد السهوكة”، وأن هذا لا يعني أبدا أن إحداهن لديها أي ذرة وهم تجعلها تتمنى الزواج منه مثلا، كما هو حال عاشقات عبد الحليم حافظ، فلا أوهام لديهن بهذا الصدد، انهن يستهلكن صورته مثل العادة السرية، وهو يقبض الثمن محافظا على نقاء الصورة التي يستدعينها أثناء ممارسة العادة. انه ليس مغنيا، لا هو ولاعمرو دياب ولا أي أحد، انهم صور، وحياتهم مرهونة ببقائهم “في الصورة”.

بنفس الطريقة ولكن بشكل شرعي كان يفكر “العائدون الى الله” باستهلاك صورة عن عهد ذهبي للاسلام لم يحدث أبدا. وبقدر ما يمكن أن تكون امرأة متصنعة شرسة للغاية عند مواجهتها بتصنعها، فان متدينا على طريقة العادة السرية سيكون فظا للغاية إذا أيقظته من خياله في لحظة الذروة. بل هكذا كانت معظم النخب أيضا.

في مجتمع كهذا ليست المشكلة أنه لا يحدث شيء، فان هذا قد يدفع إلى “حدوث شيء” بل المشكلة أن كل شيء يبدو وكأنه يحدث، وهو لا يحدث. انه مجتمع: “كأننا نحب، كأننا نؤمن، كأننا نتعلم، كأننا كبرنا وتزوجنا، كأننا في خصومة وتصالحنا، كأننا مجتمع، كأننا دولة.. كأننا فقط”.

مجتمع “التشبيه” أو مجتمع “كأن” لا يفيق أبدا، بل يتكسر.

هنا جاءت ثقافة السبعينات والممتدة الى التسعينات لنخب “شعرية” ضعيفة، ولكن عديمة التأثير على نطاق واسع، لتدعم روح العدمية تحت شعار نخبوي مرة، وما بعد حداثي مرة: لا حقيقة، لا أفكار كبرى. كانت تتصور أنها تقرأ في كتاب ما بعد الحداثة وكأنها تبشر بما ينبغي أن يوجد لتكون في طليعته، مستعدة بدخان نراجيلها على المقاهي، وفي الواقع كانت هذه النخبة (المتنصلة كذبا من نخبويتها) هي في مؤخرة المجتمع الذي سبقها كثيرا بعديمته الأكثر التباسا، بكثير وأكثر حتى انسانية.

كان هناك تشجيع “للا مركزية الثقافة” وكأن هناك ثقافة أصلا ولها مركزية. وكان يعني هذا يقظة “البحث الزائف” عن هويات بأثر رجعي، حقوق المرأة.. الأقليات..وكل هذه القضايا التي لها أصل من الحقيقة يتم استثماره بما ينزع عنه حقيقته. مهاجمة “الدولة التسلطية” التي لم توجد أصلا.

هكذا حين جاءت الثورة كنت أفكر رغم كل السعادة والتصديق والفرح والدهشة، “أليس هذا تحللا أيضا؟”. انه التحلل الضروري، التحلل المنطقي والطبيعي، الذي منه يمكن أن تبدأ الأشياء.

تابع “المجتمع الصايع”

في خاطرة سابقة بعنوان “المجتمع الصايع ودولة الصياعة” حاولت أن أفهم طبيعة الافقار المتصل في خبرة مجتمع كان هامشيا “طرفيا” كما يقال بالنسبة للرأسمالية، واستمر كذلك في الصورة الأسوأ والأكثر تبعية، مع الوهم الدائم بالاستقلال “الشعاراتي”. الافقار في خبرة النمط الجديد من الاقتصاد يتأتى بسبب عدم الحاجة للكفاءات في مجتمع الاقتصاد “الصايع”، ومن ثم التراجع الدائم في مستوى الكفاءات والخبرات المهنية والحرفية المتوارثة، لا ينجو من ذلك السباك المنزلي ولا شاعر قصيدة النثر. يبدو المجتمع وكأنه يبدأ من جديد في كل مرة، ولأن هذا مستحيل بالطبع فهو يلجأ الى “استعارة الأشكال”، يبقى كل شيء موجودا في حده الأدنى، وغير القابل للتراكم أو التصحيح، على العكس الآيل للتحلل بقدر ما هو صوري.

الثورة مستمرة

الذين قاموا بالثورة ربما كانوا شبابا لم يتورطوا بعد في هذا التعقيد، لم يعوا به تماما، وعوا فقط بمحصلته المضطربة، وعوا بالازدواج المنافي للفطرة الانسانية، الازدواج الذي لا يعني صراعا واضحا وبطوليا بين المعاني، بل تمزقا رخيصا وبطيئا بلا معنى، ولتحصيل نفس النتائج.

حين قامت الثورة، اكتشف الناس هشاشة النظام وبدائية أساليبه، وعجزه الكامل عن الاقناع، وهو عجز مستمر الى الآن في صورة كل النخب التي لم تسقط ولكنها ساقطة فعلا، المجلس العسكري، الوزراء، الأحزاب، الاخوان، الأزهر، الكنيسة، المثقفون الكبار. الأكاديميون حاملي “المذكرات”، رجال القانون الحفظة أرباب الكتاتيب. التحلل مستمر. وهو ما يعني بالنسبة لي أن الثورة مستمرة، ولو بدون ثوار

مهاب نصر

فتنة الغضب

تبدأ المسألة بتجنيد الشعب لصالح أغراض النظام، ويتضح أن هناك استعداداً لذلك من جانب قطاع عريض من المعدمين والمجرمين والعاملين في الحكومة سواء رسمياً أو “من تحت لتحت”. لكي تَخرج “مليونيات” على الجانب الآخر من الحائط اللامرئي الذي قام بين “الميدان” وما سواه، يصبح هناك بلطجية يسمونهم “مؤيدي مبارك” إلى أن يعترفوا، وبعد إخفاق المصلحة في مواجهة الإرادة، بأنهم بلطجية وأنهم مسلحون. ليس فقط نتيجة إخفاق المصلحة أمام الإرادة، وبدليل أنهم لا يعترفون بتعاون البلطجية مع أجهزة الأمن ولا يسعون لتمييزهم عن المتظاهرين واللجان الشعبية (المفترض أنها محايدة) حتى بعد أن يُعلن عن سقوط مبارك. بالتدريج يصبح هناك شيء اسمه بلطجية، ويصبح هذا الشيء سبباً ليس فقط في أن يرتعب الناس عامة من “الانفلات الأمني” فينادوا بعودة الشرطة ويحملّوا المتظاهرين مسئولية حدوثه ولكن أيضاً في البطش بالمحتجين ما إن تقل أعدادهم بما يكفي لفعل ذلك في خفاء نسبي. وحتى المثقفون والمسيسون و”شباب الغضب” أنفسهم، لكي لا يغامروا بتحالفهم المفترض مع المجلس العسكري الذي تولى عن نظام مبارك مسئولية حفظ الأمن والاستقرار – لكي لا يعترفوا بأن المجلس العسكري ليس سوى نظام مبارك – يمتنعون عن التظاهر في غير الأوقات المتفق عليها ويتبرأون من خارقي حظر التجوال (علماً بأنه لولا خرق الحظر في الفترة من 28 يناير إلى 11 فبراير، لما “نجحت” الثورة أساساً). يصبح الاحتجاج السلمي مع الوقت بلطجة يعاقب عليها القانون. تتحول الثورة وبعد “نجاحها” إلى فتنة

Enhanced by Zemanta

الموت فَرَحاً

فيه حظر تبوّل، وال ناس محصورة. – أحد اﻷصدقاء من سكان القاهرة

عيد الشرطة

.ليس إسلامياً، وليس محدود العدد؛ وقد رأيته رؤى العين في ميدان التحري ر

مسيّلة للدموع

كان  يسقط ماء من عيونهم

من نظراتهم المصممة وحناجرهم

قبل أن يرتموا على ظهورهم

متشنجين فوق سلالم العمارات

مفزوعين باحتقان وجوههم

بالفراغ الذي لم يعد ينتج أكسوجينْ

حيث لكل واحد منهم ألف نسخة مطابقة

تفتح عيونها بالخارج

كانوا يغيّرون وجهتهم ويركضون

وبينما يحتمون بأبواب العمارات

كان يسقط من عيونهم ماء

يبرق بين أقدام اللاحقين

(ليلة الجمعة، 28 يناير)

نقطة

مؤسسة اﻷهرام خاوية.  أزاحوا  جهاز التفتيش عن البوابة، ولا صوت حيث يزوم المغادرون.  ليس من مخلوق في  المكان سوى رئيس التحرير في مكتبه، يشاهد التلفزيون واقفاً وذقنه نابتة.  أحتسي القهوة اﻷخيرة هنا وقد عب ّأت حقيبتي بعلب السجائر التي جهّزها لي القائم على البوفيه من فائض مخزونه بسعر مرتفع، وأستعد للعودة إلى ميدان التحرير.

(ﻹثنين، 31 يناير)

عيد الشعب

لا أحد يصدق اﻹعلام الحكومي حين “يهيب بالمواطنين”  أن يتوخوا الحذر في مواجهة  “البلطجية” والعصابات  المعنيين بتنفيذ مخطط أجنبي أو مؤامرة. كلنا نعرف أن  البلطجية عملاء الداخلية والحزب الحاكم، أن المؤامرة الوحيدة القائمة هي مؤامرة النظام القائم على الشعب، وأن أدوات ذلك النظام باتت أقل عدداً وأضعف مما يشاع منذ غادرت قوات الشرطة مواقعها تمهيداً لفتح السجون وتهريب المجرمين قبل المعتقلين سياسياً، ثم انطلاق صغار موظفي الداخلية بالرشاشات في سيارات مسروقة إلى المناطق السكنية.  من دمّر واجهات المحلات وأشعل في صالاتها الحرائق؟ ومن أفرغها من بضائعها؟ لا المتظاهرون و لا “قلة مندسة”. الشعب المصري كله قلة مندسة.   و ما كان شيء من هذا ليحدث لولا هزيمة الشرطة على الأسفلت.  قبل وبعد معركة الجمعة،  الشرطة وابل من الطغاة الصغار، المرتزقة والمرتشين. وبرغم أننا داخل المنظومة لسنا  نحن أنفسنا سوى منتفعين، لا أحد يصدّق اﻹعلام الحكومي حين يصف أول ثورة حقيقية في مصر بـ”اﻷحداث المؤسفة”؛ إن فرحتنا هي التي ستميتنا وليس رصاص  الجبناء.

أظن أكثر م َن شاركوا في التحرك بعد يوم الثلاثاء كانوا مثلي غير مسيسين، أو غير ناشطين سياسياً حيث لا فائدة من النشاط السياسي سوى التعرض للاعتقال والإهانة إن لم يكن العَزل والتعذيب. قبل 25 يناير، كان  كل شيء يحدث على حس المعارضة اﻹسلامية، وأنت لست إسلامياً.  (وحتى اﻵن ت ُستخدم فزاعة اﻹخوان لا ﻹخافة الشعب الذي أدرك إرادته وحقه في اﻹرادة ولكن من أجل تغذية مخاوف الإدارة اﻷمريكية حيال إسرائيل على وجه الخصوص.) أنت لم تكن جزء مما يحدث ﻷنه كان يحدث على حس اﻹسلام السياسي، أقول. أما اﻵن فقد غير التحرك كل شيء.

التحرك ؟ يوم 24 يناير  كنت لازلت أمزح ساخراً من كلمة “ثورة”:  هل توجد ثورة بميعاد ؟ مجرد “إيفينت” على “الفيسبوك”، إذن .   لكنني في  مساء 25 يناير عدت  إلى الفيسبوك وحمّلتُ على حائطي ما تمكنت من تصويره بتليفوني قبل المجزرة.

***

رأيته  رؤى العين، وعدت إليه صباح الجمعة بعد انقطاع خطوط الاتصال كلها، اﻹنترنت والمحمول.  اﻷربعاء  كنت “تمترستُ” في الجريدة أسمع الانفجارات وأرى الجموع تجري في الشوارع، أتشمم رائحة الدخان المسيل للدموع وقد تصاعدت من  شدة كثافتها إلى نوافذ الطابق التاسع.  كنت أنوي أن أمضي ليلة الخميس “أناضل” عبر اﻷثير؛ لا فائدة.

الجمعة (28 يناير)

قرب جامع عمرو في مصر القديمة ، قلتُ للرفيق نائل الطوخي: ينصحنا اﻹخوة التوانسة بدفس خشبة في شكمان المضرعة لشلها عن الحركة ولكن المهم أن نجد  الخشبة؛ رد الرفيق نائل الطوخي: بل اﻷهم أن نجد الشكمان.

صليت ﻷول مرة من سنين، بعد أن استمعت إلى الخطيب يحث  العباد على اجتناب الفتنة؛ قال إن من لا يحصل على حقه في الدنيا سيعوضه الله في اﻵخرة، ودعا بالبصيرة والتوفيق لرئيس الجمهورية، القائد اﻷعلى للقوات المسلحة والحاكم العسكري منزوع الكاريزما منذ 1981 :  ولي أمرنا وإمرتنا الذي أنزل به الله  فيما يبدو ولم تنزل به التداعيات البذيئة لانقلاب عسكري حاز على تأييد الجماهير سنة 1952.  لم يسل ّم المصلون على بعضهم في النهاية بحسب أعراف صلاة الجمعة، وخلال ثلاثين ثانية كان الهتاف يدوي من أعمق نقطة في المسجد: الشعب يريد إسقاط النظام.

لقد  اختلطت في رأسي منذئذ تعبيرات وجوه المحتجين الداخلين إلى المسجد قبل الخطبة وهم يتعرفون على بعضهم بلا كلمة أو إشارة، بالعيون فقط، وخطاهم المستميتة لاحقاً وهم ينضمون إلى بعضهم في المنحنيات المؤدية إلى الشوارع العمومية بعد أن ساروا على أقدامهم إلى وسط البلد من المعادي والجيزة وغيرها من اﻷحياء البعيدة فضلاً عن مصر القديمة.  ثمة اتفاق غير معلن على كل شيء، اتفاق ملزِم لدرجة التضحية بالروح، يكشف هشاشة القلق لات الطائفية اﻷخيرة ويتجاوز حتى الخلافات القيمية وتضارب التوجهات. اﻹسلامي مع الليبرالي مع الماركسي…

كنا غدراناً  أو قطرات تنبثق من الجوامع والبيوت وتصب في أنهار تواجه سدوداً أمنية.  وكنا نتبخر ، إثر الاصطدام بتلك السدود، دخاناً أبيض تلوذ منه أنوفنا بالدخان اﻷسود للإطارات التي أشعلناها، لو راوغتنا مداخل العمارات.

في مصر القديمة  وفي شارع قصر العيني، إلى حيث انتقلتُ عبر عين الصيرة ومجرى العيون مشياً على اﻷقدام، كان اﻷمن المركزي يبدأ في قصفنا من قبل حتى أن نتكتل.  وبرغم توفر الخشبات وغيرها من اﻷسلحة المرتجلة كقنابل المولتوف التي سيتلقى اﻷمن المركزي منها  دفعات متتالية في معركة غير ضرورية انتهت بهزيمة أفراده وفرارهم من أمام المتظاهرين، لم تتسنَ رؤية مضرعة واحدة، دعك من شكمانها.

بعد وصول الجيش إلى الميدان،  كانوا يعودون لقنصنا انتقاماً، أو لدهسنا تحت عجلات السيارات الموالية.   و خلال مشاهد تذكّر بالانتفاضات الفلسطينية ضد إسرائيل – اﻷمر الذي جسد لي فكرة أن نظامنا هو بالفعل امتداد المشروع الاستعماري في المنطقة، وقد طالبتْ الحكومة اﻹسرائيلية أوروبا وأمريكا بتأييد مبارك قفزاً على إرادة الشعب وليس إرادة جزء من الشعب ولا طائفة أو جيل منه، تلك الكلمة المنتهكة التي مكنتنا الأحداث من استردادها نقية: الشعب  – كانت اﻷكثرية تمنع اﻷقلية اﻷصغر سناً أو الأقل وعياً عن قذف معذبيهم بالحجارة دفاعاً عن أنفسهم .

في  خطابه الذي ينتظره العالم منذ عيد الشرطة – ولم يكن في الخطاب ما يميّزه عن أي خطاب “بيضان”  أ ُلقي منذ عشر سنين – بينما يتحدث رجل مترو اﻷنفاق اﻷول عن أمن وأمان المواطن المصري وأن الشباب هو ثروة البلاد، كان اﻷمن واﻷمان ذاته يطلق النار على العزل من هؤلاء الشباب واحداً واحداً من مسافات تصل إلى بضعة أمتار. وبينما لا نزال نغسل وجوهنا بالكوكاكولا ونغمس أنوفنا في البصل، كنا نتساءل عما إذا كانت ذخير ته حية…

أبل َغ هتاف يوم الجمعة كان اﻵه المجردة، يليها الشعار الذي سيستعيض لاحقاً عن النظام بالرئيس وعن اﻹسقاط بالمحاكمة.  ساعات كاﻷيام أو  اللحظات، لا أعرف. كل ما في اﻷمر أننا نريد أن نصل،  مروراً بمقر الحزب الوطني الذي تمكن بعضنا من إحراقه ثم مقر مجلس الشعب، إلى أقراننا.  وكلما اقتربنا – مع مرور الوقت  وتقهقر قيادات الداخلية أمام صمود تلك الأعداد المهولة من المحتجين، كنا نتقدم بالفعل – لاقينا أهوالاً على الطريق. كأننا في حج صعب، والقِبلة ميدان التحرير.

حفلة تنكرية

وهل ظل مبارك كما عرفناه وأحببناه حاجب اً على بوابة الاستقرار؟ وهل نجح، مع ذلك، في إرجاع مصر إلى العصر الجاهلي؟ يوم اﻷربعاء سيعود اﻷمن متخفياً في هيئة متظاهرين مؤيدين لمبارك مع ميليشيات المتنفذين في الحزب الوطني وسط عدد كبير من المأجورين الذين عبأهم أمن الدولة أو أخرجتهم السلطات إلى الشوارع عوضاً عن أداء عملهم في المؤسسات الرسمية (وسيكون عبد المنعم سعيد من البذاءة بحيث يسمي ما قاموا به ثورة ثانية) .  لا شك أن هناك من يؤيد مبارك بصدق، إما ﻷن ه خائف أو ﻷنه مستفيد؛ وحتى إن لم يكن هذا تفسيراً مقنعاً، من حق أي كان أن يؤيد مبارك.  ال سوريالي حقاً أن ترى النوق والخيول قد اقتحمت الميدان على المعتصمين.  وقبل أن  تلقط نفسك تسمع باﻷمن وعملائه يحاولون تصفية المعتصمين بالرصاص الحي…

( صباح الخميس ، 3 فبراير)

الثلاثاء (1 فبراير)

ليست  “شعب” هي الكلمة الوحيدة التي استرددناها  عشية اجتماعنا بأعداد تذكّر فعلاً بحج المسلمين. أصبح للوطن معنى أيضاً، للثورة والعدالة واﻹصلاح.  أصبحت ْ منذ التحرك كلمات واضحة ذات معنى، وكان النظام يتفوق علينا كل لحظة في إثبات أن معناها ينحصر فيما ينقض وجوده وينافي شرعيته.  لابد من أن ن بصق على النظام وأجهزته اﻷمنية خصوصاً حتى يمكننا الكلام في أمور غير شخصية، هذا ما أكدته لنا التطورات.

مليون شخص على اﻷقل  بامتداد ميدان التحرير والمناطق المحيطة طوال ثلاثائنا السعيد الذي قطعه علينا بلطجية الحزب الوطني وأفراد أمن الدولة والشرطة في ثوبها الجديد، وبحجة أن ثمة من يؤيد مبارك …   لعل للاستقرار معنى  إذن، لعل له معنى سوى أن تُستخدم المرافق والموارد العامة بشكل منظّم في اﻹنفاق على بعض العاملين لدى الدولة البوليسية وخدمتهم، وأن يتحول التعليم والتوظيف بل والعمل النقابي ومن ثم كل ما يمكن إنتاجه أو تنميته إلى شبكات مصالح عائلية آخر ما يعني القائمين عليها هو المهنية أو الجودة وأكثر ما يهمهم هو التكريس لمساحات الاستفادة المباشرة التي تمكنوا من شغلها داخل إطار القانون أو خارجه وعلى حساب السبب المفترض لوجودهم في المكان.  كأن الحياة نفسها تمثيلية ص ُمّمت من أجل حماية وإثراء من يشغلون المناصب بلا أي عقل وبما يقوّض المناصب نفسها.

غابة الدينصورات اﻷليفة و سلسلة أفلام عودة المومياء.  هل لهذا ظلت مصر كل هذا الوقت من  الخراء بحيث يستحيل الانتماء إليها؟ لقد استبدلنا المساءلة بالتملق والدقة بالتعريس، وليس سوى “بلطجي” يحمل رشاشاً لا تعرف إن كان من سكان العشوائيات أو أمين شرطة متخفياً.

لعل للاستقرار معنى سوى التنفيذ  اﻷوتوماتيكي لسياسات أمريكا في الشرق اﻷوسط بلا أي اعتبار لمشاعر الناس، من جهة أخرى، وبغض النظر عن “الخطر اﻹسلامي” الذي يتربص بنا  – نستقبل وزيرة الخارجية اﻹسرائيلية عشية القصف في غزة كأنما لنبارك لها على أن الله هداها إلى استعمال الفوسفور اﻷبيض ضد اﻷبرياء من مواطنينا الغزاويين…  ولا كلمة  – أو أن يشعر مواطنو بلد لم نع أهميته حتى توقفت فيه الحياة بالذل أينما ذهبوا في العالم وقد حدسوا أن بلدهم لابد أن يكون مثلهم:  شيئاً  رخيصاً بلا قيمة، غير صالح للدخول في مجريات الحضارة اﻹنسانية ومن ثم جدير بالاحتقار .. .

***

عفوي تماماً منذ عيد الشرطة. عفوي وصادق. لم  يجف الماء بعد من هذا المكان. لطائرات الجيش “ارحل” ولحظر التجول “مش هنمشي”؛  للجيش نفسه “إيد واحدة” و لعنف اﻷمن ظاهراً أو متخفياً “سلمية”…

رأيت عائلة تقليدية جداً يحمل ثلاثة من أفرادها  ثلاث لافتات إذا مررت عليها بالترتيب تقرأ “جيت علشان ولادي”؛ رأيت  لافتة مكتوباً عليها: مبارك يتحدى الملل.  وسمعت  فتيات يهتفن: دم المصري مش رخيص.  حين ربّت ُ على كتفه قال لي ممثل “مقاتل ي حرب أكتوبر” كما عر ّفتْه اللافتة التي يحملها مؤيداً للثورة: البركة فيكم.  كان  يبدو متعباً.  وتذكرت أن الناس من غير المتظاهرين كانوا يلقون إلينا  زجاجات المياه والفاكهة من نوافذهم ونحن نمر عبر شارع قصر العيني.

شهادة

أكتب اﻵن وقد استعدت ثقتي بعد  مجزرة اﻷمس وقبل أن تنتهي الجملة ربما أفقد الثقة من جديد. في ميدان  التحرير اﻵن عشرات اﻵلاف من الناس العاديين غير الطامعين في سلطة أو نفوذ. في ميدان التحرير مئات  وربما آلاف من البلطجية المتربصين بهم، المحسوبين على نوع آخر من الناس العاديين: ناس يفضلون تقمص دور “رامبو”  ل حماية ممتلكاتهم الخاصة على تأمين إمكانية ممارسة حقوقهم المدنية. وفي ميدان التحرير أفراد الجيش ال مصرون أكثر فأكثر على تطبيق حظر التجول والبادي انحيازهم للنظام في الساعات اﻷخيرة. مر أسبوع منذ حضرت  معركة الجمعة، وغداً على اﻷرجح سأحضر معركة ثانية. في مثل هذا الوقت من ليلة أمس بدأ ضرب النار على المتظاهرين. أصوات متفرقة وسط صمت الشارع. من أجل كل ما رأيته ومن أجلي: تحيا الثورة. تحيا الثورة. لكنني أكذب لو قلت إنني أعرف أي شيء

Enhanced by Zemanta