الشعر غير الحر

في ذكرى دنقل


هل أجازف بإجحاف حق شاعر عظيم إذ أقول إن أمل دنقل لم يترك شيئاً يذكر لصالح الثورة المصرية؟ أقصد ثورة يناير المستمرة حتى يونيو على الأقل، على الرغم من إمكان استدعاء كعكة دنقل الحجرية كمعادل سبعيني لما جرى أخيراً في ميدان التحرير! إن احتجاجات الطلبة ضد تأجيل الحرب مع إسرائيل عام  1972 – ضد “حالة اللاسلم واللاحرب” التي جسدت أولى مراحل انحراف الرئيس السادات عن المسار الناصري، وكتب دنقل في شأنها قصيدة “سفر الخروج أو أغنية “الكعكة الحجرية” – لم تكن سوى وجه من وجوه مشروع قومي صار واضحاً أن “الربيع العربي” يعني تجاوزه على نحو جذري، بل ان المشروع القومي ذاك، لم يكن سوى تكريس لوعي “عربي- إسلامي” أدى، قبل بداية المشروع نفسه بقرن أو أكثر، إلى الاستعمار.
¶¶¶

Continue reading

لسان العرب

لكي يَقنَع مُحرري بصواب الصياغة، سيكون علي أن أجاريه في حجب الألف-لام نهائياً عن كلمة «بعض»، مع أن سيبويه نفسه لم يضن عليهما بالوصال (سيبويه لم يكن عربياً). أن أحشر في بداية «جَفَل» همزة على ألف، لحد الآن لم أدرك ضرورتها. أبدّل «عمل» بـ«فعل»، كل مرة. ولا أخنع للرغبة المبقبقة في الاستعاضة – بعد «مصاص» – عن الدماء بالدم، متناسياً أنني أشعر مع محرري مثل تائب يذكره الإمام بالفرائض: لا تسبق الأقوال قائلها، لا يأتي الاسم قبل الفعل (إلا مشفوعاً بـ«إنّ»)، لا تتصل جملتان معنوياً من غير عطف. لكنني في الحقيقة سعيد بفسقي، ووحده الإمام أساء فهم مروري على باب المسجد. يبدو أنني أعشق الأخطاء، أو قل أبحث في حائط مسمط عن خروم تتسع لأصابعي المتشبثة بالفصحى، فيما أتسلق إلى حيث لا لغة على الإطلاق. ويوم أصل إلى ذلك المكان (الجانب الآخر)، لن أرى إلا القدم الصغيرة لامرأة صينية من قرن سابق: عضواً ضامراً قيّحه الجمال. فأستريح للأبد من البديهيات: أن اللغة فعلاً صديق (لا يجب أن نبذل معه كل هذا الجهد)، أن الكلام يحيا في اصطلاحه، أن البلاغة لا يمكن أن تكون قدم امرأة صينية. لن أقول لمحرري إن «مِن» – ذلك النتوء السافل – حين يسبق «دون»، قوةً واقتداراً، أحسه سيخاً في شرجي. ولا أنه بيقينه المهني ليس سوى حانوتي آخر، يضع رجلاً فوق رجل وسط أطلال الكارثة الحضارية. هنا كما في سائر الأعراف البدائية لبوليس الفصاحة، سأرضخ للائحة العمل في جريدة النهار (تلك المكتوبة قبل إعدام صدام، بل قبل إعلان إسرائيل دولة مساهمة عربية). أيهما الأصح: تخرّج في – أم من – الجامعة؟ لن أعترف لمحرري بأن طه حسين كان تافهاً بل سفيهاً، حين شغل نفسه بمثل هذا السؤال. وتجنباً للإحراج، لن أشير إليه مجرد إشارة، بأن «اقتراحاته» تشعرني أنني غريب على اللغة العربية («غريب على الخليج» عنوان قصيدة بدر شاكر). سأخفي قيئاً نحوياً يتصاعد في حلقي. وحتى أقنع بأن أئمة المساجد عنيدون كالبغال، ولا سبيل إلى سبر رؤوسهم بما يتيح تسريب بهجة المحرّمات، سأظل أساهم في تنفيذ مؤامرة محكمة، للتأكد من أن اللغة، لغتي، لا تعيش إلا خارج الكتابة.