الصحراوي/الزراعي

الصحراوي ليلاً

“بلاي ستيشن”
والهدف – بلا ضوء
أن تظل سائراً -
دونما تصطدم بأجسام معدنية
ترعد على جانبيك
ولا تحيد إلى هلاكك
عن خط من دوائر فوسفورية
يظهر ويختفي
في الظلام
الموت الرحيم – قالت حبيبتي
ثم شهقت للمرة العاشرة
وأنا لا أستطيع
 أن أنظر إلى وجهها
هذا هو -
طريق التحدي
هل حينها حدّقتُ من جديد؟
نور الكشافين في أوج احتدامه
بالكاد يكشف مترين
سأقطعهما في ثوان
ولا آخِر للسواد المتحول من بعده
كالتلال أو العجين
كأن الأرض خلف الزجاج
والجسد مستسلم للجاذبية
أنت عطشان للفوانيس
تفتش عيناك خلف ظلال
تحسبها أشخاصاً يعبرون
عن سراب التماعات
برتقالية وعالية
وحين نصمت عبر نفق آخر
من اللا ضوء
حين تتصلب عضلات كتفينا
وتتسع أعيننا
فوق البئر الأفقية
نعرف كم هي قريبة غايتنا
لحظة شرود
في السرعة أو الزاوية
يمكن أن تضع حداً للتهاوي
وكم سيكون جميلاً في الحقيقة
أن تتوقف الحركة
كم هو رائع يا صغيرتي
أن ينتهي الطريق

.

ما أطول الزراعي

دون أن نصوم (في العشر الأواخر) تركنا طنطا عبر شارع البورصة
قلنا منطقة تجارية أكيد فاضية—نصف ساعة زحف وسط أكداس المتسوقين
عرق البروليتاريا يمطرنا والسيارة تخرم عجين اللحمة واللحى والقماش
وعيون المتخمين لِتَوّهِم تطالعنا بكراهية الرعاع لنبلاء الباستيل
ظلمات ترشيد الكهرباء ونحن خندق محفور في المدافن نصرةً لإخوتنا في غزة
دعك من أن غزة الآن أبعد من أنتاركتيكا والإخوة نفسهم يسبون الدين
من هنا حتى قويسنا بهائم الأسفلت بالكاد تتفادى الحفاة والحمير وهكذا
؎
على هذه الأرض – جارية الأرض – لا شيء يستحق الحياة
أم العائشين أم الميتين تصدّرين القفا للصفع أملاً في لقمة طرية
وسواء أتغير لفظه أو استمر ضمن الذل المستحب يظل اسمك مسبة
؎
تخوم قليوب تبشر بالوصول لم يعلمنا أحد بأي عَطَلَة في السكة
كان قتلة المتظاهرين – الأهالي – سدوا الطريق مرة أخرى احتجاجاً
وبينما نلتحق بصف الهاربين إلى المدقات الجانبية حيث الفجاج والحجارة
تذكرتُ كيف قلبنا الدنيا بالرقاد على التراب ولأنهم يقتلوننا صدقنا أننا نضحي
لغاية ما تحقق مطلبنا العبيط رجعنا بيوتنا ليحلّوا محلنا هم نفسهم
وهكذا مكّنا العصابة الأولى من تسليم البضاعة للعصابة الثانية حين متنا
بلا كبير جهد تغوطنا اللحظة اعتلينا النخلة وأغوتنا العينان الخلابتان ولكن
؎
كيف لعينيك أن تكونا غابتي نخيل وهما على هذا القدر من البجاحة
وكل عام لا يعشب الثرى ولا نجوع ما مر عام وجعنا بما يكفي لنسعى
نحن الغربان تشبع والجراد يعوي على تطلعات ستبقى أسطورية
؎
كانت المدقات مشرشرة بالحفر والمياه مركبات صناعية معطلة في العتمة
موكب مناوري “الهايواي” مثل ثعبان خرافي طالع نازل فوق جرف
ورغم وجود متفرجين من أهل المصانع على الجانبين فكرتُ أننا في مجاهل
هذا الذي نخوض فيه ببطء فيل كليم هو ما أزحنا عنه الحجر يوم ثرنا
خندق نبلنا محفوف بالأهالي رعاع حاقدون ومحتجون قتلة ولا باستيل
هل كانت الشعوب تثور دائماً قبل أن تتوفر لها الخدمات الأساسية
بلا طريق لا يعترضه المحرومون من الكهرباء هل نعمل ثورة أم نمثّل فالآن
؎
احترق المسرح من أركانه للمرة الألف لكنكم أنتم يا حبيبي الممثلون
لم تكن فلسطين لكم لأنكم أولاد قحبة من قبل أن تفقدوها
لم تصلحوا لشيء إلا التجول بين صفوف المتفرجين لتنادوا: كاكولا-بيبس
؎
الرحلة تستغرق ساعة خمس ساعات حتى يلوح “المحور” مخضّباً بالمشاة
وكأنه عذاب القبر نعيش من أول وجديد عاماً ونصف أو عامين من إحباطاتنا
فقدنا الأمل ليس في الثورة فقط ولكن في المستقبل أيضاً في النشطاء السياسيين
ولا عزاء للمدفونين حولنا لراشفي الشاي على شط هذه البركة للعميان بفعل فاعل
لا عزاء لنا نحن أيضاً يوم نُقتل أو نُحتَجَز ها هنا في المجاري الرطبة نستنبح
حتى الغضب يتفثأ حيث حر الليل وأخبار انهيار محدّق في الركن الخلفي للدماغ
كل التفاصيل التي يناقشها الأصدقاء تغدو ذباباً يئز ويغبّش البربريز فعلاً
؎
الناس في بلادي جارحون ولكن كعقارب غير سامة ليس عندهم غناء
حشرات منزلية في مطابخ الإنسان يعملون أي شيء من أجل قبضتي نقود
وطيبون في التسول أغبياء في إيمانهم بأن القَدَر فقط وساخة القرون

.

IMG_6397

Best of #Hipstamatic-قصيدة: ما أطول الزراعي

ما أطول الزراعي

دون أن نصوم (في العشر الأواخر) تركنا طنطا عبر شارع البورصة
قلنا منطقة تجارية أكيد فاضية—نصف ساعة زحف وسط أكداس المتسوقين
عرق البروليتاريا يمطرنا والسيارة تخرم عجين اللحمة واللحى والقماش
وعيون المتخمين لِتَوّهِم تطالعنا بكراهية الرعاع لنبلاء الباستيل
ظلمات ترشيد الكهرباء ونحن خندق محفور في المدافن نصرةً لإخوتنا في غزة
دعك من أن غزة الآن أبعد من أنتاركتيكا والإخوة نفسهم يسبون الدين
من هنا حتى قويسنا بهائم الأسفلت بالكاد تتفادى الحفاة والحمير وهكذا
؎
على هذه الأرض – جارية الأرض – لا شيء يستحق الحياة
أم العائشين أم الميتين تصدّرين القفا للصفع أملاً في لقمة طرية
وسواء أتغير لفظه أو استمر ضمن الذل المستحب يظل اسمك مسبة
؎
تخوم قليوب تبشر بالوصول لم يعلمنا أحد بأي عَطَلَة في السكة
كان قتلة المتظاهرين – الأهالي – سدوا الطريق مرة أخرى احتجاجاً
وبينما نلتحق بصف الهاربين إلى المدقات الجانبية حيث الفجاج والحجارة
تذكرتُ كيف قلبنا الدنيا بالرقاد على التراب ولأنهم يقتلوننا صدقنا أننا نضحي
لغاية ما تحقق مطلبنا العبيط رجعنا بيوتنا ليحلّوا محلنا هم نفسهم
وهكذا مكّنا العصابة الأولى من تسليم البضاعة للعصابة الثانية حين متنا
بلا كبير جهد تغوطنا اللحظة اعتلينا النخلة وأغوتنا العينان الخلابتان ولكن
؎
كيف لعينيك أن تكونا غابتي نخيل وهما على هذا القدر من البجاحة
وكل عام لا يعشب الثرى ولا نجوع ما مر عام وجعنا بما يكفي لنسعى
نحن الغربان تشبع والجراد يعوي على تطلعات ستبقى أسطورية
؎
كانت المدقات مشرشرة بالحفر والمياه مركبات صناعية معطلة في العتمة
موكب مناوري “الهايواي” مثل ثعبان خرافي طالع نازل فوق جرف
ورغم وجود متفرجين من أهل المصانع على الجانبين فكرتُ أننا في مجاهل
هذا الذي نخوض فيه ببطء فيل كليم هو ما أزحنا عنه الحجر يوم ثرنا
خندق نبلنا محفوف بالأهالي رعاع حاقدون ومحتجون قتلة ولا باستيل
هل كانت الشعوب تثور دائماً قبل أن تتوفر لها الخدمات الأساسية
بلا طريق لا يعترضه المحرومون من الكهرباء هل نعمل ثورة أم نمثّل فالآن
؎
احترق المسرح من أركانه للمرة الألف لكنكم أنتم يا حبيبي الممثلون
لم تكن فلسطين لكم لأنكم أولاد قحبة من قبل أن تفقدوها
لم تصلحوا لشيء إلا التجول بين صفوف المتفرجين لتنادوا: كاكولا-بيبس
؎
الرحلة تستغرق ساعة خمس ساعات حتى يلوح “المحور” مخضّباً بالمشاة
وكأنه عذاب القبر نعيش من أول وجديد عاماً ونصف أو عامين من إحباطاتنا
فقدنا الأمل ليس في الثورة فقط ولكن في المستقبل أيضاً في النشطاء السياسيين
ولا عزاء للمدفونين حولنا لراشفي الشاي على شط هذه البركة للعميان بفعل فاعل
لا عزاء لنا نحن أيضاً يوم نُقتل أو نُحتَجَز ها هنا في المجاري الرطبة نستنبح
حتى الغضب يتفثأ حيث حر الليل وأخبار انهيار محدّق في الركن الخلفي للدماغ
كل التفاصيل التي يناقشها الأصدقاء تغدو ذباباً يئز ويغبّش البربريز فعلاً
؎
الناس في بلادي جارحون ولكن كعقارب غير سامة ليس عندهم غناء
حشرات منزلية في مطابخ الإنسان يعملون أي شيء من أجل قبضتي نقود
وطيبون في التسول أغبياء في إيمانهم بأن القَدَر فقط وساخة القرون

نضاجع المخدات بعد أن أقول لصاحبي إن الله في القضبان والثورة بلا واي-فاي

قصائد اللغة الجديدة

wpid-262965676342777938_6860517-2012-08-24-18-47.jpeg

ما أطول “الزراعي”

دون أن نصوم (في العشر الأواخر) تركنا طنطا عبر شارع البورصة

قلنا منطقة تجارية أكيد فاضية—نصف ساعة زحف وسط أكداس المتسوقين

عرق البروليتاريا يمطرنا والسيارة تخرم عجين اللحمة واللحى والقماش

وعيون المتخمين لِتَوّهِم تطالعنا بكراهية الرعاع لنبلاء الباستيل

ظلمات ترشيد الكهرباء ونحن خندق محفور في المدافن نصرةً لإخوتنا في غزة

دعك من أن غزة الآن أبعد من أنتاركتيكا والإخوة نفسهم يسبون الدين

من هنا حتى قويسنا بهائم الأسفلت بالكاد تتفادى الحفاة والحمير وهكذا

Continue reading

قصيدة جديدة: ما أطول الزراعي

ما أطول “الزراعي”

دون أن نصوم (في العشر الأواخر) تركنا طنطا عبر شارع البورصة

قلنا منطقة تجارية أكيد فاضية—نصف ساعة زحف وسط أكداس المتسوقين

عرق البروليتاريا يمطرنا والسيارة تخرم عجين اللحمة واللحى والقماش

وعيون المتخمين لِتَوّهِم تطالعنا بكراهية الرعاع لنبلاء الباستيل

ظلمات ترشيد الكهرباء ونحن خندق محفور في المدافن نصرةً لإخوتنا في غزة

دعك من أن غزة الآن أبعد من أنتاركتيكا والإخوة نفسهم يسبون الدين

من هنا حتى قويسنا بهائم الأسفلت بالكاد تتفادى الحفاة والحمير وهكذا

؎

على هذه الأرض – جارية الأرض – لا شيء يستحق الحياة

أم العائشين أم الميتين تصدّرين القفا للصفع أملاً في لقمة طرية

وسواء أتغير لفظه أو استمر ضمن الذل المستحب يظل اسمك مسبة

؎

تخوم قليوب تبشر بالوصول لم يعلمنا أحد بأي عَطَلَة في السكة

كان قتلة المتظاهرين – الأهالي – سدوا الطريق مرة أخرى احتجاجاً

وبينما نلتحق بصف الهاربين إلى المدقات الجانبية حيث الفجاج والحجارة

تذكرتُ كيف قلبنا الدنيا بالرقاد على التراب ولأنهم يقتلوننا صدقنا أننا نضحي

لغاية ما تحقق مطلبنا العبيط رجعنا بيوتنا ليحلّوا محلنا هم نفسهم

وهكذا مكّنا العصابة الأولى من تسليم البضاعة للعصابة الثانية حين متنا

بلا كبير جهد تغوطنا اللحظة اعتلينا النخلة وأغوتنا العينان الخلابتان ولكن

؎

كيف لعينيك أن تكونا غابتي نخيل وهما على هذا القدر من البجاحة

وكل عام لا يعشب الثرى ولا نجوع ما مر عام وجعنا بما يكفي لنسعى

نحن الغربان تشبع والجراد يعوي على تطلعات ستبقى أسطورية

؎

كانت المدقات مشرشرة بالحفر والمياه مركبات صناعية معطلة في العتمة

موكب مناوري الهايواي مثل ثعبان خرافي طالع نازل فوق جرف

ورغم وجود متفرجين من أهل المصانع على الجانبين فكرتُ أننا في مجاهل

هذا الذي نخوض فيه ببطء فيل كليم هو ما أزحنا عنه الحجر يوم ثرنا

خندق نبلنا محفوف بالأهالي رعاع حاقدون ومحتجون قتلة ولا باستيل

هل كانت الشعوب تثور دائماً قبل أن تتوفر لها الخدمات الأساسية

بلا طريق لا يعترضه المحرومون من الكهرباء هل نعمل ثورة أم نمثّل فالآن

؎

احترق المسرح من أركانه للمرة الألف لكنكم أنتم يا حبيبي الممثلون

لم تكن فلسطين لكم لأنكم أولاد قحبة من قبل أن تفقدوها

لم تصلحوا لشيء إلا التجول بين صفوف المتفرجين لتنادوا: كاكولا-بيبس

؎

الرحلة تستغرق ساعة خمس ساعات حتى يلوح “المحور” مخضّباً بالمشاة

وكأنه عذاب القبر نعيش من أول وجديد عاماً ونصف أو عامين من إحباطاتنا

فقدنا الأمل ليس في الثورة فقط ولكن في المستقبل أيضاً في النشطاء السياسيين

ولا عزاء للمدفونين حولنا لراشفي الشاي على شط هذه البركة للعميان بفعل فاعل

لا عزاء لنا نحن أيضاً يوم نقتل أو نُحتَجَز ها هنا في المجاري الرطبة نستنبح

حتى الغضب يتفثأ حيث حر الليل وأخبار انهيار محدّق في الركن الخلفي للدماغ

كل التفاصيل التي يناقشها الأصدقاء تغدو ذباباً يئز ويغبّش البربريز فعلاً

؎

الناس في بلادي جارحون ولكن كعقارب غير سامة ليس عندهم غناء

حشرات منزلية في مطابخ الإنسان يعملون أي شيء من أجل قبضتي نقود

وطيبون في التسول أغبياء في إيمانهم بأن القَدَر فقط وساخة القرون

الشعر غير الحر

ملحق النهار – السبت 11 حزيران 2011 – السنة 78 – العدد 24415

الشعر غير الحر في ذكرى دنقل / بقلم يوسف رخّا

هل أجازف بإجحاف حق شاعر عظيم إذ أقول إن أمل دنقل لم يترك شيئاً يذكر لصالح الثورة المصرية؟ أقصد ثورة يناير المستمرة حتى يونيو على الأقل، على الرغم من إمكان استدعاء كعكة دنقل الحجرية كمعادل سبعيني لما جرى أخيراً في ميدان التحرير! إن احتجاجات الطلبة ضد تأجيل الحرب مع إسرائيل عام  1972 – ضد “حالة اللاسلم واللاحرب” التي جسدت أولى مراحل انحراف الرئيس السادات عن المسار الناصري، وكتب دنقل في شأنها قصيدة “سفر الخروج أو أغنية “الكعكة الحجرية” – لم تكن سوى وجه من وجوه مشروع قومي صار واضحاً أن “الربيع العربي” يعني تجاوزه على نحو جذري، بل ان المشروع القومي ذاك، لم يكن سوى تكريس لوعي “عربي- إسلامي” أدى، قبل بداية المشروع نفسه بقرن أو أكثر، إلى الاستعمار.
¶¶¶

سيكون من قبيل الكليشيه المتواتر في خطاب الأدب المعاصر القول إن أشهر أعمال دنقل هي في الضرورة أسوأها: تلك “القصائد السياسية” التي، وإن التزم ظاهرها تعاليم تقضي بأن لا يتناغم الفن الرفيع مع “المباشرة” فتضمنت إشارات خاوية إلى التاريخ القديم والأساطير (حرب البسوس مثلاً)، لا يمكن أن تُقرأ إلا بوصفها دعاية للأحداث المزامنة لكتابتها. ولا غرو أن يشتبك الشعر مع الشأن العام بدرجة أو أخرى، في مساحة منه، إلا أن هذه القصائد تبدو كما لو أنها استبدلت حقائق الأدب المركبة بتصور ذرائعي عن الواقع – استبدلت الوعي الشعري بشيء يشبهه أو حقيقة الشعر بخرافة تجعل من الشعر دعاية سياسية وإن كانت “ثورية” أو هامشية – الأمر الذي يتفق إجمالاً مع نفعية الفكر العربي منذ عصر النهضة، وهي النفعية ذاتها التي ستسمح في ما بعد بالسعي إلى الثيوقراطية عبر صناديق الاقتراع في غياب شروط مبدئية للعملية الديموقراطية أو الدفاع عن النقاب بذريعة أنه ضمن حقوق “الحرية الشخصية” المفترضة ليس في الخلافة الإسلامية ولكن في الأنظمة الليبيرالية ذاتها التي يمثل رفضها دافع الدعوة إلى الخلافة.
لا شك في أن دنقل، مثله مثل محمود درويش، كصوت فريد في طليعة الشعر العربي زمن ذيوعه الأقرب، قادر على إنتاج خطاب مؤثر جمالياً؛ لكنه يمكن الذهاب، وباليقين ذاته، إلى أن جانباً من أعمال دنقل – كأعمال درويش – درج على تعهير الشعر لصالح السياسة. فإن “القصيدة السياسية” بوصفها شقاً أصيلاً من حركة الشعر الحر التي سادت الخطاب الشعري بلا منازع حتى تسعينات القرن الماضي، ساهمت في تكريس الاعتقاد الشائع بأن النشاط السياسي هو ساحة موازية للكتابة أو أن خطاباته البيداغوجية يمكن أن تتطابق مع خطابات الأدب. مع ذلك، فإن ما ينطبق جمالياً على قصيدة “لا تصالح”، ينطبق على أعمال أقل اشتباكاً مع الشأن العام مثل قصائد الحب المبكرة.
¶¶¶

يبدو السؤال الجذري، على عكس سؤال “أغراض” الكتابة، وثيق الصلة باختلال قواعد النهضة إثر حركات التحرر الوطني، في تصريفاتها “القومية” و”اليسارية”.
كان من شأن الرؤية التوفيقية السائدة منذ القرن التاسع عشر أن تقصر ما هو “شعر” على ما يتضمن امتداداً لعروض الخليل أو تنويعاً عليه، مكتفية بالمعيار التقني المتأكل ذاتياً أمام النموذج “الحديث” الذي كان طرحه المستعمر حتى قبل أن يتم استثمار ذلك النموذج على أي نطاق؛ وارتكنت تلك الرؤية فيما سوى التقني من اعتبارات – أسئلة المعنى والأسئلة الجمالية وأسئلة تراثية عن دور الشعر في مجتمع متجانس قسراً – إلى تصورات غير واقعية عن جذور الشعر الحر في تراث اللغة من ناحية وعن أهلية الشاعر لتغيير المجتمع من ناحية أخرى. هكذا انتهى الشعر – في معرض السعي النفعي، ومن ثم السطحي، إلى مزاوجة بين أفضل ما في الموروث “المحلي” وأفضل ما في الحداثة “المستوردة” – إلى خطاب، باطنه منزوع الصلة بالاثنين، وهو النموذج النهضوي السائد في شتى المجالات والسبب الأوقع لامتناع العرب عن المساهمة في إنتاج الحداثة عوض استهلاكها فحسب.
كان من تبعات تلك المزاوجة المؤلمة، أن تعتمد شرعية الشاعر كشاعر على التزامه الخطاب الشعري المشروع بوصفه خاضعاً لوصاية هامش أو متن استبدادي. فحتى في الشعر الحر غير المعني بالشأن العام (في أعمال صلاح عبد الصبور أو بدر شاكر السياب، مثلاً)، لا تدل الحركة في مجملها إلا على “أنصاف ثائرين” (بحسب عبارة يوسف إدريس) أقاموا نصباً أدبياً لمشروع وطني لم يتضح فشله بكامل جلائه حتى الشهور الأخيرة من 2010.
¶¶¶

بغض النظر عن كونه أثبت قدرة نسبية على حشد الجماهير، شأنه في ذلك شأن الخطاب الشعبوي ومن بعده الخطاب الإسلاموي، كان الشعر الحر جزءاً عضوياً من وعي خرافي هدفه ليس نهضة المواطن العربي ولا الوحدة العربية ولا دحض الرأسمالية العالمية ولا تحرير فلسطين، وإنما تعهير ذلك كله لصالح حكومات قادرة على إبادة شعوبها في الشوارع من أجل البقاء في الحكم.
¶¶¶

كان الشعر الحر جزءاً من وعي أنتجته نظم ومجتمعات تعسفية ستتعطل أدواتها بالكامل في مواجهة النظام العالمي الجديد، بما في ذلك الإسلام السياسي. على عكس ذلك الوعي الخرافي، فإن قصيدة النثر في مصر التسعينات، بوصفها رد فعل متطرفاً لتطورات حركة الشعر الحر ما بعد السادات، سواء حدث التطور من خلال النشاط السياسي أو استبدال “القصيدة السياسية” بقصيدة أدونيس المغرقة في استغلاقها وتعاليها على المجتمع، ساهمت في خلق وعي فردي وواقعي وحر في نفوره من الإيديولوجيا ومن ثم نجحت في ما أخفق فيه نجوم الستينات من أمثال دنقل ودرويش على طريق طرح نهضة محتملة ستكون أولى خطواتها التخلص من القمع وتبدية المواطن الفرد على مشروع مركزي لم يكن في مجمله سوى تكريس للواقع الاستعماري. لا مناص هنا من الإشارة إلى أن من أججوا الاحتجاجات التي أدت إلى تغيير لا يزال في مجمله رمزياً في تونس وفي مصر لم يكونوا من المثقفين التقليديين ولا المضطلعين بالنشاط السياسي.
لقد تجاوز الشعر العربي منذ السبعينات عثرات التفعيلة فعلاً ومجازاً، فأدرك أن المجتمع بتعريفه المبدئي كيان غير متجانس، وقبل بحتمية التاريخ في مقابل الحتمية التاريخية، كما كشف ضحالة الخطابات البيداغوجية بالمقارنة مع خطابات الأدب؛ وفي ذلك أثبت – بغض النظر عن ضعف الإقبال الجماهيري عليه – أن الحداثة الشعرية البديلة لمهاجرين من أمثال سركون بولص ووديع سعادة كانت، على رغم تفريطها في عروض الخليل، هي الأقرب إلى مشروع عربي نهضوي.
¶¶¶

لا يمكن وصف ما يجري في العالم العربي الآن بغير معركة الاستقلال الثاني التي ستناطح الهيمنة الأميركية بالضرورة، ليس من خلال الخطابات الحماسية للمقاومة، قومجية أكانت أم إسلاموية، إنما من خلال تعارض فعلي بين مصالح “الغرب” ما بعد الاستعماري ومصالح المواطن العربي وقد تخلص من وعيه الخرافي. ولا ضرورة في السياق الحالي لاستشراف احتمالات التصادم الناتج من ذلك، وآثاره، أو تحاشيه. يكفي القول إن الشعر لن يكون له أي دور.
في نص أشبه بالقصيدة السياسية تحت عنوان “أي ربيع عربي” للشاعر العراقي سعدي يوسف، أحد معلّمي الشعر الحر الباقين على قيد الحياة، ذهب الثوري العتيد إلى أن ما يحدث في العالم العربي الآن ليس سوى تمثيلية من تدبير واشنطن اعتمدت على آليات العصر الإلكتروني لخدمة أغراض استعمارية مناوئة للمقاومة. “قلب بطني” نص سعدي يوسف، لكنه بدا الأقرب إلى موقف الشعر الحر من الأحداث الحالية. ولم أستطع أن أمتنع عن التساؤل عما إذا كان دنقل سيوافقه الرأي.
المؤكد أنه لم يعد ممكناً غض النظر عن أن “الكعكة الحجرية” عائق على طريق الاستقلال الثاني أكثر منها تجلياً للثورة. ويوم نستقل، في ظني، لن نعود في حاجة لا للقضية ولا للزعيم حتى تراق دماؤنا وتكهرب أعضاؤنا التناسلية وبينما نمارس دعارات شتى من أجل نجاح منتهاه أن يمنحنا حق الوصاية، نصبح ممثلين خائبين في أفلام من نوع “رد قلبي”. يوم نستقل، لن يعود أحد يضطر إلى تمجيد لا صدام حسين ولا أسامة بن لادن… ولا حتى حسن نصر الله.

…………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..
جميع الحقوق محفوظة – © جريدة النهار 2011

 

لسان العرب

لكي يَقنَع مُحرري بصواب الصياغة، سيكون علي أن أجاريه في حجب الألف-لام نهائياً عن كلمة «بعض»، مع أن سيبويه نفسه لم يضن عليهما بالوصال (سيبويه لم يكن عربياً). أن أحشر في بداية «جَفَل» همزة على ألف، لحد الآن لم أدرك ضرورتها. أبدّل «عمل» بـ«فعل»، كل مرة. ولا أخنع للرغبة المبقبقة في الاستعاضة – بعد «مصاص» – عن الدماء بالدم، متناسياً أنني أشعر مع محرري مثل تائب يذكره الإمام بالفرائض: لا تسبق الأقوال قائلها، لا يأتي الاسم قبل الفعل (إلا مشفوعاً بـ«إنّ»)، لا تتصل جملتان معنوياً من غير عطف. لكنني في الحقيقة سعيد بفسقي، ووحده الإمام أساء فهم مروري على باب المسجد. يبدو أنني أعشق الأخطاء، أو قل أبحث في حائط مسمط عن خروم تتسع لأصابعي المتشبثة بالفصحى، فيما أتسلق إلى حيث لا لغة على الإطلاق. ويوم أصل إلى ذلك المكان (الجانب الآخر)، لن أرى إلا القدم الصغيرة لامرأة صينية من قرن سابق: عضواً ضامراً قيّحه الجمال. فأستريح للأبد من البديهيات: أن اللغة فعلاً صديق (لا يجب أن نبذل معه كل هذا الجهد)، أن الكلام يحيا في اصطلاحه، أن البلاغة لا يمكن أن تكون قدم امرأة صينية. لن أقول لمحرري إن «مِن» – ذلك النتوء السافل – حين يسبق «دون»، قوةً واقتداراً، أحسه سيخاً في شرجي. ولا أنه بيقينه المهني ليس سوى حانوتي آخر، يضع رجلاً فوق رجل وسط أطلال الكارثة الحضارية. هنا كما في سائر الأعراف البدائية لبوليس الفصاحة، سأرضخ للائحة العمل في جريدة النهار (تلك المكتوبة قبل إعدام صدام، بل قبل إعلان إسرائيل دولة مساهمة عربية). أيهما الأصح: تخرّج في – أم من – الجامعة؟ لن أعترف لمحرري بأن طه حسين كان تافهاً بل سفيهاً، حين شغل نفسه بمثل هذا السؤال. وتجنباً للإحراج، لن أشير إليه مجرد إشارة، بأن «اقتراحاته» تشعرني أنني غريب على اللغة العربية («غريب على الخليج» عنوان قصيدة بدر شاكر). سأخفي قيئاً نحوياً يتصاعد في حلقي. وحتى أقنع بأن أئمة المساجد عنيدون كالبغال، ولا سبيل إلى سبر رؤوسهم بما يتيح تسريب بهجة المحرّمات، سأظل أساهم في تنفيذ مؤامرة محكمة، للتأكد من أن اللغة، لغتي، لا تعيش إلا خارج الكتابة.