بدر شاكر السياب

الصحراوي/الزراعي

الصحراوي ليلاً

“بلاي ستيشن”
والهدف – بلا ضوء
أن تظل سائراً -
دونما تصطدم بأجسام معدنية
ترعد على جانبيك
ولا تحيد إلى هلاكك
عن خط من دوائر فوسفورية
يظهر ويختفي
في الظلام
الموت الرحيم – قالت حبيبتي
ثم شهقت للمرة العاشرة
وأنا لا أستطيع
 أن أنظر إلى وجهها
هذا هو -
طريق التحدي
هل حينها حدّقتُ من جديد؟
نور الكشافين في أوج احتدامه
بالكاد يكشف مترين
سأقطعهما في ثوان
ولا آخِر للسواد المتحول من بعده
كالتلال أو العجين
كأن الأرض خلف الزجاج
والجسد مستسلم للجاذبية
أنت عطشان للفوانيس
تفتش عيناك خلف ظلال
تحسبها أشخاصاً يعبرون
عن سراب التماعات
برتقالية وعالية
وحين نصمت عبر نفق آخر
من اللا ضوء
حين تتصلب عضلات كتفينا
وتتسع أعيننا
فوق البئر الأفقية
نعرف كم هي قريبة غايتنا
لحظة شرود
في السرعة أو الزاوية
يمكن أن تضع حداً للتهاوي
وكم سيكون جميلاً في الحقيقة
أن تتوقف الحركة
كم هو رائع يا صغيرتي
أن ينتهي الطريق

.

ما أطول الزراعي

دون أن نصوم (في العشر الأواخر) تركنا طنطا عبر شارع البورصة
قلنا منطقة تجارية أكيد فاضية—نصف ساعة زحف وسط أكداس المتسوقين
عرق البروليتاريا يمطرنا والسيارة تخرم عجين اللحمة واللحى والقماش
وعيون المتخمين لِتَوّهِم تطالعنا بكراهية الرعاع لنبلاء الباستيل
ظلمات ترشيد الكهرباء ونحن خندق محفور في المدافن نصرةً لإخوتنا في غزة
دعك من أن غزة الآن أبعد من أنتاركتيكا والإخوة نفسهم يسبون الدين
من هنا حتى قويسنا بهائم الأسفلت بالكاد تتفادى الحفاة والحمير وهكذا
؎
على هذه الأرض – جارية الأرض – لا شيء يستحق الحياة
أم العائشين أم الميتين تصدّرين القفا للصفع أملاً في لقمة طرية
وسواء أتغير لفظه أو استمر ضمن الذل المستحب يظل اسمك مسبة
؎
تخوم قليوب تبشر بالوصول لم يعلمنا أحد بأي عَطَلَة في السكة
كان قتلة المتظاهرين – الأهالي – سدوا الطريق مرة أخرى احتجاجاً
وبينما نلتحق بصف الهاربين إلى المدقات الجانبية حيث الفجاج والحجارة
تذكرتُ كيف قلبنا الدنيا بالرقاد على التراب ولأنهم يقتلوننا صدقنا أننا نضحي
لغاية ما تحقق مطلبنا العبيط رجعنا بيوتنا ليحلّوا محلنا هم نفسهم
وهكذا مكّنا العصابة الأولى من تسليم البضاعة للعصابة الثانية حين متنا
بلا كبير جهد تغوطنا اللحظة اعتلينا النخلة وأغوتنا العينان الخلابتان ولكن
؎
كيف لعينيك أن تكونا غابتي نخيل وهما على هذا القدر من البجاحة
وكل عام لا يعشب الثرى ولا نجوع ما مر عام وجعنا بما يكفي لنسعى
نحن الغربان تشبع والجراد يعوي على تطلعات ستبقى أسطورية
؎
كانت المدقات مشرشرة بالحفر والمياه مركبات صناعية معطلة في العتمة
موكب مناوري “الهايواي” مثل ثعبان خرافي طالع نازل فوق جرف
ورغم وجود متفرجين من أهل المصانع على الجانبين فكرتُ أننا في مجاهل
هذا الذي نخوض فيه ببطء فيل كليم هو ما أزحنا عنه الحجر يوم ثرنا
خندق نبلنا محفوف بالأهالي رعاع حاقدون ومحتجون قتلة ولا باستيل
هل كانت الشعوب تثور دائماً قبل أن تتوفر لها الخدمات الأساسية
بلا طريق لا يعترضه المحرومون من الكهرباء هل نعمل ثورة أم نمثّل فالآن
؎
احترق المسرح من أركانه للمرة الألف لكنكم أنتم يا حبيبي الممثلون
لم تكن فلسطين لكم لأنكم أولاد قحبة من قبل أن تفقدوها
لم تصلحوا لشيء إلا التجول بين صفوف المتفرجين لتنادوا: كاكولا-بيبس
؎
الرحلة تستغرق ساعة خمس ساعات حتى يلوح “المحور” مخضّباً بالمشاة
وكأنه عذاب القبر نعيش من أول وجديد عاماً ونصف أو عامين من إحباطاتنا
فقدنا الأمل ليس في الثورة فقط ولكن في المستقبل أيضاً في النشطاء السياسيين
ولا عزاء للمدفونين حولنا لراشفي الشاي على شط هذه البركة للعميان بفعل فاعل
لا عزاء لنا نحن أيضاً يوم نُقتل أو نُحتَجَز ها هنا في المجاري الرطبة نستنبح
حتى الغضب يتفثأ حيث حر الليل وأخبار انهيار محدّق في الركن الخلفي للدماغ
كل التفاصيل التي يناقشها الأصدقاء تغدو ذباباً يئز ويغبّش البربريز فعلاً
؎
الناس في بلادي جارحون ولكن كعقارب غير سامة ليس عندهم غناء
حشرات منزلية في مطابخ الإنسان يعملون أي شيء من أجل قبضتي نقود
وطيبون في التسول أغبياء في إيمانهم بأن القَدَر فقط وساخة القرون

.

IMG_6397

الشعر غير الحر

في ذكرى دنقل


هل أجازف بإجحاف حق شاعر عظيم إذ أقول إن أمل دنقل لم يترك شيئاً يذكر لصالح الثورة المصرية؟ أقصد ثورة يناير المستمرة حتى يونيو على الأقل، على الرغم من إمكان استدعاء كعكة دنقل الحجرية كمعادل سبعيني لما جرى أخيراً في ميدان التحرير! إن احتجاجات الطلبة ضد تأجيل الحرب مع إسرائيل عام  1972 – ضد “حالة اللاسلم واللاحرب” التي جسدت أولى مراحل انحراف الرئيس السادات عن المسار الناصري، وكتب دنقل في شأنها قصيدة “سفر الخروج أو أغنية “الكعكة الحجرية” – لم تكن سوى وجه من وجوه مشروع قومي صار واضحاً أن “الربيع العربي” يعني تجاوزه على نحو جذري، بل ان المشروع القومي ذاك، لم يكن سوى تكريس لوعي “عربي- إسلامي” أدى، قبل بداية المشروع نفسه بقرن أو أكثر، إلى الاستعمار.
¶¶¶

Continue reading

لسان العرب

لكي يَقنَع مُحرري بصواب الصياغة، سيكون علي أن أجاريه في حجب الألف-لام نهائياً عن كلمة «بعض»، مع أن سيبويه نفسه لم يضن عليهما بالوصال (سيبويه لم يكن عربياً). أن أحشر في بداية «جَفَل» همزة على ألف، لحد الآن لم أدرك ضرورتها. أبدّل «عمل» بـ«فعل»، كل مرة. ولا أخنع للرغبة المبقبقة في الاستعاضة – بعد «مصاص» – عن الدماء بالدم، متناسياً أنني أشعر مع محرري مثل تائب يذكره الإمام بالفرائض: لا تسبق الأقوال قائلها، لا يأتي الاسم قبل الفعل (إلا مشفوعاً بـ«إنّ»)، لا تتصل جملتان معنوياً من غير عطف. لكنني في الحقيقة سعيد بفسقي، ووحده الإمام أساء فهم مروري على باب المسجد. يبدو أنني أعشق الأخطاء، أو قل أبحث في حائط مسمط عن خروم تتسع لأصابعي المتشبثة بالفصحى، فيما أتسلق إلى حيث لا لغة على الإطلاق. ويوم أصل إلى ذلك المكان (الجانب الآخر)، لن أرى إلا القدم الصغيرة لامرأة صينية من قرن سابق: عضواً ضامراً قيّحه الجمال. فأستريح للأبد من البديهيات: أن اللغة فعلاً صديق (لا يجب أن نبذل معه كل هذا الجهد)، أن الكلام يحيا في اصطلاحه، أن البلاغة لا يمكن أن تكون قدم امرأة صينية. لن أقول لمحرري إن «مِن» – ذلك النتوء السافل – حين يسبق «دون»، قوةً واقتداراً، أحسه سيخاً في شرجي. ولا أنه بيقينه المهني ليس سوى حانوتي آخر، يضع رجلاً فوق رجل وسط أطلال الكارثة الحضارية. هنا كما في سائر الأعراف البدائية لبوليس الفصاحة، سأرضخ للائحة العمل في جريدة النهار (تلك المكتوبة قبل إعدام صدام، بل قبل إعلان إسرائيل دولة مساهمة عربية). أيهما الأصح: تخرّج في – أم من – الجامعة؟ لن أعترف لمحرري بأن طه حسين كان تافهاً بل سفيهاً، حين شغل نفسه بمثل هذا السؤال. وتجنباً للإحراج، لن أشير إليه مجرد إشارة، بأن «اقتراحاته» تشعرني أنني غريب على اللغة العربية («غريب على الخليج» عنوان قصيدة بدر شاكر). سأخفي قيئاً نحوياً يتصاعد في حلقي. وحتى أقنع بأن أئمة المساجد عنيدون كالبغال، ولا سبيل إلى سبر رؤوسهم بما يتيح تسريب بهجة المحرّمات، سأظل أساهم في تنفيذ مؤامرة محكمة، للتأكد من أن اللغة، لغتي، لا تعيش إلا خارج الكتابة.