مهاب نصر: ربيع أم خريف عربي؟

من ثقافة الاستبداد.. إلى ثقافة {الحرام}

مهاب نصر

wpid-441794483-2011-12-18-23-40.jpg

قبل أن تتمكن الأحزاب ذات المرجعية الدينية من الوصول الى مقاعد الحكم في تونس والمغرب، وربما ليبيا، وتتنافس بقوة محتكرة المشهد الانتخابي في مصر مع الكثير من الجدل والصراع، بل الصراخ، والكثير من التخوفات والاتهامات المتبادلة أيضا، نشرت القبس تحقيقا حول أثر صعود المد الاصولي على الثقافة، وعلى قضايا حرية التعبير، خاصة أن الثورات التي هبت في المنطقة بما صار يعرف بكليشيه «الربيع العربي»، كان أحد أسسها هو الحريات، وتحطيم النظام الأبوي ليس على المستوى السياسي فحسب، بل على مستوى الأفكار والعلاقات الانسانية، وإعادة الاعتبار بالمعنى الواسع لروح ظلت في حال احتضار طويل على فراش الاستبداد، بمحاليل مسكنة من ثقافة مبتورة، ووعي موجّه.

تحذير سابق

كان تحذير أدونيس الذي لقي هجوما واسعا، وتضمن عدم اعتباره لما يدور في العالم العربي على أنه «ثورات»، كان تحذيره من كون هذه «الاحتجاجات» لا تحمل مشروعا فكريا تحرريا بديلا، تخوف من الطائفية، ومن المرجعية الأصولية، وهو أمر يتصل بمجمل مشروعه كله. وبغض النظر عن دوافع أدونيس ومدى جدية طرحه، فان الأيام جاءت بما كان يتخوف منه.

لكن لماذا يتخوف المثقف من الصعود «الأصولي»؟ اليس لكل فريق الحق في أن تكون له أيديولوجيته التي يدافع عنها؟ أم أن التخوف من أن الأيديولوجية الأصولية هي اقصائية بطبيعتها؟

قضية الشحات

حادثة «عبد المنعم الشحات»أحد أبرز الوجوه السلفية في مصر، التي أعلن فيها أن روايات نجيب محفوظ هي تحريض على الدعارة، كانت مثار هجوم عنيف من فئات واسعة، امتلأت صفحات الفيسبوك بمقاطع من أحاديثه والتعليق الساخر عليها، وتواترت الدعوات الى اسقاطه في الانتخابات، حيث اعتبر البعض فوزه، وهو ما لم يحدث، اهانة لكل انجاز حضاري.

سقط الشحات في الانتخابات بفارق كبير، لكن المشكلة لم تحل. والصراع لم يبدأ بعد.

في مؤتمر انتخابي للسلفيين بمدينة الاسكندرية، تمت تغطية أحد التماثيل المنصوبة في الميدان، كأنه وثن.

وفي المشروع الانتخابي لأحد الأحزاب التابعة للجماعة الاسلامية جاء فيما يتعلق بالثقافة أمران أحدهما يناقض الآخر: فهو من جهة يؤكد على الهوية الاسلامية للمجتمع، ولكنه من جهة أخرة وفي فقرة تالية يؤكد على أن إحدى مهامه توجيه وتأهيل المجتمع «اسلاميا».

ولكن أليس معنى هوية المجتمع «اسلامية» أن هذه هي ثقافته التي تشكل العنصر المشترك؟ فما معنى اذن تأهيل المجتمع لتقبلها؟

ثم ألا يعني هذا التأهيل السيطرة على منابع المعرفة والتعليم، بأسلوب توجيهي دعائي لا يختلف عن الأنظمة المستبدة التي قامت الثورات من أجل محوها؟.

كيف نفرح؟

في أحد الأعراس التي كان يقيمها الاخوان المسلمون، كان ثمة منشدون يؤدون أغنية تقول:

قد جاءنا في الآثار

عن النبي المختار

أن المنجي من النار:

لا اله الا الله

اللافت أن لحن الأغنية كان مأخوذا برمته من أغنية لبنانية شهيرة بعيدة كل البعد عن هذه الروح، يعرف مطلعها الكثيرون وهو «آه يا أم حمادة»، ولحن الأغنية اللبنانية كان بدوره منقولا عن أغنية داليدا «دارلا در لادادا»، وصحيح أن الفنون تتجاور وتتلاقح. لكن الحادثة التي رأيتها بنفسي كانت ذات دلالتين.

الأولى التحرج في أغنية للعرس من ذكر مشاعر الفرح بالحب واللقاء وعلاقة الرجل بالمرأة، والثاني هو هذا الفقر الشديد في القدرة على ابداع فن «اسلامي» وهو ما تفتأ الجماعات الأصولية في ترديده بوهم أن لها «رؤية حضارية».

كيف تنبني رؤية حضارية على التحرج، كيف تنبني على الحذر والتخوف من «الحلال والحرام»، اليس هذا اختزالا للتجربة الانسانية برمتها في صورة الصواب والخطأ، ومشاعر التأثم؟ هل يعيش الانسان فقط مترصدا حالة «الذنب»؟

تدريجيا تبدو الرؤى الاصولية كما تجلت في ممارسات أصحابها مبنية على ما يمنع، لا على ما يبدع: تظاهرات ضد نشر كتاب هنا، وتهديدات بالقتل لهذا المؤلف أو ذاك، وبلاغات الى السلطة، التي ينكرون شرعيتها أصلا، من أجل منع فيلم، أو مصادرة مؤلف يختلفون معه في الرأي.

الحياة بالسلب

صارت «الهوية» فزاعة للتخويف، لا مصدر إلهام. الغريب أنها فزاعة تتفق تماما مع النظام الاستبدادي الذي لا يريد للشعوب الا أن تظل أسيرة وعيها المحلي الضيق، وتجربتها الملتبسة، بل حتى اختزال هذه التجربة. فالمعركة التي دارت حول كتاب الف ليلة وليلة، وهو أحد أهم الذخائر العربية الاسلامية، أظهرت الطبيعة الاختزالية لثقافة «الحرام».

الاختبار الحقيقي لأي تيار مهما كانت مشاربه، اذا كان يصدق فعلا أنه يريد التغيير والحرية والكرامة للناس، هي في قدرته على ابتكار منظومة ابداعية، تكون برهانا على أن «الهوية» لا تساوي «الحياة بالحذف» بل بالاضافة.

جريدة القبس

الكابوس

النهار: الاثنين 01 آب 2011 – السنة 78 – العدد 24465

wpid-img_2165-2011-08-1-07-54.jpg

الكابوس

بقلم يوسف رخّا

منذ خمسة أشهر، يوظف المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية مفردات تحرك يناير- فبراير، إضافة إلى آليات “الثورة المضادة”، بهدف تقويض انتفاضة اختُزلت من دون جهد إلى تحرك عسكري تحالفت معه القوى “الإسلامية” لاستغلال الجهل والفقر في قطع الطريق على الحقوق والحريات. وعلى رغم استمرار الاحتجاج على نطاق أضيق، اختلط الخطاب الثوري بـ”الوطنية” واقتصرت “المطالب” على القصاص.

“على أساس تضرب كوفية مبلولة خل وتحط بصلاية ف جيبك وتمسك قزازة كوكاكولا تليّط بيها خلقتك وتنزل تجري ف الشارع من أول وجديد، ويرجع يقولك الشعب والجيش إيد واحدة، وبعدين ما تبقاش عارف بقى:

دلوقتي ممكن تطلع إنت شخصياً جاسوس إسرائيلي ف أي لحظة” (“تحديث” status الكاتب على موقع Facebook في ليل الخميس 30 يونيو)

تُرافقنا الأشباح منذ ١١ فبراير، قبل أن يبرحنا الشتاء. الأشباح التي اختلفت تجلياتها باختلاف السياقات – من “أذناب” أو “فلول” إلى “بلطجية” فـ”سلفيين” ثم، حتى، “عملاء” (وما “الشبيحة” والجواسيس إلا نحن) – لم تكف عن ترويعنا حيثما حللنا. كنا نظن ما شهدناه في “الميدان” سيعمّ المدينة من تلقاء نفسه، مغادراً الدبابات المعطّلة إلى خارج الحواجز البشرية والأسلاك الشائكة… ظلت الأشباح ترافقنا. أقمنا طقوساً لطردها – أكثر من “زار” – لكنها بقيت؛ والآن يئسنا من أن تغادرنا. يئسنا حد الاقتناع بأنها ليست شريرة أو ليست غريبة عنا، بأننا نحن الأشباح.

¶¶¶

أثناء اعتصام التحرير الأول وفي أعقاب إعلان تنحي مبارك، كنت متعاطفاً مع الإسلاميين. كان هناك شيء اسمه الشعب وكانوا جزءاً من ذلك الشيء بغض النظر عن اختلافهم عني أو خطورتهم عليَّ.

فرحتُ بغياب الشرطة وحضور الضمير حتى صدّقتُ، أو كدتُ، أن أمن الدولة سقط وأن الإسلاميين بعدما ماتوا وسط أقرانهم من غير الإسلاميين، سيكفّون عن خدمة المصالح القمعية كما دأبوا على أن يفعلوا منذ التسعينات سواء بوعي أو بغير وعي، سواء كموالين للسلطة أو كذرائع لممارساتها. وصدّقتُ أن شيئاً اسمه حكومة عصام شرف، مؤمناً بمبادئ شيء اسمه الثورة الشعبية، سيحكم شيئاً اسمه مصر، يمكنني أخيراً أن أنتمي إليه. لا دولة بوليسية بعد اليوم، لا تعذيب وتلفيق وإرهاب منظم، لا إعلام موجه إن لم يكن كاذباً ولا وزارة ثقافة: هذا ما كان يخطر ببالي فتملأني بهجة لم أعرفها في حياتي. اختفت الهجرة كاحتمال دائم وبدأتُ أفكر في الاستقالة من عملي الحكومي. حين أقرأ الفاتحة على ضحايا الاحتجاجات، كنت أشعر بامتنان عميق يشوبه الإحساس بالذنب.

منذ ذلك الحين، طبعاً، تغيّر كل شيء.

¶¶¶

اليوم السبت ٢٣ يوليو. الجيش يضرب المتظاهرين في الشوارع بمعاونة الأمن وأهالي العباسية، وفي وسائل الإعلام يقول إنه نزل ليحمي الشعب المصري العظيم. يتكرر الكلام عن أن التحرك جزء من مخطط أجنبي لتقسيم البلاد العربية وتقويضها على اعتبار أنها لم تكن مقوّضة من قبل، وأن القوى المحركة للتمرد والعصيان إنما تثير الوقيعة بين الشعب وجيشه.

الفنجري الذي ضرب سلاماً للشهداء كان “يشخط فينا” منذ أسبوع، والرويني الذي لم نسمع به من قبل يعترف بأن المجلس العسكري يروّج الشائعات. مبارك تمام التمام طالما طنطاوي يحكم. لكن بخلاف أيام “الثورة”، الحياة تسير على طبيعتها، بما في ذلك “عجلة الإنتاج” المزعومة والكلام عن المؤامرات الخارجية، عن لقمة العيش والاقتصاد؛ خوفاً على لقمة العيش ربما، سلطة القمع العسكرية تصبح مدعومة من “الأغلبية الصامتة”. والناس تصدّق أن “بتوع التحرير” جواسيس وعملاء. جواسيس على ماذا وعملاء لمن؟ لا أحد يريد أن يعرف. وحتى لو كان التغيير في اتجاه الحقوق والحريات الأساسية من تدبير أميركي، مثلاً، فهل معنى التحرر من السطوة الأميركية – “المقاومة” – أن نرفض الحقوق والحريات؟ وهل كان نظام مبارك الذي لم يزل قائماً في شكل المجلس العسكري، ليحرمنا تلك الحقوق والحريات أساساً أو يغرقنا في الجهل والفقر والعماء الإيديولوجي إلا بغطاء أميركي؟

الحياة تسير على طبيعتها، ولا يبدو أن هناك مخرجاً بعد من الديكتاتورية العسكرية القائمة منذ 1952 بدعوى مقاومة الاستعمار الأجنبي.

¶¶¶

لم أشارك في التظاهرات ولا الاعتصام منذ أيام. تمر الحياة كئيبة ولا شيء. فقط غضب متضارب ورغبة غير مسبوقة في الهجرة. حتى القوى “الثورية” تثير غثياني. هل كان نظام مبارك بكل وساخاته يعكس الشعب الذي يحكمه بنخبه ومعارضيه؟ ربما كان الشعب أوسخ حتى من نظام مبارك. أوسخ لأنه أغبى، لأنه أكسل من أن يعرف الحقيقة وأجبن من أن يكون عنده ضمير. لا استعداد لشيء مختلف أو جديد. “اللي نعرفه أحسن م اللي ما نعرفوش”، لكن بما أننا جهلة فالذي نعرفه هذا محدود فعلاً، ولا بد، في اصطدامه بأي شيء سواه، أن يكون عنيفاً وعبثياً. للمرة الأولى منذ شهرين على الأقل أبكي مجدداً على الشهداء. أبكي بالدموع، بكاء حقيقياً.

¶¶¶

تأخر كثيراً الاعتصام الثاني في التحرير على رغم انتشار الاحتجاجات – أصبح الشعب يريد أشياء في عينها من قبل أن يسقط النظام: مساكن مجانية أو أجوراً أعلى، الإفراج عن عمر عبد الرحمن وعودته إلى أرض الوطن، طرد السفير الإسرائيلي (لم يكن لضباط الجيش أي صبر على ذلك المطلب الأخير فضربوا المحتجين أمام السفارة بالرصاص الحي وألقوا القبض عليهم وأذلّوهم في الشوارع قبل أن يعرّضوهم مع غيرهم لمحاكمات عسكرية) – كما عاد الإسلاميون ليس فقط إلى اختلافهم وخطورتهم وإنما، وهو الأسوأ، إلى خدمة المصالح القمعية.

لم يتكرر قط مشهد خروج الناس إلى الشوارع يوم 28 يناير، وبدأ الخطاب الثوري نفسه يفقد تأثيره مع ملل التكرار: شعارات ومطالب ومواطنون شرفاء من ناحية، والتفاف وثورة مضادة وبلطجية من ناحية أخرى… لم أفهم كيف يمكن محاكمة رموز النظام السابق حتى لو حدثت، أن تكون عادلة. لم أفهم ممن يتوقع الثوار تنفيذ مطالبهم سلمياً بينما السلطة في يد الجناح العسكري للنظام السابق، والوجوه نفسها كما هي، والقيم، وكل مؤسسات الدولة على ما كانت عليه.

بالرغم من ظهور واحد للأمن المركزي كشف عن وصول قنابل غاز أعصاب مستوردة من أميركا في مايو، كما أكد أن احتقار الشرطة للناس لم يتأثر بالأحداث، كانت طاقة الاعتراض والمعارضة قد انصبّت على المجلس العسكري أو سلطته المطلقة، غير الدستورية؛ أدهشني أيضاً أن هذا لم يكن قد حدث من قبل، أن المحتجين لم يناوئوا المجلس العسكري حين كانت الشرطة العسكرية تكهرب المعتصمين وتكشف على عذرية المتظاهرات (ستأتي “أحداث العباسية” لتؤكد أننا بتسليم الثورة للجيش بناء على طلب مبارك إنما أصبحنا في صدد انقلاب عسكري: الثاني في تاريخنا الحديث). وأدهشتني قدرة من سُموا إجمالاً بالثوار – بالذات المثقفين منهم – على القبول بالحكم العسكري في أعقاب “المعجزة” التي تمكنوا من تحقيقها بل والسعي الصريح إلى الافادة منه.

على أكثر من مستوى، في ما بعد، سينتابني الشعور بأننا كمصريين إنما كنا “نهوّش” أنفسنا بالتغيير في حين أننا لا نريده حقيقة أو لسنا قادرين عليه. وبدأتُ أشك ليس في أن ثورة قامت، ولكن في فكرة الثورة نفسها وسط الملابسات. حزنتُ مثلاً حين تمكن المجلس العسكري من إمرار التعديلات الدستورية “ديموقراطياً” بمعاونة الإخوان المسلمين. حزنتُ أننا لم نزل مضطرين إلى مناقشة بديهيات من قبيل الحقوق المدنية الأساسية. وحزنتُ حين اتضح أن مجلس التحرير المنتخب في جريدتي لا يعكس أي وعي أخلاقي أو مهني مختلف ولا يسعى إلى تغيير أي شيء.

¶¶¶

كانت غريزة البقاء تعبّر عن نفسها في تكريس الحاصل وفي الشكوى منه بآليات النفاق المقنن ذاتها – في النواح على أن شيئاً لم يتغير، أو لن، بينما النائح لا يساهم في الحد الأدنى في احتمال تغيير – وكان يتضح أيضاً أن الحاصل حاصل لأن الناس غير قادرة على سواه. بدأتُ أرى حماسة بعض الأصدقاء للثورة، فضلاً عن مثاليته المجانية، في ضوء دوافع من قبيل الترفيه عن أنفسهم أو التعبير عن تمايز طبقي أو ثقافي أو حتى التظاهر بأنهم مختلفون عن عامة الناس، وتشكيك آخرين في جدواها في ضوء إدراك غير معلن وربما لا واعٍ لأنهم مستفيدون.

قبل حلول الصيف – بينما الأشباح ترافقنا ولا ينفع معها زار – كانت تفاصيل الحياة اليومية قد أفقدتني مشاعر طيبة تجاه الكثير من الناس. أفقدتني بهجة الانتماء الأولى والأمل في أرضية مجتمعية يمكن الوقوف عليها. وبالتدريج أفقدتني اهتمامي الحديث جداً بالشأن العام.

في ما يخص الشأن العام بالتحديد، أستطيع أن أقول إن ما سيحدث من الآن فصاعداً لا يعنيني ولا أشعر بأنني سأكون طرفاً فيه أكثر مما كنت طرفاً في ما كان يحدث أيام مبارك. وحدها هذه الحقيقة التي تسمح لي بإصدار “كتاب” آخر عن “الثورة”.

الذي يحدث لا يعنيني لكنني سأعبّر عن نفسي بلا اعتبارات “مرحلية” أو حسابات توافقية؛ ولن أسمح لأي ابن (…) بأن يحشرني في علبة مفبركة مسبقاً داخل مصانع وعي ليس وعيي أو أن يحمّلني عبئاً يزيد على عبء وجودي كشخص يشعل الآن سيجارة في غرفة مكيفة الهواء. أعترف عن طيب خاطر بأنني لا أملك حلولاً صحيال ما أراه أمامي من مسائل أكثر مما يملك أي “سلفي” جاهل أو أمين شرطة سادي؛ فقط صرت على يقين أن 23 يوليو هو الكابوس الذي لن تكون حياتي سوى محاولة فاشلة بالضرورة للإفاقة منه.

…………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

جميع الحقوق محفوظة – © جريدة النهار 2011

ما زالوا يدفعوننا على سلالم العمارات


المستقبل – الاحد 8 أيار 2011 – العدد 3990 – نوافذ – صفحة 11

القاهرة ـ يوسف رخا
لماذا أفكر الآن أكثر من أي وقت مضى في ما تعنيه كلمة مثقف؟ في كونها أشبه بوظيفة أو مرض. كأن تقول: سبّاك؛ أو: بعيد عنك عنده الكلى. وفي أن الأقرب إلى معناها كما تُستخدم هو متعلم. إنها حتى بهذا المعنى زائفة لأن المثقفين الذين تصفهم لم يتعلموا جيداً نتيجة استيلاء النظام على المدارس والجامعات منذ الخمسينيات؟ وأفكر في السر وراء إخفاق من تصفهم هذه الكلمة في تحمل ولو جزء تافه من المسؤولية التي اضطلعوا بها دون أن يطالبهم أحد بذلك. إخفاقهم المتكرر على المستوى العام والخاص، وحتى على مستوى إنجازهم الشخصي: لماذا يقع سهم المثقفين دائماً بين أقدامهم، ولماذا دائماً يوجهونه إلى هدف خارج المساحة التي يشغلونها؟
لعلها الغباوة ببساطة، أفكر: إن الخيال محدود فعلاً، والعلاقة بالكتب وأنماط الحياة “المتحضرة” مفتعلة ومستحدثة. لكن هناك شيئاً حقيراً في اليأس أو عدم الثقة اللذين يجعلانك تشكّك في تحقّق الأهداف بينما الأهداف تتحقق أمام عينيك: لم يكن المستحيل هو محاكمة آل مبارك وحل أمن الدولة. لم تكن المشكلة في “الالتفاف” على شيء من ذلك من جانب عملاء محددين وواعين بدورهم للثورة المضادة. المستحيل والمشكلة كان في القدرة على تخيل عالم بلا مؤامرات أو في الإصرار على محاولة تخيل ذلك العالم، كما في الإصرار على أن مصر دولة مدنية، بلا اعتبار للمحيط الأوسع. المستحيل والمشكلة في شخص ينظر إلى مواطنيه من ارتفاع دون أن يختلف عنهم في شيء أكثر من هذه النظرة. لعلها الغباوة، أقول.
هناك كراهية ذات تتجاوز الوعي بها. كما عند السلفيين كذلك عند المسلمين من كارهي الإسلام. كان حقيراً مثلاً أن يتصرف “اليساريون” الأكبر سناً بما يفضح رغبتهم في تولي وزارة الثقافة، وفي الوقت الذي تبدت فيه لأول مرة فرصة حقيقية لتحرير النشاط الثقافي من وصاية الدولة بإلغائها، وإن على المستوى الذهني: لماذا نطلق أجيالاً أخرى تظن الثقافة شيئاً مرتبطاً بالدولة وصلاحها في كنفها؟ لم يصمم أحد على أن وزارة الثقافة مثلها مثل الإعلام التي أُلغيت بالفعل هي إحدى صور الدولة البوليسية. كان السؤال الرائج هو من سيتولاها. وكأنك وهو ما لاحظته بطول وعرض الجماعة “الثورية” بعد أن تأكدت من ذيوعه خارجها لا تعترض على الفتوة الظالم إلا لتسبتدله بفتوة “أجدع” منه… كأنك ورغم كل كلامك عن حياة تجاوزت الفتوة أو كان يجب أن تتجاوزها لست مستعداً لأن تتحمل مسؤولية نفسك أو تفترض في أهل حارتك القدرة على أن يتركوك في سلام. حتى وأنت مثقف تقدمي إلى الأمام ثورة ثورة حتى وأنت امرأة مستقلة مثلاً لابد من فتوة يسرقك ليضمن سلامتك مثل رب عائلة يبقيك حيث أنت ليصرف عليك.
يخطر لي الآن أن المثقفين في تمسكهم بفكرة الثورة المضادة إنما كانوا يدافعون عن أنفسهم هم، عن المكان الذي استمدوا منه طاقة وجودهم منذ انقلاب 1952 و”الاستقلال الوطني” مع كل تداعياته التي بررت جهلهم وتعالمهم والتفافهم على القيم التي يدعون الحياة بها، ثم كون خطابهم مطابقاً للخطاب “الإسلامي” في شموليته وكونه في جوهره طريقة لممارسة السلطة على من سواهم والتنافس على أمجاد صغيرة في ما بينهم.
منذ السبعينيات أو في أعقابها انعزل الخطاب “المثقفيني” عن “السياسة” فعلاً، ما جعل السياسة حكراً على “الإسلاميين”، لكنه ورغم التباهي بالخاص على حساب العام والمبالغة في الترويج لفكرة الفرد في غياب مجتمع يسمح بالحد الأدنى من الفردية، لم يتجاوز نهم الوصاية والسعي إلى تمايز مستبد، إن لم يكن عن طريق “المركز” الاجتماعي صريحاً فعن طريق الحرمان من ذلك المركز والتظاهر برفضه… لحظة يتحول الوضع القائم بالفعل أو يكون على وشك التحول، لو لم يظهر في المتون “تحول مضاد” يتمرد عليه المثقفون من مواقعهم في الهوامش لو لم يصبح الواقع الجديد مؤامرة لا يقدر على كشفها إلا وعيهم ماذا يبرر وجود “مثقفين” أصلاً؟ وما الفرق بين انحياز المثقفين للجيش – عملياً – ومنطق “اللجان الشعبية”؟
يخطر لي الآن أن الناس انقسمت منذ أول يوم وإن بدا أن الشعب الذي يمكن أن نسميه شعباً كله في ميدان التحرير. وقبل حتى إثارة البلبلة وتكثيف الخطابات الموجهة إلى عقليات جاهزة للارتعاب والانتماء القبلي، تقديس الرموز وتصديق الخرافات، عقب الهزيمة المنكرة للشرطة والتي لم يعلن فرد واحد من أفرادها انضمامه للمتظاهرين بالمناسبة، ولا فرد كان أول رد فعل للنظام هو الترويج للفوضى والجريمة قولاً وفعلاً وجعل اشتراكك في الاعتصام يمثل تهديداً (حقيقياً أو متخيلاً) على بيتك بما ومن فيه، الأمر الذي أدى إلى انطلاق شعارات مثل: يا أهالينا ضموا علينا. يخطر لي أن اللجان الشعبية بغض النظر عن “تجاوزاتها” كانت التعبير الأصدق عن الأبوية البوليسية نفسها التي قامت الثورة ضدها، ورغم أن الانشغال بحماية الممتلكات والأرواح لم يكن حكراً على المعادين للتحرك: القيم التي مثلتها اللجان الشعبية كانت بحذافيرها قيم الثورة المضادة. يخطر لي ذلك وأشعر بانقباض، كلما حدست أن البلد أقرب من معتصمي التحرير إجمالاً إلى اللجان الشعبية. وإلى الآن كلما تأكد الحدس أذكّر نفسي بأنه عبر أنحاء مصر في الثامن والعشرين من يناير 2011، ظهر الله. وإلى أن ينجر الخائفون إلى كلام يشبه كلام النظام الذي سقط عن أن هناك مصالح استراتيجية لدول تستهدف أمننا وسلامتنا أو “أجندات” نحن طبعاً فل الفل دائماً، وعلى اعتبار أن حكومتنا لم تنفذ أبداً، وضد رغبة شعبها، أجندات دولة لا تزال تُعرّف في الأدبيات الرسمية بكلمة “العدو”، لا يمكن أن يحدث عندنا شيء سيء إلا لو كانت هناك مؤامرة لإيذائنا من جانب جهات خارجية تستغل سذاجة المتحمسين، وعلى اعتبار أن الانفلات الأمني وتعطُّل “عجلة الإنتاج” شيء سيء، بل وعلى اعتبار أن القمع مقبول طالما أنه يأتي من الجيش الذي حمى الثورة سيخطر لي أنه الجنون ذاته الذي يصيب أباً فقيراً ليس في بيته شيء ذو قيمة وهو يبالغ في تأمين البيت خوفاً من الحرامية، وعندما يضج أبناؤه بالحياة التي يعيشونها معه لا يتردد في الاستعانة بصديقه أمين الشرطة ليبيتهم ليلة في الحجز حتى يقدّروا النعمة التي هم فيها فيكون قد لقنهم درساً يعينهم على صعوبات الحياة.
ومع ذلك فإن المثقفين والمسيسين حين يتحدثون عن الدولة المدنية، لا يضعونها على نقيض الدولة العسكرية القائم تهديدها بشكل مباشر؛ المدنية التي يقصدونها هي اللا-دينية (أليس مضحكاً أن يحدث تحالف بين الجيش والإخوان المسلمين بل وبين الإخوان المسلمين وبقايا الحزب الوطني من أجل تمرير التعديلات الدستورية؟) وهو ما كان المثقفون والمسيسون مشغولين به دون النظر إلى المجتمع المحيط بهم من قبل حتى أن يتنحى مبارك: المادة الثانية من الدستور، والدولة اللا-دينية. ومدفوعاً بتضامني الصادق معهم، أنا، وجدتُني أتساءل: عندما تصبح مصر دولة مدنية بحذف المادة الثانية من الدستور، هل يعني ذلك أنه لن يكون فيها ذقون ولا مخابيل ولا جيران يحشرون أنوفهم في شؤون جيرانهم أو بوليس آداب؟ هل أن مصر ستكون خالية من حاملي “السنج” المكشوفة صدورهم وقد “ضربوا” برشاماً تحت أعين آباء متقيحين من واجبنا احترامهم وهم يدفعوننا على سلالم العمارات مفضّلين أن نموت على أن نستمتع بمباهج الحياة؟ هل يضمن الدستور حق الاعتراض على التفاهة والغباوة في الأوساط والعياذ بالله الفكرية؟ وماذا عن أمي وغيرها من المتدينين العاديين جداً في الحياة؟ (أمي نفسها التي كانت ترفض وبشدة إلغاء المادة الثانية من الدستور ستقود فيلقاً كاملاً من أصدقائها وأقاربها مع الخادمات والبوابين إلى صندوق الاقتراع ليصوّتوا جميعاً بـ “لا” للتعديلات الدستورية، وفي يوم هكذا سيخبرني الجميع إثر عودتي فاقت فيه سعادة “الناس العاديين” سعادتهم بالثورة، لأنهم ولأول مرة في حياتهم ظنوا أنفسهم يشتركون فعلاً في تقرير المصير… والمصير لا يقرره إلا المضطلعون الذين لهم سنوات طويلة بـ”العملية الانتخابية” من ذقون وفلول وأناس يحملون الهراوات.) مصر دولة مدنية؟ طيب! بين يوم وليلة إذن سيكف البنات عن التحجب من تلقاء أنفسهن، وستكف القوادة باسم التحضر في المقابل بين طلائع لن يكونوا جهلة ومستهترين ولن يضحوا برغباتهم الأصدق من أجل المناظر والمكاسب. سيمكنك أن تقبّل حبيبتك على النيل دون أن تكون من مُلّاك السيارات ودون أن يظهر لك مخبر أو واحد يعرض عليك، بسعر ابتزازي، “قعدة عائلية”. وستتخذ الصلة بالغرب أشكالاً غير نموذج “الخرتي” الراغب في الهجرة بأي ثمن، مؤجّر جسده في سبيل “الحرية”. وحتى العلاقات المثلية عابرة الثقافات أو الطبقات ستكون بين ندين فعلاً بدلاً من أن تظل بين غني عجوز وفقير شاب ليس بالضرورة مثلياً… هكذا بين يوم وليلة… بمجرد حذف المادة الثانية من الدستور، لأن مصر الآن دولة مدنية. لا للتخلف. لا لقمع الحريات. لا للدولة الدينية. وقّعنا البيان الألف وخمسمائة ومليون وخرجنا نبحث عن خمرة ونسوان بينما زوجاتنا يُرضعن العيال في البيوت هيييييييييييييييييييييه! مصر دولة مدنية. ليس عن تعاطف مع الفكر أو النشاط الإسلامي أبداً، خمس مرات في اليوم كنت أردد: اللهم إني أبرأ إليك من الثقافة والمثقفين. وعلى “الفيسبوك”، من الكويت، انتبهتُ إلى “إبراهيم” يقول إن هناك الكثير من ضباط البوليس الشرفاء ومثلهم في المجالات كلها التي كان يسيطر عليها النظام. كتبت لإبراهيم رداً على ذلك أنه في بلد من العادي فيه أن يتحول المجند إلى خادم منزلي لدى ضابط شرطة هو نفسه بالكاد يجد قوت يومه، من الصعب الكلام عن مواطنين شرفاء؛ لم أكتب أنني لا أعرف، في السياق، ماذا يمكن أن تعني كلمة شرفاء. ومن ينطق بكلمة وعي أمامي، من الآن فصاعداً، سوف ألكمه في وجهه بلا تحذير.

فتنة الغضب

تبدأ المسألة بتجنيد الشعب لصالح أغراض النظام، ويتضح أن هناك استعداداً لذلك من جانب قطاع عريض من المعدمين والمجرمين والعاملين في الحكومة سواء رسمياً أو “من تحت لتحت”. لكي تَخرج “مليونيات” على الجانب الآخر من الحائط اللامرئي الذي قام بين “الميدان” وما سواه، يصبح هناك بلطجية يسمونهم “مؤيدي مبارك” إلى أن يعترفوا، وبعد إخفاق المصلحة في مواجهة الإرادة، بأنهم بلطجية وأنهم مسلحون. ليس فقط نتيجة إخفاق المصلحة أمام الإرادة، وبدليل أنهم لا يعترفون بتعاون البلطجية مع أجهزة الأمن ولا يسعون لتمييزهم عن المتظاهرين واللجان الشعبية (المفترض أنها محايدة) حتى بعد أن يُعلن عن سقوط مبارك. بالتدريج يصبح هناك شيء اسمه بلطجية، ويصبح هذا الشيء سبباً ليس فقط في أن يرتعب الناس عامة من “الانفلات الأمني” فينادوا بعودة الشرطة ويحملّوا المتظاهرين مسئولية حدوثه ولكن أيضاً في البطش بالمحتجين ما إن تقل أعدادهم بما يكفي لفعل ذلك في خفاء نسبي. وحتى المثقفون والمسيسون و”شباب الغضب” أنفسهم، لكي لا يغامروا بتحالفهم المفترض مع المجلس العسكري الذي تولى عن نظام مبارك مسئولية حفظ الأمن والاستقرار – لكي لا يعترفوا بأن المجلس العسكري ليس سوى نظام مبارك – يمتنعون عن التظاهر في غير الأوقات المتفق عليها ويتبرأون من خارقي حظر التجوال (علماً بأنه لولا خرق الحظر في الفترة من 28 يناير إلى 11 فبراير، لما “نجحت” الثورة أساساً). يصبح الاحتجاج السلمي مع الوقت بلطجة يعاقب عليها القانون. تتحول الثورة وبعد “نجاحها” إلى فتنة

Enhanced by Zemanta