Late-night coffee-قهوة منتصف الليل

تعليق على الفتنة

This slideshow requires JavaScript.


مساء ٩ أكتوبر، انضم الأهالي ممن حرضتهم قنوات التلفزيون الرسمية والدينية على “النصارى” إلى ميليشيات “البلطجية” الموالية للسلطات فضلاً عن الأمن المركزي والشرطة العسكرية، ليس بغرض تفريق وترويع وإنما بغرض إيذاء مسيرة احتجاج سلمية مناصرة لحقوق الأقباط إيذاء متعمداً: ضُرب الحصار على المحتجين في منطقة “ماسبيرو” وقد تعرضوا لعدوان أخف في الطريق إلى هناك من نقطة انطلاقهم في “شبرا” على يد “المواطنين الشرفاء” من المسلمين. ولأول مرة في حياتي سمعتُ بأناس – خارج مجال التظاهرة – ينهالون على الأفراد ضرباً أو حتى يقتلونهم بدم بارد لمجرد أنهم مسيحيون.

كانت مدرعات القوات المسلحة المصرية تدهس رؤوس العزل ممن أُطلق عليهم الرصاص الحي. وقيل في تبرير ذلك – كذباً – إن المحتجين كانوا مسلحين وبصدد قتل جيشنا الوطني قليل الحيلة، فوجهت المذيعة “رشا مجدي” نداء إلى الشعب بنجدة جيشه ضد عدوان الأقباط ممن عُرف عنهم طوال التاريخ الحديث أنهم مسالمون إلى حد التفريط في الحقوق بل ونُعتوا بالجبن نتيجة لذلك، ثم اعتُقل عدد من المحتجين بعدما مُثّل بالجثث وقُذف بها في النيل؛ ولم يثبت أن جندياً واحداً مات خلال حدث ستظل الأدبيات الرسمية تصفه بكلمة “مواجهات” بين أفراد الجيش والمتظاهرين الأقباط، علماً بأن بعض المتظاهرين وأحد الوفيات من المسلمين. كان بين الضحايا أحد أشجع ثوار يناير، الشاب “مينا دانيال” ذو التسعة عشر عاماً، والذي ذهب إلى ماسبيرو ليلتها – كما صرحت أخته لاحقاً – يراوده الاستشهاد.

وبينما اتخذت غالبية المسلمين موقفاً طائفياً صريحاً إن لم يكن مناصراً للمجلس العسكري الذي صار يقيناً أنه امتداد لنظام مبارك المدعوم من واشنطن، كانت أسر الضحايا تقول إن أعراساً تقام لهم في السماء وإنهم ليسوا خسارة في المسيح.

عندما يعبّر مفجوع عن إيمانه، عن فرحته باستشهاد الفقيد، يكون صوته على حافة الكفر تماماً؛ هذا وحده يجعل كلامه مؤثراً.

في الأيام التالية بت مذهولاً. كنت قد تعرضت لحادث نشل بحجة “خناقة” في “المهندسين”؛ أكثر من صديق لاقى قطاع طريق ضربوه وأخذوا ما معه؛ واعتُدي على أكثر من صديق لأن “شكله أجنبي”. بدا لي، بغض النظر عن الفاشستية الطافية أسرع فأسرع إلى سطح الحياة، أن القاهرة لم تعد “آمنة” كما اعتدنا أن نقول عنها، محملين “الداخلية” وحدها وزر الإرهاب الممنهج. لكن ما أذهلني لم يكن القلق و”الانفلات”. لم يكن – حتى – ما أقدم عليه الجيش من جرائم حرب وما تبعه من كذب مفضوح عن سرقة المدرعات ومؤامرات خارجية؛ إلى الآن، مؤامرات خارجية! لا. ما أذهلني وأشعرني بغربة لم أحسها في عمري هو قابلية المواطنين من مختلف الطبقات، حتى المتعلمين منهم، حتى “المثقفين”، على تنحية ليس فقط وعيهم السياسي وضمائرهم وحتى تعاليم “الدين الحنيف” الذي يستغلونه في اقتراف أضرار تتراوح ما بين التلوث السمعي وقمع الحريات الشخصية ولكن أيضاً رغبتهم في معرفة الحقيقة. ما أذهلني هو قابلية المصريين على تنحية رغبتهم في معرفة الحقيقة نتيجة كراهيتهم المجانية لقوم مظلومين لا يختلفون عنهم على الإطلاق.

“الفتنة” التي اتُهم بها القوم إجمالاً أشعلها في الحقيقة محافظ أسوان (ضابط الجيش السابق، والذي أوصت لجنة تقصي الحقائق المعنية بإقالته فوراً قبل أيام من المذبحة، بلا فائدة)، حين أثنى تلفزيونياً على “شبابنا الملتزم” من المسلمين الذين تطوعوا بإحراق كنيسة تقام فيها الصلوات منذ عقود بحجة أن المبنى غير مرخص لهذا الغرض. لكن هذا لغط مفارق…

لأول مرة في حياتي أخجل من أنني مسلم.