الهوية الجامعة بتاعت النوايا الحسنة

wpid-img_4912-2013-07-27-03-13.jpg

من المفارقات المربكة فعلاً – ومن الحاجات اللي علّمت الواحد إنه يكون متواضع ومتمهل في محاولة فهم الأوضاع السياسية بعيداً عن الافتراضات الثقافية والأخلاقية – إنه لما حصلت أحداث ماسبيرو، وتبعاً للتصور الموروث عن اضطلاع الغرب بـ”حماية حقوق الأقليات”، كان المتوقع إن الغرب ده حيهب لنصرة الأقباط (والفكرة دي كانت متسلطة لدرجة إنه الواحد اتهيأ له إن المجلس العسكري كده بيغامر باستجلاب قوى غربية) لكن في الواقع طبعاً ما حصلش أي ردة فعل خالص بل على العكس حصل تجديد لمبايعة المجلس العسكري كوسيط التحول الديمقراطي المخلص مع إن المجلس العسكري وقتها كان بيمارس حكم عسكري مباشر وغاشم فعلاً… بينما لما حصلت أحداث الحرس الجمهوري، وخلاف التصور التقليدي برضه عن عداء الغرب للإسلام السياسي أو قلقه منه، الدنيا قامت على انتهاكات حقوق المدنيين واغتيال الديمقراطية بالانقلاب العسكري وما إليه، مع إنه المجلس العسكري دلوقتي بيتحرك بغطاء شعبي حقيقي ومن خلال المحكمة الدستورية. ولسه لحد النهارده بيتقال إنه ما ينفعش إقصاء الإخوان والسلفيين وإنه ما يصحش يكون فيه اعتقالات سياسية وإن القيادات المقبوض عليها لازم يفرج عنها إلى آخره.

Continue reading

أهلاً بكم في حلقة جديدة من ستيتس الاستيتس

wpid-photo-2013-04-5-21-34.jpg

هو في الأول كان الموضوع إن إنت تتظاهر سلمياً، وبعدين بقى إن إنت تشجع اللي بيموتوا في المظاهرات على إنهم ينزلوا يموتوا، وبعدين إنك تدافع عن الإخوان وتديهم صوتك عشان تحمي البلد من المجلس العسكري (الفلول والدولة العميقة)، ومش مهم خالص الانهيار الأمني والاقتصادي ولا القمع الديني والطائفية الصريحة؛ المهم الموقف الثوري الصلب، والقصاص، وإننا ما نغفرش للشرطة حتى بعد ما اللي مش شرطة هما اللي ينفخونا في الاتحادية. كل ده طبعاً وإنت كإنك ما إنتاش عارف إيه اللي حيحصل لما المجلس العسكري يسلم اسم النبي حارسها السلطة، ولا إيه اللي حيحصل لما الشرطة تتهت، ولا إيه اللي حيحصل لما رجال الأعمال الفاسدين يسيبوا البلد…

Continue reading

هاني درويش: ميكانيزمات التفليل اليساري

wpid-img_8242-2012-12-14-20-50.jpg

للثورة خيارات أخري

بيان صاغه مجموعة من الناشطين والمسيسين في اللحظة التي تحتدم فيها معركة واسعة المجال ضد سلطة الاسلام السياسي الفاشي واليمين بامتياز

فماذا يقدم هذا البيان من خيارات او منطلقات لنحت موقف مختلف عما يجري في الشارع؟

الحقيقة ان المقدمة الرافضة لمجمل انفراد التيار الاسلامي واستبداده الوحشي تنطلق من نفس المقدمات التي ترفعها “جبهة الانقاذ الوطني” لكن محاولة القفز خارج مركبها ونحت مسار مختلق تبدو جلية

فالنتأمل سويا الفقرة الثالثة التي تقفز قفزا فوق الواقع ونصها كالتالي

“ورغم رفضنا لديكتاتورية جديدة في مصر إلا أننا نرى أن معركتنا لا ينبغي أن تصب أبدا في مصلحة قوى النظام السابق الذين يعارضون الرئاسة الحالية من مواقع معادية للثورة والثوريين. كذلك فإننا نرفض رفضا باتا تدخل المؤسسة العسكرية، في الشؤون السياسية بأي وسيلة من الوسائل.”

السؤال هنا من هي القوي المجيشة للثورة المضادة التي اخترقتنا (اخترقت جبهة الانقاذ في ضمير الكلمة) لتعارض الاخوان من موقع اعادة النظام السابق

 بسؤال بعض موقعي البيان كشفوا عن اسماء هي كالتالي: عمرو موسي ، سامح عاشور، السيد البدوي

ولمراجعة موقع هذه الاسماء او مايمثلنوها من تيارات سياسية لها الفعل الحقيقي في المشهد السياسي سنجد التالي

عمرو موسي ومحاولة تفليله هو ميكانيزم اخترعه منذ البداية الاخوان في لحظة التمهيد للرئاسة، وكانت اللحظة ايضا تراهن علي منافسته لسيئ الذكر ابو الفتوح

المدهش هو استسلامنا لتفليل شخص كان موظفا كبيرا في النظام السابق دون أي سند اقتصادي او اجتماعي آو سياسي مباشر، الا شخصه ودوره في ملفات خارجية لم يكن فيها هو المتحكم الحقيقي، فعمرو موسي لم يعرف عنه فسادا ماليا او ترابطا مصالحيا بشبكة النظام السابق المعروفة والمستقرة

كما لم يعرف عنه ظهير عميق كالمخابرات التي لو شاءت لآنجحته كما تخيل المخيال الثوري البكر في تلك اللحظة

الفلول الحقيقيون مولوا منذ اللحظة الاولي وساندوا بفجاجة احمد شفيق ، يمكن مراجعة تاريخ حملته التمويلية وصفحاته الداعمة، فتفليل عمرو موسي في الوعي الثوري كان موازيا لخدعة تثوير ابو الفتوح ، او افتراض عقلانية لشرائح الطبقة الوسطي الاسلامية ستدفعهم لما يمثله الاخير من كجولة اسلامية

الاخوان بالفعل هندسوا المخيلة الاولي ودفعونا دفعا لتفليل موسي وتحكيم برجماتية ابو الفتوح الافتراضية

المدهش أن الخيازات الجذرية للشعب المصري والتي وجهت صفعة لمنظري الاستقطاب الاولي لم تدفع هؤلاء لمراجعة نفسهم قيد انملة

بقي ابو الفتوح بملايين السلفية الثلاثة ثوريا وعمرو موسي بمليونه فلوليا

من اللحظة التي خرج فيها موسي من السباق السياسي ، هل يملك من يفللونه قرينة علي علاقته بالنظام السابق او فلوله؟

موقف سالف الذكر من الجمعية التأسيسية للدستور مسجل في ورقة من ١٥ نقطة باعتراضاته علي مسودة الدستور ، ومنها تركز السلطات الرئاسية وعدم استقلال السلطات ، وميل الدستور إلي فقدان مدنية الدولة بشكلها لديني والعسكري

لست هنا في مجال الدفاع عن عمرو موسي ، لكن السؤال سيبقي بأي معيار يمكن احتساب حزبه المسمي بالمؤتمر جزءا حقيقيا من حالة الاحتشاد العملية لقوي وتيارات كبري داخل جبهة الانقاذ؟ هل هو في حجم مساهمة التيار الشعبي أو الدستور أو الحزب الديمقراطي أو التحالف؟

هل يمكن تلويث جبهة وطنية واسعة ذات برنامج ديمقراطي مقاوم للاستبداد الديني السياسي بالوجود السياسي لعمرو موسي ؟

المستفز في هذا الموقف فعلا هو تحويل التفليل إلي تهمة لا زمنية ووصمة غير قابلة للتصحيح عبر المسار السياسي المضطرم بتحولات أكثر دراماتيكية لقوي أخري

الملفت أن يتم تبرير بلادة ولا حدية أو قطعية موقف مثل موقف حزب مصر القوية في حين يجري الصاق وصمة الفلولية المعلبة لموسي

الفلولي الحق في اعتبار هذا النوت نوعان:

الاول كل من مارس تدخلا سياسيا بالقرار أو بالعلاقات المباشرة او غير المباشرة لحماية نظام مبارك، هناك من دافع عنه مثلا حتي الرمق الاخير وهو رابض في احضان جماعته كآبو الفتوح حين قبل في تسجيل مصور مع الجزيرة وكان الناس لازالوا في الميدان بتقصير المواجهات عبر أختياز ملك الفلول أحمد شفيق رئيسا للوزراء

هناك من نقل ولاءاته بالازاحة من مبارك إلي مجلسه العسكري إلي اخوانه في دفاع عن موقع التسلط اينما كان ولحساب من كان

في هذا الاطار لعبت شخصيات عدت منتمية للجسد السياسي القديم والذي لايمكن وصمه فقط بالمدنية أو العلمانية بل بالرجعي الخادم للسلطة أدوارا في تبريرالتسلط

هذه الشخصيات لا تعبر عن تيار سياسي واضح، لو تحدثنا عن وفد السلمي والبدوي فلايمكن ان نتحدث عن خيانة تمت للثورة من قبلهم، هم اكسسوار تاريخي للتسلط غير مرتبط بطبقات اجتماعية او جماهير او شرائح مجتمعية، وحتي في اطار تأمل هذا الغثاء السياسي هل يمكن تفليل هؤلاء وترك فلولية الاخوان المتأصلة في كل مفاصل الثورة

دعم مبارك ببيان النصحية يوم ٢٤ يناير

الجري للقاء عمر سليمان والانسحاب من الميدان

الموافقة يوما بيوم علي تراجعات النظام كسقف آعلي

اختراع الاستقطاب يوم ١٢ مارس في تصريح العريان الاول السارق للثورة بوصفها ثورة اسلامية

المساهمة في انتاج التعديلات الدستورية واعادة تسميم خيال الثورة بالشعارات الطائفية

ثم > ثم > ثم

هل يمكن مسح الفلولية الاخوانية الاصيلة عبر الخطاب والممارسة الواضحة وتحميل فشل الثورة أو ضياع خياراتها علي تهاني الجبالي واحمد الزند وسامح عاشور؟

المصيبة الكبري أن دعم هذا التصور يأتي في مفارقة صادمة مع مسحه بفرشاة الخوف من تدخل الجيش

هنا يتحول الكذب إلي صنو عبادة في التحليل السياسي؟ أي جيش هذا الذي يتحدث البيان عن عودته أو عن اشواق سياسية مضمرة نحوه، الجيش الذي صفي الثورة بتحالفه مع الاخوان؟ الجيش المعينة كل قياداته الجديدة علي قسم بالمصحف في مكتب الارشاد؟ الجيش الذي حمي التأسيسية بالحضور ومكاسب مجلس امن قومي وسرية الحسابات وتأبيد عسكرة وزير دفاعه؟ أم الجيش المحتفي بمنحة مرسي في الضبطية القضائية؟

الكذب الفارغ من المضمون هو اعتبار تقبيل بعض متظاهري الاتحادية لضباط علي دبابات الحرس الجمهوري معيارا لشوق الجماهير أو استعداد الجيش للتدخل ضد الاخوان

الكلبية السياسية التي تنبح بإختراع خلاف بين العسكر والاخوان لمصلحة ضرب التحالف السياسي ضد الاخوان الان، لا تتجاوز حدود العقل السياسي بل تتتعدي تصورات جنونه

ان التهويم الفارغ بالعسكر للجري واحتضان الاخوان يبين كيف استطاع الاخوان تنويم قطاع يساري محترم تنويما مغناطيسيا لدرجة تصديق الدعاية الرخيصة التي يصدرها الاخوان عن مؤامرات تحاك ضدهم

مندهشون انتم من حجم الجماهير الكنباوية في مظاهرات الاتحادية، علموهم وارفعوا وعيهم بالقضية من منطقة كره الاخوان إلي منطقة العداء للتسلط، لكن ان تجروا من أمام الجماهير وتتحرروا من عبء مناقشتهم بتسكينهم هم الاخرون مسكن الفلولية لهو جبن اصيل

أن تعيدوا أختراع الاستقطاب لتفتيت حراك جماهيري جبهوي واسع يدخل شهره الاول> فيما آعدائكم يقتلون من الجميع ويبتزون الجميع ويحتقرون الجميع  لهو سلوك طابور خامس منظم ، يكاد ان يصيبه الفزع كلما شاهد جماهيرا، مدمنا وضعه الاقلوي النقاوي الكاذب

اعزائي : لدي اعلان مهم

الثورة بمنطق ٢٥ يناير وحساباتها انتهت

الثورة المشكلة الان هي المسار الطبيعي لاعادة الفرز العنيف في مواقع كل القوي السياسية

النضال والحراك الجماهيري هو جولة لآبطاء الانقضاض السريع الذي يمثله الاسلام السياسي علي ثورتكم التي لم تفهموا منها حرفا واحدا

ثورة لا طبقية . ثورة حقوق مدنية واجتماعية، ثورة حساسيتها الغالبة هي مقاومة الاستبداد

انتظروا عمالكم وفقراءكم المتوهمين في نهاية الطابور

لكن ارحمونا من تضليل الخيارات الاخري

لانها خيارات رخيصة لا تعترف بتاريخ الثورة القريب ، ولا تحمل من اليسارية حتي قيمتها الاهم:تحرر البشر من ربقة الاكاذيب

هاني درويش

مشهد من التماسيح

wpid-603358_10152163736045473_259179277_n-2012-10-25-06-21.jpg

***

ومع أننا ظللنا نتعامل بطريقة عادية… يخطر لي الآن أن مساحة وجودنا المتقلصة تلك – الأماكن التي ضاقت علينا في التسعينيات – هي نفسها أماكن التظاهر التي تحاصرنا فيها قوات الأمن إذا خرجنا، ولا يكفي ألف وخمسمئة شهيد أو أكثر وعام كامل لجعلها تتسع…

في المساء أفكر في مون من حيث تصلني أخبار الأحداث وأضحك من أن الاحتجاجات مازالت سلمية. أهنّئ نفسي على فتح حاوية “التماسيح” ولا أشعر بالذنب. لا يستهويني الجري في الشوارع واستنشاق الغاز؛ وبالمنطق الانهزامي ذاته الذي أعانني على الحياة في مصر منذ ٢٠٠١ – “ما بعد اليأس”، كما يسميه باولو – لا أظن وجودي ضمن مئة أو ألف أو مليون أعزل معرّض لضرب النار والدهس والاختطاف سيقدّم أو يؤخّر. أحس أنني جريتُ بما يكفي في الشهور السابقة، وأن ما يمكن أن يحقّقه مقتلي لا يساوي فجيعة أختي، حتى لو لم يدم حزنها علي سوى بضعة أيام؛ أحس بضوء قارص يخلّف ألماً حاداً في بطني وأتساءل بجدية جديدة علي في هذا السياق: كل هذا من أجل أن يتنازل المجلس العسكري عن الحكم؛ طيب، ماذا بعد أن يتنازل المجلس العسكري عن الحكم؟ ضوء قارص وقناعة متزايدة بأن سقوط المجلس لا يعني أن شيئاً إيجابياً سيحدث يساوي فجيعة أخت على أخيها، حتى  لو لم يدم حزنها سوى بضعة أيام.

أفكر في مون وأتذكر أنها لم تبادل نايف عنفه في ليلتهما الأولى معاً. بفرحة قالت لي إنها كانت تُفقدها القدرة على التنفس، أمضت عشرة أيام – وهما لا يلتقيان – وكأنها تحتفل بيديه وعضوه ولسانه حيث تلقتها فجواتها. وبدا أن فجوات جديدة ظهرتْ فيها على الكنبة لتتلقّى لسانه وعضوه ويديه. لم تفطن إلى جدوى إيلامه قبل أسبوع آخر لم يلتقيا خلاله؛ وحين ناولته اللكمة الأولى في وجهه أثناء لقائهما الرابع وهي ترتعش – عيناها على وسطه في أثنائها – أضحكها أن تراه ينتصب على الفور، الضحكة الصفراء القبيحة ذاتها. كان عليه أن يبتدع عذاباً جديداً على سبيل الرد، أمكنها أن تصرخ أخيراً وهو يعرّضها إليه. وأفرحه صراخها.

دام لقاؤهما الثالث، كما ستدوم كل لقاءاتهما، يومين متصلين؛ كان نايف يتعطل عن عمله ليظل معها لو أتت في غير يومي العُطلة الأسبوعية، ثم يصبر على غياب عشرة أيام أو أكثر لا يسألها أين تمضيها وقد افترض أنها مع زوجها… إلى أن بدأت تحكي عن أعمال سكرتاريّة مؤقتة كالعمل الذي تعرّف إليها من خلاله (وغادرتْه خلال أسبوعين لتبدأ عملاً آخر مشابهاً)، موحية بأنها تبيت بحكم هذه الأعمال لوحدها. وللمرة الأولى في حياته، رغم استمرار حضور الأسد، بدأ نايف يتحرق إلى معرفة كل شيء. بدأ يرى مون جزءً من حركة أو مدرسة أو لوثة هي التحدي الأمثل للشاعر السري. وقبل أن يدرك ما يحدث كان هوس تلك اللوثة أو المدرسة أو الحركة قد تمكن منه. بدأ يتحرق إلى السيطرة على وقتها وحركتها؛ بدأ، مع ضيقها بأسئلته، ينتبه إلى كذباتها… كان يعاقبها ويتضرع إليها تباعاً حتى تُعلِمه بمكان وجودها أو تتابع الاتصال أو تمضي معه المزيد من الوقت، لكنها لم تستجب أبداً. “مشكلتك أنك تنسى يا بيبي،” كانت تقول له: “أنا بنت دين كلب متزوجة!”

في ليلتهما الأولى معاً، أقول – عندما عاد نايف ومعه الكوفية وتفاحة الشمع التي سارع بإشعالها على مقبض الكنبة، متمتماً “عارف أنك تحبين الشمع الساخن، لا يمكن أساساً أحرمك من شيء تحبينه” – نظرت إليه غير مصدّقةً فعلاً ثم قاومته – مصدومة – بلا فائدة. بقيت على صمتها بينما هو، بإصرار ومهارة غير متوقعة ولا حتى منه، يربط يديها وراء ظهرها بالكوفية إلى أن يشل ذراعيها تماماً، ثم يشدها من حلمتها إلى حيث الشمعة تتأرجح قليلاً وتبعث رائحة تفاح خافتة – كان يقبّل رقبتها بحنان صادق وهو يفعل، متمتماً “هانت يا بيبي، لحظة وتُحسّين بالشمع” – إلى أن طرحها هناك على بطنها وجلس القرفصاء فوق ظهرها وقدماه على جنبيها بالشمعة في يد والقداحة في الأخرى؛ وحتى حين سقطت أولى القطرات لزجة وثقيلة وموجعة على جلدها (نايف يتابع المشهد مثل معلق رياضي، مهللاً مع كل لسعة حيث الشمع الأحمر يتجمد وينغرس في اللحم على الفور، فيبدو كأنه دم تخثر منذ حين)، كانت تتلوى وتهمهم، تهمهم ولا تصرخ والقطرات تحرق وركها.

أذكر أن رائحة الدخان والفلفل خفتت شيئاً فشيئاً خلال ذلك وقد اختلطت برائحة الشمع، ومع ذلك عادت إلى أنف نايف – بكثافتها الأولى – رائحة الريحان الأخضر.

ليلتها حين قذف نايف أخيراً في حلق مون قبل أن يحرر ذراعيها من كوفيته ويدعها تضمد جسدها وتتحمم – إلى آخر لحظة كانت يده في فرجها تبلّغها ذروتها كما فعل عضوه ثم لسانه – كان مندهشاً من قسوته وحنكة يديه؛ أحس – كما سيقول لي وهو يشكو منها في سياق آخر – أن القوة التي تحركه وهو معها موجودة خارجه، أن مصدرها أكبر من شخصه أو أي شخص سواه: طاقة الدفع ذاتها التي دفعته إلى ترجمة ألن جينزبرج. وخطر له للمرة الأولى أن مون والقصيدة حدان على طريق قوامها الأسد، وأنه سائر على هذه الطريق إلى ذروة ما، بداية أو نهاية.

قلتُ إنني نمت مع مون وأنا لا أصدق أنه حدث حقاً قبل نهاية الحكاية، لا أصدق أنني ملّست على شعرها قصيراً ومعقوصاً بلون الشيكولاتة وجسدها النحيف المكهرب ينتفض بين ذراعي. لكن متعتنا لم يشبها الوجع. ربما أحببتها قليلاً، ربما لم يحركني حيالها إلا ما هو موجود داخلي. بعدما تحولنا من “أولاد ناس” ذلوا إلى تماسيح ظللنا نتعامل على أن ما يُكتَب لا يعنينا، هذا المهم. وبتحولنا إلى نُصُب رخامي بلا تمثال سنة ١٩٩٧، تسلّمنا حقيبة المستقبل.

***

مقتطف من رواية “التماسيح” الصادرة حديثاً عن دار الساقي، بيروت

wpid-297815_10152152527095473_339861911_n-2012-10-25-06-21.jpg

بمناسبة مقتل الجنود في رفح

wpid-img_3932-2012-08-7-03-05.jpg

بمناسبة أحداث “نايل سيتي”

***

هو لطيف قوي إنك تبقى متوقع مني أعيش حالة الشحتفة الوطنية على أفراد الجيش اللي ماتوا بعد ما شفت اللي عملوه في إصحابي وحبايبي في الشوارع وشفتهم بيعملوه بحقد وغل ما لوش أي علاقة بإنهم بينفذوا أوامر يعني، بس الألطف كمان إنك تحاول تفهمني إن المسئول عن موت الأفراد دول ناس شفتهم بعنيا وشفت إنهم ما يختلفوش عني وعنك في أي حاجة على الإطلاق، وهما كمان بيتسحلوا في الشوارع عادي… أما بقى ألطف حاجة على الإطلاق فهي إنك تفهمني إن موت العساكر دول هو مسئولية حصرية لقيادات الجيش اللي هي زي ما هي من عشرات السنين وإن ما لوش أي علاقة بالإخوان وحماس والملحقات الظريفة بتاعتهم سواء هنا أو في غزة. ومع كل ذلك، الألطف لسه جاي.

***

في حد محتاج يستوعب إن خط الحدود اللي بينا وبين غزة مفتعل من الأصل، الامتداد البشري وحتى اللغوي متصل، وفكرة إن دول ناس وإحنا ناس فكرة منافية للحقيقة (يعني لو حاسس إن فيه اختلاف عرقي أو تاريخي بينك وبين أهل العريش والقنطرة شرق يبقى فيه اختلاف عرقي أو تاريخي بينك وبين أهل غزة). المصري اللي بيمارس عنصريته على غزة لمجرد إن فيه ظرف سياسي هو أصلاً مش طرف فيه يمكن حتى أوسخ من المسلم اللي بيمارس طائفيته على جاره المسيحي.

في نفس الوقت – وبغض النظر عن إن حماس ولاد دين كلب بكل المقاييس، وبغض النظر عن “العدو الصهيوني” والمجلس العسكري والإخوان المسلمين اللي هما كمان ولاد دين كلب برضه بكل المقاييس – لو فيه حد مسئول عن جريمة في الحدوتة دي كلها الحد ده هو الإسلام السياسي اللي بشكل أو بآخر الإخوان وحماس كمان بيعبروا عنه ومسئولين عن وجوده (سواء في سينا أو في غزة أو في القاهرة أو في أي داهية سودا ما تفرقش) والجهات دي بتعمل كده لخدمة أغراض سياسية يا إما نفهم هي إيه بالمعلومات يا إما نبطل فتي.

في ضوء ده بقى – وبغض النظر عن الحزن المشروع على بنيآدمين اتقتلوا يعني – موضوع الوطنية الشعبوية اللي بتمجد “حرس الحدود” وواه يا عبد الودود وما ذقت لحم الضان والكلام الحمضان المبضين ده فعلاً بيخلي الواحد عايز يرجّع. وإنهم يا عيني مسلمين وكانوا يا عيني بيفطروا. على أساس إنهم لو مسيحيين أو ده حصل في شهر غير رمضان مثلاً يبقى عادي!

حدود إيه اللي بيحرسوها؟ ما هو إنت عارف زي ما أنا عارف زي ما هما نفسهم عارفين إن شغلتهم التاريخية تنفيذ أوامر الجيش الإسرائيلي فيما يخص الدخول والخروج من غزة. بس. وإن ما عندهمش لا الحق ولا القدرة العسكرية يمنعوا أي تحرك عسكري في المنطقة من أساسه. ولما هما ليهم أي تلاتة لازمة أمنية، اللي حصل ده حصل إزاي؟ أفتكر يعني “بطولة” الجيش المصري في السنة ونص اللي فاتوا أصبح يتضرب بيها المثل فعلاً بس مش في حماية الحدود.

فارحموا دين أهالينا بقى ينعل أبو أشكالكو.

***

ملاحظتين ع السريع:

١-موضوع الخلافة ده (وبما إني شخصياً بحثت فيه كمعادل خيالي للحركة القومية اللي أثبتت فشلها في سياق رواية كتاب الطغرى) هو في أعماق أعماقه عبارة عن خيال علمي مش أكتر. ولو من سنة ١٩٢٤ لحد دلوقتي لسه المسلمين ما اتعلموش إنها فكرة فكسانة فيبقى ده دليل على غباوة وتخلف المسلمين (اللي هو فيه أدلة كتير تانية عليه يعني بغض النظر). لكن حتى بفرض إن ممكن يبقى فيه أي حاجة ليها أي معنى اسمها خلافة، فيعني الشرط الأساسي لوجود الحاجة دي هو إنها تتعامل مع هنا الآن، تأكد مش تنفي قيم وشروط العصر بكل ما فيه (وبما فيه حرية العقيدة وحرية التعبير)، مش تحول “الإسلام” لمسلسلات دينية هابطة عن حرب المؤمنين مع الكفار بشروط الجزيرة العربية في القرن السابع.

٢-مسألة حماس الأصدقاء المسيحيين لرفض الإسلام السياسي ما ينفعش يبقى أساسها طائفية مسيحية مستعدة تعرّص مش بس للكنيسة المنضوية تحت نظام يوليو زيها زي الأزهر وللفاشية العسكرية اللي قتلت المسيحيين زي ما قتلت المسلمين بمباركة أمريكا لأ وكمان للأصولية المسيحية اللي رافضة المسلمين أساسا من منطلق عقائدي. يعني الأقباط يا إما يناصروا العلمانيين المسلمين لإن هما كمان علمانيين بجد يا إما يدافعوا عن طايفتهم من منطلق “مصر للمسيح” و”المسلمين ضيوف علينا” وحاجات شبه كده؛ وفي الحالة التانية هما أقرب بكتير للسلفين رغم اختلاف الشكل الخارجي لكل من الطرفين.

رسالة ثلاثة أخبار: إلى فخامة الرئيس محمد مرسي

wpid-491680mohamedmorsi-2012-07-6-20-43.jpg

.

مرت بحارس بستان فقال لها: قفـي شقيقة غصن البان والثمر.

قالـت: وما تبتغي مني؟ فقال لها: سرقت رمانتي نهديك من شجري.

قالت وقد بهتت من قوله خجلا:

فتّش قميصي لكي تذهب الوجلَ.

فهم أن يقبض النهدين، ما مهلَ.

فصاح من وجنتيها الجلنار علـى قضيب قامتها: لا بل هما ثمري…

.


.

الحمد لله حمداً راضياً بكل بلوى، والصلاة والسلام على بشير المن والسلوى: كففتُ، أبقاكم ربي، عن قراءة الأخبار. وزهدتُ في ملكوت السياسة وقصص الثوار. إذ شارف انتهاء العام الثاني على التحرك الكبير، ولم أر لمياه ثورتي أثراً سوى اشتداد السعير. فتبادر إلى فكري سؤال عن مآل الشهداء والشهود، ومردود الأعين المفقأة بالطلق والسفود. وفي الأيام الفائتة القليلة، بلغني رغماً عن إرادتي بضعة أنباء عليلة؛ فاشتغل خلدي بثلاثة أخبار دون غيرها مدركة، لم يكن لها الوقع المنتظر على عاطفتي المنهكة – وقد حملتُ وزر عشرين شهراً من محبطات الآمال والعِبَر – اللهم إلا نغزات كأنها على الجلد الميت رؤوس الإبر. وحيث أنها مشكوك في صحتها على أي حال، وهي تحمل في طياتها أكثر من سؤال، عزمتُ على نقل الأخبار الثلاثة إليكم مصبوغة باليأس كما خبرتُها، مكتفياً بمدلولاتها قدر ما استبصرتها. فلقد تُبت إلى “عشيرتي” التي أحسبها مع عشيرتكم في صراع، ولتغفروا لي أو لا تغفروا “انتوائي” ومن معي أن نعيث في رأس سعادتكم كل صنوف الصداع؛ وإني على ذلك لمتبرئ ممن صعّدوكم باسم ثورة هي منكم براء، بل ومن ذلك الشطر من نفسي الذي ساهم في مجريات عموم الخراء. أما بعد —

فإني أكتب لفخامتكم على صوت الآلة المعجزة المزروعة في حنجرة أديب الدايخ المنشد الحلبي الفقيد، حيث الغَزَل الفردوسي للأندلس وغيره من رياض الإسلام المجيد؛ ولما يزل هذا “الإسلام” عن ما سوى الحب والفن ثم العقل والحواس يبقيني ويلهيني، فلا ألف جماعة “مناضلة” تدفعني إلى تغيير ديني. وإني لقائل لمن يشك في عزمي، رغم كل ما أصاب البلاد والعباد من سقم، على الاستمرار: ابحث في عيني وأفعالي وكينونتي وأقوالي تجد القرار. بكم أو سواكم أيها الرئيس سأعيش “حياةً هنيئةً” ذات لوعة، “وإن لم أمت بالحب عشت بغصة” (يا سيدي عمر مدد!) فاتعظوا وإن غلبنا محاظيكم وجراؤكم في العدد: —

كان أول أخباري أن سيادتكم – كممثل الجماعة الطائفية – ستقيمون حفل تكريم للطغمة العسكرية. ودوعنا الآن من الحديث عن المواكب و”التشريفات”، من فتح سترتكم ودفع حراسكم عنكم لتلتحموا بالمؤيدين لا المؤيدات. ومن قول إنكم أطال الله عمركم لا ترتدون الواقي، ولا ترهبون – وسط إخوتكم – إلا العلي الباقي. دعونا من حلف اليمين في المحكمة الدستورية، ثم – في اليوم ذاته – وسط حشود اعتصام ينادي بإسقاط الهيئة القضائية. على من تضحكون إذ تخاطبون “أهلكم” وكأنكم ذات جمعة تقيمون الصلاة، رافعين صوتكم للبلاد بطلب النجاة؟ دعونا، أقول، من ارتقاء اسم الله عليهم أبنائكم ذوي الجنسية الأمريكية، إلى رؤوس صفحات جرائدنا البرمائية؛ تتبعهم شائعات الاضطلاع بشئون البلاد، وأمور الدولة من عقولهم كالنار من الرماد. ودوعنا من السؤال الدائم عن ولائكم ليس لأسرة حضرتكم وإنما لجماعتكم الكذابة المتملقة، ثم لأهواء مطاياها “السلفية” الوضيعة المتحذلقة؛ فلقد نجحتم عوضاً عن زعيم ميليشياوي من الأثرياء، لم يُسمح له بالترشح وقد شبهتموه بالأنبياء… فهل ناصركم “الرفاق” وجمعوا لكم العتاد، من أجل أن تحتفلوا بقتلتهم على رؤوس الأشهاد؟

ثاني أخباري، غفر ربي لكم، أن ملتحين في السويس يدعون أنفسهم هيئة الأمر بالمعروف، قتلوا طالب هندسة في ريعان الشباب – وقد تشبثت بالبندقيات الكفوف – لأنهم رأوه سائراً إلى جوار خطيبة لم يذق عسلها قبل القران، فرموه بالرصاص من تلقاء أنفسهم أمام أنظار العيان. وطار عقل الأحبة حيث تأجج رعب المتخوفين، فيما تضاربت في الأمر آراء المتكلمين: مَن قال إن هؤلاء “سلفيون” يُعمِلون عقائدهم الحاقدة، ومَن قال إنهم موظفون في الأمن السري يثيرون فتنة عامدة؛ ويسعون بما آتاهم “النظام البائد” من قوة – يسار يمين – إلى أن يجبلوا القلوب على كراهية الإسلاميين. وكحال هذه الأحداث في ديارنا لم يحسم أمر الجريمة، ولا تطوعتم أو أتباعكم من هيئات “السلف” بكلمة رحيمة. وإني لشاهد على فساد الفطنة والتحليل، لدى من يظنكم تخاصمون من كان لكم السند والخليل. فلن يعود التحجج بـ”أمن الدولة” يقنعنا، ولا احتكاركم للهوية قبل الحكم من جوع للحريات يشبعنا. ولا فرق بين جندي أو بلطجي يزهق الروح بدعوى صد الإرهاب، وبين ملتح أو متأسلم يقتل ليدفع عن الأرض ما في الآخرة من عذاب. وما رياء “المرجعية” إلا ضرب من السلوان، لا يحلّكم من آثام الانتقام والعدوان. فوالله كما تبين أن نفاق العامة أحقر من نفاق السلطان، كذلك اصطناع الكرامة حيث يسهل الهوان. وها هو ينكشف أمر اعتمادكم على المجرمين، حتى تظهروا أمامهم في سمت العقلاء المتنورين. ولمصر در من نعتكم بأهل ثورة، وأنتم من جسد الإسلام أقرب إلى السوءة والعورة…

أما الخبر الثالث – معاليك – فهو أن عدداً من الصحفيين المسجلين بنقابة لا تزال أشبه بالوكالة، قد بادروا إلى الحصول على عضوية حزب الحرية والعدالة. وقد قبلتموهم طبعاً كأي محدث نعيم، غافلين عن أن أمثالهم لا يصلحون لغرض كريم. وهو ما يناقض خطاب “النهضة” و”التطهير”، ويتفق مع ما في أدواتكم من التواء وتأطير. أفلم تنفوا عن وزارة الداخلية المثالب، وتغرسوا في المؤسسات المخالب؟ فلا ضرورة للحديث عن مجلس الشعب والنواب، ولا فضائح الشيوخ منكم والشباب – ولا ضرورة لبحث الكارثة المحدقة، بأن تصبح تفاهاتكم هي “قضايا” المنطقة؛ فيقتل من يطلب وصل خطيبته العفيف، بينما يكتب الدستور من “يتزوج” فتاة العشرة أعوام بالنزيف – إذ تجلى سعيكم إلى الانفراد بالمقاليد، وقبولكم بمنظومة “الحزب الحاكم” وسلطة النار والحديد. ولا تتبالهوا عن أن في ذلك نسخ لما كان، قبل اندلاع الثورة وانتخاب البرلمان. ولا تظنوا أن اتشاحكم بالدين، إثر الانتخابات، سيغيّب العقول عن ما في نهجكم من وساخات؛ إذ أنكم الآن – وأنتم تعلمون – أهل بيت العسكر المتخابثون. وما من ضمان في الدنيا لانتصار الحقيقة، إلا أننا أشهرنا أسلحتنا الرقيقة. أنتم غريمنا في البرد والحر، وإلى الله وحده المستقر.

.

wpid-img_3156-2012-07-6-20-43.jpg

.

wpid-img_3155-2012-07-6-20-43.jpg

.


.

wpid-img_3188-2012-07-6-20-43.jpg

وإلى رفاق سلاحه قال كاتب الرسالة:

طلعتوا الكتب وشاركتوا في الحملات وأصدرتوا تعليمات للمريدين بتوعكو. وشتمتوا أي واحد بيشاور ع القلوط ويقولكو يا جماعة على فكرة ده قلوط. ولما اتأكدتوا إن مرسي هو شفيق بس فرع المعاملات الإسلامية، شكلكو بقى وسخ قوي. وممل. وما لوش أي تلاتة معنى. وتنظريكو بقى زي البانجو المضروب. وصوتكو مهما عليتوه كإنه صدى جاي من حتة كتمة. وما عادش فيه حد مصدق إن ليكو أي لازمة أساساً ولا عاد حتى فيه جهة تبقوا معاها أو ضدها. دلوقتي هنقعد عشر سنين أو مية سنة يطلع ميتينا عشان نوصل للحظة اللي كنا فيها قبل ما أي حاجة تحصل، وطول الوقت ده برضه مش هترحمونا من فساكو

يا اشتراكي يا جبان

wpid-581229_326519874095693_775490628_n-2012-06-21-03-37.jpg

Art by El Teneen

***

إلى اليسار المعفّن المعروف “بالنخبة السياسية”: اللي بيقول الشماتة في الإخوان خسة وعدم مسئولية يا إما مش واخد باله إنه أصلاً خاين لـ”المسار الوطني الديمقراطي” اللي بيدعي الدفاع عنه ضد “انقلاب عسكري” حصل في الحقيقة بالتصويت بنعم على التعديلات الدستورية السنة اللي فاتت مقابل غنائم مؤقتة لـ”التيار الإسلامي” يا إما بيستعبط. أنا عن نفسي أرجح إنه بيستعبط، وأحب أفكره إنه ما فيش لا ديمقراطية ولا وطنية ولا خرا مهري يهري جتته ينفع تحت الحكم العسكري المباشر من غير دستور، ولا فيه ديمقراطية أو وطنية تنفع في غياب أي رؤية أو كفاءة سياسية غير الانتهازية الطائفية الحقيرة بتاعت “التيار الإسلامي” اللي إنت من كتر إفلاسك ووساختك مش شايفلها بديل لا في نفسك ولا في غيرك. أحب كمان أقول لحضرتك إني بأحتقرك أكتر ما بأحتقر العسكر والإخوان، وإنك أثبت نظريتي القديمة إنه “النخبة السياسية” ليست سوى تحالف الأرزقية مع الفقها من أجل التعريص الممنهج للمصالح الواطية. ولو فاهم إنك تقدر تبتزني بالكلام عن المسئولية اللي إنت أثبت إن ما عندكش ريحتها أو عن الواجب الوطني اللي إنت بتتحجج بيه لإعادة إنتاج أوسخ ما في الشمولية والاستبداد اللي وصلونا بسبب ومش رغم وجودك بيننا للي إحنا فيه دلوقتي تبقى غلطان. أقصد: لو فاهم إنك تقدر تصادر عليا بنظرية إني ما بأفهمش في السياسة أحب أقول لك: دي سياسة أمك… وعموماً أنا شمتان في الإخوان الكدابين المنافقين المعرصين وفخور بشماتتي، المشكلة الوحيدة إني مش قادر أشمت فيك إنت لإنك زي قلتك أو يمكن حتى أقل من قلتك. إنت مجرد هاموش بيحوم حوالين الزبالة التاريخية الموجودة.

فاتحة مهملة

wpid-img_2562-2012-06-5-07-50.jpg

هذا كتاب الثورجي التائب “مصطفى نايف” غفر الله له ورفاقه في ميدان التحرير ما تَنازَعَ البلاد جَرّاء احتجاجهم من تَضارُبٍ في الغايات بلا فكرة ناجعة عن الوطن، وإدمان للتظاهر بلا نظر إلى نتائجه، وموتٍ بلا طائل على قارعة الطريق، وشَحْتَفَةٍ كأنها ابتزاز المتسولين أو دلال البغايا، ثم غَلَبةٍ للجنرالات وتجّار الدين؛ وفيه كلامٌ إلى صاحبه المهاجر “راشد جلال” الذي حضر اعتصام الميدان الأول أسبوعاً ثم عاد، مؤرّخٌ بالسابع من يونيو من عام الرئيس الموافق ٢٠١٢، إثر صدور حكم السجن المؤبد على “مبارك” ووزير داخليته “حبيب العادلي” مع تبرئة قيادات الوزارة. حدّث مصطفى والدموع تتأرجح على حز جفنيه؛ قال: سلامٌ لخليصٍ تأخّر كتابُه، وتعثّر جوابُه، وتشتّت ذِكرُه في الأرض من كثرةِ ما توزّع على الدروب إيابُه. وبعد: عَمِلنا أوّلَ أغنية في بداية فبراير من عام الرئيس: الذكرى الأولى لانتصار ثورة ٢٥ يناير. كان تاريخ أولى أغانينا هو الثامن من ذلك الشهر، بعد أسبوع من مذبحة بورسعيد؛ حين قُتل مشجعو النادي الأهلي من المنتظمين في جماعة ألتراس أهلاوي بستاد المدينة الساحلية ضرباً وطعناً وخنقاً أو إلقاء من علٍ على يد مشجعين أو بلطجية أعقاب انتهاء المباراة بين الأهلي والمصري البورسعيدي لصالح المصري. وكان تاريخ آخِر أغانينا – الرابعة، والوحيدة التي لم تشاركنا المزة في تأليفها – هو السادس من مايو، بعد بضعة أيام من مذبحة العباسية؛ حين انفض اعتصام وزارة الدفاع بالقوة أعقاب نحر المعتصمين في الشوارع كخراف الضحية من جانب لطجية أو مواطنين شرفاء. ومع أننا كنا على علم بما يحدث لرفاق سلاحنا من الألتراس والسلفيين الذين التحق بهم الاشتراكيون الثوريون، ومع أننا كنا متأثرين بالأحداث في صوغ كلام أغانينا، لا شك عندي الآن في أننا عملنا الأغاني أساساً لكي نبتعد عن الميادين ونقترب إلى بعضنا كأصدقاء لا يعكّر اختلافنا في الرأي لصفاء مودتنا قضية. منذ عام البرلمان الذي حَصُلَتْ فيه الثورة – ومن قبله بثلاث سنين أو أكثر – ونحن كل يوم مع بعض في الفرع. حتّى لما كان العمل يتوقف رسمياً لأسبوع أو عشرة أيام بسبب الاعتصامات والمظاهرات أو الانفلات الأمني كما صار يسمى، ظللنا نلتقي هناك في موعدنا؛ أحدنا معه نسخة من مفاتيح البوابة، كان يفتح لنا فندخل والآخرون غياب. ربما لأننا نحن الأربعة عُرضة للسأم والوحدة ولا أقول الاكتئاب النفسي: من ساعة ما خَلُص الاعتصامُ الكبير يوم ١١ فبراير ٢٠١١ والحياة فاضيةٌ حوالَينا. فاضية، وفيها خنادق وسِخَة نقفز فوقها من بيوتنا إلى مَحَلّ عملنا الحكومي. اثنان منا ظللنا ننزل المظاهرات، لكن الحكاية لم يعد فيها إشباع حتى لو لم نعترف بذلك. انس المولوتوف وأنواع الخرطوش والغاز الجديدة تلك التي تسطل التنين؛ أثناء أحداث شارع محمد محمود ومجلس الوزراء (في التاسع عشر من نوفمبر والسادس عشر من ديسمبر ٢٠١١)، حتى الرصاص الحي لم يكن يحقّق لنا ذلك الإحساس الفَشِيخ بأننا نأخذ حقنا بدمنا وفجر الحرية الأبيض ينتظرنا في آخِر نفق النظام الأسود سواد البير. منذ أواخر ٢٠١١، الحقيقة، والأشياء تصير رمادية. العيال لازالوا يموتون وعيونهم تُصفّى بالضبط كما كان يحدث قبل تخلي الرئيس عن منصبه وبدء المرحلة الانتقالية وشريط الانتخابات؛ لكن قلوبنا لم تعد تصعد وراء أرواحهم النقية لتحلّق معها في سموات الشهادة. قلوبنا لم تعد متأكدة حتى من نقاء أرواحهم، الصراحة. ولعل في الأمر أمراً رغم ما اعترى ذكرى هذه الفترة من غشاوة: أيام الاعتصام كما رأيتَ كان للاحتجاجِ شكلٌ تعوّدنا عليه؛ كان فيه هتافاتٌ واعتداءات ومستشفيات ميدانية. لكنه اتضح بعدما نجحتِ الثورةُ إثر مغادرتك أن هذا الشكل ليس كافياً لإشباع طموحنا. وبدا أن ما أشبعنا كان معنى أو محتوى، شيئاً يملأ هذه الطقوس والممارسات من الداخل، يمسكها أو يقلفطها. وكان مشروطاً بالهدف الذي نضحّي من أجله كذلك. ربما لأننا لم نطلب إلا شيئاً واحداً يبدو الآن زائفاً بغباء – أن يرحل مبارك – لما تحقّق مطلبنا فإذا بنا نضحي من أجل أهداف حقيقية، أهداف اكتشفنا أنها متعددة وعصيّة لدرجة أننا نسيناها فأصبحنا ننزل بإصرار ونحن لا نعرف الغرض من نزولنا، بقي شكل الاحتجاج مثل قشرة رمانة مفرّغة: بلا بلورات تبرق ولا لسعةِ حلاوة. (هل كان طبيعياً إثر ذلك أن يتحول النشطاء والمعارضون إلى أبواق لما هو أنكر صوتاً مما سُمّي خطأ بالنظام البائد؟) أقول لك إننا وجدنا في قعدة الوكالة إشباعاً أكثر مما كنا نجد في المسيرات البيضان والاعتصامات النونو المعرّضة للفتك، مليونيات الجُمَع الحنجورية إسلامية الطابع… ولما استتب الدوام خوفاً على عجلة الإنتاج – هذا ما كانتِ الناسُ تردّده وراء المجلس العسكري: إنه لا يجب أن تتعطّل العجلة – ظللنا مختبئَين في الحجرة الواقعة جنب مخزن الأسمنت في بدروم الفرع. هناك كنا نلوذ أربعتنا من واقع يثيرنا ويفحمنا قبل فجيعتنا في بُسبُس، نتشرنق بدلاً من أن نستغيث فنتسامر ونتمسخر، نَقْلِش ونتبادل النكات. كنا نقعد حول مكتبٍ بيضاويٍ مقشّر وقد جئنا بالأكل والشرب والدخان أسفل تلفاز صغير مثبّت على الحائط. ولحد الصبح أحياناً ضحك وقباحة فضلاً عن الأخذ والرد في الحاصل للبلد من ساعة ما تخلّى مبارك. صار الزملاء يداومون بانتظام وبعضهم يدخل علينا ليسلّم أثناء النهار، لكن الكل عارف أن الوكالة عطلانة حتى المدير. وذات يوم، من مللنا والتارالالّي الداخل على الدنيا بقوة منذ تخلّي مبارك… ذات يوم بارد من فبراير ٢٠١٢، بدأنا نعمل أغاني.

wpid-img_2563-2012-06-5-07-50.jpg

ثلاث ملاحظات سريعة على حوار الرئاسة في شبكات الاتصال

wpid-2012-05-2909-53-28am-2012-05-29-08-25.png

        

انقضاض الإخوان على السلطة منذ انتخابات مجلس الشعب – وأثناء انشغال “الثوار” باحتجاجات كان واضحاً أنها لن تكون مؤثرة – من ناحية، وعدم استعداد المجلس العسكري لتسليم الحكم لجهة مدنية بعد افتضاح جرائمه من ناحية أخرى، ثم فشل المجتمع المدني في تكوين جبهة ذات ثقل تتخذ على عاتقها مهمة استلام السلطة والتصدي للاستبداد المجتمعي قبل السياسي كلها عوامل أدت إلى اختزال “التحول الديمقراطي” واقعياً في صراع عسكري-إسلامي زيّفه الخطاب الثوري بحديثه الدائم عن صراع ثوري-فلولي لا وجود له على أرض الواقع، الأمر الذي منح التيار الإسلامي “شرعية ثورية” زائفة (تمثلت على أوضح صورها في التفاف قسم كبير من “القوى المدنية” حول حملة عبد المنعم أبو الفتوح، ظناً منها أنه المرشح الأقوى من حمدين صباحي) كما ساهم في تهميش أهداف الثورة من حقوق وحريات وتطلعات حتى لم تعد هذه الأهداف مطروحة أساساً.

الكلام عن نزاهة الانتخابات أو عدمها ليس وارداً أصلاً في ضوء (١) قبول “الشعب” متمثلاً في “مرشحي الثورة” بخوضها تحت إشراف المجلس العسكري من قبل تسليم السلطة (والذي بات يعني تمكين الإخوان من احتكارها) أو صياغة دستور يضمن الحقوق والحريات (كان الإخوان أيضاً هم العثرة الرئيسية في استصداره)؛ (٢) رفض قطاعات ضخمة من الناخبين لمعطيات التيار الإسلامي، واحتمائهم منه برموز “العهد البائد” في غياب بدائل سياسية ملموسة؛ (٣) غياب الإصلاحات القضائية اللازمة لضمان شفافية العملية الديمقراطية فضلاً عن سوء سمعة القائمين على اللجان المعنية وانضوائهم تحت لواء المجلس، ثم عدم اعتراض المرشحين ولا حملاتهم ولا المتحمسين لهم على جعل مصير الانتخابات في يد هؤلاء؛ (٤) وجود آليات حشد غير ديمقراطية في القطاعين “الفلولي” والإسلامي لا تختلف عملياً عن التزوير لم يتم التعامل معها تشريعياً أو تنفيذياً.

يشير رد الفعل على نتائج الانتخابات إلى تناقض مربك بين “الشعب” كطاقة احتجاجية معارضة للسلطة بل ومستعدة للتضحية من أجل إسقاطها وبين “الشعب” ككتل تصويتية تكرّس للسلطة نفسها وبالدرجة نفسها من الاستماتة، فمن قبل بفساد العملية الديمقراطية ظناً منه أنها ستُنجِح مرشحه الفاسد يتكلم الآن عن نتائج معدة مسبقاً ومن اتهم المقاطعين بالسلبية بل والخيانة في خضم حماسه لأبو الفتوح يحشد الآن لمرشح الإخوان “الاستبن”… وقد يساعد تراث المعارضة الشعبوي غير المسئول على تفسير ذلك، حيث لا يستند رفض الوضع القائم (وهو ما تمثله الإرادة الثورية) على امتلاك رؤية قابلة للتنفيذ لاستبداله بوضع أفضل منه ولا حتى على رغبة صادقة في أن يتغير فعلياً، مقارنة بالرغبة في استعراض السعي إلى تغييره (وهي ما تمثله الإرادة “الديمقراطية”) فإذا بالنشاط الاحتجاجي وقد ثبتت عزلته عن الشعب في أحداث العباسية يطابق بين الثورة والإخوان، وإذا بنصف الناخبين أو أكثر ينحازون ليس فقط لمرشح المجلس العسكري ولكن لأقرب المرشحين شبهاً بـ”المخلوع”… فهل يحق لمعسكر الثورة – المسئول عن وصولنا إلى ما نحن فيه – إنكار ذلك على الشعب الذي يتحرك باسمه الآن؟

هل التطرف هو الفهم الصحيح للإسلام؟ أو هكذا تكلم بنو علمان: تدوينة طويلة حبتين عن ٢٣ و٢٤ أغسطس

أول نشر في ٢٦ أغسطس ٢٠١٢

wpid-ysf-2012-08-26-02-51.jpg

عموماً

في انتقادهم “الفكري” للإسلام السياسي، يزعم دعاة “المدنية” إن التيارات الوهابية والسلفية والجهادية ومن باب أولى طبعاً التوجه الإخواني بوصفه الجذر الحديث لكل ذلك إنما تُمثّل تطرفاً أو سوء فهم لـ”الشرع”. لكن من ملاحظاتي الانطباعية (الخارجة من منظور أدبي أرجو مع ذلك أن لا يكون “شاعرياً” أو حالماً)، يبدو لي أن هناك حقيقتين مبدأيتين يشيران إلى أن هؤلاء الدعاة مخطئون في زعمهم: Continue reading

ثمانية عشر

١٨

مرة أخرى أنوي الكتابة قبل الحدث فيأتي الحدث قبل الكتابة. لقد ابتعدتُ عنوة عن مواقع الكرامة والإثم، عن الاعتصام والمسيرة وعن أماكن التظاهر، حيث القمع الرسمي وأدواته غير الرسمية سواء أمِن المشتغلين في إمرة الضباط لقاء أجر أو المتطوعين تعلقاً بفكرة عن الوطن (كأكثر الأفكار العربية المعاصرة بما في ذلك “الإسلامي” منها) قادرة على إلغاء المواطن. ابتعدتُ عنوة عن دم القتيل الذي يُسمّى شهيداً، وعن الأسفلت الذي يصبغه هذا الدم. بنزق تنكّرتُ لبهجتي الأولي ونحيّتُ الأحداث لأبقيها حيث يجب أن تكون: في خلفية الغرفة التي نسميها حياتنا. كففتُ عن انتظار الأفضل بنفاد صبر ورغبة حارقة في أن أتغير – أنا – أو أفهم، على الأقل أن أفهم. لو كان العالم حقاً تغير كما اقتنعنا أو أقنعنا تطابق خيالنا لحظياً – وفجأة – مع وقائع لم نصدق من قبل أن حدوثها ممكن، فالمعنى الوحيد الوارد لتغير العالم هو أن أحس نفسي شخصاً جديداً. وبهذا المعنى – رغم تهمة التشاؤم التي لا يفتأ الرفاق يوجهونها إلي، رغم كل المصائب التي عايشتها في محيطها أو عبر وسائل الاتصال، ورغم أن رموز الثورة من “النشطاء” أنفسهم لا يبدو أنهم خرجوا من التجربة بنظرة مختلفة إلى الحياة – أظن الثورة نجحت في تغيير العالم.

wpid-img_2507-2012-05-2-09-33.jpg

© Youssef Rakha

أما الدليل إذا ذكرتُ الفهم صارت الصورة أوضح بالفعل، وصرت على استعداد أكبر لأن أصفها بأمانة… إنني، باستثناءات كأنها لم تحدث، لي عام أو أكثر لا “أنزل” مع “النازلين”؛ الأمر الذي لا يعبّر عن اليأس بقدر ما يضمر عزوفاً مقصوداً (حتى وإن كان في بداياته لاواعياً) عن الثورة كلحظة مصمتة، معزولة في قداستها، معادية للحياة؛ في مقابل الإقبال على الثورة كسبيل لممارسة أقل تأزماً للحياة نفسها بكل تفاهتها اليومية. إنه عزوف يحدوه السعي إلى اختبار ذلك الذي سميناه الثورة على مداه، بلا تدخل شخصي في مجرياته بعد لحظة خرق التوقعات التي أدت إلى سقوط مبارك – النجاح الأول و(إلى الآن) الأخير – يوم غرق ميدان التحرير في دموع الفرحة بينما كان كفار الثورة المعادون لنا طوال ثمانية عشر يوماً يخرجون صاخبين في أول إعلان رسمي عن إيمانهم، محتفين بما حققناه نحن آباء المؤمنين… بعبارة أخرى، أنا واحد من الناس لي عام أتفرج.

لكن على نقيض ما يعتقده أكثر الثوار بناء على كلامهم، أظن فرجتي هذه أهم من مواصلة النشاط الاحتجاجي في حد ذاتها؛ فبينما ذلك النشاط هو تكرار جماعي وقسري لشكل الثورة من أجل تأكيد استمرارها – ذلك الاستمرار الذي صَمّت آذاننا الدعوة إليه دون أن يتوقف الداعون لحظة ليسألونا أو أنفسهم عن معناه – الفرجة هي سؤال فردي وحر عن مضمون الثورة. لأن في الفرجة وحدها (وبكل نزقها ولا أخلاقيتها) احتمال النظر إلى الثورة وقد تجاوزت لحظة الخرق الأولى أو الموت: فورة التوهج والتوحد والذوبان التي نَحنّ إليها جميعاً. فهل انتبه الثوار أم ليس بعد إلى أن الوقت قد حان ليتحول خوفهم على الثورة من أن يسرقها “فلول” باتوا يشبهونهم حد التطابق إلى خوف على البلد من فقدان آخر الرتوش الخابية التي مكّنته، طوال ثلاثين أو ستين عاماً، من تمثيل دور دولة؟ هل لازالوا يظنون الخوف على البلد – كما ظنوه وأنا معهم قبل ثمانية عشر شهراً – هو الخيال العاجز لأمة مفطورة على تحجر الأشكال وتحلل المضامين؟

***

أم أنهم – هم: الثوار، وقد برزت إلى السطح حدود مثاليتهم ونوازع “الاسترجال” والاستبداد والانتقام (الذكورية والأحادية والعين بالعين) في منظومتهم القيمية… ثم افتقارهم هم إلى أي خيال يتجاوز الاعتصام والمسيرة وأماكن التظاهر – أم أن الثوار يتحولون إلى أوعية حجرية جديدة لا تحمل سوى شعارات ممجوجة ومعزولة عن واقع الناس سيكون على أجيال أخرى، وأخرى خوض معارك “ثقافية” لا نهاية لها لمحو أثرها عن العقول والممارسات؟ فلا شك أن انتصار الثورة كان هو الآخر شكلياً. بكل ما فيه من موت أو استشهاد لم يكن انتصارنا في الثورة – على الصعيد السياسي أو الاجتماعي – سوى حجة سفيهة لتمكين “التيار الإسلامي”.

لماذا؟

(هذا هو المهم.)

لأن ثورتنا كما صنعناها أو كما كنا نفهمها لم تعبر عن قيم ولا إمكانات ولا حتى رغبات أي شيء يمكننا أن نسميه شعبنا أو وطننا، فيما أثبتته ثمانية عشر شهراً الآن…

وبالفعل، كما أصبح خطاب الثوار متمحوراً كله حول الموت في الشوارع من أجل الحق والشعب والوطن في وقت خاصمهم فيه القطاع الغالب من الناس بحدة غير مسبوقة، موالياً الطائفية الدينية في أقذر تجلياتها وباحثاً عن الثبات واليقين – الحق – في كذب وقوة العصابة المسلحة (الطغمة العسكرية) نفسها التي تقمعهم وتسمح عبر الصفقات “السياسية” المعتادة بحضور تلك الطائفية على مسرح الأحداث، العصابة المسلحة التي لم يبق من أمارات “مؤسسية الدولة” سواها… أصبحت الثورة – مثل “النظام” من قبلها – شكلاً متحجراً ينطوي على مضمون سائل كالكحول الآخذة في التبخر.

وكان من شأن ذلك أن يضمحل “الواقع الثوري” ويُختزل في نشاط احتجاجي ما أجمل أن ينتهي بالموت ذبحاً كخرفان الضحية على يد “مدنيين” يحملون السيوف على قارعة الطريق. سنصور هؤلاء “الخونة” في خلسة من رصاص “جيشنا الباسل” لننشر صورهم على الإنترنت، بالطبع، ونطالب “شرفاء هذا الوطن” بملاحقتهم… ليثبت لنا الشرفاء مرة بعد مرة أنهم إما راضون عن ما فعلوا أو غير معنيين بما يكفي ليغامروا بحياتهم في غياب مجريات العدالة المؤسسية؛ وهل بيننا حقاً من يلومهم؟

كان الواقع الثورى ينعزل عن واقع “الفترة الانتقالية” أو “التحول الديمقراطي” السائد كذلك عن طريق الذوبان في ذلك الأخير. وكأن الثورة التي هي ثورة ليست سوى أحد الآراء “الوطنية” المطروحة التي لا “تختلف على الثوابت” ولا يُقبِل عليها الشعب – للأسف – نتيجة وعيه السياسي القاصر أو نتيجة أنه متدين وهناك من يتاجرون بالدين. أما الحقيقة البسيطة فهي أن الشعب لم يعش أي ثورة: لم تحدث للشعب ثورة، دعك من أن “يعملها” بيديه. ومع ذلك فنحن كثوار ورغم توجهاتنا الشعبوية ورغم الفاشستية السفيهة التي تستتبعها هذه التوجهات بل ورغم مثاليتنا الغبية… نحن “سياسيون” نؤمن بالديمقراطية، أليس كذلك؟

ومن ثم فالثورة لا تقاطع الانتخابات البرلمانية المقامة تحت الحكم العسكري بالتزامن مع تصفية الثوار في شارع محمد محمود، ولا يُطرح حق الدفاع (المسلح) عن النفس كوسيلة لـ”استكمالها” إلا بوصفه كسراً مذموماً لـ”سلمية” تُعد (إذا ما وُضعت حتمية الممارسات القمعية التي يباركها القطاع الغالب في الاعتبار) تصريحاً لـ”رجالة” و”جدعان” الثورة بالانتحار الممنهج؛ وبلا أي مردود لموتهم وفجيعة أهاليهم سوى المزيد من “الانتقال” والتأسلم، أو بضعة جنيهات يصرفها “المشير” تعويضاً مثل رب يمن على رعاياه… حتى حين لا يكون الدافع على الاعتصام إلا نقض القانون الذي قبلته الأغلبية الساحقة من أجل مرشح سياسي محتمل يرى فيه قطاع من الناس ليس فقط الزعيم (الطاغية) وإنما المسيح المخلص… وحتى حين يكون هذا الشخص السمين الجاهل، كما ثبت، كذاباً وجباناً. الآن صار الثوار يمثل بحثثهم في الشوارع من أجل حازم أبو إسماعيل.

***

إن ما حدث في محيط وزارة الدفاع اليوم (٢ مايو) إنما يبلور المسافة التي طالما حدستُ بوجودها بين واقع اعتصام الثمانية عشر يوماً في التحرير وواقع الحياة المحيطة به. كان الخطأ الأكبر أننا نسينا، خلال أيام الاعتصام؛ نسينا الدنيا التي نعرفها ومضينا في نسياننا حتى تصورنا أن الدنيا الجديدة التي خلقناها في “الميدان” (وبالفعل ما كان لنا أن نخلقها على الأرجح – للمفارقة – بغير حماية الجيش) إنما هي دنيا سيمكننا تعميمها وتقنينها خلال شهور أو سنين من تحقق “مطلبنا”. وفي بلد سبق أعضاء طبقتها العاملة ضباط الجيش إلى التبول على المعتصمين من فوق الكباري جراء استيائهم من تعطل “الحياة” – في بلد كان يُكلّف المجند فيها بالعمل خادماً لضابط الشرطة قبل أن يُكلّف بالتنكر لنحر المواطنين – ظننا أن اعتصام التحرير يمثل الشعب المصري أو أننا كـ”طليعة” قادرة على الفعل والتضحية سننشر الوعي الجديد بطرح نموذج جذاب ومتحضر وسلمي لقلب نظام الحكم، أو إسقاطه.

هناك واقع أقوى من واقع الثورة (كما كان هناك دائماً)، وهو واقع تحركه اللاعقلانية ولا خلاف فيه على منظومة الأخلاق المحافظة نفسها القائمة على الأحادية والطاعة والثبات؛ والتي جعلت خرتيتاً مثل مبارك هو “الأب الشرعي” لأكثر من ثمانين مليون معظمهم يعيشون خارج التاريخ. إنه الواقع القادر على نقض القوانين فعلياً بالتعامل كما لو لم تكن موجودة، وتوفير جنود غير نظاميين يقتلون الناس مقابل وجبة أو سيجارة فضلاً عن الجنود النظاميين الذين يقتلونهم لأنهم “ينفذون الأوامر” ولا يفهمون أصلاً معنى الاحتجاج. وفي هذا المعنى لا أظن هناك جدوى كبيرة للتفريق ما بين جنود النظام وبلطجيته و”الأهالي” الموالين له خوفاً أو جهلاً أو لأي سبب آخر: كلهم قادرون على التحول إلى ميليشيات سيجابهها المحتجون بميليشيات مثلها إذا ما استمروا في التصميم على الاحتجاج بلا هدف؛ وساعتها لن يبقى من الثورة حتى ذكراها… فهل تستفيد الثورة من أحداث العباسية؟

لقد راحت صدمة وطزاجة الفعل ولم يبق إلا ردود الفعل والانفعالات التي باتت جاهزة مثل تعبير وجه ممثل يؤدي المشهد نفسه على خشبة المسرح نفسها لليلة الألف. قد يكون الممثل بارعاً فينقل التعبير على نحو مقنع، إلا أنه يعلم كما يعلم المشاهد أن المسرحية مثلت من قبل بحذافيرها؛ وأنهما يحتاجان إلى مسرحية جديدة بخيال مغاير إذا ما أرادا أن يعيشا أو يواجها حقيقة الحياة.

شارع ابن الفارض – طنطا، ٢-٣ مايو

………………………………………

FOUND EGYPT: Mosaics of the Revolution

(1) A stock portrait of a contemporary woman in niqab is made up of the nude picture of Alia Mahdi, which was called a revolutionary gesture by the subject in November, 2011

(2) A Google Earth image of Tahrir Square and surrounds is made up of a graffito of “the finger”, one of the most popular statements of defiance since January, 2011

(3) A detail of an archival photo of a funerary mural in Thebes is made up of an iconic picture of a protester killed in Tahrir in January, 2011

(4) One of the portraits of Pope Shenouda III used by mourners following his death in March, 2012 is made up of images of casualties of the October 9, 2011 Maspero massacre of Coptic demonstrators (which the Pope is believed to have condoned)

(5) The flag of Egypt, with the eagle replaced by the famous blue bra exposed during the brutal beating by SCAF of one female demonstrator in Tahrir in November, 2011, is made up of images of Salafi and Muslim Brotherhood figures and symbols (along with “honourable citizens“, the “Islamic movement”, then in alliance with SCAF, condoned the suppression of demonstrators)

(6) A Muslim young man, reportedly gay, from a Cairo shanty town who crucified himself on a lamppost in Tahrir in April, 2011 as a gesture of protest is made up of anti-SCAF graffiti

(7) An American passport is made up of images of the hardline Islamist and vociferously anti-American former presidential candidate Hazim Salah Abu Ismail, who was legally disqualified from entering the race due to his mother holding US citizenship

cf/x photo mosaic as well as Adobe Photoshop CS5 were used to make these pictures

 

سواء كنت متعاطف أو لأ

wpid-522752_344047055655243_116217318438219_896992_747760388_n-2012-04-28-07-09.jpg

الناس لما بتقول ثورة بتقصد حاجة من اتنين واضح إن ما لهمش أي علاقة ببعض:

(١) المظاهرات والاعتصامات والمسيرات في حد ذاتها، وهنا التعاطف مع المحتجين ضد السلطة الغاشمة وعامة الشعب المحافظ شيء جميل ومطلوب طالما إن المحتجين دول ما هماش أنفار مشحونين في أتوبيسات ومفروض عليهم اللي بيعملوه سواء بالفلوس أو بأي طريقة تانية منظمة.

(٢) إن المظاهرات والاعتصامات والمسيرات يبقى معناها أو هدفها أو نتيجتها إن المجتمع ينتقل من حاجة وحشة لحاجة كويسة، مثلاً من الجهل للمعرفة أو من الفقر للغنى؛ وهنا بقى التعاطف لا جميل ولا مطلوب، لإنك حتى في أحسن الأحوال أول ما تبعد شوية بتشوف قد إيه المعنى أو الهدف أو النتيجة ما هماش حاصلين في الواقع وإن ضحايا الاحتجاجات بيروحوا فطيس وفي أسوأ الأحوال بتبقى شايف ده من أول لحظة وممكن كمان تبقى شايف إن الضحايا يستاهلوا يروحوا فطيس أو يعني يروحوا في أي داهية (لإن الحاجة الكويسة اللي المفروض إن الاحتجاج ده يحققها – “شرع الله” مثلاً – ما بتبقاش كويسة خالص من وجهة نظرك).

وبالتالي سهل قوي إن نظرية “هيييه مظاهرة” اللي هي ماشية باعتبارها الموقف الثوري الصحيح تساهم في إن المجتمع ينتقل للأوحش مش للأحسن – إنك تبص تلاقي اللي بيمثل المرأة في مجلس الشعب أم أيمن مثلاً، أو إن السؤال بدل ما يبقى “ازاي نحجّم مدى ومركزية السلطة السياسية في الدستور” يبقى “ننتخب مين فرعون جديد من غير ما يبقى عندنا دستور” – وده طبعاً ممكن يحصل من غير ما يأثر لا على تعاطفك مع المحتجين ضد السلطة الغاشمة وعامة الشعب المحافظ ولا على كون التعاطف ده في حد ذاته شيء فعلاً جميل ومطلوب.

“إلى كل رافض للنزول: أيام محمد محمود كنا بنقول للرافضين انزلوا احموا اخواتكم حتى لو مختلفين معاهم، إنت مش شايف العساكر اللي قدام إخواتك دلوقتي قد إيه؟ لو مانزلتش تحميهم واتعاملت بمنطقهم تبقى أوسخ منهم”.

الكلام ده لـ”محمد نور الدين” على الفيسبوك وأنا مش فاهم كلمة “إخواتكم” في السياق (يعني السلفي ومشجع الألتراس والمسيحي المتعصب التلاتة ممكن يكونوا بيتظاهروا في أوقات وأماكن مختلفة، فهل ده معناه إن التلاتة إخوات بعض عادي؟) ومع ذلك أنا متفق معاه تماماً. هو بيتكلم عن التضامن ودي قيمة واضحة وبريئة من “مكتسبات الثورة” وضروري تبقى موجودة. لكن أنا سؤالي – وبنفس الوضوح والبراءة برده – عن علاقة مظاهرة زي اللي حاصلة دلوقتي قدام وزارة الدفاع بالثورة لما يبقى المقصود بكلمة ثورة رقم (٢) أعلاه: لما نبقى شايفين “القوى الإسلامية” قد إيه ممكن تنقل المجتمع لحاجة أوحش من الحاجة الوحشة اللي كانت موجودة من سنة ونص لما “قامت الثورة”، ولما يبقى اللي بيحرك المحتجين ضد المجلس العسكري هو تعلقهم الهستيري بشخص أو بانتماء طائفي للقوى الإسلامية دي، مش بأي قيمة هما بيدافعوا عنها غير قيمة التضامن في سياق “هيييه مظاهرة” أو يعني “هيييه ثورة”، يبقى إيه الجميل أو المطلوب في التعاطف مع اللي بيحصل هناك؟

wpid-untitledmosaicstandardqualitypresetcheatersheaven-2012-04-28-07-09.gif

قراءة مسموعة في كتاب الطغرى


هكذا تكلم ابن الرقاصة

هكذا تكلم ابن الرقاصة (أو أموات منطقة الجزاء): ٢ فبراير ٢٠١٢

“نهاية العام: عام النهايات…” – سركون بولص

أن لا تكون من مشجعي كرة القدم في مصر كأن تكون ولد سفاح تقريباً. لقد حان وقت الاعتراف بأنني، كشخص لا يرى في كرة القدم سوى حجة باهظة للسَفَه الممنهج، ابن غير شرعي في هذا العالم. لكنني كما اتضح ابن غير شرعي ليس فقط لمجتمع واسع يستلزم الولاء الفطري لملاحم “المستطيل الأخضر” ومآثر “الساحرة المستديرة” دون أن يقبل الإنجاب بلا زواج، وإنما أيضاً لمجتمع ضيق تقيمه مسيرات واعتصامات واشتباكات لم أعد أشارك فيها وإن لم أفقد حماسي لها إجمالاً (فقدت حماسي بدرجات تتفاوت حدتها للاحتفالي منها بالذات، لـ”الملوينية” والعَلَم والمنصة ولـ”الميدان” المخترق بلا دماء، وهو ما قد يساء فهمه في السياق الثوري)؛ أي أنني – فيما يخص “الثورة” – بت أُجلّ تضحيات لست على استعداد شخصي لتقديمها، ليس لأن لها جدوى ولكن لأنها تضحيات.

وكما علّمتني جماعات “الألتراس” من أبناء “المجتمع الكروي” الشرعيين حد الحراك المنظم أن لذلك السفه الممنهج فائدة رغم كل شيء – أن تشجيع كرة القدم في بلد مسكون بالدونية والرعب إلى هذا الحد ربما كان المساحة الوحيدة الممكنة لاسترداد الفضاء العام بثورية براجماتية في مقابل الثورية المثالية التي تنتهي بصاحبها إلى ما يشبه الانتحار – علمني انطوائي وعزوفي عن الجموع والعنف غير المتكافئ أن مواصلة النشاط الاحتجاجي، داخل حدود “المجتمع الثوري” – الوحيد الذي يمكنني احترامه وسط مصر “كالايدوسكوبية” متعددة المجتمعات – أصبحتْ مثل تشجيع كرة القدم تماماً: شرطاً أصيلاً لشرعية وجودك أو حقك في الكلام؛ وحبذا لو استُشهدتَ أو فقدتَ بصرك لتؤطر بموتك أو عماك بشاعة الفريق المنافس، أو تبرر “الثورة” بلا حاجة إلى كلام.

.

تستثيرني في هذا السياق أسئلة صعبة ليس أولها احتقار الذات ولا آخرها احترام الحياة. الثورية نفسها تستثيرني، الثورية التي لا تنظر إلى نفسها بما يتيح رؤية عبثيتها، أو تُبطِن – مثل أدب “ألبير كامو” – كفراً بمعنى الحياة بل وجدوى تغييرها، التي لا تملك من الخيال أو الشجاعة ما يجعلها تتحول عن مسار أحادي ضيق مكرسة لنقيضها في الوقت ذاته. يستثيرني، مثلاً:

  • •أن القضية المطروحة حيال احتجاجات وزارة الداخلية التي اندلعت في أعقاب مجزرة تعرض لها “ألتراس أهلاوي” في ستاد بورسعيد هو ما إذا كان الألتراس أم غيرهم من يصرون على كسر “سلمية” الاحتجاجات بالاعتداء على المنشآت العامة (وكأن مباني “الدولة” أهم من أرواح المواطنين أو في صراع أونطولوجي معها، وكأننا لا نعرف أن فصائل من الداخلية والقوات المسلحة دبرت الاعتداء على المنشآت العامة من قبل لتوريط المتظاهرين)، أن دعاة “الاستقرار” من “مجتمع الكنبة” مازالوا يناصرون جهات كوزارة الداخلية لم يبق سوى أن تعلن عن أنها تعمل على إثارة “الفوضى”؛
  • •أن نساء يُعرَّض بهن بشكل ممنهج في “المجتمع الإسلامي” الذي بات مطابقاً لـ”المجتمع الديمقراطي” عملياً مازالن يحتضنّ الرصاص بحماس صادق بينما لا يخطر لهن خلع حجاب يلبسنه مكرهات منذ “العصر البائد”، وأن من صوتوا لمَوالي المجلس العسكري من الإخوان المسلمين وحزب النور على جثث ضحايا لم يرفع الموالي سبابة لنجدتهم هم أنفسهم من يهتفون بسقوط العسكر؛
  • •أن فترات مرت كان الألتراس وحدهم من يضطلعون خلالها بمواجهة الأمن المركزي والشرطة العسكرية إثر الاستفتاء الأول على تعديل الدستور، والذي أدى مبكراً جداً إلى احتكار عسكري للقرار مقابل صعود برلمان إسلامي لا أراهن على اختلافه عن برلمان الحزب الوطني؛ وكان ناشطون نجوم أمثال علاء عبد الفتاح قد صوتوا بنعم لصالح المجلس العسكري والإخوان في ذلك الاستفتاء…

أو أن أحداً، في المهاترات “السياسية” الدائرة، لا يأتي على ذكر “الدولة العميقة” التي لا أظن “إسقاطها” ممكناً قبل إسقاط الرأسمالية العالمية برمتها؛ وفيما تقتصر “المطالب” على استبدال أو إعدام أشخاص بعينهم – عن نفسي، لن أكون من أنصار عقوبة الإعدام أبداً؛ وأظنني سأفضّل حتى نظام مبارك سواء أعلى “المحاكم الثورية” التي يطالب بها بعض “الثوار” أو على “شرع الله” كما يستبصره السلفيون – تتحول التضحيات إلى وقود “دوري” يتنافس على سلطة هي ربما أكثر سفاهة بالنسبة إلي من مباريات الدوري الممتاز الذي تقرر إلغاؤه.

.

قال لي سائق التاكسي إنه يتمنى أن تصبح البلد “إسلامية” مستشهداً بتركيا كنموذج يجب احتذاءه، وأضاف: “عشان ولاد الرقاصة دول يتلمّوا!” كان يشير بذقنه الحليقة إلى امرأة شابة تعبر الطريق وفي عينيه شهوة يكرهها. لم تكن المرأة التي أشار إليها محتشمة فحسب ولكنها كانت أيضاً محجبة. نظر إلي ينتظر أن أثني على ما قاله، وحين وجدني أنفخ بتذمر مشيحاً بوجهي عنه إلى الشباك، تنهد ليس بخيبة أمل ولكن بخليط أعرفه جيداً من التحدي والتلون. “ولا إنت إيه رأيك على كده؟”

نظرتُ إلى سائق التاكسي في عينيه تماماً: “أصل أنا ابن رقاصة زيهم، فمش عارف بصراحة أقول لك إيه!” وتذكرتُ رجال منطقة بيوغلو في اسطنبول حين يطلعون على العالم في هيئة وثياب النساء؛ تذكرت قبلات الأحبة هناك في الحدائق المتاخمة للبوسفور، وروعة التحرر من عيون مثل عينيه. “بس عارف” – أضفت فجأة – “ما فيش أي مانع نبقى زي تركيا…”

.

أول ما خطر ببالي إثر وصول أخبار استاد بورسعيد في ذكرى “موقعة الجمل”: صبرا وشاتيلا. بدا لي أن علاقة الأمن بالبلطجية الذين اندسوا وسط مشجعي نادي المصري لعبور الملعب إلى ألتراس أهلاوي والإجهاز عليهم هي ذاتها علاقة إسرائيل بالقوات اللبنانية: التحكم في الإضاءة وفتح وإغلاق المعابر. كنت أفكر أن وجود إسرائيل لا يغفر للقوات إجرامهم وأن شيئاً عندنا لن يتقدم طالما توجد هذه الميليشيات الخفية متعددة الولاء.

والآن والجدل دائر حول “اقتحام وزارة الداخلية”، والأخبار تتوالى عن معارك على بوابات الأقسام بامتداد البلاد – بصراحة شديدة – أحس بالملل. أحس الكلام ممجوجاً والمواقف متوقعة بحذافيرها والنوازع، حتى النوازع معدومة الخيال. أشياء لا يملك الواحد حيالها إلا الغضب للمرة الألف، أو ربما زحزحة “الأحداث” إلى منطقة غائمة: إغلاق “الدُرج” عليها في مكتب العقل.

هل حقاً علينا أن نسأل من جديد إذا ما كانت الداخلية المصرية في حاجة إلى “إعادة هيكلة”؟ هل على المتظاهرين مرة أخرى أن ينفوا شبهة شيء قد يكون سبباً للافتخار؟

.

ومع ذلك، للمواجهات التي باتت روتينية في محيط وزارة الداخلية نتائج إيجابية رغم كل شيء، نتائج لا أظنها أغلى من حياة من ماتوا ولكنها تصب في الاتجاه الإصلاحي الذي انبثقت عنه الثورة – وهو إصلاح، فيما ثبت لغاية الآن أن المعارضات على تنوعها ليست أقدر عليه من نظام لازال يحارب من أجل البقاء، لا يمكن أن نتوقعه من ثورة يناقضها بتعريفه، ثورة استخدمتها الدولة العميقة لاستبدال ديكتاتورية مبارك بديكتاتورية عسكرية مباشرة مع تهديد مضمر بثيوقراطية إسلامية تتحقق من خلال صناديق الاقتراع، إضافة إلى التلويح العلني باحتمال سواد نظام تسيير ميليشياوي:

  • •تحول الشعار الرئيس من “الشعب يريد إسقاط النظام” إلى “يسقط يسقط حكم العسكر”، وهو اعتراف “شعبي” تأخر أكثر مما ينبغي بوجوب سقوط منظومة يوليو كاملة لحظة “تخلي” مبارك عن سلطته للمجلس العسكري؛
  • •كشف الإسلاميون ليس فقط عن نيتهم في استغلال الثورة حسب الحاجة وإنما أيضاً عن استعدادهم لقمعها بالوسائل ذاتها التي استخدمتها “الجهات السيادية”، وقد تولوا مسئولية تعذيب “البلطجية” في ميدان التحرير ثم الاعتداء “الميليشياوي” على مسيرة إلى مجلس الشعب كما اتهموا مفجري الثورة وضحاياها بالعمالة لجهات أجنبية بعد أن كانوا أول من بادر بتسوية أوضاعه في واشنطن؛
  • •أثبتت السنة الماضية أن الثورة الأولى كانت بمثابة نزع السدادة عن القمقم وأن المارد بحلوه ومره قد خرج إلى العالم الواسع ولا سبيل إلى حبسه من جديد أو، بعبارة أخرى، ثبت أن الدولة العميقة مهما استحال إسقاطها أضحت مجبرة على التكيف مع الحقوق المكتسبة وأن أسلوبها المتبع إلى الآن في التعامل مع العصيان من شأنه أن يعرضها للمزيد منه.

الثورية تستثيرني إذن على نحو إيجابي كما تستثيرني على نحو سلبي، لكنها تستثيرني أكثر بصفتها الجوهرية لكونها طقس تضحية ضروري، ولأنها – بالتحديد – ثورية بجد؛ بمعنى أنها لا تنظر إلى الممكن ولا تسمح بالتوافق أو تكتفي بالإصلاح. من هذه الزاوية أراني جزء خفياً مما يحدث، من هذه الزاوية فقط.

.

نحن أموات منطقة الجزاء “كنبة” أكنا أو “بتوع تحرير”، ألتراس أو لا، أبناء شرعيين أو أولاد سفاح. إن لم نمت في ليل ٢ فبراير في بورسعيد فسنموت يوم ٣ فبراير في السويس أو مساء ٤ فبراير في شارع منصور وربما بعد شهر أو سنة على سلالم المترو؛ وحتى إن لم نمت على الإطلاق، فستطاردنا أشباح من ماتوا بما هو أبشع من رصاص القتلة مهما انتفى وعينا بذلك؛ لا فرق في هذا الصدد بين من يُقبل منا على النشاط الاحتجاجي ومن لا يفعل لأسباب لعلني أوضحت بعضها.

عن نفسي – وأظنه إيجابياً أن يكون بيننا مثلي كذلك – لست “ثورجياً” حقيقياً أو لم أعد، لكنني لست من “الفلول” ولا من “حزب الكنبة” ولا أنظّر – هنا – إلا لكي أفهم من أكون. ربما ليس عندي شجاعة أن أرى الناس تُقتل بلا هدف، وربما فقط لا أحب الصخب والزحام. لن “تدخل علي” حجة أن الإسلاميين فصيل له رؤية إصلاحية ولن يردعني عن رفضهم – ورفض القيم “الفلاحية” التي يسعون لتعميمها – الاتهام بأنني أمارس تعالياً طبقياً على الإسلاميين. لا أغفر لمن يعطي الإسلاميين مثل هذه المصداقية أكثر مما أغفر لمن يحابي المجلس العسكري وهو يقتل ويشعل الفتنة الطائفية ويحتجز ويعذب ثم ينكر مسئوليته. ولا أظن لموقفي هذا أهمية أكبر من أن أعرفه ويعرفه من أعنيه شخصياً. ومع ذلك في مصر مكان لي أيضاً، إلى الآن على الأقل، أنا ابن الرقاصة الذي يقول هذا الكلام. ربما حتى يكون المكان الذي أستحقه.

اكتمال رواية التماسيح

wpid-img_1472-2011-12-31-14-41.jpg

  1. بعد عشرة أعوام أو أكثر – بينما حزب النور السلفي وحزب الحرية والعدالة التابع للإخوان المسلمين يربحان الانتخابات التي بدأت والأمن لا يزال يقتل وينهب في الشوارع، وفيالق الشرطة العسكرية من قواتنا المسلحة تسحل المتظاهرين وتجردهم من ملابسهم وتميتهم ضرباً ثم تجر الجثث إلى أكوام الزبالة فضلاً عن قنصهم وتعذيبهم داخل المنشآت العامة – أصبحتُ أعرف أن الشر يبدأ من حيث يتصور الإنسان أنه، بمعرفة أو عقيدة أو هوية، يمكنه أن يغيّر مجرى حياة سقطت على كتفه مثل حقيبة عليه أن يرسم لها شبكة في الوادي قبل أن يجلس داخلها ليصل.
  2. بعد عشرة أعوام – وأنا أتابع من بعيد تطورات ثورة انتظرناها ونحن لا نعرف أننا ننتظرها، وحين جاءت مارقة كقطار أخير ترتكتنا مشدوهين على رصيف المحطة – أفكر في كوننا كلنا أصبحنا حالة أو مأساة: إن بقيت لنا ذكرى، ستظل فحوى ذكرانا في فضائح الحب والموت والإنجاب. وهل كان هذا كله من أجل أن نكون مادة مناسبة لنميمة عدد أكبر قليلاً من الناس؟ أشعر بجسدي غارقاً في الحساء وأنا أتساءل: كل هذا؟

***

يوم ٣٠ ديسمبر ٢٠١١، اكتملت مخطوطة التماسيح

wpid-img_1662-2011-12-31-14-41.jpg

        حاوية التماسيح: الملف الأول، ٢٠١٢

        العشاق: ١٩٩٧-٢٠٠١

        “كان لهذه الأفكار أو المشاعر أو الترهات فوائدها. كانت تحوّل وجع الآخرين إلى ذكريات خاصة. كانت تحوّل الوجع، وهو شيء طبيعي ودائم ينتصر عليك إلى الأبد، إلى ذاكرة شخصية: شيء بشري ومؤقت يتملص منك إلى الأبد.” – روبيرتو بولانيو، “2666″، عن ترجمة ناتاشا ويمر الإنجليزية، 2007

        “وعندهم أن الأعمال المكتملة تخفي النقص الضارب في أعماقها عن طريق وحدة مصطنعة. وحدة هدفها إنقاذ ذات كاتبها. أما الأعمال الناقصة فلا تتحرّج من ذلك النقص بل تمده إلى آخره، وكأنها تقول إنك لا تستطيع أن تكتب بمفردك أبداً.” – هيثم الورداني، “جماعة الأدب الناقص”، 2003

        “فمن خواصه أن صوته يقتل التماسيح، ومرارة الذكر منه تحل المعقود، ولحمه ينفع من الفالج. وإذا وُضعت قطعة من جلده في صندوق لم يقربه سوس ولا أرضة… وهو من الحيوان الذي يعيش ألف سنة على ما ذُكر وعلامة ذلك كثرة سقوط أسنانه.” – شهاب الدين الأبشيهي (1388-1446) في وصف الأسد

***

wpid-tamasihlogo2-2011-12-31-14-41.jpgwpid-tamasihlogo-2011-12-31-14-41.jpg

***

في المساء أفكر في مون من حيث تصلني أخبار الأحداث عن بُعد. بُعد شديد كما يبدو. وكلما انتبهت إلى بلطجة الجيش ثم كذب القيادات العسكرية وطاقمها السياسي-الإعلامي، كلما انتبهت إلى استعداد الناس لتصديق الكذب، أستريح أكثر لبعدي. هنا سأكون معزولاً وآمناً بما يتيح التذكر. ظريف حقاً أن أمضي وقتي أدوّن بخلو بال بينما مصر تحترق. وأفكر أن المشكل – ربما – أنها لا تحترق بما يكفي: أن هناك من يتحدث عن خطورة التظاهر على “عجلة الإنتاج” وضرورة تنشيط الاقتصاد بينما الشباب يُختطفون ويُعذّبون؛ هناك من يرشّح نفسه لمقاعد البرلمان بدعوى أنه “عارف ربنا” بينما الأزهريون يُقتلون بالرصاص الحي. لهذا، لأن الأحداث رغم كل شيء محدودة ولأن مدلولها يضيع مع استعداد الناس لتصديق الكذب، أشعر بضرورة التذكر وأستريح لبعدي.

في المساء أفكر في مون من حيث تصلني الأخبار وأمتن للملف الذي أمامي على شاشة الحاسوب وهو يمتلئ شيئاً فشيئاً بالكلمات. أهنّئ نفسي على فتح حاوية سميتها “التماسيح” ليكون أول ملفاتها لأنني، منذ فعلت، لم يعد يراودني النزول إلى معترك الأحداث في ميدان التحرير أو شارع قصر العيني ولا أشعر بالذنب. أوقاتاً – هذا كل ما هناك – تكتسحني الفجيعة. ضوء قارص يبرق في رأسي يعميني ويشلني كل مرة بضع دقائق فأرتجف وأفيق على ألم حاد في بطني. بعد ساعة، ولا دمعة، تأتي رغبة حارقة في البكاء. لا أعرف أحداً ممن قُتلوا معرفة شخصية؛ ورغم أنني كثيراً ما أضع نفسي مكان أهلهم وأصحابهم – أعرف بعض أصحابهم – لا أظنني مفجوعاً فيهم. الوجع الذي يقرصني ضوؤه علامة شيء آخر لا أعرف كيف أصيغه. كأنك نمت في بيتك المريح وصحوت لتجد نفسك عارياً على قارعة الطريق. كأننا ليس عندنا سوى هذا…

        أفكر في مون وأتذكر أنه، في ٢٠١٠/١٢ أو ٢٠١١/١ إثر اندلاع احتجاجات تونس – بينما الشرطة التونسية تقتل الناس في الشوارع – ظهر أحد الموالين لحكومة “زين العابدين بن علي” على قناة الجزيرة يسأل بنبرة استنكار: “هل أن الحل هو إحراق البلد؟ هل أن الحل هو إحراق البلد؟” الآن بعد سنة أو أكثر من اندلاع الاحتجاجات في مصر، أردد كلماته بشعور مختلف وصوته يرن في أذني بينما تصلني الأخبار: هل أن الحل هو إحراق البلد؟

دار الإفتاء الموازية: فتوى ديانميتية أخرى لفضيلة الشيخ السكندري

wpid-sheikhmohab-2011-12-22-20-33.jpg

وإن من شيء إلا يسبح بحمده ، ولكن لا

تفقهون تسبيحهم

قال العلامة أبو النصر السكندري أعزه الله:

يقول عز من قائل في سورة النحل ” وإن من شيء إلا يسبح بحمده ، ولكن لا تفقهون تسبيحهم”. وفي هذه الآية فوائد جمة، وخلاصات علم الأولين. بها نستفتح، وعلى الله التوكل.

ان مسلمي هذا الزمان قد قلبوا آية الدين التي هي توحيد ووحدة، فالاله الواحد هو الروح المودعة في كل انسان، وهو المشترك بين الخلائق من آمن منهم ومن لم يؤمن. ومعنى الايمان الوعي بما قسمه الله له من هذه الروح في نفسه. فالمخلوقات واعية أو غير واعية هي منتسبة اليه، وهو وحدتها الكبرى. فيامان المرء وعدمه لا يخرجه من دائرة الكرامة الالهية الا لمن جحد مخلوقات الله، واتخذ من نفسه حكما على ما لا يعلم، وانتقص من حكمة الله في خلقه.

وبما أنه ليس في الكون ما هو خارج عن خلق الله وابداعه، فان خلائق الله ومخلوقاته مكرمة بالأصل.

وفيها جميعا ما في الله من صفات ولكن بقدر مقسوم، ففي الناس العادل والعالم والجميل، والصبور والباطش، والكريم، والوهاب والحييّ،.. الى آخر ما كان معلوما من الصفات وما خفي.

ومعنى أن من الصفات ما خفي، أن صفات الله غير نافدة، وهي ليست على وجه أو صورة واحدة. هذه الصفات، هي لله ليست أغيارا، بل متحصلة بالهوية، فهو عين صفاته جميعا وأبدا. أما خلقه الذين قدر لهم الموت والحياة وأن يعيشوا في دائرة الزمان، فهم يتحصلون هذه الصفات عبر خبراتهم وتجاربهم، لذلك يقع لهم التناقض فيها، لا عن عمد غالبا، بل عن قصور علم مصدره وجودهم الزماني المتغير، فمكا كان في وقت ما كرما، قد يصير في غيره سفاهة، وما كان يعد يوما علما، قد يتكشف في زمان بعده عن أوهام وأساطير.

ولا يحاسب الله الناس على ما تحصلوا من صفات وما فاتهم، وانما على نية التوحيد والكمال، أي بقدر سعيهم الى الصفة الموحدة بين الناس في كل عصر، والتي ترقى بهم الى نموذج النظام الالهي.

ولذا كان في آيات سورة الكهف درس بالغ وحكمة ناصعة لموسى في عدم الأخذ بظوار الأمور وقشورها، والحكم وفق ما سبق له علمه، وما استقر في قناعته فحسب، فأدبه الله على التسرع في الحكم، وعلى التعلق بالظواهر، دون ادراك الغاية التي هي منفعة الخلق، وسلامهم.

وفي تصدير الأولين لحديث “انما الأعمال بالنيات” حكمة فاتت حتى على واضعي كتب الفقه التي تصدرها هذا الحديث.

وليس المقصود بالنيات هنا هو أن يقتل الانسان بزعم حسن النية، ذلك أن سلامة القصد تعني أصلا الرغبة في حفظ الحياة، فسليم النية هو الباحث أبدا عن فعل يوحد ولا يفرق، يقيم العدل في ميزان الكائنات.

لكن فقهاء الزمان الأول عفا الله عنا وعنهم، أعرضوا عن البحث في صفات الله التي على الخلائق أن يتحلوا بها، وتعلقوا بظاهر بعضها من حركات وسكنات، فأصبح الجزء شاهدا على الكل، والحاضر نافيا للغائب من هذه الصفات، وافترضوا الكمال في تحصيل هذه الحركات والسكنات جملة في الفرد الواحد، وغاب عنهم مراد الله من تنوع الخلق، وهو استكمال الصفات، الذي هو عمل دائم وبحث عن الأفضل. فصار فقههم علما عقيما، لأنه ناقض حياة البشر على الكيفية التي خلقهم الله عليها.

وتعلقوا بهذا حرام وهذا حلال فصاروا شيعا، ينكفئوون على خدع الظواهر، مجادلين في ظاهر تلك الصفة أو غيرها، هل نضع أيدينا في الصلاة على الصدر، ماذا يفعل من نسي غسل ذراعه أثناء الوضوء، كم عدة المرأة بعد وفاة زوجها.

وحتى يتحصلوا هذه الظواهر ولا أقول الصفات ذهبوا الى الصحابة والرسول، واقتدوا بحركاتهم وسكناتهم، واعتبروها عين الصفات فاشركوا بالله، عن غير علم، وجعلوا خلقه قيمين عليها ومختزلين لها، وهم صنعته، فكيف يشهد المصنوع على الصانع؟

صنعوا من الناس ومن صفاتهم أوثانا عبدوها، فتوقفت عقولهم عن البحث في الكون الواسع، وانكفأت على “حدثنا، وأخبرنا”. فصار دينهم حجابا للدين، وعبادتهم مسخا لمقاصد الله من العبادة.

وفي الآية التي صدرنا بها كلامنا، ما يعلمنا أن الانسان ليس وحده في الكون، وليست كل العبادات على صورة واحدة، فكل مخلوق وكائن يقوم بوظيفته انما هو المسبح الحق، المستعيد بعمله الصغير معنى الخلق الأكبر وغاية الحياة.

وليس معنى ألا نفقه ما يتعبد به هذا أو ذاك، أنه خارج عن النظام، بل نحتكم الى فائدة ما يصنع، ومراده ونيته فيه، مادام محققا للسعادة التي ينتفي عندها الشر، الذي هو تناقض المرء مع ذاته، والذي لا ينتهي بحذف غريزته التي أودعها الله ولا فضائله الروحية التي هي من قبسه، بل يبح هذا هو عين ذاك. وهو معنى اباحة الله للخمر وغيرها في الجنة، ألا تصبح المتعة اثما، ولا السعادة منقوصة بحدود الشكل والله أعلى وأعلم.

فتوى أخرى للشيخ أبو النصر

انتهاكات الحكم العسكري

***

بالفيديو: انتهاكات الحكم العسكري

***

أيها المصريون المتفرجون عن عمد.. لا عن حسن نية، ممصمصو الشفاه كالعوانس، الخاذلون المخذولون الكذابون على أنفسهم وعلى ضمائرهم وعلى الناس، يا سلالة الجبن والعبودية وانحطاط الروح، يا كفار، يا عبدة كل وثن باسم اله لم تعرفوه ولم تريدوا معرفته. تتصورون الها على مقاسكم “مصلحجيا”، مخادعا، منافقا، تافهما، شكليا، عنيدا في الجهل، لا يلويه شرف الغاية عن خسة الوسيلة.

يا لصوص أقاربكم واخوانكم، يا حثالة النفاق وحصيلة طأطأة الرءوس، يا منتجي الخزي لأبنائكم والذل والعار لبناتكم، ما لأجلكم يموت الثائر بل لأجل شيء لن تعرفوه، أنتم صفيحة القمامة التي تتأذي من روائح الورد، انتم امتداد طبيعي لمنيّ التاريخ المتخثر العفن في أصلاب آبائكم. أنتم ظل انحائة على الأرض.

عيشوا طويلا فانتم الموتى.. يا الله! وكأنهم لا يعرفون ذلك

- مهاب نصر

***

لا الاعلام ولا طنطاوي وشراميطه كان قدروا يمسوا شعرة من المصريين لو ما كانش اغلبية المصريين عبيد

- محمد أبو الليل

***

wpid-6300279063_7b0db0587a-2011-12-18-18-56.jpg

wpid-6428578699_52f9d3674a-1-2011-12-18-18-56.jpg

wpid-378965_268944956489819_162362833814699_855360_2030014171_n-2011-12-18-18-56.jpg

***

wpid-cairodec17top10-19-10pm-2011-12-18-18-56.jpg

الثورة في عيون الثوار: من يناير إلى يوليو

wpid-261199_185547361503721_100001453750486_499153_2569267_n-2011-12-18-03-24.jpg

********************************************************

شهادة محمود عاطف: يناير-يوليو

********************************************************

٢٥ يناير

ما أعرفش ليه كنت متحمس للنزول يوم ٢٥… قبل كده كنت بأنزل، الوقفات بتاعت خالد سعيد بالذات مش عارف ليه كانت بتقول حاجة: إن إحنا لابسين إسود وما بننطقش خالص، وإزاى وإحنا ساكتين ولابسين إسود وواحد في الشارع بيسألك لابسين إسود ليه فتقوم مفهمه، وتحس إن الناس متعاطفة معاك؛ وإزاى ده كان بيقلق الداخلية. شوية عيال نازلين الكورنيش وما بينطقوش، كل واحد بيقرا في المصحف أو الإنجيل – وكل مترين واقفلك لوا ولا عقيد ولا عميد. والناس لا بتزعق ولا بتصرخ ولا أى حاجة…

يوم ٢٥ يمكن التفاؤل كان غالب عشان اللي حصل في تونس، يعني اللي كان حصل في تونس مِدّى للناس دفعة. الحاجة الغريبة بقى جداً – ما أعرفش الجنان ده إيه بس أنا عندي علاقة غريبة كده بالكتب – إن أنا في اليوم ده وأنا نازل باشا كده ومعايا بطاقتي وفلوسي وبتاع، وكنا لسه في الشتا ولابسين جوةكت تقيلة عشان الضرب، كنت واخد معايا ديوان أحمد يماني “أماكن خاطئة”؛ على أساس إني نازل فسحة بقى وممكن أقعد أقرا فيه. وبالليل فعلاً في الميدان قعدت أقرا فيه بعد ما رجلي تعبتني من الوقفة والهتاف، قبل الضرب.

***

أنا كنت من اللي جايين من جامعة الدول العربية من المهندسين، قعدنا نشاور لبعض أنا وزمايلي من بعيد إزاي نتجمع وإزاي حنتحرك لحد ما قابلنا المظاهرة وهى ماشية في شارع جامعة الدول. وكانت الأعداد فعلاً مهولة وشكلها يفرح. من قبلها بالليل كان في كلام إن الأمن مش حيتعرض للمتظاهرين، شوية يقول لك الأمن بيضحك علينا وشوية لأ. بس فعلاً لما نزلنا كان الأمن سايبنا نلتحم خالص، غير المظاهرات قبل كده. كانوا عاملين كردونات نقف قدامها لحد ما الناس تنتظم ورا بعضها في صفوف وبعد كده نكمل، وهما ماشيين ورا المظاهرة في الآخر خالص خالص. أول ما وصلنا للميدان قاموا على طول شغالين رش ميه وضاربين قنابل مسيلة للدموع، قعدنا نجرى ونستخبى جوة القهاوى وهرجلة وكحة بقى وبلاوى سودا. وبعدين رجعنا نهتف سابونا شوية وقاموا ضاربين تاني بعدها بشوية وسابونا قرب المغرب.

وأما الدنيا ضلمت والنور ما كانش كويس – مش قايدن كل الانوار في الميدان – قاموا طايحين فينا بالقنابل. لكن الأعداد بدأت تزيد لما الناس تصدق إن في أعداد تقارب التلاتين والأربعين ألف، أنا قابلت ناس جايين من بيوتهم قالوا إحنا ما كناش مصدقين ولما شفنا أشكال الناس – الصور اللي جايباها الجزيرة – قلنا لأ ده في حاجة حقيقي بتحصل. وبدأوا يعدوا للمبيت ولجان إعاشة بتجيب بطاطين تدخل الميدان وحاجات كده…

***

في لحظة الساعة ١٢ وربع بعد نص الليل: السرينة بتاعت المدرعات؛ سرينة مرعبة كده بنت كلب. لسه بأترعب منها جداً. والله العظيم أول ما بأشوف المدرعة، إلى الآن، ذهني بيستدعي الصوت بتاعها على طول. بقى شكلها بالنسبالى مقلق جداً؛ يمكن كانت أول مرة أسمع صوت السرينة وأنا قريب منها؛ يعني فعلاً رعب. وتعرف بقى إن السرينة إيذان بالضرب، زى زمارة المترو تيت تيت يت المترو قرب وخلي بالك. ضربوا كمية من القنابل مهولة، ما كنش المقصود منها أنا إنها تفرق المتظاهرين قد إن هى فعلاً تخنقهم لإن القنابل كانت بتنضرب من كل حتة ومن كل المداخل اللي في الميدان، منين ما تجري تلاقي دخان. وصلت بعد الجري أنا وواحد صاحبي شارع شمبليون، وكان في ناس بتجري كتير.

أول ما وصلنا شملبيون قعدنا نهتف يسقط يسقط حسني مبارك. التليفون بيرن بأطلعه لقيت أمى بتكلمني من البلد، قمت معيط حتى قبل ما أرد وقمت رادد عليها: ادعيلنا إن ربنا ينصرنا على الظلمة واقفلي دلوقت لحسن الأمن بيجري ورانا… بعد خلع مبارك، كان في فيلم عاملاه البي بي سي، اللي عامله خالد عز العرب، اسمه يوميات ثورة، فكان من ضمن الفيلم بقى دكتورة منى مينا – اللي هى الطبيبه والناشطه المعروفه، وكان ابنها من المصابين في معركة الجمل، وكان خالد عز العرب بيسألها مخفتيش على ابنك. قالت له خفت طبعاً بس مش حيكون أعز من اللي راحوا لإنه كان بيموت على إيدينا شباب كتير في المستشفى الميداني. كنت أنا قاعد في القاهرة ساعتها، فطلعت في دماغي إني أكلم أمي وأسألها سؤال حالاً: لو كنت اتقتلت، كنتي حتشتمي في الثورة والثوار؟ كلمتها كتير ما ردتش عليا، أبويا اللي في الآخر رد وقال لي إنها مش موجودة، وإنها بتزور جدي في البلد وسألني عاوز حاجة؟ قلت له لأ، رجعت آخر الأسبوع البلد فوأنا قاعد معاها لوحدنا سألتها – وكان ده بعد فترة طويلة، تقريباً في مارس – قالت لي أشتم في الثوار ولا الثورة ليه، إنت مش أعز من اللي ماتوا. فكانت نفس الجملة اللي الست قالتها في الفيلم. الجملة دي خلتني أعيط.

المهم… فضلنا نجري في شمبليون مجموعة مننا كملت على الإسعاف ورمسيس وقامت داخلة شبرا، إحنا كملنا لحد ٢٦ يوليو على بولاق على روض الفرج على الساحل على شبرا. وفي شبرا قابلونا برضه باستقبال حافل. قمنا إحنا كملنا في شارع شبرا وقمنا داخلين في حواري، كان ورانا عيلين على موتوسكيل وعرفنا إن العيال دي تبع الداخلية وبيبلغوهم لدرجة لقينا مدرعة داخلة ورانا في الشارع وعساكر أمن مركزي وكانت فعلاً قاصدة تدهس اللي بيتظاهروا، كانت جاية بأقصى سرعتها والناس واقفة قدامها. أقسم بالله أنا وواحد صاحبى نطينا من قدماها فرق ثواني، كانت فعلاً حتشيلنا وده حصل مع ناس كتير.

٢٨ يناير

رجعت البيت يوميها الفجر. ما روحتش ع البيت قعدت عند ناس إصحابي في مدينة نصر لإني فعلاً ما كنتش قادر أروح. أنا وواحد صاحبي كان شوية وحأخليه يشليني، رجلي خشبت تماماً. ومانزلتش الأربع ٢٦ ولا الخميس ٢٧ ولا الجمعة من الصبح، نزلت الجمعة من المغرب. طبعاً كنت متضايق وكلمتهم قلتهلم الوقت اللي حأقدر أنزل فيه حأكلمكم. أنا ما كنتش نمت، وما كنتش عارف أنام خالص. يوم 27 بالليل جه واحد صاحبنا طول الليل قاعد يرعب فينا ويقلقنا ويخوفنا. الواحد ما كانش مرعوب ولا قلقان من إنه ينضرب بالنار ولا بتاع، بس فكرة إن بقى في حاجة في دماغك قاعدة تزن طول الليل إن الأمن حيعمل كذا وده مع صوت السرينة خلى الواحد فعلاً مايعرفش ينام. فأروح الجمعة وأنا رجلي واجعاني وما نمتش كنت متأكد إني في أقرب لحظة من الجري كان حينقبض عليا يعني أنا كان عندي إني أموت ولا ينقبض عليا.

ما كنتش أعرف إن يوم الجمعة حيبقى يوم حرب كده، قال وأنا بأقولهم حأكلمكم كإننا نازلين في نزهة، حأكلكم أعرف انتو فين وأجيلكو.

***

نمت طول النهار والمغرب قمت ما لقيتش أى حاجة، ما لقيتش إنترنت ولا شبكة محمول، فقررت إني أنزل ورجلي تولع بجاز بقى. شنطتي كانت جاهزة فيها قزازة الخل، فيها قزازاة الميه المخلوطة بحبوب المضاد للحموضة والكمامة بقى. آه مجهز نفسي. أنا ساكن في المقطم وفي جنبي شارع تجارى في محلات ملابس وجزم وبتاع. نزلت ناحية الشارع ده لقيت الناس عمالة تصرخ وتجرى. في إيه يا جدعان، قال لك دول بيضربوا قنابل. الأمن إيه اللي يخليه يضرب قنابل هنا؟ خرجت على الشارع برة، قسم شرطة المقطم وحي المقطم جنب بعض. لقيت الشباب بيحدف طوب على الأمن والأمن بيضرب عليهم. بأسأل حد من الواقفين قال دحنا قاعدين ع القهوة لا بينا ولا علينا. عرفت ساعتها إن حظر التجول كان اتفرض ودول جايين بقى يقوّموا الناس من ع القهاوي ويلطشوا في الخلق فحصل اشتباكات.

حسيت إن ربنا كان مقعدني لإن الناس دي مالهاش خبرة مع المظاهرات. فعرفتهم إزاى يتعاملوا مع القنابل إزاي يلقطوها ويحدفوها على الأمن وإزاى يرموا عليها تراب يخلوها تنطفي والدخان مايطلعش كتير، إزاي يجيبوا كوكا كولا ويحطوا على وشهم. كان في ناس حطت ميه فكنت بأجري عليهم أفهمهم إن ما ينفعش. وطبعاً الستات واقفة في البلكونات ييجي علينا الدخان وإحنا نرد عليهم بالطوب تقوم الستات تزغرد. الناس حست بكرامتها ويا إحنا يا إنتم بقى… لحد ما نفذت منهم الذخيرة قاموا انسحبوا بالتشكيلات بتاعتهم. طبعاً في عربيات ملاكي ولعت من القنابل اللي وقعت عليها.

بس… لما مشيوا قام شباب المقطم داخلين القسم مولعين فيه؛ أنا الصراحة ما ولعتش في حاجة، أنا كنت قريب جداً من التوليع وقعدت أكسر مع الناس اللي بيكسروا. كنت سعيد جداً إن القسم مولع، وقعدوا يحكولى بقى – أنا طبعاً مش من المقطم أصلاً فمش عارف -عن أمين شرطة مطلع عينين أهاليهم. ولعوا في قسم الشرطة وولعوا في الحي وجابوا كل حاجة يعني ما فيش حاجه فضلت في قسم الشرطة لدرجة إن الناس طالعة من جوة بقاعدة التواليت بتاعت الحمامات. خلعوا كل حاجة: التكييف، السلاح، حتى الخزنة بتاعت الأحراز كسروها ووزعوا اللي فيها، كانوا بيوزعوا الحشيش كده على بعض عيني عينك – أي والله – وواحد طالع بآلي عمال يرقص بيه وكلبشات… ما فيش واحد فيهم مد إيديه على محل – اللي بيقولوا عليهم بلطجية – ما فيش حد قرب من حاجة غير قسم الشرطة والحي.

وأنا فضلت قاعد في المقطم في قهوة قلت آكل حاجة كده وأنزل على التحرير. قالوا حسني مبارك حيخطب ففضلت قاعد مستني بقى المحروس. طلع سرور قلت يبقى شكله خلع هو كمان وسلم نمر. وقعدت أشتم وأنا في القهوة وما حدش متضايق مني، الناس كلها مستائة تماماً من الحكومة…

***

طبعاً طول الطريق للتحرير مش مصدق البلد فاضية إزاي. ما حدش اعترض طريقنا والسواق قد إيه مبسوط إن ما فيش عسكري مرور ما فيش حد بيبلطج عليه ويقول له فين رخصك. وكان الإحساس العام إن كده أحسن، يغوروا في داهية وإحنا حنحمي البلد. نزلت على السيدة عيشة ومن السيدة عيشة كان السواق بينده على رمسيس ووصلت رمسيس مش مصدق بقى اللي شايفه قدامي وعربيات الأمن مولعة. وكنت متضايق جداً إني ما شاركتش في الاشتباكات دي، بس كنت مبسوط برضه بوجودي في المقطم إني عرّفت الناس إزاي يتعاملوا مع القنابل وهما ما لهمش علاقة بالموضوع ده خالص. ومقابلني بقى شباب طالعين من التحرير مروحين بعد معركة الصبح اللي لابسله خوذة واللي شايله عصاية بتاعه واحد أمن مركزي… اللي هو الواحد ماشي بمنتهى السعادة. دخلت الميدان كانت الدبابات بتتنقل وسط الميدان، بتتحرك من مكان للتاني. بعد مبارك ما غار وتنحى أو اتخلع بقيت بأقول لزمايلي الواقعة الطريفة دي: إن الناس بتدخل راكبة ميكروباص وأنا داخل راكب دبابة.

بعد المتحف المصرى كانت دبابات الجيش بتتحرك، بعد ما الناس ولعت في الدبابات بتاعت الحرس الجمهوري، ولعوا ف دبابتين ومدرعة وعربية جيب. أنا بعد ما الجيش كان نزل، الكلام ده على الساعة ١٢ بالليل بعد خطاب مبارك أول واحد بعد جمعة الغضب، ركبت على دبابة منهم لحد مدخل القصر العيني لإن الشرطة كانت متمترسة كده ومتمركزة قرب مجلس الشعب. وإحنا واقفين على الدبابات قعدنا نهتف ونقول حكومة وسخة يا ولاد الوسخة قاموا ضاربين علينا تاني قنابل مسيلة للدموع. الساعة مثلاً واحدة، وإحنا فوق الدبابات بتاعت الجيش! طبعاً عساكر الجيش قاموا داخلين جوة الدبابات وسابونا، ناس أصيبت فعلاً ساعتها لما ضربوا علينا خرطوش…

وفضلت في الميدان من يوم الجمعة ده.

***

مارس

***

الاعتصام

الصبح يوم السبت على الساعة ١١ كده، رحنا لظباط الجيش: إنتم سايبينهم يضربوا فينا؟ الغريبه بقى إني وأنا بأكلم ظابط الجيش اللي هو تقريباً كان مقدم عيطت وأنا بأقول له إنتم سايبنهم يضربوا فينا، قام معيط هو كمان، وطلع شاور لظابط زيه وقاموا محركين الدبابتين. قال لنا ابعدوا وخليكوا جوة الميدان وما حدش حيقرب منكم وبطلوا تستفزوهم. وفضلنا بقى جوة ومن هنا تقريباً جت فكرة إن الناس جوة الميدان، وتحس ناس جايالك بالآلاف فتحس بالنشوى كده، ناس جايالك من بولاق ناس جايالك من إمبابة، وجت عربية نص نقل في وسط الميدان ونزل منها راجل شايل كام شنطة فينو على علبتين جبنه رومى وخدوا بقى يا شباب وزوعوا على بعضكم.

من يوم الحد تقريباً بدأت فكرة الخيم في الميدان على خفيف. زادت جامد طبعاً في الأسبوع التاني، يعني أنا وإصحابي كنا نقعد في الميدان يومين ونص ونرجع البيت نتشطف ونغير وننام ونرجع تاني.

***

ما كنتش موجود يوم موقعة الجمل، اللي هي الأربع ٢ فبراير، يوم التلات بالليل سمعت من كذا واحد إن في ناس حتهجم على الميدان، بلطجية تبع الحزب الوطني وتبع مبارك. وبعدها جاتلى دكتورة هبة روؤف وقالتلي أنا مش عاوزة أخسر ولادي. كان وقتها معايا أخويا، أخويا أصغر مني بسنتين وهو طبيب وكنت خايف عليه جداً وكنت بأفكر إني حأفضل مشغول بيه أكتر من إننا مشغولين بالميدان، يعني كنت حأقول لأمي إيه، حأقول لها وديت ابنك فين. وصممت إنه لازم يقوم يروح البلد: وجودك هنا ما لوش أى معني؛ واحد يبقى في البيت وواحد يبقى هنا. أنا مقيم في القاهرة لكن هو لأ. وإحنا خارجين عند بوابة عبد المنعم رياض، لقيت شوية عيال جايين يقولو يلّا يا ولاد الوسخة، إنتم بتقولوا لمبارك لأ، وبدأت ناس ترد عليهم وتشتمهم وإحنا كنا بنسلك: ابعد عنهم ما حدش يرد. روحت بعدها، ونمت لما صحيت عرفت إن الدنيا اتقلبت في الميدان.

***

يوم الجمعه ٤ فبراير عند مديرية أمن القاهرة كده، راكبين الميكروباص ورايحين على رمسيس قاموا وقفونا في لجنة شعبية. كان معايا شنطتين واحدة فيها هدوم والتانية فيها الورق بتاعي واللابتوب ومرتبين شهر، كام ألف يعني، وكنت قلقان عشان ما كانش في حد في الشقة قلت أوديها عند دكتورة هبة وهى بيتها في الميدان. واحد من الشباب في اللجنة فتح شنطتي لقى فيها مقالة للمخزنجى عن تاريخ قناة السويس في مجلة العربي كنت طابعه من النت. وجاي بيشد الورق قلت له مش من حقك تبص على الورق، فقال لي لا حأبص على الورق انتو حتخربوا البلد، انزل!

مش جدعنة الواحد يقول مش نازل وقدامك واحد شايلك كازلك طولك، فنزلت أنا وصاحبي قام شادد الورق فواحد منهم حمار لقى مكتوب الخديوي إسماعيل وافتتاح قناة السويس قال بس أهو إنتم عاوزين تخربوا البلد أهو، دي أسرار دولة! قلت له ده مقال منشور في مجلة كويتية، فقالى لا إنت تروح للباشا، فرحت معاه وأنا مستفز من المعاملة البشعة دي قلت له إنت شفت الورق؟ قال لي آه، قلت له وفهمت منه إيه؟قال لي ما لكش دعوة. قلت له ما إنت آخرك دبلون شكلك كده، وأنا مستني يضربني بأي حاجة. وبدأنا نقرب على مديرية الأمن، قلتلهم أنا مش حأتكلم إلا مع ظابط جيش.

قابلت واحد منهم قال لي إيه المشكلة، وطلعوا اللابتوب وقعدوا يبصوا على الورق وعلى الصور، وكان معاهم شوية عساكر جيش في قمة السفالة والوساخة. ظابط الجيش عمال يقول لهم شوفوا فلان وشوفوا علان. وبيتعامل معانا زي الداخلية اللي هو يسيبوك شوية ويرجعولك شوية. لكن الكلام كان بأدب: اتفضل حضرتك، ده الموبيل بتاع حضرتك؟ ده اللاب بتاع حضرتك؟ وبعدين لقى صور ليا من يوم ٢٥ يناير ومنهم صورة فيها دبابة مكتوب عليها يسقط مبارك فقال لي إيه ده، قلت له دي صورة ليا في الميدان، قال متصور جنب دبابة مكتوب عليها يسقط مبارك؟ قلت له والله دي دبابتكم مش دبابتي، وبعدين ما هي الدبابات كلها كده في الميدان وكل الناس اتصورت جنبها عشان ده كان حدث.

الكلام ده كله كان مقعدنا قدام المديرية ما دخلناش جوة، وبعدين بدأ تون الصوت يتغير وبدأ يزعق، ويقول لنا أنا بأكلمكو بأدب وعمال أقول لكم إنتو طلبة جامعة وناس مثقفة حتعملولي فيها هبل، يعني إيه مالكمش دعوة باللي حصل في الميدان؟ إنتو خربتوا البلد عاجبكم اللي بيحصل في البلد ده، كل واحد فيكم شايلى شنطه فيها هدوم… وجه واحد لابس لبس قوات خاصة، وهو شكله عيل أصغر مني ببتاع سنتين كده ولابس دبورتين، وظابط الجيش بيقول له يا باشا البهوات من بتوع التحرير فوقتها استغربت إزاي واحد برتبة أعلى يكلم ظابط باللهجة دي، وقلت الجيش باعنا لبتوع الداخلية ولمبارك.

وبعدها رحنا لواحد لابس ملكى وبيقولوا له يا باشا خمنت بقى إن ده مخابرات أو أمن دولة، فضلوا مقعدينا بتاع ساعة إلا ربع كده ويزعق شوية ويتكلم شوية ولما عرفوا إننا مش من القاهرة أنا وصاحبي قالولنا روحوا على بيوتكم. أخدنها مشي بقى، وكل شوية يطلعلنا بتوع لجنه شعبية وعاوزين يفتحوا الشنط، ويفضلوا يقولولنا معلش بقى يا باشا أصل بتوع الجيش بيراقبونا، عشان بيقولولنا في بلطجية بينزلوا. وأنا كل ما ألاقي لجنة شعبية أو عسركي أبقى مرعوب إن حد يفتح الشنطة، وكان وقتها التلفزيون بيتكلم على اللي معاهم لابتوب وبيبعتوا أسرار الدولة برة وأنا معايا فلوس ويو إيس بي مودم كمان فحبقى بقى قبضت وبأبعت أسرار دولة. وبعدين لقيت عند جامع الفتح مجموعة من بوتع مبارك، فقررت إني أروح البلد…

***

في الأسبوع الأولاني كنا بننام في الأرض جنب كنتاكي، كنا كل يوم بنشوف ناس متشالة وميتة جاية من عند المديرية، وكان عندي بارانويا طول الأيام دي، عندي هاجس إن في قناصة فوق المجمع ورغم إني كنت بعيد عن الهدف إلا إنه كان عندي بارانويا إنه حيموتني عشان يعمل بلبلة في الميدان، رغم إن عنده أهداف قريبة جداً، بس عموماً ما هي الناس عمالة تموت يعني وبعدين، وبعد ما روحت البلد رجعت تاني على الميدان.

ولما كنت في البلد الجيران والناس اللي في الشارع لما شافتني في المسجد – كانت صلاة مغرب أو عشا – اتلموا عليا وسألوني عن التحرير والناس اللي هناك وناس معترضة على اللي بيجرى وناس موافقة، وناس تقول خلاص مهو حيعملكم اللي انتو عاوزينه بس الغالبيه العظمى كانت مبسوطة باللي بيحصل، وكل الناس بتسأل صحيح حيمشي، صحيح حتفضلوا قاعدين في الميدان لحد ما يمشي، فكنت مبسوط جداً باللي بيحصل.

لما رجعت بقى كان شكل الميدان اتغير عن ما سبته، كان أكثر تنظيماً، كنت متضايق من وجود بياعين بس رجعت قلت على الأقل يعملوا للناس شاي، بتوع الإعاشة ممكن يجيبوا أكل لكن شاي لأ.

***

مبارك خطب جمعة، تلات، خميس. بعد خطاب يوم التلات بقى اللي قعد يقول فيه أبنائى بتوع التحرير ونفر من بني وطني والكلام الفاضي ده أمي بتتصل بيا في التليفون، أمى اللي هى عارفة كل المصايب اللي بتحصل في البلد – ولما كان حد بيكلمها أو يقول لها إنتي اللي بتشجعيه على كده تقول له ما بيعملش حاجه غلط وشباب كتير معاه مش هو لوحده، غير أبويا اللي اتصل بيا وشتمني عشان لسه في الميدان – فبعد الخطاب بأقول لك أمى اتأثرت بكلامه وقالت لي والله صعب عليا. قمت قلت لها وما صعبش عليكي خمسمية واحد ماتوا، فسكتت كده وزي ما تكون حست إنه آه صحيح…

في خطاب يوم الخميس، كانت الناس مسورقة بقى ومنهارة لما عرفت إنه لسه ما تنحاش. وبتوع مستشفيات الميدان بقوا يزعقوا. وكان المشهد العظيم بتاع رفع الجزم بعد الخطاب ما خلص على طول، كان الرد المثالي فعلاً. ما كنش عندي أمل إنه حيمشى ابن الجزمة، واحد من إصحابي شافني كده مكسور قام زعق فيا وقال لي إحنا مش حنمشي لحد ما يمشي. الناس كانت جت كتير بقى يوم الخميس بالليل على أساس التسريبات اللي سمعوها من البدراوي على إنه حيتنحى عايزين يسمعوا الخبر في الميدان. كل دول بقى فضلوا وشعارت بكره العصر حنروح له القصر وناس ترد من دلوقتي من دلوقتي، وفي ناس اتحركت فعلاً ناحية مصر الجديدة… أنا فضلت، وبدأ يتسرب إن في خطاب مهم حيطلع لكن الناس مابقتش مهتمة ما هم كل شوية يقولوا في خطاب وبعدين يطلع ابن الجزمة يدينا خازوق… لغاية ما طلع غير المأسوف عليه عمر سليمان وقال لك يتخلى عن منصبه، كانت بقى احتفلات هستيرية. أنا بلا وعي سجدت على الأرض. وأرقص بقى زى الأهبل وأطلع أجرى وكان في بالي صورة الراجل بتاع تونس اللي طلع في الجزيرة يقول هرمنا، فكان في راجل كبير في السن أخدنا واحد واحد حضنا.

وعيطت بطريقة هستيرية.

***

ديسمبر

***

الاعتصام الثاني

أنا لما فكرت أشارك في الاعتصام بتاع ٨ يوليو، كانت فكرتي إنه وسيلة ضغط على المجلس العسكري: إن الناس تبتدي تحس تاني إن البلد حتقف لإن في مطالب للثورا وأهالي الشهدا، لكن في الاعتصام ده ما كانش الهدف واضح، يعني كل واحد كان عنده مطالب غير التاني. إمبارح مثلاً سألت نفسى أنا موجود هنا عشان إيه؟ اللي بتيقال إننا مش حنسيب الشارع غير لما نشوف فعلاً محاكمات علنية لمبارك والعادلى، وبشكل ما ده مهم، لكن لو حتفكر في رد فعل الناس اللي مش في الميدان وإنكم موقفين حال البلد، طب ما هو لو حال البلد ما كانش وقف في الـ ١٨ يوم الأولانيين ما كنش مبارك اتنحى، بس أنا شايف إن الخطوات التصعيدية لازم تبقى موزونة زى الدهب، لإن الناس اللي برة كل همهم لقمة العيش. يمكن أيام حسني مبارك كانوا عارفين إنه حرامي، لكن مهما كانت لقمة العيش صعبة لكن دول قبل مايطلعوا عشان مبارك طلعوا عشان أمين الشرطة الحرامي اللي مطلع عينهم، وبالمرة يجي حسني.

أنا من الأول طالع عشان كرامتى، ما كنتش حاسس إني بني آدم. صحيح ما عنديش مشكلة اقتصادية ومش طالع عشان الفقرا لإن الفقير يقدر يطلع بنفسه أنا مش طالع عشان حد بالنيابة. يعني كان بالأساس ضد الداخلية، عشان إقالة العادلي وعشان ما يجيش حتة ظابط ما يساويش تلاتة مليم يوقفني ويقول لي بطاقتك. وده كان واضح قوي مع الإهانة النفسية اللي اتعرضتلها مع ظابط الجيش وإزاي حسيت إني لازم أكذب وأقول إني مش رايح التحرير لما صوته علي عليا وأنا قدام الداخلية وممكن أتاخد في لحظة وما يتعرفش إني اتاخدت لإني مش وسط إصحابي. طيب لو مد إيده عليا فكس أمه بقى حأمد إيدي عليه: قدرت وقتها إن واحد يبقى في القسم ويتهان… ده أعتقد كان هو الهدف يعني.

الهدف نفسه ما اتحققش لكن الناس ما عادتش هي هي، مش قابلة إن الداخلية تعمل فيها كده. لكن كل بلطجة الداخلية دي معناها إيه؟ وإن يطلع ظابط عرص يشتمنا من على المدرعات ويقول لنا يا متناكين يا ولاد المتناكة، وخول تاني عمال يرقص بالسيوف وبلطجي في وسطهم. إحنا كنا بنقول حننزل من يوم يوليو طب لا بقى إحنا حننزل من يوم ١!

***

مش حأكدب عليك: أنا مش راضي إن العسكر يمسكوا البلد، بس من ناحية تانية بأقول أهي مرحلة وحتعدي. كنت مفكر إن الناس اللي خرّجت مبارك مش حتسكت على أي حد مش عاجبها، بس موضوع الاستفتاء على التعديلات الدستورية ده بيّنلي حاجات كتير قوي، ناس كتير قوي كنت بأحترمها وقعت من نظري حتى من اللي كانوا بيبشروا بالثورة بالذات من اللي كانوا محسوبين على الفكر الإسلامي. محمد سليم العوا مثلاً: بقى هو المتحدث باسم المجلس العسكري يعني، وفهمى هويدي – أنا مرة كتبت على الفيسبوك كده يعني، عملت لينك لإحدي مقالات هويدي : عندما تأكل الأيديلوجيا دماغ أحدهم – اللي هو فعلاً أيدلوجيتي ومن بعدي الطوفان، مش اللي هو مصلحة البلد إيه.

لقيت مثلاً إن التيار الجهادي والتكفيري بيُحتفى بيهم، يعني ألاقي عبود الزمر طالع مع منى الشاذلى وهى بتعامله باحترام شديد وتقول السجين السياسي الذى قضى أطول فترة سجن في تاريخ مبارك، اللي هو بروح أمك مين ده اللي سجين سياسي! ده قاتل. قضى عقوبته وما خرجهوش ممكن، لكن بطل بمناسبة إيه؟ وبعدين يطلع معتز عبد الفتاح بعد ما بقى مستشار رئيس الوزرا يقول لك إن السلفيين هما حماة العقيدة، اللي هما نفسهم كانوا بيقولوا إن الخروج على الحاكم حرام، وفلقونا بمدرسة إسكندرية ومش مدرسة إسكندرية، أهم بتوع مدرسة إسكندرية دول هما اللي دايرين دلوقتي يقنعوا أهالي الشهدا إنهم يقبلوا الدية. اللي هو كلام مخالف للشرع أصلاً لإن اللي قتلوا المتظاهرين دول ينطبق عليهم مبدأ الحرابة. فبقيت شايف إن الإسلاميين واخدين حيز أكبر من حجمهم وإن العسكر سايبلهم الحيز ده عشان يخبطوا في الناس اللي بتتكلم عن دوله مدنية… يعني فعلاً هي نقطة الاستفتاء دي اللي خلت المجلس العسكري يركب أو يلاقي حد يدافع عنه.

نعم للتعديلات الدستورية اللي فرضها المجلس العسكري، يعني أنا بأفكر إن الناس دي يعني هى لا عاملة صفقات مع المجلس ولا حاجة بس يا إنت اقتنعت باللي بيقوله المجلس يا إنت حمار فعلاً. أنا مش عاوز أصدق إنك حمار، طيب يبقى هما أقنعوك بإيه بقى؟ يعني لو إنت عاوز تبني البلد من أول جديد ماتفورها بقى الأول…

فاللي قال لا هو فعلاً اللي كان بيفكر في مصلحة البلد.

***

رقم ١ أنا شايف إن وجود الناس في الشارع فعلاً عمل ضغط. رقم ٢ أظن إن إصرار الناس إن المجلس العسكري ما ينفردش بالقرار مهم جداً. رقم ٣ المعركة الحقيقية مش بين مدنية أو لادينية ودينية، المعركة بين مدنية وعسكرية. البلد دي عمرها ما كانت دينية، ولا عمرها كانت تبع فصيل ديني معين.

نظام يوليو سقط بعد ٦٧ لكن ده ما حصلش يعني السادات ومبارك كانوا تجلى مختلف ليوليو اللي ما سقطتش فعلاً إلا بعد ٢٥ يناير. يعني كلكم غوروا في داهية، إحنا عاوزين حكم مدني بجد، مش عاوزين أى سلطة أبوية خالص، وده اللي مخليني متمسك بشوية الأمل، إن ما حدش عاوز العسكر تمسك البلد فشفيق مش حيجي، عنان مش حيجي حتى لو لمعوه زى ما بيحصل.

لو حد من دول جه، انا شخصياً عندي استعداد أولع في البلد وده بجد مش هزار، يعني يا أموت يا الواحد بقى يغور ويسيب البلد ويعيش بكرامته أو بجزء من كرامته في حتة تانية، مش يجيبوا ناس ما لهمش أي تلاتة لازمة يروحوا يصوتوا لأحمد شفيق مثلاً. أنا شخصياً عندي استعداد أروح أولّع في الناس دي.

- تم تسجيل هذه الشهادة في شهر ٧ سنة ٢٠١١

* محمود عاطف مواليد مركز بسيون، غربية سنة ١٩٨٣. طالب هندسة في جامعة الأزهر، شاعر وخطاط.

٢٦ سبتمبر – إضراب النقل العام

في بداية كتاب الطغرى، بينما هو يقود السيارة في طريقه من “بيت الزوجية” إلى “بيت الأسرة” إثر انفصاله النهائي عن زوجته، يلاحظ مصطفى الشوربجي بطل الرواية (بلغته الوسطية التي تجمع بين العامية والفصحى): “على الدائري وقفت السكة دقيقة – يحصل هذا كثيراً على الكباري، زي ما أنت عارف، من غير سبب: أظن أنه صدفة انحراف عدد معين من العربيات عن حاراتها بدرجة معينة في وقت واحد، إضافة إلى استعجال الجميع – وكما يحصل في كل مرة، انطلقت الكلكسات.”

وفي موقع لاحق يصف النزول عن كوبري أكتوبر في ميدان الإسعاف: “من فوق، كتلة العربات المرقطة بالمشاة كأنها يوم القيامة. فأتذكر طلوع الميتين من قبورهم والتعبير الدارج: (أنا طلْعان ميتيني). وأحس أن الدنيا كلها طلعان ميتينها…”

تقع أحداث الرواية خلال ثلاثة أسابيع بين مارس وأبريل ٢٠٠٧، قبل أحداث يناير-فبراير ٢٠١١ بأقل قليلاً من أربع سنوات. وليس خافياً أن المصريين صاروا يقولون، سواء أعن المرور أم عن سواه، إننا “قبل الثورة” كنا نظن الأشياء لا يمكن أن تزداد سوءً، وها نحن “بعد الثورة” نرى، على العكس، أن الأسوأ كان ممكناً. (شخصياً لا أظن التردي راجعاً إلى ضعف أداء المجلس الأعلى للقوات المسلحة في إدارة الدول، مع أنه مستحيل إنكار ذلك الضعف، وإنما – ربما حتى بالأكثر – أظنه راجعاً إلى ما أخفته “الثورة” عن نفسها كما عن “الثورة المضادة”: إن الشعب ذاته الذي تحركتْ باسمه ضد وزارة الداخلية متورط في القمع والفساد، وإن الصلاة لـ”مصر” – ذلك الإله الزجاجي – لا تقود إلى الجنة.) نظراً إلى أن مصطفى يشبه مؤلفه إلى حد كبير على كل حال، أعتقد أنه كان سيشاركني القول بالمرارة ذاتها:

الأسوأ ممكن بدليل ما يحدث لي اليوم – يوم قيامة وطلوع ميتين لم يكن لدى كاتب ما بعد تسعيني من “التشاؤم” أو الوقاحة ما يسمح بتخيله قبل الانتهاء من كتابة الطغرى، سنة ٢٠١٠ – وهو ما كان يحدث لمصطفى بدرجة أهون لأن موظفي وزارة الداخلية، منذ ١١ فبراير ٢٠١١، وجدوا في “عداء الشعب” مبرراً للامتناع عن أداء مهامهم المدنية، ولأن حرية التظاهر النسبية التي اكتسبها للجميع آلاف ماتوا أو أصيبوا ولم يعد أحد منهم حاضراً أو ذكراه – والتي خلّفت احتجاجات نفعية لا آخِر لها دونما تحقق ذلك الذي مات وجُرح من أجله من اكتسبها – اتخذت، اليوم، شكل إضراب في جهاز النقل العام…

هذا، بالطبع، فضلاً عن أن هوس الناس بقطع الطريق بعضهم على بعض في معرض “السواقة” الدموية دائماً – صدفة انحراف عدد لا نهائي من “العربيات” عن حاراتها بجنون، إضافة إلى الاستماتة على كسب سباق مفترض لا خط نهاية له، ولا “ميداليات” – ليس سوى صورة أخرى لهوس السلطات بقطع الطريق على التغيير بأسرع وأعنف سبيل ممكن، الأمر الذي لا يفسّر فقط إعلان حالة الطوارئ بلا اعتراض سياسي أو شعبي يُذكر وإنما أيضاً يدل على أن الشعب أنتج حكامه بدرجة أو أخرى، بشكل أو آخر، في زمن أو مكان ما.

لعل بقية المشهد تعليق على “الثورة” بقدر ما هو تعليق على انفصال مصطفى عن زوجته: “خلال الدقيقة هذه بالذات تمثّلت التلوث السمعي أوركسترا لا يطلع من آلاتها إلا ضراط، من أرفع نوع إلى أثخن نوع، من الطويل الحزايني إلى المتقطع المرح. وشعرت بمتعة عجيبة وأنا أسمع سيمفونية عفوية تعكس حياتي في هذه المدينة الواسعة ذات العشرين مليون إنسان. كأن حياتي لحد الآن فيلم عربي سخيف ومقطوعة الضراط هذه هي الموسيقى التصويرية المصاحبة للمشهد الختامي.”